الملك الكامل الأيوبي

أبو المعالي محمد، ابن الملك العادل المذكور، الملقب بالملك الكامل ناصر الدين؛ قد سبق فر ترجمة والده طرف من خبره؛ ولما وصل الفرنج إلى دمياط - كما تقد ذكره - كان الملك الكامل في مبدأ استقلاله بالسلطنة، وكان عند جماعة كثيرة من أكابر الأمراء، وفيهم عماد الدين أحمد بن المشطوب- المذكور في حرف الهمزة - فاتفقوا مع أخيه الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل وانضموا إليه، وظهر للملك الكامل منهم أمور تدل على أنهم عازمون على تفويض السلطنة إليه وخلع الملك الكامل، واشتهر ذلك بين الناس؛ وكان الملك الكامل يداريهم لكونه في قبالة العدو، ولا يمكنه المقافزة والمنافرة، وطول نفسه معه، ولم يزل على ذلك حتى وصل إليه أخوه الملك المعظم صاحب دمشق - المذكور في حرف العين - يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة، فأطلعه الملك الكامل في الباطن على صورة الحال، وأن رأس هذه الطائفة ابن المشطوب، فجاءه يوماً على غفلة إلى خيمته واستدعاه، فخرج إليه فقال له: أريد أن أتحدث معك سراً في خلوة، فركب فرسه وسار معه وهو جريدة وقدر جر المعظم جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق إليهم، وقال لهم: اتبعونا، ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث ويخرج معه من شيء إلى شيء حتى أبعد عن المخيم، ثم قال له: يا عماد الدين، هذه البلاد لك ونشتهي أن تهبها لنا، ثم أعطاه شيئاً من النفقة، وقال لأولئك المجردين: تسلموه حتى تخرجوه من الرمل، فلم يسعه إلا امتثال الأمر لانفراده وعدم القدرة على الممانعة في تلك الحال.

ثم عاد المعظم إلى أخيه الكامل وعرفه صورة ما جرى، ثم جهز أخاه الملك الفائز إلى الموصل لإحضار النجدة منها ومن بلاد الشرق، فمات بسنجار وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد، فلما خرج هذان الشخصان من العسكر تحللت عزائم من بقي من المراء الموافقين لهما، ودخلوا في طاعة الملك الكامل كرهاً لا طوعاً، وجرى في قضية دمياط ما هو مشهور، فلا حاجة إلى الإطالة بذكره؛ ولما ملك الفرنج دمياط وصارت في قبضتهم خرجوا منها قاصدين القاهرة ومصر، ونزلوا في رأس الجزيرة التي دمياط في برها، وكان المسلمون قبالتهم في القرية المعروفة بالمنصورة، والبحر حائل بينهم، وهو بحر أشموم، ونصر الله تعالى بمنه وجميل لطفه المسلمين عليهم، كما هو مشهور، ورحل الفرنج عن منزلهم ليلة الجمعة سابع شهر رجب سنة اثنا عشرة وستمائة، وتم الصلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر المذكور، ورحل الفرنج عن البلاد في شعبان من السنة المذكورة، وكانت مدة إقامتهم في بلاد الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهراً وسبعة عشرة يوماً، وكفى الله شرهم والحمد لله على ذلك، وقد فصلت ذلك في ترجمة يحيى بن جراح فيكشف هناك.

فلما استراح خاطر الملك الكامل من جهة هذا العدو تفرغ للأمراء الذين كانوا متحاملين عليه فنفاهم عن البلاد، وبدد شملهم وشردهم، ودخل إلى القاهرة وشرع في عمارة البلاد واستخراج الأموال من جهاتها، وكان سلطاناً عظيم القدر جميل الذكر محباً للعلماء متمسكاً بالسنة النبوية حسن الاعتقاد معاشراً لأرباب الفضائل حازماً في أموره، لا يضع الشيء إلا في موضعه من غير إسراف ولا إقتار؛ وكانت تبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء، ويشاركهم في مباحثاتهم، ويسألهم عن المواضع المشكلة من كل فن، وهو معهم كواحد منهم، وكان يعجبه هذا البيتان وينشدهما كثيراً، وهما:

 

ما كنت من قبل ملك قلبي

 

تصد عن مدنف حـزين

وإنما قد طمعـت لـمـا

 

حللت في موضع حصين

 

وبنى بالقاهرة دار حديث ورتب لها وقفاً جيداً، وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي، رضي الله عنه، قبة عظيمة، ودفن أمه عنده، وأجرى إليها من ماء النيل، ومدده بعيد، وغرم على ذلك جملة عظيمة.


ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام - في التاريخ المذكور في ترجمته- وقام ولده الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه، خرج الملك الكامل من الديار المصرية قاصداً أخذ دمشق منه، وجاءه أخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى - الآتي ذكره بعده إن شاء الله تعالى - فاجتمعا على أخذ دمشق - بعد فصول جرت يطول شرحها - وملك دمشق في أول شعبان سنة ست وعشرين وستمائة، وكان يوم الاثنين، فلما ملكها دفعها إلى أخيه الملك الأشرف، وأخذ عوضها من بلاد الشرق حران والرها وسروج والرقة ورأس عين، وتوجه إليها بنفسه في تاسع شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة.


واجتزت بحران في شوال سنة ست وعشرين وستمائة، والملك الكامل مقيم بها بعساكر الديار المصرية، وجلال الدين خوارزم شاه يوم ذاك يحاصر خلاط، وكانت لأخيه الملك الأشرف، ثم رجع إلى الديار المصرية.


ثم تجهز في جيش عظيم وقصد آمد في سنة تسع وعشرين وستمائة، فأخذها مع حصن كيفما وتلك البلاد من الملك المسعود ركن الدين مودود بن الملك الصالح أبي الفتح محمد بن نور الدين محمد بن فخر الدين قرأ أرسلان بن ركن الدولة داود ابن نور الدولة سقمان - ويقال سكمان - بن أرتق، وقد تقدم ذكر جدهم أرتق؛ أخبرني بعض أهل آمد ممن عنده معرفة أن آمد انبرم أمرها وتسليمها إلى الملك الكامل في تاسع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة، ودخلها ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب في العشرين من الشهر المذكور، دخلها المذكور في مستهل المحرم سنة ثلاثين وستمائة.


ولما مات الملك الأشرف - في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته - جعل ولي عهده أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل، فقصده الملك الكامل وانتزع منه دمشق، بعد مصالحة جرت بينهما، وذلك في التاسع من جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأبقى له بعلبك وأعمالها وبصرى وأرض السواد وتلك البلاد. ولما ملك البلاد الشرقية وآمد وتلك النواحي استخلف فيها ولده الملك الصالح نجم الدين أبا المظفر أيوب، واستخلف ولده الأصغر الملك العادل سيف الدين أبا بكر بالديار المصرية.


وقد تقدم في ترجمة الملك العادل انه سير الملك المسعود إلى اليمن، وكان أكبر أولاد الملك الكامل، وملك الملك المسعود مكة حرسها الله تعالى وبلاد الحجاز مضافة إلى اليمن. وكان رحيل الملك المسعود عن الديار المصرية متوجهاً إلى اليمن يم الاثنين سابع عشر رمضان المعظم سنة إحدى عشرة وستمائة، ودخل مكة شرفها الله تعالى في الثالث من ذي العقدة من السنة، وخطب له بها وحج، ودخل زبيد وملكها مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة، ودخل مكة شرفها الله تعالى في ربيع الآخر من سنة عشرين وستمائة، أخذها من الشريف حسن بن قتادة الحسني، واتسعت المملكة للملك الكامل. ولقد حكى لي من حضر الخطبة يوم الجعة بمكة شرفها الله تعالى انه لما وصل الخطيب إلى الدعاء للملك الكامل قال: صاحب مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، خادم الحرمين الشريفين، أو المعالي محمد الملك الكامل ناصر الدين خليل أمير المؤمنين؛ وبالجملة فق خرجا عن المقصود.


