الملك العادل ابن أيوب

أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك العادل سيف الدين، أخوه السلطان صلاح الدين، رحمهما الله تعالى- وقد تقدم ذكر والده في حرف الهمزة، وسيأتي ذكر أخيه صلاح الدين في حرف الياء إن شاء الله تعالى؛ وكان الملك العادل قد وصل إلى الديار المصرية صحبة أخيه وعمه أسد الدين شيركوه- المقدم ذكره - وكان يقول: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجب إلى حرمدان، فطلبته من والدي فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر أعطني ملئه ذهباً، فلما جاء إلى مصر قال: يا أبا بكر أين الحرمدان؟ فرحت وملأته من الدراهم السود وجعلت أعلاها شيئاً من الذهب وأحضرته إليه، فلما رآه اعتقده ذهباً، فقلبه فظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر تعلمت من زغل المصريين.

ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام ويستدعي منه الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم، ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الحمول تأخرت مدة، فتقدم السلطان إلى العماد الأصبهاني أن يكتب إلى أخيه الملك العادل يستحثه على إنفاذها حتى قال: يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله؛ فلما وصل الكتاب إليه ووقف على هذا الفصل شق عليه، وكتب إلى القاضي الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك، فكتب القاضي الفاضل جوابه، وفي جملته: "وأما ما ذكره المولى من قوله يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة فظة ما المقصود بها من المالك النجعة، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة، وكم من لفظة فظة، وكلمة فيها غلظة، جبرت عي الأقلام، وسدت خلل الكلام، وعلى المملوك الضمان في هذه النكتة، وقد فات لسان القلم منها أي سكنة، وكان المملوك حاضراً وقد خرجت قوارع الاستحثاث، وصرصر البازي وقوة نفس العماد قوة نفس البغاث، والسلام".

ولما ملك السلطان مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة- كما تقدم في ترجمة عماد الدين زنكي - أعطاها لولده الملك الظاهري غازي- المقدم ذكره - ثم أخذها منه أعطاها للملك العادل، فانتقل إليها وقصد قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، ثم نزل عنها للملك الظاهري غازي ابن السلطان - المقدم ذكره - لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين، وخرج منها في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، ثم أعطاها السلطان قلعة الكرك، وتنقل في المماليك في حياة السلطان وبعد وفاته؛ وقضاياه مشهورة مع الملك الفضل والملك العزيز والملك الظاهر، فلا حاجة إلى الإطالة بشرحها؛ وآخر الأمر أنه استقل بمملكة الديار المصرية، وكان دخوله القاهرة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، واستقرت له القواعد.

وقال أبو البركات ابن المستوفي في "تاريخ إربل" في ترجمة ضياء الدين أي الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الوزير الجزري ما مثاله: وجدت بخطه "خطب للملك العادل أبي بكر ابن أيوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وملك معها البلاد الشامية والشرقية وصفت له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسير إليها ولد ولده المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف المعروف بأطسيس ابن الملك الكامل- الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -.

وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيوب ينوب عنه في ميافارقين وتلك النواحي، فاستولى على مدينة خلاط وبلاد أرمينية واتسعت مملكته، وذلك في سنة أربع وستمائة.

ولما تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية والملك المعظم البلاد الشامية، والملك الأشرف البلاد الشرقية، والأوحد في المواضع التي ذكرناها.

وكان ملكاً عظيماً ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب، حسن السيرة جميل الطوية، وافر العقل، حازماً في الأمور صالحاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها، متبعاً لأرباب السنة مائلاً إلى العلماء، حتى صنف له فخر الدين الرازي كتاب "تأسيس التقديس" وذكر اسمه في خطبته وسيره إليه من بلاد خراسان وبالجملة فإنه كان رجلاً مسعوداً، ومن سعادته أنه خلف أولاداً لم يخلف أحد من الملوك امثالهم في نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلة همتهم، ودانت لهم العباد وملكوا خيار البلاد، ولما مدح ابن عنين- المقدم ذكره - الملك العادل بقصيدته الرائية المذكور بعضها في ترجمته جاء منها في مديح أولاده المذكورين قوله:

وله البنون بكل أرض مـنـهـم

 

ملكٌ يقود إلى الأعادي عسكـرا

من كل وضاح الجبين تـخـاره

 

بدراً، وإن شهد الوغى فغضنفرا

متقدمٌ حتى إذا النقع انـجـلـى

 

بالبيض عن سبي الحريم تأخرا

قوم زكوا أصلاً وطابوا محتـدا

 

