المهدي ابن تومرت

أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن تومرت، المنعوت بالمهدي الهرغي، صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب- وقد تقدم في ترجمة عبد المؤمن طرف من خبره - وكان ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما؛ وجدت على ظهر كتاب النسب للشريف العابد بخط أهل الأدب من عصرنا نسب ابن تومرت المذكور فنقلته كما وجدته وهو: محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفيان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، والله أعلم.

وهو من جبل السوس في أقصى بلاد المغرب، ونشأ هناك ثم رحل إلى المشرق في شبيبته طالباً للعلم، فانتهى إلى العراق، واجتمع بأبي حامد الغزالي والكيا الهراسي والطرطوشي وغيرهم، وحج وأقام بمكة مديدة وحصل طرفاً صالحاً من علم الشريعة والحديث النبوي وأصول الفقه والدين.

وكان ورعاً ناسكاً متقشفاً مخشوشناً مخلوقاً كثير الإطراق، بساماً في وجوه الناس، مقبلاً على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة. وكان شجاعاً فصيحاً في لسان العربي والمغربي، شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره. وكان مطبوعاً على الالتذاذ بذلك متحللاً للأذى من الناس بسببه، وناله بمكة، شرفها الله تعالى، شيء من المكروه من أجل ذلك، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه، وطردته الدولة، وكان إذا خاف من ابطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينتسب إلى الجنون؛ فخرج من مصر إلى الإسكندرية، وركب البحر متوجهاً إلى بلاده. وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد المشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين، فلما ركب في الفينة شرع في تغيير المنكر على أهل السفينة، وألزمهم بإقامة الصلوات وقراءة أحزاب من القرآن العظيم، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية إحدى مدن إفريقية، وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وذلك في سنة خمس وخمسمائة.

هكذا وجدته في "تاريخ القيروان"، وقد تقدم في ترجمة الأمير تميم والد يحيى المذكور أن محمد بن تومرت المذكور اجتاز في أيام ولايته بإفريقية عند عودة من المشرق، وكنت وجدته كذا أيضاً والله أعلم بالصواب، ولم يرحل إلى المشرق مرتين حتى يحمل ذلك على دفعتين، فإن كان عوده في سنة خمس كما ذكرناه فهو ولاية الأمير يحيى، لأن أباه الأمير تميماً توفي سنة إحدى وخمسمائة كما تقدم في ترجمته، وغنما نبهت عليه ألا يتوهم الواقف عليه أنه فاتني ذلك، وهو متناقض.

ورأيت في تاريخ القاضي الأكرم بن القفطي وزير حلب وهو مرتب على السنين ما صورته: في هذه السنة - وكان آخر سنة إحدى عشر وخمسمائة - خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء بعد الطلب بها وبغيرها ووصل إلى بجاية، والله أعلم بالصواب؛ ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد معلق، وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة فلا يرى منكراً من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسرها، فتسامع به الناس في البلد، فجاءوا إليه، وقرأوا عليه كتباً من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سمتة وسمع كلامه أكرمه وأجله وسأله الدعاء، فقال له: أصلح الله لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك بالمهدية إلا أياماً يسيرة، ثم انتقل إلى بجاية، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار، فأخرج منها إلى بعض قررها واسمها ملالة، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي المقدم ذكره.

ورأيت في كتاب "المغرب عن سيرة ملوك المغرب" أن محمد بن تومرت كان قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجفر وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان السوس، وهو من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى الله، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى باسم هجاء حروفه (ت ي ن م ل) ورأى فيه أيضاً أن استقامة ذلك الأمر واستلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه (ع ب، م وم ن) ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله سبحانه وتعالى في نفسه أنه القائم بأول الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما كان محمد يمر بموضع إلا سأل عنه، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه وتفقد حليته، وكانت حلية عبد المؤمن معه، فبينما هو في الطريق رأى شاباً قد بلغ أشده على الصفة التي نعه. فقال له محمد وقد تجاوزه: ما اسمك يا شاب؟ فقال: عبد المؤمن، فرجع إليه وقال له: الله أكبر، أنت بغيتي، فنظر في حليته فوافقت ما عنده، فقال له: ممن أنت، فقال: من كومية، قال: أين مقصدك؟ فقال: الشرق، فقال: ما تبغي؟ قال: اطلب علماً وشرفاً، قال: وجدت علماً وشرفاً وذكراً، اصحبني تنله فوافقه على ذلك، فألقى محمد إليه أمره وأودعه سره.

