المعز العبيدي

أبو تميم معد، الملقب المعز لدين الله، بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله. وقد تقدم ذكر والده وجده وجد أبيه وطرف من أخبارهم؛ وكان المعز المذكور قد بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور إسماعيل ثم جددت له البيعة بعد وفاته في التاريخ المذكور في ترجمته، ودبر الأمور وساسها وأجراها على أحسن أحكامها إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، فجلس يومئذ عل سرير ملكه، دخل عليه الخاصة وكثير من العامة، سلموا عليه بالخلافة، وتمسى بالمعز، ولم يظهر على أبيه حزناً.

ثم خرج إلى بلاد إفريقية يطوف فيها، ليمهد قواعدها ويقرر أسبابها، فانقاد له العصاة من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته، وعقد لغلمانه، وأتباعه على الأعمال، واستندب لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته، وضم إلى كل واحد منهم جمعاً كبيراً من الجند وأرباب السلاح.

ثم جهز أبا الحسن جوهراً القائد - المذكور في حرف الجيم - ومه جيش كثيف، ليفتح ما استعصى عليه من بلاد المغرب، فسار إلى فاس، ثم منها إلى سجلماسة ففتحها، ثم توجه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قلال الماء، وأرسله إلى المعز، ثم رجع إلى المعز ومعه صاحب سجلمانة وساحب فاس أسيرين في قفصي حديد، والشرح في ذلك يطول. وخلاصة الأمر: أنه ما رجع القائد جوهر إلى ملولاه المعز إلا وقد وطد له البلاد، وحكم على أهل الزيغ والعناد من باب إفريقية إلى البحر المحيط في جهة الغرب، وفي جهة الشرق من باب إفريقية إلى أعمال مصر، ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته وخطب به في جعمته وجماعته، إلا مدينة سبتة فإنها بقيت لبني أمية أصحاب الندلس.

ولما وصل الخبر إلى المعز المذكور بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر - حسبما شرحناه في ترجمته من هذا الكتاب - تقدم المعز إلى القائد جوهر المذكور ليتجهز للخروج إلى مصر، فخرج أولاً إلى جهة المغرب لإصلاح أموره، وكان معه جيش عظيم، وجمع قبائل العرب الذي يتوجه بهم إلى مصر، جبى القطائع التي كانت على البربر فكانت خمسمائة ألف دينار.

وخرج المعز بنفسه في الشتاء إلى المهدية، فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وعاد إلى قصره. ولما عاد جوهر بالرجال والأموال، وكان قدومه على المعز يوم الأحد لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، أمره المعز بالخروج إلى مصر، فخرج ومعه أنواع القبائل - وقد ذكرت في ترجمة جوهر تاريخ خروجه وتاريخ وصوله إلى مصر فأغنى عن الإعادة "مفصلاً ها هنا" - وأنفق المعز في العسكرالمسير صحبته أموالاً كثيرة، حتى أعطى من ألف دينار إلى عشرين ديناراً، وغمر الناس بالعطاء، وتصرفوا في القيروان وصبرة في شراء جميع حوائجهم؛ ورحلوا ومعه ألف حمل من الماء والسلاح، ومن الخيل والعدد ما لا يوصف، وكان بمصر في تلك السنة غلاء عظيم ووباء، حتى مات في مصر وأعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان على ما قيل. والما كان منتصف شهر رمضان المعظم سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية ودخول عساكره إليها، ثم وصلته النجب بعد ذلك تخبره بصورة الفتح، وكانت كتب جوهر ترد إلى المعز باستدعائه إلى مصر وتحثه كل وقت على ذلك، ثم سير إليه يخبره بانتظام الحال بمصر والشام والحجاز وإقامة الدعوة له بهذه المواضع، فسر المعز بذلك سروراً عظيماً. ولما تقررت قواعده بالديار المصرية استخلف على إفريقية بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي - المذكور في حرف الباء - وخرج المعز متوجهاً بأموال جليلة المقدار ورجال عظيمة الأخطار. وكان خروجه من المنصورية دار ملكه يوم ذاك يوم الاثنين، لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلثمائة، وانتقل إلى سردانية، أقام بها ليجتمع رجاله وأتباعه ومن يستصحبه معه. وفي هذه المنزلة عقد العهد لبلكين في التاريخ المذكور في ترجمته، ورحل عنها يوم الخميس خامس صفر سنة اثنتين وستين وثلثمائة. ولم يزل في طريقه يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياماً ويجد السير في بعضها، وكان اجتيازه على برقة، ودخل الاسكندرية يوم السبت لست بقين من شعبان من السنة المذكورة وركب فيها ودخل الحمام، وقدم عليه بها قاضي مصر - وهو أبو طاهر محمد ابن أحمد - وأعيان أهل البلاد، وسلموا عليه، وجلس لهم عند المنارة وخاطبهم بخطاب طويل يخبرهم فيه أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه ولا لمال، وإنما أراد إقامة الحق والحج والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، ويعمل بما أمر به جده صلى الله عليه وسلم، ووعظهم وأطال حتى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وبعض الجماعة وحملهم، وودعوه وانصرفوا ثم رحل منها في أواخر شعبان. ونزل يوم السبت ثاني شهر رمضان المعظم على ميناء ساحل مصر بالجيزة، فخرج إليه القائد جوهر وترجل عند لقائه وقبل الأرض بين يديه، وبالجيزة أيضاً اجتمع به الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات - المذكور في حرف الجيم - وأقام المعز هناك ثلاثة أيام، وأخذ العسكر في التعدية بأثقالهم إلى ساحل مصر. ولما كان يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان المعظيم من السنة، عبر المعز النيل ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر، وكانت قد زينت له، وظنوا أنه يدخلها، وأهل القاهرة لم يستعدوا للقائه لأنهم بنوا الأمر على دخوله أولاً، ولما دخل القاهرة ودخل القصر ودخل مجلساً منه خر ساجداً لله تعالى، ثم صلى ركعتين وانصرف الناس عنه.

وهذا المعز هو الذي تنسب إليه القاهرة، فيقال القاهرة المعزية، لأنه الذي بناها القائد جوهر له. وفي يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع وستين عزل المعز القائد جوهراً عن دواواين مصر وجباية أموالها والنظر في سائر أمورها. وقد ذكرنا في ترجمة الشريف عبد الله بن طباطبا ما دار بينه وبين المعز من السؤال عن نسبه وما أجابه به وما اعتمده بعد الدخول إلى القصر.


وكان المعز عاقلاً حازماً سرياً أدبياً حسن النظر في النجامة، وينسب إليه من الشعر قوله:

لله مـا صـنـعـت بـنـا

 

تلك المحاجز في المعاجـز

أمضى وأقضى في النـفـو

 

س من الخناجر في الحناجر

ولقد تـعـبـت بـينـكـم

 

تعب المهاجر في الهواجر

 

وينسب إليه أيضاً:

أطلع الحسن من جبينك شمياً

 

فوق ورد وجنـتـك أطـلا

وكأن الجمال خاف على الور

 

د جفافاً فمد بالشعـر ظـلا

 وهو معنى غريب بديع. وقد مضى ذكر ولده تميم وشيء من شعره، وسيأتي ذكر ولده العزيز نزار في حرف النون إن شاء الله تعالى.

وكانت ولادته بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلثمائة. وتوفي يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر، وقيل الثالث عشر، وقيل لسبع خلون منه سنة خمس وستين وثلثمائة بالقاهرة، رحمه الله تعالى.

ومعد: بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الدال المهملة، والله تعالى أعلم.