العماد الأصفهاني الكاتب

أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس الدين أبي الرجا حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله المعروف بابن أخي العزيز - وقد تقدم ذكر عمه العزيز في حرف الهمزة -. المعروف بأله، الملقب عماد الدين، الكاتب الأصبهاني.

كان العماد المذكور فقيهاً شافعي المذهب، تفقه بالمدرسة النظامية زماناً، وأتقن الخلاف وفنون الأدب، وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في شرحه. وكان قد نشأ بأصبهان وقد بغداد في حداثته، وتفقه على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الزاز مدرس النظامية، وسمع بها الحديث من أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن جيرون وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وأبي بكر أحمد بن علي بن الأشقر، وغيرهم، وأقام بها مدة.

ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، ولم يزل ماشي الحال مدة حياته، فلما توفي - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - تشتت شمل أتباعه والمنتسبين إليه ونال المكروه بعضهم، وأقام العماد مدة في هيش منكد وجفن مسهد، ثم انتقل إلى مدينة دمشق، فوصلها في شعبان سنة اثنتين وستين خمسمائة، وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن أتابك زنك - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وحاكمها ومتولي أمورها وتدبير دولتها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد ابن الشهرزوري - المقدم ذكره - فتعرف به وحضر مجالسه، وذكر لديه مسألة في الخلاف، وعرفه الأمير الكبير نجم الدين أبو الشكر أيوب والد السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى، وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريب فأحسن إليه وأكرمه وميزه عند الأعيان والأماثل، وعرفه السلطان صلاح الدين من جهة والده، ومدحه في ذلك الوقت بدمشق المحروسة، وذكر العماد ذلك في كتابه "البرق الشامي" وأورد القصيدة التي مدحه بها يومئذ. ثم إن القاضي كمال الدين نوه بذكره عند السلطان نور الدين، وعدد عليه فضائله وأهله لكتابة الإنشاء. قال العماد: فبقيت متحيراً في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي، ولا تقدمت لي به دربة. ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيدة عنده، لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه، وأجاد فيها وأتى فيها بالغرائب؛ وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضاً، وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام، وعلت منزلته عند نور العين، وصار صاحب سره، وسيره إلى دار السلام بغداد رسولاً في أيام الإمام المستنجد، ولما عاد فوض إليه تدريس المدرسة المعروفة به في دمشق، أعني العماد، وذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وخمسمائة، ثم رتبه في إشراف الديوان في سنة ثمان وستين، ولم يزل مستقيم الحال رخي البال، إلى أن توفي نور الدين - في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقام ولده الملك الصالح إسماعيل مقامه وكان صغيراً فاستولى عليه جماعة كانوا يكرهون العماد فضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه وسافر قاصداً بغداد فوصل إلى الموصل ومرض بها مرضاً شديداً.

ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية لأخذ دمشق، فانثنى عزمه عن قصد العراق وعزم على العود إلى الشام وخرج من الموصل رابع جمادى الأولى سنة سبعين وخمسمائة، وسلك طريق البرية، فوصل إلى دمشق في ثامن جمادى الآخرة وصلاح الدين يومئذ نازل على حلب، ثم قصد خدمته وقد تسلم قلعة حمص في شعبان من السنة، فحضر بين يديه وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها، ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله، فاستمر على عطلته مديدة، وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ويعرض عليه ويقرب بصحبته القديمة، ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه وقرب منه، فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم. وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية، والعماد ملازم الباب بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم.

وصنف التصانيف النافعة، من ذلك: كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر" جعله ذيلاً على "زينة الدهر" تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الحظيري، والحظيري جعل كتابه ذيلاً على دمية القصر وعصر أهل العصر للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلاً على "يتيمة الدهر" للثعالبي، وقد تقدم ذكر هؤلاء الثلاثة المؤلفين، والثعالبي جعل كتابه ذيلاً على كتاب "البارع" لهارون بن علي المنجم - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وقد ذكر العماد في خريدته الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب، ولم يترك أحداً إلا النادر الخامي، وأحسن في هذا الكتاب، وهو في عشر مجلدات.

وصنف كتاب "البرق الشامي" في سبع مجلدات، وهو مجموع تاريخ، وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام، وما جرى له في خدمة السلطان نورد الدين محمود، وكيفية تعلقه بخدمة السلطان صلاح الدين، وذكر شيئاً من الفتوحات بالشام، وهو من الكتب الممتعة، وإنما سماه "البرق الشامي" لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها.

وصنف كتاب "الفتح القدسي في الفتح القدسي" في مجلدين، يتضمن كيفية فتح البيت المقدس، وصنف كتاب "السيل على الذيل" جعله ذيلاً على "الذيل" لابن السمعاني المقدم ذكره الذي ذيل به "تاريخ بغداد" تأليف الخطيب البغدادي الحافظ، هكذا كنت قد سمعت ثم إني وقفت عليه فوجدته ذيلاً على كتابه "خريدة القصر" المذكور، وصنف كتاب "نصرة الفترة وعصره الفطرة في أخبار الدولة السلجوقية" وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات، ونفسه في قصائده طويل، وله ديوان صغير جميعه دوبيت.

وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف، فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس، فقال له: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له الفاضل: دام علا العماد، وهذا مما يقرأ مقلوباً وصحيحاً سواء.واجتمعا يوماً في موكب السلطان، وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء، فتعجبا من ذلك، فأنشد العماد في الحال:  

أمـا الـغـبـار فـإنـــه

 

مما أثـارتـه الـسـنـابـك

والـجـو مـنـه مـظـلـم

 

لكن أنار بـه الـسـنـابـك

يا دهـر لـي عـــبـــد

 

الرحيم فلست أخشى مس نابك

 

وقد اتفق له الجناس في الأبيات الثلاثة، وهو في غاية الحسن.


وكان القاضي الفاضل قد حج من مصر في سنة أربع وسبعين وخمسمائة وركب البحر في طريقه، فكتب إليه العماد: طوبى للحجر والحجون من ذي الحجر والحجا، منيل الجدا ومنير الدحى، ولندي الكعبة من كعبة الندى، وللهدايا المشعرات من مشعر الهدى، وللمقام الكريم من مقام الكريم، ومن حاط فقار القفر للحطيم، ومتى رؤي هرم في الحرم، وحاتم ماتح زمزم؟ ومتى ركب البحر البحر، وسلك البر البر؟ لقد عادي قس إلى عكاظه، ولقبلة يستقبلها قبلة القبول والإقبال، والسلام.

 

لقد أبدع في هذه الرسالة وما أودعها من الصناعة، لكن الظاهر أنه غلط في قوله قيس لحفاظه، فإن المشهور أنس الحافظ، وهم أربعة أخوة لكل واحد منهم لقب، ولولا خوف الإطالة والانتقال عما نحن بصدده لذكرت قصتهم.


ولما توفي الوزير عون الدين بن هبيرة اعتقل الديوان العزيز جماعة من أصحابه وكان العماد في جملة من اعتقل، لأنه كان ينوب عنه في واسط تلك المدة، فكتب من الحبس إلى عماد الدين بن عضد الدين بن رئيس الرؤساء، وكان حينئذ أستاذ الدار المستنجدية، وذلك في شعبان سنة ستين وخمسمائة من قصيدة:

قل للإمام: علام حبس وليكم

 

أولوا جميلكم جمـيل ولائه

أوليس إذ حبس الغمام وليه

 

خلى أبوك سبيله بـدعـائه

 

فأمر بإطلاقه، وهذا معنى مليح غريب، وفيه إشارة إلى قضية العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن الغيث قد انقطع في زمن خلافته وأمحلت الأرض، فخرج للاستسقاء ومعه العباس والناس، فلما وقف للدعاء قال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا، فسقوا. وأما الوي فهو المطر الذي يأتي بعد الوسمي، وسمي ولياً لأنه يلي الوسمي، والوسمي: مطر الربيع الأول، وسمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات، وهو منسوب إلى الوسم، وقد جمعها المتنبي في بيت واحد وهو:

أمنعمة بالعود الظبية الـتـي

 

بغير ولي كان نائلها الوسمي

 

يعني أنه لم تكن لزيارتها الأولى ثانية: ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، فاختلت أحواله وتعطلت أوصاله، ولم يجد في وجهه باباً مفتوحاً، فلزم بيته وأقبل على الاشتغال بالتصانيف، وقد ساق في أوائل "البرق الشامي" طرفاً من ذلك. وتقد في ترجمة ابن التعاويذي ما دار بينهما في طلب الفروة والرسالة والقصيدة وجوابهما.


وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة، وقيل في شعبان، سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان. وتوفي يوم الاثنين مستهل شهر رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر، رحمه الله تعالى.


أخبرني بعض الرؤساء ممن كان ملازمه في مدة مرضه أنه كان إذا دخل عليه أحدٌ يعوده أنشده:

أنا ضيف بربعـكـم

 

أين أين المضـيف؟

أنكرتني معـارفـي

 

مات من كنت أعرف

 

وأله: بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء، وهو اسم عجمي معناه بالعربي العقاب، وهو الطائر المعروف، وقد قيل إن العقاب لا يوجد فيه ذكر بل جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر آخر من غير جنسه، وقيل إن الثعلب يسافده، وهذا من العجائب.
ولابن عنين الشاعر المقدم ذكره في هجو شخص يقال له ابن سيده:

ما أنت إلا كالعقاب فأمه

 

معروفة وله ب مجهول

وهذه إشارة إلى ما نحن فيه، والله تعالى أعلم بالصواب.