وكان محمد قد صحب رجلاً يسمى عبد الله الونشريسي ففاوضه فيما عزم عليه من القيام، فوافقه على ذلك أتم موافقة، وكان الونشريسي ممن تهذب وقرأ فقهاً، وكان جميلاً فصيحاً في لغة العرب وأهل المغرب، فتحثا يوماً في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال محمد لعبد الله: أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس، لنتخذ الخروج عن ذلك واكتساب العلم والفصاحة دفعة واحدة ليقوم ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه، فتصدق فيما نقوله، ففعل عبد الله ذلك.

ثم إن محمداً استدنى أشخاصاً مناهل الغرب أجلاداً في القوى الجسمانية أغماراً، وكان أميل إلى الأغمار من أولى الفطن والاستبصار، فاجتمع له منهم ستة سوى عبد الله الونشريسي، ثم إنه رحل إلى أقصى المغرب، واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك، وتوجهوا جميعاً إلى مراكش وملكها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تشافين- وقد سبق ذكر والده في ترجمة المعتمد بن عباد والمعتصم بن صمادح - وكان ملكاً عظيماً حليماً عادلاً متواضعاً، وكان بحضرته رجل يقال له مالك بن وهيب الأندلسي، وكان عالماً صالحاً، فشرع محمد في الإنكار على جاري عادته، حتى أنكر على ابنة الملك، وله في ذلك قصة يطول شرحها.

وبلغ الملك خبره وانه يتحدث في تغيير الدولة، فتحدث مالك بن وهيب في أمره، وقال: نخاف من فتح باب يعسر علينا سده، والرأي أن يحضر هذا المختص وأصحابه لنسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد، فأجاب الملك إلى ذلك، وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد، فطلبوهم، فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده: سلوا هذا الرجل ما ينبغي منا، فانتدب له قاضي المرية واسمه محمد بن أسود فقال: ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق المؤثر طاعة الله تعالى على هواه، فقال له محمد: أما ما نقل عني فقد قلتها ولي من ورائه أقوال، وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله تعالى على هواه وينقاد إلى الحق فقد حضر اعتبار صحة هذا القول عنه، ليعلم بتعريه عن هذه الصفة أنه مغرور بما تقولون له وتضرونه به، مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة، فهل بلغك يا قاضي أن الخمرة تباع جهاراً وتمشي الخنازير بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ وعدد من ذلك شيئاً كثيراً.

فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه وأطرق حياء، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه انه طامع في المملكة لنفسه، ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه لكلامه لم يتكلم أحد منهم، فقال مالك بن وهيب، وكان كثير الاجتراء على الملك: أيها الملك، إن عندي لنصيحة إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكتفي شره، وإن لم تفعل ذلك لتنفقن عليه خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك على ذلك، فقال له وزيره: يقبح منك أن تبكي من موعظة هذا الرجل ثم تسيئ إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه مع عظم ملكك، وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس واستهون أمره وصرفه، وسأله الدعاء.

وحكى صاحب كتاب "المغرب في أخبار أهل المغرب" أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك قد تأدبت مع الملك إذ لم توله ظهرك، فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت؛ انتهى كلامه.

فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا بمراكش مع وجود مالك بن وهيب، فلما نأمن من أن يعاود الملك في أمرنا فينالنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقص المرور به فلن نعدم منه رأياً ودعاء صالحاً، واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم، وهو من فقهاء المصامدة، فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبروا محمد خبرهم وأطلعه على مقصدهم وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن الموضع المجاورة لهذا البلد تين مل، وبيننا وبينها مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا في برهة ريثما ينسى ذكركم، فلما سمع محمد بهذا الإسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم في أكرم منازلهم، وسأل الملك عنه بعد خروجهم من مجلسه فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحبسهم.

ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم، وكان قد سار فيهم ذكره، فجاءوه من كل فج عميق وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استناه وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وان خالفه أعرض عنه. وكان يستميل الأحداث وذوي العزة، وكان ذو العقل والعلم والحلم من أهاليهم ينهونهم ويحذرونهم من اتباعه ويخوفونهم من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليه والتخلي عنه، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليعصوا على الملك بسببه، فرأى بعض أولاد القوم شقراً زرقاً، وألوان آبائهم السمرة والكحل، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه، فألزمهم بالإجابة فقالوا: نحن من رعية الملك وله علينا خراج، وفي كل سنة تصعد مماليكه إلينا ينزلون في بيوتنا ويخرجونا عنها ويخلون بمن فيها من النساء، فتأتي الأولاد على هذه الصفة، وما لنا قدرة في دفع ذلك عنا، فقال محمد: والله إن الموت خير من هذه الحياة، وكيف رضيتم بهذا وأنتم أضرب خلق الله بالسيف وأطعنهم بالرمح والحربة؟ فقالوا: بالرغم لا بالرضا، فقال: أرأيتم لو أنا ناصراً نصركم على أعدائكم ما كنتم تصنعون؟ قالوا: كنا نقدم أنفسنا بين يديه للموت، قالوا: من هو؟ قال: ضيفكم- يعني نفسه- فقالوا: السمع الطاعة، وكانوا يغالون في تعظيمه؛ فأخذ عليهم العهود والمواثيق واطمأن قلبه، ثم قال لهم: استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح، فإذا جاءوكم فأجروكم على عاداتهم وخلوا بينهم وبين النساء وميلوا عليهم بالخمور، فإذا سكروا فأذوني بهم، فلما حضر المماليك وفعل بهم أهل الحبل ما أشار به محمد، وكان ليلاً، فأعلموه بذلك، فأمر بقتلهم بأسرهم، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة له، فسمع التكبير عليهم والوقع فهرب من غير الطريق حتى خلص من الحبل ولحق بمراكش وأخبر الملك بما جرى، فدنم على فوات محمد من يده، وعلم أن الحزم كان مع ملك بن وهيب فيما أشار به، فجهز من وقته خيلاً بمقدار ما يسع وادي تين مل فإنه ضيق المسلك، وعلم محمد أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم، فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي ومراصده، واستنجد لهم بعض المجاورين، فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي مثل المطر، وكان ذلك من أول النهار إلى آخره، وحال بينهم الليل، فرجع العسكر إلى الملك وأعلموه بما تم لهم، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم، فأعرض عنهم.

وتحقق محمد ذلك منه، وصفت له مودة أهل الجبل، فعند ذلك استدعى الونشريسي المذكور وقال له: هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة. ليقوم لك مقام المعجزة لنستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة، ثم اتفقنا على أنه يصلي الصبح ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في تلك المدة: إني رأيت البارحة في منامي وقد نزل بي ملكان من السماء وشقا فؤادي وغسلاه وحشياه علماً وحكمة وقرآناً، فلما أصبح فعل ذلك، وهو فصل يطول شرحه، فانقاد له كل صعب القياد، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النوم، فقال له محمد فعجل لنا البشرى في أنفسنا وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء؟ فقال له: أما أنت فإنك المهدي القائم بأمر الله، ومن تبعك سعد ومن خالفك هلك؛ ثم قال: اعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد، وأبقى من أطاعه، وشرح ذلك يطول، وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد، فلما قتل من قتل وعلم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك مراكش إليهم، واغتنام أموالهم، فسرهم ذلك وسلاهم عن أهلهم، وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة يطول شرحه ولسنا بصدد ذلك.