 ولقد رأيته بدمشق في سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة عند رجوعه من بلاد الشرق واستنفاذه إياها من يد علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلجوقي صاحب الروم، وهي وقعة مشهورة يطول شرحها، وفي خدمته يومئذ بضعة عشر ملكاً منهم أخوه الملك الأشرف. ولم يزل في علو شانه وعظم سلطانه إلى أن مرض بعد أخذ دمشق ولم يركب، وكان ينشد في مرضه كثيراً:

يا خليلي خبراني بـصـدق

 

كيف طعم الكرى فإني عليل

ولم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن بالقلعة بمدينة دمشق يوم الخميس من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكنت بدمشق يومئذ، وحضرت الصبحة يوم السبت في جامع دمشق لأنهم أخفوا موته إلى وقت صلاة الجمعة، فلما حضرت الصلاة قام بعض الدعاة على العريشة الذي بين يدي المنبر وترحم على الملك الكامل ودعا لولده الملك العادل صاحب مصر، وكنت حاضراً في ذلك الموضع، فضج الناس ضجة واحدة، وكانوا قد أحسوا بذلك، لكنهم لم يتحققوه إلا ذلك اليوم.

وترتب ابن أخيه الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن الملك العادل في نيابة السلطنة بدمشق، عن الملك العادل بن الملك الكامل صاحب مصر، باتفاق الأمراء الذين كانوا حاضرين ذلك الوقت بدمشق.

ثم بنى له تربة مجاورة للجامع، ولها شباك إلى الجامع، ونقل إليها؛ وكانت ولادته في سنة ست وسبعين وخمسمائة في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول كذا وجدته بخط من يعتني بالتاريخ، والله أعلم.

وتوفي ولده الملك المسعود بمكة شرفها الله تعالى في ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة، ومولده في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكان بمكة رجل من المجاورين يقال له الشيخ صديق بن بدر بن جناح، من أكراد بلاد إربل، وكان من كبار الصالحين، فلما حضرت الملك المسعود الوفاة أوصى أنه إذا مات لا يجهز بشيء من ماله، وكفنه في إزار كان أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة، وجهزه تجهيز الفقراء على حسب قدرته، وكان أوصى انه لا يبني على قبره شيء، بل يدفن في جانب المعلى جبانة مكة، وكان أوصى انه لا يبنى على قبره "هذا قبر الفقير إلى رحمة الله تعالى يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب " ففعل به ذلك. ثم إن عتيقة الصارم قايماز المسعودي الذي تولى القاهرة بعد ذلك بنى عليه قبة، ولما بلغ الملك الكامل ما فعله الشيخ الذي تولى القاهرة بعد ذلك بنى عليه قبة، ولما بلغ الملك الكامل ما فعله الشيخ صديق كتب إليه وشكره فقال: ما فعلت ما أستق به الشكر، فإن هذا رجل فقير سألني القيام بأمره فساعدته بما يجب على كل أحد القيام به من مواراة الميت، فقيل له: تكتب جواب الملك الكامل؟ فقال: ليس لي إليه حاجة، وكان قد سأله أن يسأله حوائجه كلها، فما رد عليه الجواب؛ أخبرني بذلك كله من كان حاضراً ويعرف ما يقول، والله أعلم. وأما ولد الملك العادل فإنه أقام في المملكة إلى يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة، فقبض عليه أمراء دولته بظاهر بلبيس، وطلبوا أخاه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان الصالح قد صالح الملك الجواد على أن أعطاه دمشق، وعوضه عنها سنجار وعانة، وقدم الصالح دمشق متملكاً لها في مستهل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة. ثم إن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بعلبك اتفق مع الملك المجاهد أسد الدين شير كوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شير كوه صاحب حمص على أخذ دمشق اغتيالاً، وكان الملك الصالح نجم الدين قد خرج منها قاصداً الديار المصرية ليأخذها من أخيه الملك العادل، فلما استقر بنابلس وأقام بها مدة جرت هذه الكائنة في سنة سبع وثلاثين وستمائة، يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر، فهجما دمشق بعساكرهما وأخذاها، وهي قضية مشهورة، فلما أخذت دمشق رجع العسكر الذي كان مع الصالح نجم الدين إليها ليدرك كل واحد منهم أهله وبنيه، وتركوا الملك الصالح بنابلس وحيداً في نفر قليل من غلمانه وأتباعه، فجاءه الملك الناصر ابن الملك المعظم صاحب الكرك، وقبض عليه ليلة السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة، وأرسله إلى الكرك واعتقله بها، ثم إنه أفرج عنه في ليلة السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، وشرح ذلك يطول. واجتمع هو والملك الناصر على نابلس، فما قبض الملك العادل في التاريخ المذكور وطلب الأمراء الملك الصالح نجم الدين أيوب جاءهم ومعه الملك الناصر صاحب الكرك، ودخلا القاهرة في الساعة الثانية من يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكنت إذ ذاك بالقاهرة، وأدخل أخوه الملك العادل في محفة واعتقله بها عند دخوله في داخل الدور السلطانية، وبسط العدل في الرعية وأحسن إلى الناس وأخرج الصدقات ورمم ما تهدم من المساجد، وسيرته طويلة.

