ابن التعاويذي الشاعر

أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله الكاتب المعروف بابن التعاويذي، الشاعر المشهور؛ كان مولى لابن المظفر واسمه نشتكين، فسماه ولده المذكور عبيد الله، وهو سبط أبي محمد المبارك بن علي بن نصر السراج الجوهري الزاهد المعروف بابن التعاويذي، وإنما نسب إلى جده المذكور لأنه كفله صغيرا، ونشأ في حجره فنسب إليه.

وكان أبو الفتح المذكور شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الأافاظ وعذوبتها ورقة المعاني ودقتها، وهو في غاية الحسن والحلاوة، وفيما أعتقد لم يكن قبله بمائتين سنة من يضاهيه، ولا يؤاخذني من يقف على هذا الفصل فإن ذلك يختلف بميل الطباع، ولله القائل:

وللناس فيما يعشقون مذاهب

 

وكان كاتبا بديوان المقاطعات ببغداد، وعمي في آخره عمره سنة تسع وسبعين، وله في عماه أشعار كثيرة يرثي بها ويندب زمان شبابه وتصرفه، وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وعمل له خطبة طريفة، ورتبه أربعة فصول، وكل ما جدده بعد ذلك سماهالزيادات فلهذا يوجد ديوانه في بعض النسخ خاليا من الزيادات، وفي بعضها مكملا بالزيادات، ولما عمي كان باسمه راتب في الديوان، فالتمس أن ينقل باسم أولاده، فلما نقل كتب إلى الإمام لدين الله هذه الأبيات يسأله أن يحدد له راتبا مدة حياته، وهي:

خلـيفة الـلـه أنـت بـــالـــدين والـــدن

 

يا وأمـر الإسـلام مــضـــطـــلـــع

أنـــت لـــمـــا ســـنـــه الأئمة أع

 

لام الـهـدى مـقـتـنـف ومــتـــبـــع

قد عـدم الـعـدم فـــي زمـــانـــك وال

 

جور مـعـا والـخـــلاف والـــبـــدع

فالـنـاس فـي الـشــرع والـــســـياسة

 

والإحـسـان والـعـدل كـلـهــم شـــرع

يا مـــلـــكـــا يردع الـــحـــوادث

 

والأيام عـن ظـلـمـهـا فــتـــرتـــدع

ومـن لـــه أنـــعـــم مـــكـــررة

 

لنـا مـصـيف مـنـهـا ومـرتـــبـــع

أرضـي قـد أجـدبـت ولــيس لـــمـــن

 

أجـدب يومـا سـواك مـنـــتـــجـــع

ولـــي عـــــيال لا در درهـــــــم

 

قد أكـلـوا دهـرهـم ومـا شـبـــعـــوا

إذا رأونـي ذا ثـــروة جـــلـــســـوا

 

حولـي ومـالـوا إلـي واجـتـمـــعـــوا

وطـالـمـا قـطـعـوا حــبـــالـــي إع

 

راضـا إذا لـم تـكـن مـعـي قــطـــع

يمـشـون حـولـي شـتـى كـأنـــهـــم

 

عقـارب كـلـمـا سـعـوا لـســـعـــوا

فمنهـم الـطـفـل والـمـرهـق والـرضـي

 

ع يحـبـو والـكــهـــل والـــيفـــع

لا قــارح مـــنـــهـــم أؤمـــل أن

 

ينـالــنـــي خـــبـــره ولا جـــذع

لهـم حـلـوق تـفـضـي إلـى مـــعـــد

 

تحـمـل فـي الأكـل فـوق مـاتــســـع

من كـل رحـب الـمـعـاء أجـــوف نـــا

 

ري الـحـشـا لايمـسـه الــشـــبـــع

لا يحسن المضغ فهو ينزل في فيه بلا كلفة ويبتلع

 

 

ولي حديث يلهي ويعجب من

 

يوسـع لـي خـلـقـه فـــيســـمـــع

نقـلـت ريمـي جـهـــلا إلـــى ولـــد

 

لسـت بـهـم مـاحـييت أنـــتـــفـــع

نظـرت فـي نـفـعـهـم ومـا أنـا فــي اج

 

