أبو بكر ابن زهر

أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي الأندلسي الإشبيلي؛ كان من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء، نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم.

قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمىالمطرب من أشعار أهل المغرب: وكان شيخنا أبو بكر - يعني ابن زهر المذكور - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب عذب معين، كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب، صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا.
وأنشد من شعره:

وموسدين على الأكف خدودهم

 

قد غالهم نوم الصباح وغالني

ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم

 

حتى سكرت ونالهم ما نالنـي

والخمر تعلم حين تأخذ ثارهـا

 

أني أملت إناءها فأمـالـنـي

 

ثم قال: سألته عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة،وبلغني وفاته في آخرسنة خمس وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ انتهى كلام ابن دحية.


قلت أنا: وقد ألم ابن زهر المذكور في هذه الأبيات بقول الرئيس أبي غالب عبيد الله بن هبة الله بن الاصباغي وهو:

عقرتهم مشمولة لو سالـمـت

 

شرابها ما سميت بـعـقـار

ذكرت حقائدهم القديمة إذ غدت

 

صرعى تداس بأرجل العصار

لانت لهم حتى انتشوا وتمكنـت

 

منهم، وصاحت فيهم بالـثـار

 

ومن المنسوب إليه أيضا في كتاب جالينوس الحكيم المسمىحيلة البرء - وهو من أجل كتبهم وأكبرها - قوله:

حيلة البرء صنفت لـعـلـيل

 

يترجى الحـياة أو لـعـيلـه

فإذا جاءت المـنـية قـالـت:

 

حيلة البرء ليس في البرء حيلة

 

ومن شعر ابن زهر أيضا يتشوق ولدا له صغيرا:

ولي واحد مثل فرخ القطـا

 

صغير تخلف قلبـي لـديه

نأت عنه داري فيا وحشتـا

 

لذاك الشخيص وذاك الوجيه

تشوقـنـي وتـشـوقـتـه

 

فيبكي علي وأبكي عـلـيه

لقد تعب الشوق مـا ينـنـا

 

فمنه إلـي ومـنـي إلـيه

 

وله وقد شاخ وغلب الشيب:

إني نظرت إلى المرآة إذ جلـيت

 

فانكرت مقلتاي كـل مـا رأتـا

رأيت فيها شييخا لست أعـرفـه

 

وكنت أعهده من قبل ذاك فتـى

فقلت: أين الذي بالأمس كان هنـا

 

متى ترحل عن هذا المكان متى؟

فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة:

 

إن الذي أنكرته مقلـتـاك أتـى

كانت سليمى تنادي ياأخـي وقـد

 

صارت سليمى تنادي اليوم ياأبتـا

 

والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول الأخطل الشاعر المشهور:

وإذا دعونك عمهن فإنـه

 

نسب يزيدك عندهن خبالا

وإذا دعونك يااخي فـإنـه

 

أدنى وأقرب خلة ووصالا

 

وأوصى أنه إذا مات يكتب على قبره هذه الأبيات، وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس، وهي:

تأمل بحقك يا وافـقـا

 

ولاحظ مكانا دفعنا إليه

تراب الضريح على وجنتي

 

كأني لم أمش يوما عـلـيه

أداوي الأنام حذار المـنـون

 

وها أنا قد صرت رهنا لديه

 

وهذه المقاطيع إنما أخذتها من أفواه العلماء منسوبة إلى ابن زهر المذكور، والله أعلم بصحتها، والعهدة عليهم في نقلها.


وقال ابن دحية أيضا في حقه: والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتخيله طباعه وصارت النبهاء فيه خوله وأتباعه، الموشحات، وهي زبدة الشعر ونخبته وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق؛ وأورد له موشحا حسنا.


وقال في حق جده أبي العلاء زهر: إنه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه، وتوفي ممتحنا من نغلة بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة.


ثم قال في حق جد أبيه عبد الملك: إنه رحل إلى المشرق، وبه تطبب زمانا طويلا، وتولى رياسة الطب ببغداد ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن مدينة دانية وطار ذكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بذ أهل زمانه، ومات بمدينة دانية.


ثم قال في حق جد جده محمد بن مروان: إنه كان عالما بالرأي حافظا للأدب، ففيها حاذقا بالفتوى مقدما في الشورى، متفننا في الفنون، وسيما فاضلا، جمع الرواية والدراية، توفي بطلبيرة سنة اثنتين وعشرين وأبعمائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، حدث عنه جماعة من العلماء الأندلسيين ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل، رحمه الله تعالى.


وقد تقدم الكلام على الإيادي وعلى طلبيرة فلا حاجة إلى الإعادة.


وزهر:بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء.


وذكر عماد الدين الكاتب في كتاب الخريدة لأبي الطيب ابن البزار في بعض بني زهر وكنيته أبو زيد، ولم يذكر اسمه، قوله:

قل للوبا انت وابن زهر

 

جاوزتما الحد في النكاية

ترفقا بالـورى قـلـيلا

 

فواحد منكمـا كـفـايه

ثم وجدت هذين البيتين لأبي بكر أحمد بن محمد الأبيض، وأنه توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى، والله أعلم.