مقاتل صاحب التفسير

أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء الخراساني المروزي، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها، وكان مشهوراً بتفسير كتاب الله العزيز، وله التفسير المشهور.

وأخذ الحديث عن مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح - المقدم ذكره - وأبي إسحاق السبيعي - وقد تقدم ذكره أيضاً - والضحاك بن مزاحم ومحمد بن مسلم الزهري وغيرهم. وروى عنه بقية بن الوليد الحمصي وعبد الرزاق بن همام الصنعاني - المقدم ذكره - وحرمي بن عمارة وعلي بن الجعد، وغيرهم.

وكان العلماء الأجلاء، حكى عن الإمام الشافعي، رضي الله عنه، أنه قال: الناس كله عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير ابن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام.

وروي أن أبا جعفر المنصور كان جالساً، فسقط عليه الذباب فطيره، فعاد إليه، وألح عليه، وجعل يقع على وجهه، وأكثر من السقوط عليه مراراً حتى أضجره، فقال المنصور: انظروا من بالباب، فقيل له: مقاتل بن سليمان، فقال: علي به، فأذن له، فلما دخل عليه قال له: هل تعلم لماذا خلق الله تعالى الذباب؟ قال: نعم ليذل الله عز وجل به الجبابرة، فسكت المنصور.

وقال إبراهيم الحربي: قعد مقاتل بن سليمان فقال: سلوني عما دون العرش، فقال له رجل: آدم صلى الله عليه وسلم حين حج من حلق رأسه؟ فقال له: ليس هذا من علمكم، ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي. وقال سفيان بن عيينة، قال مقاتل بن سليمان يوماً: عما دون العرش، فقال له إنسان: يا أبا الحسن، أرأيت الذرة والنملة معاها في مقدمها أو في مؤخرها؟ قال: فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له، قال سفيان: فظننت أنها عقوبة عوقب بها.

وقد اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية، ومنهم من نسبه إلى الكذب. قال بقية بن الوليد: كنت كثيراً أسمع شعبة بن الحجاج وهو يسأل عن مقاتل، فما سمعته قط ذكره إلا بخير. وسئل عبد الله بن المبارك عنه فقال: رحمه الله، لقد ذكر لنا عنه عباده. وروي عن عبد الله بن المبارك أيضاً أنه ترك حديثه. وسئل إبراهيم الحربي عن مقاتل: هل سمع من الضحاك ابن مزاحم شيئاً؟ فقال: لا مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين. وقال مقاتل: أغلق علي وعلى الضحاك باب أربع سنين؛ قال إبراهيم: وأراد بقوله باب يعني باب المدينة، وذلك في المقابر. وقال إبراهيم أيضاً: ولم يسمع مقاتل عن مجاهد شيئاً ولم يلقه.

وقال أحمد بن سيار: مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ، وتحول إلى مرو، وخرج إلى العراق، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: مقاتل بن سليمان كان دجالاً جسوراً. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة: ابن يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد ويعرف بالمصلوب بالشام.

وذكر وكيع يوماً مقاتل بن سليمان فقال: كان كذاباً. وقال أبو بكر الآجري: سألت أبا داود سليمان بن الأشعث عن مقاتل بن سليمان، فقال: تركوا حديثه. وقال عمرو بن علي الفلاس: مقاتل بن سليمان كذاب متروك الحديث. وقال البخاري: مقاتل بن سليمان سكتوا عنه. وقال في موضع آخر: لا شيء ألبتة. وقال يحيى بن معين: مقاتل بن سليمان ليس حديثه بشيء. وقال أحمد بن حنبل: مقاتل بن سليمان صاحب التفسير ما يعجبني أن أروي عنه شيئاً. وقال أبو حاتم الرازي: هو متروك الحديث. وقال زكريا بن يحيى الساجي: مقاتل بن سليمان من أهل خراسان قالوا: كان كذاباً متروك الحديث. وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي: مقاتل بن سليمان كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن العزيز الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث.

وبالجملة فإن الكلام في حقه كثير، وقد خرجنا عن المقصود، لكن أردت ذكر اختلاف أقاويل العلماء في شأنه.

وتوفي سنة خمسين ومائة بالبصرة، رحمه الله تعالى.

وقد تقدم الكلام على الأزدي والمروزي فأغنى عن الإعادة.