فخر الدين صاحب تكريت

أبو المنصور عيسى بن مودود بن علي بن عبد الملك بن شعيب، الملقب فخر الدين صاحب تكريت؛ هو من أتراك الشام، وكانت فيه فضائل، وله ديوان شعر حسن ورسائل مطبوعة ودوبيت رقيق، فمن شعره قوله:

وما ذات طوق في فروع أراكةٍ

 

لها رنةٌ تحت الدجى وصدوح

ترامت بها أيدي النوى وتمكنت

 

بها فرقة من أهلهـا ونـزوح

فحلت بزوراء العراق وزغبها

 

بعسفان ثاوٍ منهـم وطـلـيح

تحن إليهم كلـمـا ذر شـارق

 

وتسجع في جنح الدجى وتنوح

إذا ذكرتهم هيجت ذا بـلابـل

 

وكادت بمكتوم الغرام تـبـوح

بأبرح من وجد لذكراكم متى

 

تألق برق أو تنـسـم ريح

 

ومن رسائله على هذا الأسلوب قوله: " ما شوارد أنعام بسباسب فلوات، لم يسمها أخمص دارج، ولم يلج فيها جان من مارج، منحتها أنفاس الهجير، لوافح زفرات السعير، فارجحنت من الأين، وراهقت مداناة الحين، فأتت العمق، بعد ثلاثٍ تستبق، وقد أدنفها اللغوب، وكادت أن تعلق بها شعوب، فألفت الماء أزرق سلسالا يعثر بصفحاته النسيم، وتعطفه ذوائب التسنيم، غير أن لا سبيل لها إلى مقراته، ولا وصول إلى موارده ونهلاته:

ترنو إليه خوازراً بـعـيونـهـا

 

إذ حاولت مضض الجواد عظيما

بأشد من ظمئي إلى لـقـياكـم

 

من حيث آنس قلبي التسلـيمـا

 

فالرغبة والابتهال إلى فارض الفرض، ورب السكون والنبض، أن يحقق الأماني، ويبدل النائي بالداني، إنه سميع الدعاء ".


ومن دوبيتياته:

القبض لديك في الهوى والبسط

 

يا من أملي عذراه المخـتـط

قالوا رشأ فقلت مه لا تخطـوا

 

من أين لساكن الفيافي قـرط

وله في النظم والنثر شيء كثير ولطيف.

ومولده بمدينة حماه، وقتله إخوته سنة أربع وثمانين وخمسمائة بقلعة تكريت، رحمه الله تعالى. وكان له أخ اسمه الياس، وهو الذي سلم تكريت إلى الإمام الناصر في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة - وسيأتي في ترجمة مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل أن تكريت كانت لأبيه زين الدين - وكان له غلام من أهل حمص اسمه " تبر " ويقال " طبر " أيضاً - بالتاء والطاء - فولاه قلعة العماديه وكانت أيضاً له، ثم نقله إلى قلعة تكريت، فلما كبر زين الدين وعزم على الانتقال إلى إربل كما شرحته في ترجمة ولده مظفر الدين سلم البلاد التي كانت له إلى قطب الدين، فعصى تبر في تكريت وسير إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل يقول له: أنت ما تقيم بتكريت، ولابد لك فيها من نائب، وأنا ذلك النائب، فلم يقدر على مشاقته خوفاً أن يسلمها إلى الخليفة، فسكت عنه وأقره على حاله.

ولما امتنع تبر من التسليم كان زيد الدين يقول: سود الله وجهك يا تبر كما سودت وجهي مع قطب الدين، ولم يزل تبر بها إلى أن مات، ولم يكن له ولد سوى بنت، فتزوجها ابن أخيه، وهو عيسى ابن مودود صاحب هذه الترجمة وملك تكريت.

ثم أنه أحب مطربة فتزوجها وأولدها ولدين: شمس الدين وفخر الدين، وتوصلت المطربة وزوجت ابنها الشمس بابنة حسن بن قفجاق أمير التركمان، وطلبت منه خمسين فارساً تكون عندهم في تكريت لتحفظها. فلما علم أخوته بذلك، وكانوا اثني عشر رجلاً، وثبوا على أخيهم عيسى المذكور فقتلوه خنقاً وملكوا تكريت. ثم وقع بينهم الاختلاف، فباعها المقدم منهم للإمام الناصر لدين الله والله أعلم.

وتكريت: بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الكاف وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها، وهي بلدة كبيرة لها قلعة حصينة على دجلة فوق بغداد بنحو ثلاثين فرسخاً، وهي في بر الموصل، وسميت تكريت بتكريت بنت وائل أخت بكر بن وائل، وبنى قلعتها سابور بن أردشير بن بابك، وهو ثاني ملوك الفرس.