ثم إنه أخذ دمشق من عمه الملك الصالح في يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وأبقى عليك بعلبك، ومضى بعد ذلك إلى الشام في سنة "أربع وأربعين ودخلها في تاسع عشر ذي القعدة من السنة، ثم توجه إليها" ست وأربعين بعد أن كان عاد إلى مصر، ودخل دمشق في أوائل شعبان من السنة، وسير العساكر لحصار حمص، وقد كان الملك الناصر صاحب حلب أخذها من صاحبها الأشرف ابن صاحب حمص، ثم رجع في أوائل سنة سبع وأربعين وهو مريض.

وقصد الفرنج دمياط وهو مقيم بأشموم ينتظر وصولهم، وكان وصولهم إليها يوم الجمعة العشرين من صفر سنة سبع وأربعين وستمائة، وملكوا بر الجيزة يوم السبت، وملكوا دمياط يم الأحد ثلاثة أيام متوالية لأن العسكر وجميع أهلها تركوها وهربوا منها.

وانتقل الملك الصالح من بأشموم إلى المنصورة، ونزل بها وهو في غاية من المرض، وأقام بها على تلك الحال إلى أن توفي هناك ليلة الاثنين نصف شعبان من السنة المذكورة، وحمل إلى القلعة الجديدة التي في الجزيرة، وترك بها في مسجد هناك، وأخفي موته مقدار ثلاثة أشهر، والخطبة باسمه، إلى أن وصل ولده الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا على البرية إلى المنصورة، فعند ذلك أظهروا موته، وخطب لولده المذكور، ثم بعد ذلك بني له بالقاهرة إلى جنب مدراسه تربة، ونقل إليها في رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة. وكانت ولادته في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة، هكذا وجد بخط ابنه مكتوباً، ورأيت في مكان آخر أنه ولد في ليلة الخميس الخامس من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وفي مكان آخر أنه ولد في الرابع من المحرم سنة أربع وستمائة، والله تعالى أعلم؛ وأمه جارية مولدة سمراء اسمها ورد المنى، رحمه الله تعالى.

وكانت ولادة الملك العادل في ذي الحجة سنة سبع عشرة وستمائة، بالمنصورة ووالده في قبالة العدو على دمياط، وتوفي في الاعتقال يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة بقلعة القاهرة، ودفن في تربة شمس الدولة خارج باب النصر، رحمه الله تعالى.

هذه الفصول ذكرت خلاصتها، ولو فصلتها لطال الشرح، والمقصود الاختصار وطلب الإنجاز مع أني كنت حاضراً أكثر وقائعها.

 وكان للملك العادل المذكور ولد صغير يقال له الملك المغيث مقيماً بالقلعة، فلما وصل بن عمه الملك المعظم توران شاه إلى المنصورة سير من هناك ونقله إلى قلعة الشوبك. فلما جرت الكائنة على المعظم متسلم قلعة الكرك الملك المغيث من الشوبك وسلم إليه الكرك والشوبك وتلك النواحي، وهو الآن ملكها، ولم يزل مالكاً لها إلى سنة إحدى وستين وستمائة، فنزل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس المذكور في ترجمة القاضي مجلي صاحب كتاب "الذخائر" بالغور، وراسله وبذل له من تسليم البلد بذولاً كثيرة وحلف له، ويقال إنه ورى في اليمن ولم يستقص فيها. فنزل إليه إلى منزله بالطور من الغور، فقيض عليه ساعة وصوله إلى قلعة الجبل بمصر واعتقله بها.