تلاب نــفـــع الاولاد مـــبـــتـــدع

وقـلـت هـذا بـعـدي يكــون لـــكـــم

 

فمـا أطـاعـوا أمـري ولا سـمـــعـــوا

واخـتـلـسـوه مـنـي فـمـا تــركـــوا

 

عينــي عـــلـــيه ولا يدي تـــقـــع

فبـئس والـلـه مـا صـنـعـــت فـــأض

 

ررت بـنـفـسـي وبـئس مـا صـنـعــوا

فاسـتـأنـفـوا لـي رسـمـا أعـود عـلــى

 

ضنـك مـعـاشـي بـه فـــيتـــســـع

وإن زعـمـتـم أنــي أتـــيت بـــهـــا

 

خديعة فـــالـــكـــريم ينـــخـــدع

حاشـا لـرسـمـي الـكـريم ينـسـخ مـــن

 

نسـخ دواوينـكـم فـــينـــقـــطـــع

فوقـعـوا لـي بـمـا سـألــت فـــقـــد

 

أطعـت نـفـسـي واسـتـحـكـم الـطـمـع

ولا تـطـيلـوا مـعـي فـلـســت ولـــو

 

دفـعـتـونـي بـالـــراح انـــدفـــع

وحلفوني أن لا تعود يدي ترفع في نقله ولا تضع

 

 

 

فما ألطف ما توصل به إلى بلوغ مقصوده بهذه الأبيات التي لو مرت بالجماد لاستمالته وعطفته، فأنعم عليه أمير المؤمنين بالراتب، فكان يصله بصلة من الخشكار الرديء، فطتب إلى فخر الدين صاحب المخزن أبياتا يشكو من ذلك أولها:

مولاي فخر الدين أنت إلى الندى

 

عجل وغيرك محجم متباطـي

 

ومنها:

حاشاك ترضى أن تكون جرايتـي

 

كجراية الـبـواب والـنـفـاط

سوداء مثل الليل سعر قفـيزهـا

 

مابين طـسـوج إلـى قـيراط

أخنت علي الحادثات وأفـرطـت

 

فيهـا الـرداءة أيمـا إفــراط

قد كدرت حسي المضيء، وغيرت

 

طبعي السليم، وعفنت أخلاطـي

فتول تدبيري فقـد أنـهـيت مـا

 

أشكوه من مرضي إلى بـقـراط

 

وكان وزير الديوان العزيز شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي وزير الإمام المستنجد بالله المعروف بابن البلدي، وقد عزل أرباب الدواوين وحسبهم وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم ونكل بهم، فعمل سبط ابن التعاويذي المذكور في ذلك قوله:

يا قـاصـدا بـغـداد حـد عـــن بـــلـــدة

 

للـجـور فـيهــا زخـــرة وعـــبـــاب

إن كـنـت طـالـب حـاجة فـارجـع فـقـــد

 

سدت عـلـى الـراجـي بـهـــا الأبـــواب

ليسـت، ومـا بـعـد الـزمـان، كـعـهـدهــا

 

أيام يعـمـر ربـعـــهـــا الـــطـــلاب

ويحـلـهـا الـرؤسـاء مـن ســاداتـــهـــا

 

والـجـــلة الأدبـــاء والـــكـــتـــاب

والـدهـر فـي أولـى حـداثــتـــه ولـــل

 

أيام فـيهـــا نـــضـــرة وشـــبـــاب

والـفـضـل فـي سـوق الـكـرام يبـاع بــال

 

غالـــي مـــن الأثـــمـــــان، والآداب

بادت وأهـلـوهـا مـعـا، فـبــيوتـــهـــم

 

ببـقـاء مـــولانـــا الـــوزير خـــراب

وارتـهــم الأجـــداث أحـــياء تـــهـــا

 

ل جـنـادل مـن فـوقـــهـــم وتـــراب

فهـم خـلـود فـي مـحـابـسـهــم يصـــب

 

علـيهـم بـعـــد الـــعـــذاب عـــذاب

لا يرتجى منها إيابهم، وهل يرجى لسكان القبور إياب

 

 

والناس قد قامت قيامتهم، فلا

 

