الوزير فخر الملك

أبو غالب محمد بن علي بن خلف، الملقب فخر الملك، وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن بوية، وبعد وفاته وزر لولده سلطان الدولة أبي شجاع فناخسرو. وكان فخر الملك المذكور من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعد أبي الفضل محمد بن العميد والصاحب بن عباد - المقدم ذكرهما - وكان أصله من واسط، وأبوه صيرفياً، وكان واسع النعمة فسيح مجال الهمة جم الفضائل والإضال جزيل العطايا والنوال، قصد جماعة من أعيان الشعراء ومدحوه، وقرضوه بنخب المدائح، منهم أبو نصر عبد العزيز بن نباتة الشاعر - المقدم ذكره - له فيه قصائد مختارة، منها قصيدته النونية التي من جملتها يقول:

لكل فتى قرين حين يسمو

 

وفخر الملك ليس له قرين

أنخ بجنابه واحكم عـلـيه

 

بما أملته فأنا الضـمـين

 

أخبرني بعض علماء الأدب أن بعض الشعراء امتدح فخر الملك بعد هذه القصيدة، فأجازه إجازة لم يرضها، فجاء الشعر إلى نباتة، وقال له: أنت غررتني، وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك، فتعطي ما يليق بمثل قصيدتي، فأعطاه من عنده شيئاً رضي به، بلغ ذلك فخر الملك، فسير لابن نباتة جملة مستكثرة لهذا السبب.


ويقرب من معنى هذين البيتين في شدة الوثوق بالعطاء قول المتنبي:

وثقنا بأن تعطي فلو لم تجد لـنـا

 

لخلناك قد أعطيت من قوة الوهم

 

ويحكى في هذا المعنى أيضاً أن بعض الشعراء مدح بعض الأكابر بقصيدة، فلما أصبح كتب إليه:

لم أعالجك بالرقاع إلى أن

 

عاجلتني رقاع أهل الديون

علموا أنني بمدحك أمسـي

 

ت ملياً فأصبحوا يرفعوني

 

ومن جملة مداحه المهيار بن مرزويه الكاتب الشاعر المشهور - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وفيه يقول قصيدته الرائية التي منها:

أرى كبدي وقد بردت قليلاً

 

أمات الهم أم عاش السرور

أم الأيام خافتـنـي لأنـي

 

بفخر الملك منها أستجـير

 

ومدائحه كثيرة، ولأجله صنف أبو بكر محمد بن الحسن الحاسب الكرجي كتاب "الفخري" في الجبر والمقابلة، وكتاب "الكافي" في الحساب.


ورأيت في بعض المجاميع أن رجلاً شيخاً رفع إلى فخر الملك المذكور قصة سعى فيها بهلاك شخص، فلما وقف فخر الملك عليها قلبها وكتب في ظهرها: "السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح، فخسرانك فيها أكثر من الربح، ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور، ولولا أنك في خفارة من شيبك لقابلناك بما يشبه مقالك، ونردع به أمثالك، فاكتم هذا العيب، واتق من يعلم الغيب، والسلام".


وذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب "تتمة يتيمة الدهر" للأشرف بن فخر الملك قوله:

مر بي الموكب لكنـنـي

 

لم أر فيه قمر الكوكـب

قل لأمير الجيش يا سيدي

 

ما لأمير الحسن لم يركب

 

ومحاسن فخر الملك كثيرة، ولم يزل في عزه وجاهه وحرمته إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة المذكور بسبب اقتضى ذلك، فحبسه ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز، يوم السبت، وقيل يوم الثلاثاء، لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعمائة، ودفن هناك، ولم يستقص في دفنه فنبشت الكلاب قبره وأكلته، ثم أعيد دفن رمته، فشفع فيه بعض أصحابه فنقلت عظامه إلى مشهد هناك فدفنت فيه في سنة ثمان وأربعمائة. وقال أبو عبد الله أحمد بن القادسي في "أخبار الوزراء": وكان الوزير فخر الملك قد أهمل بعض الواجبات فعوقب سريعاً، وذلك أن بعض خواصه قتل رجلاً ظلماً، فتصدت له زوجة المقتول تستغيث، فلم يلتفت إليها، فلقيه ليلة في مشهد باب التبن وقد حضر للزيارة، فقالت له: يا فخر الملك، القصص التي أرفعها إليك ولا تلتفت إليها صرت أرفعها إلى الله، وأنا منتظرة خروج التوقيع من جهته، فلما قبض عليه قال: لا شك أن توقيعها خرج، واستدعي إلى مضرب سلطان الدولة، ثم قبض عليه وعدل به إلى خركاه، وقد أحيط على أمواله وخزائنه وكراعه وولده وأصحابه، وقتل في التاريخ المذكور أعلاه وأخذ من ماله ستمائة ألف دينار ونيف وثلاثون ألف دينار، وقيل إنه وجد له ألف ألف ومائتا ألف دينار منطبعة.


ورثاه الشريف الرضي بأبيات ما اخترت منها شيئاً حتى أثبته هاهنا فسبحان اللطيف الخبير، الفعال لما يريد. ومولده بواسط يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وقد استوفى هلال ابن الصابي أخباره في تاريخه، والله تعالى أعلم بالصواب.