أبو عمر المطرز الزاهد

أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، المعروف بالمطرز، الباوردي الزاهد غلام ثعلب - المقدم ذكره -؛أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، صحب ابا العباس ثعلبا زمانا فعرف به إليه وأكثر من الأخذ عنه، واستدرك على كتابهالفصيح جزئا لطيفا سماهفائت الفصيح وشرحه أيضا في جزء آخر. وله كتاب اليواقيت وكتابشرح الفصيحلثعلب،وكتاب الجرجاني وكتاب الموضح وكتاب الساعاتوكتاب يوم وليلة وكتاب المستحسن وكتاب العشرات وكتاب الشورى وكتاب البيوع وكتابتفسير أسماء الشعراء وكتاب القبائل وكتاب المكنون والمكتوم وكتاب التفاحة وكتاب المداخل وكتاب على المداخلوكتاب النوادر وكتاب فائت العين وكتاب فائت الجمهرة وكتاب ما أنكرته الأعراب على أبي عبيدة فيما رواه أو صنفه. وكان ينقل غريب اللغة وحواشيها، وأكثر ما نقل أبو محمد ابن السيد البطليوسي في كتاب المثلث عنه، وحكى عنه غرائب. وروى عنه أبو الحسن محمد بن رزقويه وأبو علي ابن شاذان وغيرهم.

وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومائتين. وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وأربعين، وقيل أربع وأربعين وثلثمائة، ودفن يوم الاثنين ببغداد في الصفة التي تقابل معروفا الكرخي، رضي الله عنهن وبينهما عرض الطريق، رحمه الله تعالى.
وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه من اكتساب الرزق والتحيل له، فلم يزل مضيقا عليه. وكان لسعة روايته وغزارة حفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة ويقولون: لو طار طائر لقال أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئا. فأما روايته الحديث فإن المحدثين يصدقونه ويوثقونه؛ وكان أكثر ما يمليه من التصانيف يلقيه بلسانه من غير صحيفة يراجعها، حتى قيل إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة من اللغة، فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب. وكان يسأل عن شيء قد تواطأت الجماعة على وضعه،فيجيب عنه، ثم يترك سنة ويسأل عنه فيجيب بذلك الجواب بعينه. ومما جرى له في ذلك أن جماعة قصدوه للأخذ عنه،فتذكروا في طريقهم عند قنطرة هناك إكثاره، وأنه منسوب إلى الكذب بسبب ذلك، فقال أحدهم: أنا أصحف له اسم هذه القنطرة وأسأله عنها، فانظروا ماذا يجيب، فلما دخلوا عليه قال له: أيها الشيخ ما القبطرة عند العرب؟ فقال: كذا وكذا، فتضاحكت الجماعة سرا، وتركوه شهرا، ثم قرروا مع شخص سأله عن القبطرة بعينها فقال: أليس سئلت عن هذه المسألة منذ مدة كذا وكذا وأجبت عنها بكذا وكذا؟ فعجب الجماعة من فطنته وذكائه واستحضاره للمسألة والوقت وإن لم يتحققوا صحة ماذكره.

وكان معز الدولة بن بويه قد قلد شرطة بغداد لغلام له اسمه خواجا، فبلغ أبا عمر الخبر، وكان يملي كتاب اليواقيت فلما جلس للإملاء قال: اكتبوا ياقوتة خواجا، الخواج في أصل لغة العرب: الجوع، ثم فرع على هذا بابا وأملاه، فاستعظم الناس ذلك من كذبه، وتتبعوه في كتب اللغة. قال أبو علي الحاتمي الكاتب اللغوي:أخرجنا في أمالي الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي الخواج: الجوع.

وكان أبو عمر المذكور يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف فأملى يوما على الغلام نحوا من مائة مسألة في اللغة وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر، وحضر أبو بكر ابن دريد وأبو بكر ابن الأنباري وأبو بكر ابن مقسم عند القاضي أبي عمر، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئا وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ماتقولون فيها؟ فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ولست أقول شيئا، وقال ابن مقسم مثل ذلك، واحتج باشتغاله بالقراءات، وقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر، ولا أصل لها ولا لشيء منها في اللغة، وانصرفوا، وبلغ أبا عمر ذلك، فاجتمع بالقاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم، ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ويخرج لها شاهدا من بعض تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميعها، ثم قال له: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب الفلاني، فأحضر القاضي الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه كما ذكر أبو عمر بلفظه به.

وقال رئيس الرؤساء: وقد رأيت أشياء كثيرة مما استنكر على أبي عمر ونسب فيها إلى الكذب، فوجدتها مدونة في كتب أهل اللغة، وخاصة في غريب المصنف لأبي عبيد. وقال عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي أبو القاسم: لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأزلين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد، وله كتابغريب الحديث صنفه على مسند أحمد بن حنبل، وكان يستحسنه جدا.

وقال أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي: اعتللت فتأخرت عن مجلس أبي عمر الزاهد، قال: فسأل عني لما تراخت الأيام، فقيل له إنه كان عليلا، فجاءني من الغد يعودني، فاتفق أني كنت قد خرجت من داري إلى الحمام، فكتب بخطه على بابي باسفيداج:

 وأعجب شيء سمعنا به         عليل يعاد فلا يوجـد

قال: والبيت له.

وكان مغاليا في حب معاوية وعنده جزء من فضائله، وكان إذا ورد عليه من يروم الأخذ عنه ألزمه بقراءة ذلك الجزء.وكانت فضائله جمة ومعلوماته غزيرة، وفي هذا القدر كفاية.

والمطرز: بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة وبعدها زاي،هذه الفظة تقال لمن يطرز الثياب، وكانت صناعة أبي عمر المذكور التطريز فنسب إليها، وعرف بهذه الصناعة جماعة من العلماء.

وكشفت في كتاب الأنساب للسمعاني في ترجمة المطرز عن أبي عمر المذكور فلم يذكره، لكنه ذكر أبا القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المطرز البغدادي الشاعر،ويحتمل أن يكون والد أبي عمر المذكور، لأن اسمه موافق اسم والده، ويحتمل أن يكون غيره، لكني لاأعرفه، وقال: هو مشهور الشعر سائره، فمن قوله:

ولما وقفنا بالصراة عـشـية

 

حيارى لتـوديع ورد سـلام

وقفنا على رغم الحسود وكلنا

 

يفض عن الأشواق كل ختام

وسوغني عند الوداع عناقـه

 

فلما رأى وجدي به وغرامي

تلثم مرتابا بـفـضـل ردائه

 

فقلت: هلال بعد بدر تمـام

وقبلته فوق اللثام فقال لـي:

 

هي الخمر، إلا أنها بـفـدام

لكن السمعاني وإن كان ماذكره في هذه الترجمة فقد ذكره في ترجمة غلام ثعلب، وقال: هو غلام ثعلب، كما ذكرته أولا.

قلت: ثم بعد هذا بسنين عديدة رأيت بدمشق المحروسة ديوان شعر أبي القاسم عبد الواحد المعروف بالمطرز المذكور، وهو بغدادي، وأكثر شعره جيد، وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وتوفي ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، فظهر بهذا أنه ليس والد أبي عمرالمذكور، وإنما هو مطرز آخر.

والبارودي:بالباء الموحدة وبعد الألف والواو راء ثم دال مهملة، وهي بليدة بخراسان، يقال لها باوردوأباورد وأبيورد، ومنها أبو المظفر الأبيوردي الشاعر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.