أنـسـاب بــينـــهـــم ولا أســـبـــاب

والـمـرء يسـلـمـه أبـــوه وعـــرســـه

 

ويخـونـه الـقــربـــاء والأحـــبـــاب

لاشـافـعـل تـغـنـي شـفـاعـــتـــه، ولا

 

جان لـه مـمــا جـــنـــاه مـــتـــاب

شهـدوا مـادهـم فـعــاد مـــصـــدقـــا

 

من كـان قـبـل بـبـعـــثـــه يرتـــاب

حشـــر ومـــيزان وعـــرض جــــرائد

 

وصـائف مـنـــشـــورة وحـــســـاب

وبـهـا زبـانـية تـبـث عـلـــى الـــورى

 

وسـلاسـل ومـــقـــامـــع وعـــذاب

ما فـاتـهـم مـن كـل مــا وعـــدوا بـــه

 

في الـحـــشـــر إلا راحـــم وهـــاب

 

وله في الوزير المذكور:

يا رب أشكو إليك ضرا

 

أنت على كشفه قدير

أليس صرنـا زمـان

 

فيه أبو جعفـر وزير

 

وذكر محب الدين المعروف بابن النجار فيتاريخ بغداد أن الإمام المستنجد بالله توفي يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة وستين وخمسمائة وتولى بعده ولده المستضيء بأمر الله وجلس للمبايعة يوم الثلاثاء ثاني اليوم المذكور، فخرج أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج المذكور عقيب هذا ومعه ابن السيبي فقال له: إن الخليفة قد تقدم أن يستوفي القصاص من هذان وأشار إلى الوزير، فأخذ وسحب وقطع أنفه ويده ورجلهن ثم ضربت رقبته، وجمع في ترس وألقي في دجلة، وكان هذا الوزير قد قطع أنف أم ابن السيبي المذكور ويد أخيه ورجله في أيام ولايته، فاقتص منه في هذا اليوم، نعوذ بالله من سوءالعاقبة.


وكتب سبط ابن التعاويذي إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن المظفر، وهو من ابناء مواليه يطلب منه شعيرا لفرسه، وهو الذي فعل بالوزير ابن البلدي تلك الفعلة المذكورة قبل هذا:

مولاي يامـن لـــه أياد

 

ليس إلى عدهـا سـبـيل

ومن إذا قلت الـعـطـايا

 

فجـوده وافـر جــزيل

إليه إن جارت الـلـيالـي

 

نأوي وافــــــــر

إن كميتي العتـيق سـنـا

 

فأعجب لما يجلب الفضول

ولم أخل للـسـقـاء أنـي

 

لثقل أعـبـائه حـمـول

فإن أكن عالـيا عـلـيه

 

فهو على كاهلي ثقـيل

أرجل كالبوم لـيس فـيه

 

خير كثـير ولا قـلـيل

ليس له مخبـر حـمـيد

 

ولا له منظر جـمـيل

وهو حرون وفيه بـطء

 

ولاجـواد ولا ذلــول

لا كفل معـجـب لـراء

 

إذا رآه ولا تـلـــيل

مقصرا إن مشى، ولكـن

 

إن حضر الاكل مستطيل

يعجبه التبن والشعـيرال

 

مغسول والقت والقصيل

إذا رأى عكـشـا رايت

 

اللعاب من شدقه يسـيل

وليس فيه من المعـانـي

 

شيء سوى أنـه أكـول

فهب له اليوم ماتسـنـى

 

وهبه من نعض ماتنـيل

ولا تقـل إن ذا قـلـيل

 

فالجل في عينيه جلـيل

 

