محمد بن ملكشاه السلجوقي

أبو شجاع محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان المذكور قبله، الملقب غياث الدين، وقد تقدم في ترجمة جده تتمة نسبه فلا حاجة إلى الإعادة.

ولما توفي والده ملكشاه اقتسم مملكته أولاده الثلاثة وهو بركياروق وسنجر- وقد تقدم ذكرهما - ومحمد المذكور، ولم يكن لمحمد وسنجر، وهما من أم واحدة، وجود بركياروق حديث، لأنه كان السلطان المشار إليه، وهما كالأتباع له، ثم اختلف محمد وبركياروق، فدخل محمد المذكور وأخوه سنجر إلى بغداد، وخلع عليهما الإمام المستظهر بالله، وكان محمد قد التمس من أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر، فأجيب إلى ذلك، وجلس لهما في قبة التاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم وجلس أمير المؤمنين على سدته، ووقف سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة، وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب، وأفيض على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها، وأبس الطوق والتاج والسوارين، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين، وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد كجاري عادتهم في ذلك الزمان وتركوا الخطبة لبركياروق لسبب اقتضى ذلك، ولا حاجة لشرحه لطوله، قال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه: وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقال صاحب تاريخ السلجوقية: أقيمت الخطبة ببغداد للسلطان محمد في سابع عشر ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين واربعمائة، ووافقه على ذلك غيره؛ ثم قال الهمداني: وكان من الاتفاق العجيب أن خطيب جامع القصر ببغداد لما بلغ إلى الدعاء للسلطان بركياروق، وأراد أن يذكره، سبق لسانه للسلطان محمد ودعا له، فأتى أصحاب بركياروق وشنعوا بما جرى في الديوان العزيز، فعزل الخطيب لهذا السبب ورتبوا ولده موضعه، فلم تتأخر خطبة السلطان محمد عن هذه الواقعة إلا أياماً قلائل، وكان ذلك فألاً للسلطان محمد، وأما بركياروق فإنه كان مريضاً وانحدر إلى واسط، ثم قوي أمره واستظهر، وجرى بينه وبين أخيه محمد مصاف على الري، وانكسر محمد، وبالجملة فإن شرح ذلك يطول.

وكان السلطان محمد المذكور رجل الملوك السلجوقية وفحلهم، وله الآثار الجميلة والسيرة الحسنة، والمعدلة الشاملة، والبر للفقراء والأيتام، والحرب للطائفة الملحدة والنظر في أمور الرعية.

وذكره أبو البركات ابن المستوفي في "تاريخ إربل" وذكر أنه وصل إليها في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ورحل عنها متوجهاً إلى الموصل في ثاني عشر الشهر المذكور، ثم قال: ووجدت في كتاب ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في مخاطبته السلطان محمد بن ملكشاه: اعلم يا سلطان العالم أن بني آدم طائفتين: طائفة غفلاء نظروا إلى مشاهد حال الدنيا، وتمسكوا بتأميل العمر الطويل، ولم يتفكروا في النفس الأخير، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم، لينظروا إلى ماذا يكون مصيرهم، وكيف يخرجون من الدنيا ويفرقونها وإيمانهم سالم، وما الذي ينزل من الدنيا في قبورهم، وما الذي يتركون لأعيادهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله.
ثم إن السلطان محمداً استقل بالمماليك بعد موت أخيه بركياروق- في التاريخ المذكور في ترجمته - ولم يبق له منازع وصفت له الدنيا، وأقام على ذلك مدة، ثم مرض زماناً طويلاً، وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة بمدينة أصبهان، وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وهو مدفون بأصبهان في مدرسة عظيمة، وهي موقوفة على الطائفة الحنفية، وليس بأصبهان مدرسة مثلها. ولما أيس من نفسه أحضر ولده محمداً - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقبله وبكى كل واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس، فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك، يعني من طريق النجوم، فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك فمبارك بالسلطنة. فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين، ولم يخلف أحد من الملوك السلجوقية ما خلفه من الذخائر وأصناف الموال والدواب وغير ذلك مما يطول شرحه، رحمه الله تعالى؛ وسيأتي ذكر والده في هذا الحرف، إن شاء الله تعالى.

وتزوج الإمام المقتفي أمر الله فاطمة ابنة السلطان محمد المذكور، وكان الوكيل في قبول النكاح الوزير شرف الدين أبا القاسم علي ابن طراد الزينبي، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وحضر أخوها مسعود العقد، ونقلت فاطمة ابنة السلطان المذكورة إلى دار الخلافة للزفاف سنة أربع وثلاثين، ويقال إنها كانت تقرأ وتكتب، ولها التدبير الصائب، وسكنت في الموضع المعروف بدركاه خاتون، وتوفيت في عصمته يوم السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ودفنت بالرصافة، رحمها الله تعالى، والله أعلم بالصواب.