وكان للمغيث ولد ينعت بالعزيز فخر الدين عثمان صغير السن، فأمره الملك الظاهر، ولم يزل في خدمته أميراً إلى أن فتح أنطاكية في شهر رمضان سنة ست وستين وستمائة، وتوجه من الشام بعد ذلك إلى مصر، فلما دخل إليها قبض عليه واعتقله، وهو الآن معتقل بقلعة الجبل المذكور.

وهذه قلعة الكرك هي المذكورة في ترجمة القاضي مجلي أيضاً، وكان الملك الظاهر يخاف على أولاده فكان يبالغ في تحصين القلعة المذكور، ويملؤها بالذخائر والأموال، ولما جرى لولده السعيد ما ذكرنا في ترجمة القاضي مجلي وتوجه إلى الكرك نفعته تلك الذخائر ووجدها عوناً له على زمانه.

ولما توفي الملك السعيد ابن الملك الظاهر في الكرك - كما ذكرناه في الترجمة المذكورة - ملكها بعد أخوه الملك المسعود نجم الدين خضر ابن الملك الظاهر باتفاق ممن كان بها من مماليك أبيه ومن أمرائه، وهو الآن ممتلكها مقيم بها، ثم نزل منه بالأمان بعد حصاره فيها مدة الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري كان نائب المملكة، وتقدم العساكر، ونزل معه أخوه الملك العادل سلامش بعد أخيه السعيد، وتوجه إلى الديار المصرية إلى خدمة السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحي المذكور في ترجمة القاضي مجلي في أوائل هذا الحرف، فاحسن السلطان إليهما، وجعل الملك خضراً وأخاه سلامش أميرين، وأقطعهما الإقطاعات الجيدة، وأسكنهما بقلعة الجبل المنصور، واستمر الأمر على ذلك، وهما مختلطان به في جملة من أهله ملازمان للركوب مع ولديه السلطان الملك الصالح علاء الدين والملك الأشرف صلاح الدين خليل.

"ولم يزل الأمر كذلك إلى شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة، فجرى من الأمر ما اقتضى الحال معه القبض على الأميرين نجم الدين خضر وبدر الدين سلامش المذكورين واعتقالهما بقلعة الجبل المنصورة وأما الملك الصالح بن الملك المنصور المذكور، فإنه كان ولي عهد أبيه، وكان حازماً شديد الرأي. وتوفي في حياة والده في شهر شعبان سنة سبع وثمانين وستمائة، ثم إن والده جعل ولاية العهد إلى ولده الملك الأشرف المذكور، وقلده الملك في شهر شوال سنة سبع وثمانين المذكورة وهو من الملوك المشهورين بعلو الهمة والسعادة والحزم.

وتوفي الملك المنصور قلاون في يوم السبت من شهر ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة في دهليزه بمسجد التين. وكان قد خرج على نية الغزاة إلى عكا، فعرض له مرض، فقضى به نحبه وعادت العساكر إلى مستقرها.

واستقل ولده السلطان الملك الأشرف بالمملكة يجمع المعاقل والبلاد، ولم ير في الملوك أكثر سعادة منه، ولا أعلى همة ولا أكرم نفساً ولا أكثر وفاء لمن خدمه ولاذ به. وفي أيام الملك المنصور فتحت طرابلس الشام يوم الثلاثاء تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وستمائة، وكان نازلها بنفسه وعساكره، وفتحها قهراً بالسيف، واستولى القتل والأسر والنهب على أهلها، وملك ما جاورها من قلعة جبيل والبترون وغير ذلك، ثم إن الملك الأشرف المذكور بعد استقلاله بالملك بمدة يسيرة خرج بنفسه وجمع عساكره وتوجه إلى عكا، فنازلها في يوم، وكان خروجه من مصر في يوم، واجتمع على عكا جميع الناس: الجند والمتطوعة وغيرهم وسائر البلاد، ويسر الله فتحها في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى سنة تسعين وستمائة، في مثل الساعة من اليوم من الشهر الذي أخذت فيه من السلمين، إلا أن الشهر كان الأولى، وأخذت من المسلمين في أيام صلاح الدين يوسف بن أيوب في الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وأن السلطان الملك الأشرف صلاح الدين أخرج أهلها منها وقتلهم جميعاً بالسيف، وكذلك الفرنج عملوا بالذي كان فيها من المسلمين لما ملكوها في أيام صلاح الدين، فانظروا إلى هذا الاتفاق العجيب في أمور كثيرة. لما أخذت من صلاح الدين ملكها صلاح الدين وقتل المسلمون بها ثم قتل الكافرون بها، ثم ملكها المسلمون ثاني ساعة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى، فسبحان مقدر الأمور.

