القاضي كمال الدين الشهرزوري

القاضي كمال الدين الشهرزوري

أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري الملقب كمال الدين الفقيه الشافعي - وقد سبق ذكر أبيه وجده في موضعهما - تفقه كمال الدين ببغداد على أسعد الميهني، وقد سبق ذكره، وسمع الحديث من أبي البركات محمد بن محمد بن خميس الموصلي، وتولى القضاء بالموصل وبنى بها مدرسة للشافعية، ورباطا بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يتردد في الرسائل منها إلى بغداد عن عماد الدين زنكي الأتابك - المقدم ذكره - ولما قتل عماد الدين على قلعة جعبر، كما ذكرناه في ترجمته، كان كمال الدين المذكور حاضرا في العسكر هو وأخوه تاج الدين أبو طاهر يحيى والد القاضي ضياء الدين، فلما رجع العسكر إلى الموصل كانا في صحبته.

ولما تولى سيف الدين غازي ولد عماد الدين - وقد تقدم ذكره أيضا - فوض الأمور كلها إلى القاضي كمال الدين وأخيه بالموصل وجميع مملكته، ثم إنه قبض عليهما في سنة اثنتين وأربعين واعتقلهما بقلعة الموصل، وأحضر نجم الدين أبا علي الحسن بن بهاء الدين أبي الحسن علي وهو ابن عم كمال الدين، وكان قاضي الرحبة، وولاه القضاء بالموصل وديار ربيعة عوضا عن كمال الدين. ثم إن الخليفة المقتفي سير رسولا وشفع في كمال الدين وأخيه فأخرجا من الاعتقال، وقعدا في بيوتهما وعليهما الترسيم، وحبس بالقلعة جلال الدين أبو أحمد ولد كمال الدين وضياء الدين أبو الفضائل القاسم بن تاج الدين.

ولما مات سيف الدين غازي في التاريخ المذكور في ترجمته رفع الترسيم عنهما، وحضرا إلى قطب الدين مودود بن زنكي - وقد تولى السلطنة بعد أخيه سيف الدين - وكان راكبا في ميدان الموصل، فلما قربا منه ترجلا وعليهما ثياب العزاء بغير طرحات، فلما وصلا إليه ترجل لهما أيضا، وعزياه عن اخيه وهنآه بالولاية، ثم ركبوا، ووقف كل واحد منهما على جانبه، ثم عادا إلى بيتهما بغير ترسيم، وصارا يركبان في الخدمة.

ثم انتقل كما الدين إلى خدمة نور الدين محمود صاحب الشام في سنة خمسين وخمسمائة، وأقام بدمشق مدة، ثم عزل زكي الدين عن الحكم، وتولاه كمال الدين في شهر صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، واستناب ولده وأولاد أخيه ببلاد الشام، وترقى إلى درجة الوزارة، وحكم في بلاد الشام الإسلامية في ذك الوقت، واستناب ولده القاضي محيي الدين في الحكم بمدينة حلب، ولم يكن شيء من أمور الدولة يخرج عنه، حتى الولاية وشد الديوان وغير ذلك، وذلك في أيام نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، وتوجه من جهته رسولا إلى الديوان في أيام المقتفي، وسيره المقتفي رسولا للإصلاح بين نور الدين المذكور وقلج ارسلان بن مسعود صاحب الروم. ولما مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشق أقره على ما كان عليه.

وكان فقيها أديبا شاعرا كاتبا ظريفا فكه المجالسة، يتكلم في الخلاف والأصولين كلاما حسنا، وكان شهما جسورا كثير الصدقة والمعروف، وقف أوقافا كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وكان عظيم الرياسة خبيرا بتدبير الملك، لم يكن في بيته مثله ولا نال أحد منهم ما ناله من المناصب مع كثرة رؤساء بيته، وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق.

وله نظم جيد، فمن ذلك ما أنشدني له بعض أهل بيته وهو:

ولقد أتيتك والنـجـوم رواصـد

 

والفجر وهم في ضمير المشرق

وركبت م الأهوال كل عظـيمة

 

شوقا إليك لعلنا أن نـلـتـقـي

 

وقال عماد الدين الكاتب الأصبهاني في الخريدة في ترجمة القاضي كمال المذكور: أنشدني لنفسه هذين البيتين في ثالث شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين، وقد تذكرت قول أبي يعلى ابن الهبارية الشريف في معنى الصبح وإبطائه:

كم ليلة بت مطويا علـى حـرق

 

أشكو إلى النجم حتى كان يشكوني

والصبح قد مطل الشرق العيون به

 

كأنه حاجة في كف مـسـكـين

 

ثم قال: لم قال تقضى لمسكين لكان أحسن فإنها تمطل بقضائها ثم قال: وكلاهما أحسن وأجاد.


