الفضيل بن عياض

أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني الأصل، الفنديني، الزاهد المشهور أحد رجال الطريقة، كان في أول أمره شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)، فقال: يارب قد آن، فرجع، وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، فتاب الفضيل وآمنهم.

وكان من كبار السادات، حدث سفيان بن عيينة قال: دعانا هارون الرشيد فدخلنا عليه، ودخل الفضيل آخرنا مقنعا رأسه بردائه، فقال لي: يا سفيان، وأيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك؟ لقد تقلدت أمرا عظيما، فبكى الرشيد، ثم أتي كل رجل منا ببدرة، فكل قبلها إلا الفضيل، فقال الرشيد: يا أبا علي إن لم تستحل أخذها فأعطها ذا دين أو أشبع بها جائعا أو اكس بها عاريا فاستعفاه منها، فلما خرجنا قلت: يا أبا علي، أخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر؟ فأخذ بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي.

ويحكى أن الرشيد قال له يوما: ما أزهدك! فقال الفضيل: أنت أزهد مني، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية والآخرة باقية.

وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في آخر باب الطعام أن الفضيل قال يوما لأصحابه: ما تقولون في رجل في كمه ثمر يقعد على رأس الكنيف فيطرحه فيه ثمرة ثمرة؟ قالوا: هو مجنون، قال: فالذي يطرحه في بطنه حتى يحشوه فهو أجن منه، فإن هذا الكنيف يملأ من هذا الكنيف.

ومن كلام الفضيل: إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه. وقال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي على أن لا أحاسب عليها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. وقال: ترك العمل لأجل الناس هو الرياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك. وقال: إني لأعصى الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد.

وقال: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره.

وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمرا فأحببت ذلك الأمر، وكان ولده المذكور شابا سريا من كبار الصالحين. وهو معدود في جملة من قتلهم محبة الباري سبحانه وتعالى، وهم مذكورون في جزء سمعناه قديما ولا أذكر الآن من مؤلفه.

وكان عبد الله بن المبارك رضي الله عنه يقول: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن من الدنيا.

ومناقب الفضيل كثيرة. ومولده بأبيورد، وقيل بسمرقند، ونشأ بأبيورد وقدم الكوفة وسمع الحديث بها، ثم انتقل إلى مكة شرفها الله تعالى وجاور بها إلى أن مات في المحرم سنة سبع وثمانين ومائة، رضي الله عنه.

والطالقاني: نسبة إلى طالقان خراسان، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة الصاحب بن عباد في حرف الهمزة.

والفنديني: بضم الفاء وسكون النون وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها نون، هذه النسبة إلى فندين، وهي من قرى مرو.

وأبيورد: بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة، بليدة بخراسان.

وسمرقند: بفتح السين المهملة والميم وسكون الراء وفتح القاف وسكون النون وبعدها دال مهملة، أعظم مدينة بما وراء النهر، قال ابن قتيبة في كتاب المعارف في ترجمة شمر بن أفريقش أحد ملوك اليمن: إنه خرج في جيش عظيم ودخل أرض العراق، ثم توجه يريد الصين فأخذ على فارس وسجستان وخراسان وافتتح المدائن والقلاع، وقتل وسبى، ودخل مدينة الصغد فهدمها فسميت شمركند أي: شمر أخربها، لأن كند بالعجمي معناه بالعربي أخرب، ثم عربها الناس فقالوا: سمرقند، ثم أعيدت عمارتها، فبقي عليها ذلك الاسم.