القزاز

أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي المعروف بالقزاز القيرواني؛ كان الغالب عليه علم النحو واللغة والافتتان في التواليف، فمن ذلك كتاب الجامع في اللغة، وهو من الكتب الكبار المختارة المشهورة.

وذكر أبو القاسم ابن الصيرفي الكاتب المصري أن أبا عبد الله القزاز المذكور كان في خدمة العزيز ابن المعز العبيدي صاحب مصر وصنف له كتبا. وقال غيره: كان العزيز بنه المعز العبيدي صاحب مصر قد تقدم إليه أن يؤلف كتابا يجمع فيه سائر الحروف التي ذكر النحويون أن الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، وأن يقصد في تأليفه إلى ذكر الحرف الذي جاء لمعنى، وأن يجري ما ألفه من ذلك على حروف المعجم؛ قال ابن الجزارك وما علمت أن نحويا ألف شيئا من النحو على هذا التأليف، فسارع أبو عبد الله القزاز إلى ماأمره العزيز به، وجمع المفترق من الكتب النفيسة في هذا المعنى على أقصد سبيل وأقرب مأخذ وأوضح طريق، فبلغ جملة الكتاب ألف ورقة، ذكر ذلك كله الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخه الكبير. وله كتاب التعريض ذكر فيه مادار بين الناس من المعاريض في كلامهم.

وقال أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج إن القزاز المذكور فضح المتقدمين وقطع ألسنة المتأخرين، وكان مهيبا عند الملوك والعلماء وخاصة الناس محبوبا عند العامة، قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا، يملك لسانه ملكا شديدا. وكان له شعر مطبوع مصنوع ربما جاء به مفاكهة وممالحة من غير تحفز ولا تحفل، يبلغ بالرفق والدعة على الرحب والسعة أقصى ما يحاوله أهل القدرة على الشعر من توليد المعاني وتوكيد المباني، علما بتفاصيل الكلام وفواصل النظام، فمن ذلك قوله:

أما ومحل حبك فـي فـؤادي

 

وقدر مكانه فيه الـمـكـين

لو انبسطت لي الآمال حـتـى

 

تصيرمن عنانك في يمـينـي

لصنتك في مكان سواد عينـي

 

وخطت عليك من حذر جفوني

فأبلغ منك غـايات الأمـانـي

 

وآمن فيك آفات الـظـنـون

فلي نفس تـجـرع كـل يوم

 

عليك بهن كاسات المـنـون

إذا أمنت قلوب الناس خافـت

 

عليك خفي الحاظ الـعـيون

فكيف وأنـت دنـياي ولـولا

 

عقاب الله فيك لقلـت دينـي

 

ومن شعره أيضا:

أضمروا لي ودا ولا تظهروه

 

يهده منكم إلي الضـمـير

ما أبالي إذا بلغت رضاكـم

 

في هواكم لأي حال أصير

 

وله أيضا:

ألا من لركب فرق الدهر شملـهـم

 

فمن منجد نائي المحـل مـتـهـم

كأن الردى خاف الردى في اجتماعهم

 

فقسمهم في الأرض كل مـقـسـم

 

وله أيضا:

ولنا من أبي الربيع ربيع

 

ترتعيه هوامل الآمـال

أبدا يذكر العدات وينسى

 

ماله عندنا من الإفضال

 

وله أيضا:

أحين علمت أنك نـور عـينـي

 

وأني لا أرى حـتـى أراكـا

جعلت كغيب شخصك عن عياني

 

يغيب كل مخـلـوق سـواكـا

 وذكر له مقاطيع مثيرة غير هذه، ثم قال: وشعر أبي عبد الله - يعني القزاز المذكور - أحسن مما ذكرت، لكني لم أتمكن من روايته، وقد شرطت في هذا الكتاب أن كل ماجئت به من الأشعار على غير جهة الاختيار.

وكانت وفاته بالحضرة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقد قارب السبعين، رحمه الله تعالى؛ والمراد بالحضرة القيروان، فإنها كانت دار المملكة يوم ذاك.

والقزاز:بفتح القاف وزايين بينهما ألف والأولى منهما مشدودة، هذه النسبة إلى عمل القز وبيعه، وقد اشتهر به جماعة.