وقيل: إنه كتب إلى ولده محيي وهو بحلب، وذكر في الخريدة انهما له:

عندي كتائب أشواق أجهزهـا

 

إلى جنابك إلا أنهـا كـتـب

ولي أحاديث من نفسي أسر بها

 

إذا ذكرتك إلا أنـهـا كـذب

 

وقيل: إنه لما ضعف وكبر وقلت حركته كان ينشد في كل وقت:

يا رب لا تحيني إلى زمن

 

أكون فيه كلا على أحـد

خذ بيدي قبل أن أقول لمن

 

ألقاه عند القيام: خذ بيدي

 

ولا أعلم هل هذان البيتان له أم لا، ثم وجدت هذين البيتين من جملة أبيات لأبي الحسن محمد بن علي بن الحسن بن أبي الصقر الواسطي - وسيأتي ذكره وذكر البيتين إن شاء الله تعالى -. وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، بالموصل. وتوفي يوم الخميس سادس المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون رحمه الله تعالى، وكان عمره حين وتوفي ثمانين سنة وأشهرا، ورثاه ولده محيي الدين محمد، وأوصى بولاية ابن أخيه أبي الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله الملقب ضياء الدين، فأنفذ السلطان وصيته، وفوض القضاء بدمشق إلى ضياء الدين المذكور، فأقام به مدة، ثم عرف أن ميل السلطان إلى الشيخ شرف الدين ابن أبي عصرون - المقدم ذكره - فسأله الإقالة فأقيل وتولى شرف الدين.


وكان القاضي ضياء الدين أبو الفضائل القاسم بن القاضي تاج الدين أبي طاهر يحيى بن عبد الله المذكور قد سمع الحديث بالإسكندرية من الحافظ أبي طاهر السلفي، وروى عن عمارة اليمني الفقيه شيئا من شعره. وتولى القضاء بدمشق بعد عمه كمال الدين. ولما انفصل عن القضاء صار يتردد في الرسائل إلى بغداد، ولما مات السلطان صلاح الدين سيره ولده الملك الأفضل نور الدين علي صاحب دمشق رسولا إلى بغداد بهدايا وتحف، وصار له هناك منزلة ومكانة جيدة. ثم عاد إلى دمشق وتولى نظر الأوقاف بها، ثم فارق دمشق وقدم الموصل وتولى القضاء بعد الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكانت ولاية ضياء الدين في صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ثم فارق بغداد باختياره على القضاء يحكم ويتصرف كما كان، في شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين، ولم يجر هذا لأحد غيره، وعبر على الموصل ولم يدخلها، وانتهى إلى مدينة حماة فولاه الملك المنصور ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر ملكها يومئذ القضاء بها فأقام إلى أن مات ضياء الدين بها في نصف رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ونقل إلى دمشق ودفن بها، ومولده سنة أربع وخمسين وخمسمائة بالموصل، وقيل إن مولده في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين، والله أعلم، وله شعر فمن ذلك:

فارقتكم ووصلت مصر فلم يقم

 

أنس اللقاء بوحشة الـتـوديع

وسررت عند قدومها لولا الذي

 

لكم من الأشواق بين ضلوعي

 

وأما والده تاج الدين أبو طاهر يحيى فقد ذكره القاضي عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال: هو أخو كمال الدين، وذكر بعد الثناء عليه، أنه توفي بالموصل في سنة ست وخمسين وخمسمائة، قال: وأنشدني ولده ضياء الدين أبياتا له على وزن بيت مهيار وهو:

وعطل كؤوسك إلا الكبار

 

تجد للصغار أناسا صغارا

فقال:

وسق الـنـدامـى عـقـيقة

 

تضيء فتحسب في الليل نارا

تدور المسرة مع كـأسـهـا

 

وتتبعه حيثما الكـاس سـارا

ولا عيب فيها سـوى أنـهـا

 

متى عرست بحمى الغم سارا

ستلقى ليالي الهموم الطـوال

 

فبادر ليالي السرور القاصرا

قلت: وقد سبق في ترجمة عماد الدين زنكي ذكر عمهما القاضي بهاد الدين أبي الحسن علي بن القاسم والد نجم الدين الحسين قاضي الرحبة المذكور وتاريخ وفاته، والله أعلم.