الزمخرشي صاحب الكشاف

أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان؛ كان إمام عصره من غير ما دفع، تشد إليه الرحال في فنونه. أخذ النحو عن أبي مضر منصور، وصنف التصانيف البديعة: منها "الكشاف" في تفسير القرآن العزيز، لم يصنف قبله مثله و"المحاجاة بالمسائل النحوية" و"المفرد والمركب" في العربية و"الفائق" في تفسير الحديث، و"أساس البلاغة" في اللغة، و"ربيع الأبرار وفصوص الأحبار" و"متشابه أسامي الرواة" و"النصائح الكبار" و"النصائح الصغار" و"ضالة الناشد والرائض في علم الفرائض" و"المفصل في النحو وقد اعتنى بشرحه خلق كثير، و"الأنموذج" في النحو، و"المفرد والمؤلف" في النحو، و"رؤوس المسائل" في الفقه، و"شرح أبيات كتاب سيبويه" و"المستقصى في أمثال العرب" و"صميم العربية" و"سوائر الأمثال" و"دويان التمثيل" و"شقائق النعمان في حقائق النعمان" و"شافي العي من كلام الشافعي" رضي الله عنه، و"القسطاس" في العروض، و"معجم الحدود" و"المنهاج" في الأصول، و"مقدمة الآداب" و"ديوان الرسائل" و"ديوان الشعر" و"الرسالة الناصحة" والأمالي في كل فن وغير ذلك؛ وكان شروعه في تأليف "المفصل" في غرة شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وفرغ منه في غرة المحرم سنة خمس عشرة وخمسمائة.

وكان قد سافر إلى مكة، حرسها الله تعالى، وجاور بها زماناً، فصار يقال له "جار الله" لذلك، وكان هذا الاسم علماً عليه. وسمعت من بعض المشايخ أن إحدى رجليه كانت ساقطة، وأنه كان يمشي في جاون خشب، وكان سبب سقوطها أنه كان في بعض أسفاره ببلاد خوارزم أصابه ثلج كثير وبرد شديد في الطريق فسقطت منه رجله، وأنه كان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك خوفاً من أن يظن من لم يعلم صورة الحال أنها قطعت لريبة، والثلج والبرد كثيراً ما يؤثر في الأطراف في تلك البلاد فتسقط، خصوصاً خوارزم، فإنها في غاية البرد، ولقد شاهدت خلقاً كثيراً ممن سقطت أطرافهم بهذا السبب، فلا يستبعده من لم يعهده.

ورأيت في تاريخ بعض المتأخرين أن الزمخشري لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن سبب قطع رجله، فقال: دعاء الوالدة، وذلك أني في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، وأفلت من يدي، فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي لذلك وقال: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله؛ فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت الرجل وعملت علي عملاً أوجب قطعها؛ والله أعلم بالصحة.

وكان الزمخشري المذكور معتزلي الاعتقاد متظاهراً به، حتى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحباً له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنف كتاب "الكشاف" كتب استفتاح الخطبة "الحمد لله الذي خلق القرآن" فيقال إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيره بقوله "الحمد لله الذي جعل القرآن" وجعل عندهم بمعنى خلق، والبحث في ذلك يطول، ورأيت في كثير من النسخ "الحمد لله الذي أنزل القرآن" وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف.

وكان الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي المقدم ذكره، رحمه الله تعالى، قد كتب إليه من الإسكندرية، وهو يومئذ مجاور بمكة حرسها الله تعالى، يستجيره في مسموعاته ومصانفه، فرد جزابه بما لا يشفي الغليل، فلما كان في العام الثاني كتب إليه أيضاً مع الحجاج استجازه أخرى اقتراح فيها مقصوده، ثم قال له في آخرها: ولا يحوج، أدام الله توفيقه، إلى المراجعة، فالمسافة بعيدة، وقد كاتبه في السنة الماضية قلم يجبه بما يشفي الغليل، وله في ذلك لأجر الجزيل. فكتب إليه الزمخشري جوابه، ولولا خوف التطويل لكتبت الاستدعاء والجواب، لكن نقتصر على بعض الجواب وهو "ما مثلي مع أعلام العلماء إلا كمثل السها مع مصابيح السماء، والجهام الصفر من الرهام مع الغوادي الغامرة للقيعان والآكام، والسكيت المخلف مع خيل السباق، والبغاث مع الطير العتاق، وما التقيت بالعلامة، إلا شبه الرقم بالعلامة، والعلم مدينة أحد بابيها الدارية، والثاني الرواية، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلي فيه أقلص من ظل حصاة، أما الرواية فحديثة الميلاد، قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام المشاهير، وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها، وبرض لا يبل شفاها" ثم كتب بعد هذا: لا يغرنكم قول فلان في ولا قول فلان وعدد جماعة من الشعراء والفضلاء مدحوه بمقاطيع من الشعر، وأوردها كلها، ولا حاجة إلى الاتيان بها ها هنا، فلما فرغ من إيرادها كتب "فإن ذلك اعتزاز منهم بالظاهر المموه، وجهل بالباطن المشوه، ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من حسن منصح للمسلمين ويبلغ الشفقة على المستفيدين، وقطع المطامع عنهم، وإفادة المبار والصنائع عليهم، وعزة النفس والرب بها على عن الإسفاف للدنيات، والإقبال على خويصتي، والإعراض عما يغنيني، فجللت في عيونهم، وغلطوا في ونسبوني إلى ما لست منه قبيل ولا دبير، وما أنا فيا أقول بهاضمٍ لنفسي كما قال الحسن البصري، رحمه الله تعالى، في أبكر الصديق رضوان الله عليه بقوله "وليتكم ولست بخيركم": إن المؤمن ليهضم نفسه، وإنما صدقت الفاحص عني وعن كنه روايتي ودرايتي ومن لقيت وأخذت عنه، وما بلغ علمي وقصارى فضلي، وأطلعته طلع أمري، وأفضيت إليه بخبية سري، وألقيت إليه عجري وبجري، وأعلمته نجمي وشجري. وأما الموالد فقرية مجهولة من قرى خوارزم تسمى زمخشر، وسمعت أبي، رحمه الله تعالى، يقول: اجتاز بها أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها، فقيل له: زمخشر والرداد، فقال لا خير في شر ورد، ولم يلمم بها؛ وقت الميلاد شهر الله الصم في عام سبع وستين وأربعمائة، والله المحمود، والمصلى عليه محمد وآله وأصحابه" هذا آخر الإجازة، وقد أطال الكلام فيها، ولم يصرح له بمقصوده فيها، وما أعلم هل أجازه بعد ذلك أم لا.

