الحاجري الإربلي

أبو يحيى وأبو الفضل عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن خمارتكين بن طاشتكين الإربلي، المعروف بالحاجري الملقب حسام الدين؛ هو جندي ومن أولاد الأجناد، وله ديوان شعر تغلب عليه الرقة وفيه معاني جيدة وهو مشتمل على شعر والدوبيت والموالية، وقد أحسن في الكل مع أنه قل من يجيد في مجموع هذه الثلاثة، بل من غلب عليه واحد منها قصر في الباقي، وله أيضاً " كان وكان " واتفقت له فيها مقاصد حسان. وكان صاحبي وأنشدني كثيراً من شعره، فمن ذلك قوله وهو معنى جيد:

ما زال يحلف لي بكـل ألـيةٍ

 

ألا يزال مدى الزمان مصاحبي

لما جفا نزل العـذار بـخـده

 

فتعجبوا لسواد وجهه الكـاذب

 

وأنشدني لنفسه أيضاً:

لك خالٌ من فوق عر

 

ش شقيقٍ قد استوى

بعث الصدغ مرسلاً

 

يأمر الناس بالهـوى

 

وأنشدني لنفسه أيضاً أبيات منها في صفة الخال:

لم يحو ذاك الخد خالاً أسواداً

 

إلا لنبت شقائق النعـمـان

 

وله في الخال أيضاً، وهو معنى لطيف:

ومهفهف من شعره وجبـينـه

 

أمسى الورى في ظلمة وضياء

لا تنكروا الخال الذي في خده

 

كل الشقيق بنقـطة سـوداء

 

ومثل هذا قول بن وكيع التنيسي - المقدم ذكره - واسمه الحسن:

إن الشقيق رأى محاسن وجهه

 

فأراد أن يحكيه في أحوالـه

فأفاد حمرة لونه مـن خـده

 

وأفاد لون سواده من خالـه

 

وله أيضاً:

يقولون لمـا خـط لام عـذاره

 

سلا كل قلب كان منه سليمـا

لقد كنت أهوى ورد خديه زائراً

 

فكيف إذا ما الآس جاء مقيمـا

 

وأنشدني أيضاً أكثر دوبيتياته، فمن ذلك قوله، وقال لي: ما يعجبني فيما عملته مثل هذا الدوبيت، وهو آخر شيء عملته إلى الآن، وهو:

حيا وسقى الحمى سحابٌ هامي

 

ما كان ألذ عامـه مـن عـام

يا علوة ما ذكـرت أيامـكـم

 

إلا وتظلمـت عـلـى الأيام

 

وكان لي أخ يسمى ضياء الدين عيسى بينه وبين الحاجري المذكور مودة أكيدة، فكتب إليه من الموصل في صدر كتاب، وكان الأخ بإربل، وذلك في سنة تسع عشرة وستمائة:

الله يعلم ما أبقى سوى رمـق

 

مني فراقك يا من قربه الأمل

فابعث كتابك واستودعه تعزية

 

فربما مت شوقاً قبل ما يصل

 

ومع شهرة ديوانه وكثرة وجوده بأيدي الناس لا حاجة إلى الإطالة في إيراد أكثر من هذا.


وكنت خرجت من إربل في أواخر شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة وهو معتقل بقلعتها لأمر يطول شرحه، بعد أن كان قد حبس في قلعة خفتيدكان ثم نقل منها، وله في ذلك أشعار، فمن ذلك قوله أبيات أولها:

قيد أكـابـده وسـجـنٌ ضـيق

 

يا ربي شاب من الهموم المفرق

 

ومنها:

يا برق إن جئت الديار بإربـلٍ

 

وعلى عليك من التداني رونق

بلغ تحية نـازحٍ حـسـراتـه

 

أبداً بأذيال الصبا تـتـعـلـق

قل يا جعلت لك الفداء أسير كم

 

من كل مشتاق إليكم أشـوق

والله ما سرت الصبا نـجـديةً

 

إلا وكدت بدمع عيني أشـرق

كيف السبيل إلى اللقاء ودونـه

 

شماء شاهقة وباب مغـلـق

 

وله وهو في السجن أيضاً:

أحبابنا أي داعٍ بـالـبـعـاد دعـا

 

وأي خطبٍ دهانا منـه تـفـريق

لا كان دهرٌ رمانا بالفراق فـقـد

 

أضحى له في صميم القلب تمزيق

كانت تضيق بي الدنيا بغيبـتـكـم

 

فكيف سجنٌ ومن عاداته الضـيق

 

ثم بلغني بعد ذلك أنه خرج من الاعتقال، واتصل بخدمة الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، وتقدم عنده وغير لباسه وتزين بزي الصوفية، فلما توفي مظفر الدين - في التاريخ الأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - سافر عن إربل ثم عاد إليها وقد صارت في مملكة أمير المؤمنين المستنصر بالله ونائبه بها الأمير شمس الدين أبو الفضائل باتكين، فأقام مديدة، وكان ورأه من يقصده، فاتفق أن خرج يوماً من بيته قبل الظهر، فوثب عليه شخص وضربه بسكين فأخرج حشوته، فكتب في تلك الحال إلى بآتكين المذكور وهو يكابد الموت:

أشكوك يا ملك البسيطة حـالة

 

لم تبق رعباً في عضواً ساكنا

إن تستبح إبلي لقيطة معـشـر

 

ممن أومل غير جأشك مازنـا

ومن العجائب كيف يمسي خائفاً

 

من بات في حرم الخلافة آمنا

ثم توفي بعد ذلك من يومه في يوم الخميس ثاني شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن في مقبرة باب الميدان، رحمه الله تعالى، وتقدير عمره خمسون سنة.

وباتكين المذكور كان أرمني الجنس، وهو مملوك أم الخليفة الإمام الناصر لدين الله، ولما أخذ التتر إربل في الدفعة الأولى في أواخر سنة أربع وثلاثين وستمائة رجع إلى بغداد ومات بها يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شوال سنة أربعين وستمائة، ودفن بالشونيزية.

والحاجري: بفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مكسورة وبعدها راء، هذه النسبة إلى حاجر، وكانت بليدة بالحجاز ولم يبق منها اليوم سوى الآثار، ولم يكن الحاجري منها، بل لكونه استعملها في شعره كثيراً نسب إليها، وهو إربلي الأصل والمولد والمنشأ، ولما غلبت عليه هذه النسبة وعرف بها واشتهرت بحيث صارت كالعلم عليه عمل في ذلك دوبيت، وهو:  

لو كنت كفيت من هواك البينا

 

ما بات يحاكي دمع عيني عينا

لولاك لما ذكرت نجداً بفمـي

 

من أين أنا وحاجر مـن أين

وذكر ذلك أيضاً في أبيات لطيفة أو لها:

 

أي طرف أحيور

 

للغزال الأسيمر

 

وآخرها:

أيهـذا الأريبـلـي

 

هام فيك الحويجري

وفي مدينة إربل محلة يقال لها قرية جبريل بالتصغير ذكر أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " أنها منسوبة إلى جده جبريل المذكور.

وخمارتكين: بضم الحاء المعجمة.

وطاشتكين: بفتح الطاء المهملة وسكون الشين المثلثة.

والباقي معروف.

وخفتيدكان: بضم الخاء المعجمة وسكون الفاء وكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة وكاف وبعد الألف نون، وهي قلعة حصينة مشهورة في بلد إربل، ويقال لها خفتيدكان صارم الدين وهي غير خفتيدكان أبي علي.