محمد بن يحيى

أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري، الملقب محيي الدين، الفقيه الشافعي، أستاذ المتأخرين وأوحدهم علما وزهدا، تفقه على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وأبي المظفر أحمد بن محمد الخوافي - المقدم ذكره - وبرع في الفقه وصنف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة وأصحاب طرق في الخلاف، وصنف كتاب المحيط في شرح الوسيط والانتصاف في مسائل الخلاف وغير ذلك من الكتب.

ذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: كان له حظ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، وكان يدرس بنظامية نيسابور، ثم درس بمدينة هراة في المدسة النظامية، ومن جملة مسموعاته ما سمعه من الشيخ أبي حامد أحمد بن علي بن محمد بن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري، في سنة ست وتسعين وأربعمائة، وحضر بعض فضلاء عصرة درسه وسمع فوائده، وحسن إلقائه، فأنشده:

رفات الدين والإسـلام يحـيا

 

بمحيي الدين مولانا ابن يحيى

كأن الله رب العرش يلـقـي

 

عليه حين يلقي الدرس وحيا

 

ورأيت في بعض المجاميع بيتين منسوبين إليه، ثم وجدت في ترجمة الشيخ شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي نزيل مصر، قال: وأنشدني الإمام أبو سعد محمد بن يحيى النيسابوري لنفسه وهما:

 

وقالوا يصير الشعر في الماء حية

 

إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا

فلما ثوى صدغاه في ماء وجهـه

 

وقد لسعا قلبي تيقنـتـه حـقـا

 

 وكانت ولادته سنة ست وسبعين وأربعمائة بطريثيث. وتوفي شهيدا في شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، قتلته الغز لما استولوا على نيسابور في وقعتهم مع السلطان سنجر السلجوقس - كما تقدم ذكره في ترجمته - أخذته ودست في فيه التراب حتى مات. وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح. ولما مات رثاه جماعة من العلماء، من جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي، قال فيه:

يا سافكا دم عالـم مـتـبـحـر

 

قد طار في أقصى الممالك صيته

تالله قل لي يا ظلوم ولا تـخـف

 

من كان محيي الدين كيف تميتـه

رحمه الله تعالى.

وتوفي شهاب الدين الطوسي المذكور، في العشرين من ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر ودفن بالقرافة، ومولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وكان مدرسا بمدرسة منازل العز بمصر، وقدم إلى مصر من مكة سنة تسع وسبعين وخمسمائة ونزل خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة.

وطريثيث: بضم الطاء المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة الثانية وبعدها ثاء مثلثة، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.