مالك بن دينار

أبو يحيى مالك بن دينار البصري، وهو من موالي بني سامة بن لؤي القرشي، كان عالما زاهدا كثير الورع قنوعا لا يأكل إلا من كسبه، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، وروي عنه أنه قال: قرأت في التوراة أن الذي يعمل بيده طوبى لمحياه ومماته. وكان يوما في مجلس وقد قص فيه قاص، فبكى القوم، ثم ما كان بأوشك من أن أتوا برؤوس فجعلوا يأكلون منها، فقيل لمالك: كل، فقال: إنما يأكل الرؤوس من بكى، وأنا لم أبك، فلم يأكل.

وله مناقب عديدة وآثار شهيرة: فمن ذلك ما حكاه أبو القاسم خلف بن بشكوال الأندلسي - المقدم ذكره - في كتابه الذي سماه كتاب المستغيثين بالله تعالى، فإنه قال: بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيى، ادع الله لامرأة حبلى منذ أربع سنين وقد أصبحت في كرب شديد، فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أننا انبياء، ثم قرأ ثم دعا فقال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء رسول إلى عند الرجل وقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد، على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه، ما قطعت سراره.

وكان من كبار السادات. وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، قبل الطاعون بيسير، رحمه الله تعالى.

وقد أذكرني مالك بن دينار أبياتا أنشدنيها لنفسه صاحبنا جمال الدين محمود ابن عبد عملها في بعض الملوك، وقد حارب ملكا آخر فانتصر الملك الذي عمل فيه الأبيات على عدوه، وغنم أمواله وخزائنه وأسر رجاله وأبطاله، فلما صار الجميع في قبضته فرق الأموال على الناس واعتقل الأجناد، فمدحه ابن عبد المذكور بقصيدة أجاد فيها كل الإجادة، ووصف هذه الواقعة، واستعمل لفظة مالك بن دينار وحصل له فيها التورية العجيبة، والموضع المقصود منها قوله:

أعتقت من أموالهم ما استعبدوا      وملكت رقهم وهـم أحـرار
حتى غدا من كان منهم مالكـا        متمـنـيا لـو أنـه دينـار

وهذا في نهايةالحسن، فلهذا ذكرتهما.