وإنما أوردت هذه المقاطيع من شعره لكونها مستملحة. وأما قصائده المشتملة على النسيب والمدح فإنها في غاية الحسن، وصنف كتابا سماهالحجبة والحجاب يدخل في مقدار خمس عشرة كراسة، وأكال الكلام فيه، وهو قليل الوجود. وذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن ابن التعاويذي المذكور كان صاحب لما كان بالعراق، فلما انتقل العماد إلى الشام واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين كتب إليهابن التعاويذي رسالة يطلب منه فروة، وذكر الرسالةن وهيوقد كلف مكارمه وإن لم يكن للجود عليها كلفة، وأتحفه بما وجهه إليه من أمله وهو لعمر الله تحفه، أهدى فروة دمشقية، سرية نقية، يلين لمسها، ويزين لبسها، ودباغتها نظيفة، وخياطتها لطيفة، طويلة كطوله، سابغة كأنعمه حالية كذكره، جميلة كفعله، واسعة كصدره، نقية كعرضه، رفيعة كقدره، موشية كنظمه ونثره، ظاهرها كظاهره، وباطنها كباطنه، يتجمل بها اللابس، وتتحلى بها المجالس، وهي لخادمه سربال، وله-حرس الله مجده - جمال، يشكره عليها من لم يلبسها، ويثني عليه من لم يتدرعها، تذهب خميلة وبرها، ويبقى حميد أثرها، ويخلق إهابها وجلدها، ويتجدد شكرها وحمدها، وقد نظم أبياتا ركب في نظمها الغرر، وأهدى بها التمر إلى هجر، إلا أنه قد عرض الطيب على عطاره، ووضع الثوب في يد بزازة، وأحل الثناء في محله، وجمع بين الفضل وأهله، وهي في حسنه وخفارة كرمه ثم ذكر القصيدة التي أولها:

 

بأبي من ذبت في الح

 

ب له شوقا وصبوة

 

وهي موجودة في ديوانه. وكتب العماد جواب القصيدة على هذا الروي أيضا، وهما طويلتان.


وذكر العماد قبل ذكر الرسالة والقصيدة في حقه:هو شاب فيه فضل وآداب ورياسة وكياسة ومروة وأبوه وفتوة، جمعني وإياه صدق العقيدة في عقد الصداقة، وقد كملت فيه أسباب الظرف واللطف واللباقة؛ ثم أتى بالرسالة والقصيدة وجوابها، وهذه الرسالة لم أر مثلها في بابها، سوى ماسيأتي في ترجمة بهاء الدين ابن شداد - في حرف الياء إن شاء الله تعالى - فان ابن خروف المغربي كتب إليه رسالة بديعة يستجديه فروة يستجديه فروة قرظ.


وكانت ولادة ابن التاويذي المذكور في العاشر من رجب يوم الجمعة سنة تسع عشرة وخمسمائة. وتوفي في ثاني شوال سنة أربع، وقيل ثلاث وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز، رحمه الله تعالى. وقال ابن النجارفي تاريخه: مولده يوم الجمعة، وتوفي يوم السبت ثامن عشر شوال.


والتعاويذي: بفتح التاء المثناة من فوقها والعين المهملة وكسر الواو بعد الألف وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم ذال معجمة، هذه النسبة إلى كتبه التعاويذ وهي الحروز.


واشتهر بها أبو محمد المبارك بن المبارك بن السراج التعاويذي البغدادي الزاهد، المقدم ذكره في أول هذه الترجمة، وكان صالحا. ذكره ابن السمعاني في كتاب الذيل وكتاب الأنساب وقال: لعل أباه كان يرقي ويكتب التعاويذ، وسمع منه ابن السمعاني المذكورن وقال: سألته عن مولده، فقال:ولدت في سنة ست وتسعين وأربعمائة بالكرخ. وتوفي في جمادى الأولى سنة ثىث وخمسين وخمسمائة، ودفن في جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الشوينزي، رحمه الله تعالى. وقال السمعاني:أنشدني أبو محمد المبارك المذكور لنفسه قوله:

 

اجعل همومك واحدا

 

وتخل عن كل الهموم

فعساك أن تحظى بما

 

يغنيك عن كل العلوم

ثم قال، قال لي ابن التعاويذي: ما قلت من الشعر غير هذين البيتين. ونشتكين: بضم النون وسكون الشين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وبعدها النون وسكون الشين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون، وهو اسم أعجمي تسمى به المماليك، وقد تقدم في أول الترجمة أنه كان من مماليك أحد بني المظفر رئيس الرؤساء، وله فيهم مدائع بديعة، وأفراد مدائعهم في فصل من الفصول الأربعة المرتبة في ديوانه لكونهم مواليه، وكانوا يحسنون إليه، والله أعلم.