قطري بن الفجاءة

أبو نعامة قطري بن الفجاءة، واسمه جعونة، بن مازن بن يزيد بن زياد ابن خنثر بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مر، المازني الخارجي، خرج زمن مصعب بن الزبير لما ولي العراق نيابة عن أخيه عبد الله بن الزبير وكانت ولاية مصعب في سنة ست وستين للهجرة فبقي قطري عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي يسير إليه جيشا بعد جيش وهو يستظهر عليهم.

وحكي عنه أنه خرج في بعض حروبه وهو على فارس أعجف وبيده عمود خشب، فدعا إلى المبارزة، فبرز إليه رجل، فحسر له قطري عن وجهه، فلما رآه الرجل ولى عنه، فقال له قطري: إلى أين؟ فقال: لا يستحيي الإنسان أن يفر منك.

وقد ذكر أبو العباس المبرد في كتاب الكامل من أخبارهم ومحارباتهم قطعة كبيرة.

ولم يزل الحال بينهم كذلك حتى توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي، فظر عليه وقتله في سنة ثمان وسبعين للهجرة، وكان المباشر لقتله سودة بن أبجر الدارمي، وقيل إن قتله كان بطبرستان في سنة تسع وسبعين، وقيل عثر به فرسه فاندقت فخذه فمات، فأخذ رأسه فجيء به إلى الحجاج.

قلت: هكذا قال أهل التاريخ والله أعلم أنه أقام عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة، وتاريخ خروجه وقتله بخلاف ذلك فتأمله.

ولا عقب لقطري، وإنما قيل لأبيه الفجاءة لأنه كان باليمن، فقدم على أهله فجاءة، فسمي به وبقي عليه، وقطري هو الذي عناه الحريري في المقامة السادسة بقوله: فقلدوه في هذا الأمر الزعامة، تقليد الخوارج أبا نعامة وكان رجلا شجاعا مقداما كثير الحروب والوقائع، قوي النفس لا يهاب الموت، وفي ذلك يقول مخاطبا لنفسه:

أقول لها وقد طارت شعـاعـا

 

من الأبطال ويحك لا تراعـي

فإنك لو سـألـت بـقـاء يوم

 

على الأجل الذي لك لم تطاعي

فصبرا في مجال الموت صبرا

 

فما نيل الخلود بمسـتـطـاع

ولا ثوب الحياة بـثـوب عـز

 

فيطوى عن أخي الخنع اليراع

سبيل الموت غاية كـل حـي

 

وداعية لأهل الأرض داعـي

ومن لا يغتبـط يسـأم ويهـرم

 

وتسلمه المنون إلى انقـطـاع

وما للمرء خـير فـي حـياة

 

إذا ما عد من سقط المـتـاع

 

وهذه الأبيات مذكورة في الحماسة في الباب الأول، وهي تشجع أجبن خلق الله، وما أعرف في هذا الباب مثلها، وما صدرت إلا عن نفس أبية وشهامة عربية.


وهو معدود في جملة خطباء العرب المشهورين بالبلاغة والفصاحة.


روي أن الحجاج قال لأخيه: لأقتلنك، فقال: لم ذلك؟ قال: لخروج أخيك، قال: فإن معي كتاب أمير المؤمنين أن لا تأخذني بذنب أخي، قال: هاته، قال: فمعي ما هو أوكد منه، قال: ما هو؟ قال: كتاب الله عز وجل، حيث يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، فعجب منه وخلى سبيله.


وفي قطري قال حصين بن حفصة السعدي من أبيات:

وأنت الذي لا نستطيع فراقه

 

حياتك لا نفع وموتك ضائر

وقد ضبطت أسماء أجداده ضبطا يغني عن التقييد، ففيه تطويل، فمن كتبه فليعتمد على هذا الضبط ففيه كفاية، وكذلك الألفاظ التي في الأبيات مضبوطة.

وقد قيل: إن قولهم قطري ليس باسم له، ولكنه نسبة إلى موضع بين البحرين وعمان، وهو اسم بلد كان منه أبو نعامة المذكور، فنسب إليه، وقيل إنه هو قصبة عمان، والقصبة هي كرسي الكورة.