وبيني وبينه في الرواية شخص واحد، فإنه أجاز زينب بنت الشعري، ولي منها إجازة كما تقدم في ترجمتها في حرف الزاي.

ومن شعره السائر قوله، وقد ذكره السمعاني في "الذيل" قال: أنشدني أحمد بن محمود الخوارزمي إملاء بسمرقند، فقال: أنشدنا محمود بن عمر الزمخشري لنفسه بخوارزم، وذكر الأبيات وهي:

ألا قل لسعدي ما لنا فيك من وطـر

 

وما تطلبين النجل من أعين البـقـر

فإنا اقتصرنا بـالـذين تـضـايقـت

 

عيونهم والله يجزي من اقـتـصـر

مليح ولكـن عـنـده كـل جـفـوة

 

ولم أر في الدنيا صفاء بـلا كـدر

ولم أنس إذ غازلتـه قـرب روضة

 

إلى جنب حوض فيه للماء منحـدر

فقلت له: جـئنـي بـورد وإنـمـا

 

أردت به ورد الخدود وما شـعـر

فقال: انتظرني رجع طرفٍ أجيء به

 

فقلت له: هيهات ما لي منـتـظـر

فقال: ولا ورد سوى الخد حـاضـر

 

فقلت له، إني قنعت بمـا حـضـر

 

ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصوراً المذكور أولاً:

وقائله: ما هـذه الـدرر الـتـي

 

تساقط من عينيك سمطين سمطين؟

فقلت: هو الدر الذي كان قد حشـا

 

أبو مضر أذني تساقط من عينـي

 

وهذا مثل قول القاضي أبي بكر الرجاني - المقدم ذكره - ولا أعلم أيهما أخذ من الآخر لأنهما كانا متعاصرين، وهو:

لم يبكني إلا حديث فراقكم

 

لما أسر به إلى مودعي

هو ذلك الـدر الـذي أدعـتـم

 

في مسمعي أجريته من مدمعي

 

وهذان البيتان من جملة قصدية طويلة بديعة؛ ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل في هذا المعنى:

لا تزدني نـظـرة ثـانـية

 

كف الولةى ووفت ثمنـي

لك في قلبي حديث مـودع

 

لا جحدت العب ما أودعتني

خذه من جفني عقـوداً إنـه

 

بعض ما أودعته في أذني

 

ومما أنشده لغيره في كتابه "الكشاف" عند تفسير قول الله تعالى في سورة البقرة "إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها" "البقرة: 26" فإنه قال: أنشدت لبعضهم:

يا من يرى مد البعوض جناحها

 

في ظلمة الليل البهيم الألـيل

ويرى عروق نياطها في نحرها

 

والمخ في تلك العظام النحـل

اغفر لعبدٍ تاب من فرطـاتـه

 

ما كان منه في الزمان الأول

 

وكان بعض الفضلاء قد أنشدني هذه الأبيات بمدينة حلب وقال: إن الزمخشري المذكور أوصى أن تكتب على لوح قبره هذه البيات، ثم أنشدني ذلك الفاضل الرئيس بيتين وذكر أن صاحبهما أوصى أن يكتبا على قبره وهما:

إلهي قد أصبحت ضيفك في الثرى

 

وللضيف حق عنـد كـل كـريم

فهب لي ذنوبي في قراي فإنـهـا

 

عظيم ولا يفرى بغـير عـظـيم

وأخبرني بعض الأصحاب أنه رأى بجزيرة سواكن تربة ملكها عزيز الدولة ريحان وعلى قبره مكتوب:

 

يا أيها الناس كان لي أمـل

 

قصر بي عن بلوغه الأجل

فليتـق الـلـه ربـه جـل

 

امكنه قبل موته العـمـل

ما أنا وحدي نقلت حيث ترى

 

كل إلى ما نقلت ينـتـقـل

 

وكانت ولادة الزمخشري يوم الربعاء السابع والعشرين من شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بومخشر. وتوفي ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، بجرجانية خوارزم، بعد رجوعه من مكة، رحمه الله تعالى ورثاه بعضهم بأبيات، ومن جملتها:

فأرض مكة تذري الدمع مقلتها

 

حزناً لفرقة جار الله محمـود

وزمخشر: بفتح الزاي والميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة وبعدها راء، وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم.
وجرجانية: بضمن الجيم الأولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الألف نون مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة، وهي قضبة خوارزم.

قال ياقوت الحموي في كتاب "البلدان": يقال لهم بلغتهم كركانج، وقد عربت فقيل لها الجرجانية، وهي على شاطء جيحون، والله تعالى أعلم بالصواب.