وخلاصة الأمران محمداً لم يزل يجهز جيشاً عدد رجاله عشرة آلاف بين فارس وراجل، وفيهم عند المؤمن والونشريسي وأصحابه كلهم، وأقام هو بالجبل، فنزل لحصار مراكش، وأقاموا عليها شهراً، ثم كسروا كسرة شنيعة، وهرب من سلم من القتل، وكان فيمن سلم عبد المؤمن، وقتل الونشريسي، وبلغ محمداً الخبر وهو بالجبل وحضرته الوفاة قبل عودة أصحابه إليه، فأوصى من حضر أن يلغ الغائبين أن النصر لهم، وأن العاقبة حميدة فلا يضجروا وليعاودوا القتال:، وأن الله سبحانه وتعالى سيفتح على أيديهم والحرب سجال، وإنكم ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون، وأنتم في مبدإ أمرٍ وهم في آخره، ومثل هذه الوصايا وأشباهها، وعي وصية طويلة.

ثم إنه توفي إلى رحمه الله تعالى في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ودفن في الجبل، وقبره هناك مشهور يزار، وهذه السنة تسمى عندهم عام البحيرة؛ وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وأول ظهوره ودعائه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمسمائة.

وكان رجلاً ربعة قضيفاً أسمر عظيم الهامة حديد النظر، وقال صاحب كتاب "المغرب في أخبار أهل المغرب" في حقه:

 

آثاره تنبيك عن أخباره

 

حتى كأنك بالعيان تراه

 

قدم في الثرى وهمة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياء دون إراقة ماء المحيا، أغفل المرابطون حله وربطه، حتى دب دبيب الفلق في الغسق، وترك الدنيا دوياً، انشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم، لما كان لعزمه فيها بمسلم، وكان قوته من غزل أخت له رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه، فأمر بضم ذلك جميعه وأحرقه وقال: من كان يتبعني للدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن تبعني للآخرة فجزاؤه عند الله تعالى. وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً منيع الحجاب، إلا عند مظلمة، وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه، وكان شعر فمن ذلك قوله:

أخذت بأعضادهم إذ نأوا

 

وخلفك القوم إذ وعـوا

فكم أنت تنهى ولا تنتهي

 

وتسمع وعظاً ولا تسمع

فيا حجر الشحذ حتى متى

 

تسن الحديد ولا تقطـع

وكان كثيراً ما ينشد:

تجرد من الدنيا فإنـك إنـمـا

 

خرجي إلى الدنيا وأنت مجرد

وكان أيضاً يتمثل بقول المتنبي:

إذا غامرت في شرف مروم

 

فلا تقنع بما دون النـجـوم

فطعم الموت في أمر حقير

 

كطعم الموت في أمر عظيم

وبقوله أيضاً:

ومن عرف الأيام معرفتي بـهـا

 

وبالناس، روى رمحه غير راحم

فليس بمرحوم إذا ظـفـروا بـه

 

ولا في الردى الجاري عليهم بآثم

وبقوله أيضاً:

وما أنا منهم بالعيش فيهـم

 

ولكن معدن الذهب الرغام

ولم يفتح شيئاً من البلاد، وإنما قرر القواعد ومهدها، ورتب الأحوال ووطدها، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما تقدمر ذكره في ترجمته.

 والهرغي: بفتح الهاء وسكون الراء وبعدها غين معجمة، هذه النسبة إلى هرغة وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب تنسب إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، يقال إنها نزلت في ذلك المكان عندما فتح المسلمون البلاد على يد موسى بن نصير- الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.

و تومرت: بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وفتح الميم وسكون الراء بعدها تاء مثناة من فوقها أيضاً، وهو اسم بربري.

و الونشريسي: بفتح الواو وسكون النون وفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعها سين مهملة، هذا النسبة إلى ونشريس، وهي بليدة بإفريقية من أعمال بين باجة وقسطنطينة المغرب.

وتين مل: بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة.

وقد تقدم الكلام على الجفر فر ترجمة عبد المؤمن فليكشف من هناك؛ والله أعلم.