ثم انحلت عزائم الفرنج عن أخذ عكا، فهرب من كان في بيروت وعثليت وهما حصنان عظيمان لا تتطرق الأوهام إليهما، وملكها المسلمون بحول الله وقوته من غير منازع. وملكوا أيضاً صيدا وبيروت وحيفا فلم يبق للفرنج على الساحل الشامي قلعة ولا بلد ولا قرية ولا جزيرة إلا وملك المسلمون ذلك جميعه والحمد لله وحده".

وتوفي المعظم توران شاه يوم الاثنين السابع والعشرين من المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.

ب -الملك الكامل الأيوبي أبو المعالي محمد بن أبي بكر الملقب الملك الكامل ناصر الدين صاحب الديار المصرية. خطب له أخوته وأهل بيته في بلادهم وضربوا السكة باسمه؛ وكان محبوباً إلى الناس مسعوداً مؤيداً في الحروب. ولما نزل الفرنج على دمياط في صفر سنة خمس عشرة اتفق لما يريده الله تعالى وفاة والده العادل، وجرت أمور مع ذلك أوجبت خروج السلطان ومن معه من المخيم ليلاً إلى أشموم - حسبما هو مشروح في ترجمة عماد الدين أحمد بن المشطوب المذكور في حرف الهمزة - وكان "الفرنج" قد ساروا عن دمياط في الفارس والراجل، وقصدوا الملك الكامل فنزلوا مقابله، وبينهما بحر أشموم وهم يرمون بمناجيقهم وجروخهم إلى عساكر المسلمين، وتيقنوا وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية، فوصل الشرف وتلقاه أخوه الكامل والمعظم، واستبشروا به وكافة المسلمين وتوقعوا النصرة على الأعداء الكافرين، ووقع الاتفاق أن يبعثوا في بحر المحلة أسطولاً يدخل إلى بحر دمياط ليمنع الميرة عن الفرنج، وأمر السلطان بنصب الجسور وعبر عليها المسلمون إلى جزيرة، شرمساح التي الفرنج مخيمون عليها، وكسروا النيل عليها؛ وكان النيل في زيادته، فركب الماء أكثر تلك الأرض، ولم يبق للفرنج جهة يسلكونها، غير جهة واحدة ضيقة إن أرادوا العود إلى دمياط، وعبرت العساكر وملكوا الطريق، ولم يبق لهم خلاص، وأيقنوا بالهلكة، فراسلوا السلطان الملك الكامل يبذلون له النزول عن دمياط على أن يؤمنهم، فأجابهم إلى ذلك، وشرط عليهم إطلاق من في أيديهم من أسرى المسلمين، وأخذ منهم رهائن ملوكهم على تسليم البلد، وتقرر بينهم صلح مدة ثمان سنين، وتسلم السلطان دمياط يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جرب، فكانت مدة ملك الفرنج لها سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوماً؛ وكان يوماً مشهوداً؛ ومن العجيب أن المسلمين لما تسلموها وصلت الفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا المسلمين إليها لامتنعوا من تسليم دمياط ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. فلما دخلها المسلمون لم يجدوا فيها من أهلها إلا آحاداً، فبعضهم سار عنها باختياره، وبعضهم مات. وكان الفرنج قد حصنوها تحصيناً عظيماً بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل إليها؛ وأعاد الله سبحانه وتعالى الحق إلى نصابه ورده إلى أربابه، فالله المحمود المشكور على ما أنعم به على الإسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو، وكفاهم شره. منقبة للملك الكامل جرت في هذه النوبة: لما وقع الحصار على مدينة دمياط اتفق أن علجاً منهم، لعنه الله، قد ألهج لسانه بسبب النبي صلى الله عليه وسلم، معلناً به على خنادقهم، ومنكياً لمن يليهم من حرس الإسلام ورجالهم، وكان أمره قد استفحل، وداء اشتهاره بهذه العظيمة قد أعضل، وقد جعل هذا الأمر ديدن جهاده، وذهب عنه أن الله تعالى ينتقم لنفسه من عتو هذا اللعين وعناده. فلما كانت الوقعة المشهورة في شعبان من سنة عشرة التي أسر فيها أعلاج الكفر وكنودهم، وأفاء الله على أهل دينه عدوهم وعديدهم، واستولى منهم على ما يناهز ألفي فارس، عرف هذا العلج في جملة من اشتمل عليه الاستيلاء منهم حصراً وعداً، وعوجل بعقوبة كفره الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا؛ فلما صفد في وثاقه، وخرست شقاشق شقاقه، أشعر السلطان الملك الكامل بموضعه، فتنوعت المشورات بصورة قتل هذا الكافر، واللحاق بروحه إلى الجحيم التي هي مأوى الفاجر، فصمم الملك الكامل على إرسال هذا العلج مع من يوصله إلى والي المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وإشعاره بأمره، وأن يباشر بذلك المحل الشريف تطهير الأرض من كفره. فما وصل أقيم بين يدي الضريح المطهر، ونوجي ذلك المحل الأطهر، وذلك في عيد الفطر من السنة المذكورة، وقيل: يا رسول الله: هذا عدو لله وعدوك، والمصرح في ملة كفره بسبك وسبب صاحبك، قد أرسله محمد سلطان مصر ليقتل بين يديك، ويشكر الله لما وفقه من مجاهدة الشرك الذين كفروا بما أنزل إليك، ورام أن يجعله عبرة لمن انتهك حرمتك واجترأ عليك، فتهادته أيدي المنايا ضرباً بالسيوف، وفرح المؤمنون بنصر الله لدينه على طوائف الشرك وأن رغمت منها الأنوف، والحمد لله رب العالمين.