وتدفقوا جوداً وراقوا منـظـرا

وتعاف خيلهم الورود بمنـهـلٍ

 

ما لم يكن بدم الوقائع أحـمـرا

يعشو إلى نار الوغى شغفاً بهـا

 

ويجل أن يعشو إلى نار القـرى

 

وكم للشعراء فيهم من القصائد المختارة، لكن ذكرت هذه لكونها جامعة لجمعهم، ومن جملة هذه القصيدة في مدح الملك العادل قوله ولقد أحسن فيه:

العـادل الـمـلـك الـذي أسـمـاؤه

 

في كل ناحية تـشـرف مـنـبـرا

وبكل أرض جنة من عـدلـه الـص

 

افي أسـأل نـداه فـيهـا كـوثـرا

عدل ببيت الذئب منه علـى الـطـوى

 

غرتان وهو يرى الغزال الأعـقـرا

ما في أبي بكر لمعـتـقـد الـهـدى

 

شك يريب بـأنـه خـير الــورى

سيف صقال المجد أخلـص مـتـنـه

 

وأبان طيب الأصل منه الـجـوهـرا

ما مدحه بالـمـسـتـعـار لـه ولا

 

آيات سـؤدده حـديث يفـتـــرى

بين المـلـوك الـغـابـرين وبـينـه

 

في الفضل ما بين الثـريا والـثـرى

نسخت خلائقه الـحـمـيدة مـا أتـى

 

في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا

ملك إذا خفت حلـوم ذوي الـنـهـى

 

في الـروع زاد رصـانة وتـوقـرا

ثبت الجنـان تـراع مـن وثـابـتـه

 

وثباته يوم الوغـى أسـد الـشـرى

لفظٌ يكـاد يقـول عـمـا فـي غـد

 

ببـديهة أغـنـتـه أن يتـفـكــرا

حلم تـخـف لـه الـحـلـوم وراءه

 

رأي وعزم يحـقـر الإسـكـنـدرا

يعفو عن الذنب العـظـيم تـكـرمـاً

 

ويصد عن قول الخنـا مـتـكـبـرا

لا تسعـمـن حـديث مـلـك غـيره

 

يروى، فكل الصيد في جوف الفـرا

وبالجملة فإنها من القصائد المختارة.

ولما قسم البلاد بين أولاده كان يتردد بينهم، وينتقل إليهم من مملكة إلى أخرى. وكان في الغالب يضيف بالشام لأجل الفواكه والثلج والمياه الباردة، ويشتي في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد، وعاش في أرغد عيش، وكان يأكل كثيراً خارجاً عن المعتاد، حتى يقال إنه يأكل وحده خروفاً لطيفاً مشوياً، وكان له في النكاح نصيب وافر، وحاصل الأمر انه كان ممتعاً في دنياه.

وكانت ولادته بدمشق في المحرم سنة أربعين، وقيل ثمان وثلاثين وخمسمائة. وتوفي في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة بعالقين، ونقل إلى دمشق ودفن بالعلقة ثاني يوم وفاته، ثم نقل إلى مدرسته المعروفة به ودفن في التربة التي بها، وقبره على الطريق يراه المجتاز من الشباك المركب هناك، رحمه الله تعالى. وعالقين: بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف مكسورة أيضاً وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون، وهي قرية بظاهر دمشق من الجيدور وكان ذلك عند وصول الفرنح إلى ساحل الشام، وقصدوا أولاً لقاء الملك العادل، فتوجه قدامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم، فلما وصل إلى الموضع المذكور توفي به، فحينئذ أعرض جميع الفرنج عن دمشق، وقصدوا الديار المصرية فكانت وقعة دمياط المشهورة في ذلك التاريخ، وتاريخها مضبوط في ترجمة يحيى بن منصور المعروف بابن جراح في حرف الياء.

وأطسيس: بفتح الهمزة وسكون الطاء المهملة وكسر السين المهملة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم سين ثانية، وهي كلمة تركية معناها بالعربية ما له اسم، ويقال: إنما سمي بذلك لأن الملك الكامل ما كان يعيش له ولد، فلما ولد هذا المسعود المذكور قال بعض الحاضرين في مجلسه من الأتراك: في بلادنا إذا كان الإنسان لا يعيش له ولد سماه أطسيس، فسماه أطسيس، والناس يقولون أقسيس بالقاف، وصوبه بالطاء، كذا قوالو والله أعلم.

ثم ظفرت بتاريخ تسلم حلب محرراً، وهو أن عماد الدين زنكي نزل من قلعتها يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر، وصعد صلاح الدين إليها يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر المذكور، والله أعلم.