لا جرم أنه بعد وفاته أثيب على هذا المقصد السديد، والتوفيق الذي ما على النعمة به من مزيد: أن الانبرور ملك صقلية وغيرها من بلاد الفرنج - وهو اليوم أكبر ملوكهم خطراً وكانت بينه وبين الملك الكامل صداقة ومهاداة يألف بها إلى أن تأكدت له محبته وصار ذبه عن بلاده من طوائف الكفر ديدنه وعادته - كان عنده من الأسرى المأخوذين من مدينة ميرقة من الغرب عند استيلائه عليها جماعة، فأحضرهم الانبرور بين يديه، وقال له: يا حجاج، قد أعتقتكم عن الملك الكامل؛ وسيرهم مع قصاد تقودهم إلى عكا وأمرهم بحب قيودهم عند قبره، وإطلاق سبيلهم.

وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء آخر النهار، ودفن يوم الخميس في الساعة الثانية منه، وذلك لتسع بقين من شهر رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة بالكلاسة رحمه الله تعالى.

ولما توفي كان ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب بالبلاد الشرقية، وهي التي كانت بيده في حياة والده، وكان ولده الملك العادل سيف الدين أبو بكر بالديار المصرية؛ ولما بلغ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وفاة السلطان، قصد سنجار مريداً حصارها، وبها الملك الصالح نجم الدين، فنازلها وزحف إليها، فأرسل عليهم الخوارزمية، فأوقعوا بهم واستولوا على جميع ما معهم من الأثقال، ثم جرت مراسلات آخرها أنهم انقادوا لأمره، ودخلوا في طاعته؛ وكانت هذه الواقعة من الوقائع العجيبة.

ولما كان مستهل جمادى الآخرة وصل الملك الصالح المذكور إلى دمشق ودخلها في الساعة الخامسة من النهار، وقد تقدم في ترجمة بهاء الدين زهير المذكور طرف من حديثه وملكه للديار المصرية، حسبما شرحناه ثم.