معن بن زائدة

أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن الصلب - بضم الصاد المهملة وسكون اللام وآخره الباء الموحدة - واسمه عمرو بن قيس بن شراحيل بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، الشيباني، وبقيت النسب معروف؛ وقال البن الكلبي في كتاب "جمهرة النسب": هو معن بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط هنب بن أفضى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

كان جواداً شجاعاً جزل العطاء كثير المعرف ممدحاً مقصوداً؛ حكى الأصمعي قال: وفد أعرابي على معن بن زائدة فمدحه وطال مقامه على بابه ولم يحصل له جائزة، فعزم على الرحيل، فخرج معن راكباً فقام إليه وأمسك بزمام دابته وقال:

 

وما في يديك الخير يا معن كـلـه

 

وفي الناس معروف وعنك مذاهب

ستدري بنات العم ما قـد أتـيتـه

 

إذا فتشت عند الإياب الحـقـائب

 

أمر معن بإحضار خمس نوق من كرام إبله وأوقرهم له ميرة وبراً. وثياباً وقال: انصرف يا ابن أخي في حفظ الله إلى بنات عمك، فلئن فتشن الحقائب ليجدن فيها ما يسرهن، فقال له: صدقت، وبيت الله. وقد سبق في ترجمة مروان بن أبي حفصة الشاعر طرف من أخباره، وكان مروان خصيصاً به وأكثر مدائحه فيه.


وكان معن في أيام بني أمية متنقلاً في الولايات، منقطعاً إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين، فلما انتقلت الدولة إلى بني العباس وجرى بين أبي جعفر المنصور وبين يزيد بن عمر المذكور من محاصرته بمدينة واسط ما هو مشهور - وسيأتي في ترجمة يزيد المذكور طرف من هذه الواقعة إن شاء الله تعالى - أبلى يؤمئذ معن مع يزيد بلاء حسناً، فلما قتل يزيد خاف معن بن المنصور فاستتر عنه مدة، وجرى له مدة استتاره غرائب.


فمن ذلك ما حكاه مروان بن أبي حفصة الشاعر المذكور قال: أخبرني معن بن زائدة، وهو يومئذ متولي بلاد اليمن، أن المنصور جد في طلبي وجعل لمن يحملني إليه مالاً، قال: فاضطررت لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوحت وجهي، وخففت عارضي ولبست جبة صوف، وركبت جملاً وخرجت متوجهاً إلى البادية لأقيم بها، قال: فلما خرجت من باب حرب، وهو أحد أبواب بغداد، تبعني أسود متقلد بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض على يدي، فقلت له: ما بك؟ فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين؟ فقلت: ومن أنا حتى أطلب؟ فقال: أنت معن ابن زائدة، فقلت له: يا هذه اتق الله عز وجل، وأين أنا من معن؟ فقال: دع هذا، فوالله إني لأعرف بك منك، فلما رأيت منه الجد قلت له: هذا جوهر قد حملته بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي، فخذه ولا تكن سبباً في سفك دمي، قال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر فيه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت مالك كله قط؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال فثلثه؟ قلت لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظن أني قد فعلت هذا، قال: ما ذاك بعظيم، وأنا والله راجل ورزقي من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، وقد وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في هذه الدنيا من هو أجود منك، فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعد هذا كل جود فعلته ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى العقد في حجري وترك خطام الجمل وولى منصرفاً، فقلت: يا هذا، قد والله فضحتني ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فإني غني عنه، فضحك وقال: أردت أن تكذ بني في مقالي هذا، والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمناً أبداً، ومضى لسبيله، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت، وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته.


 ولم يزل معن مستتراً حتى كان يوم الهاشمية، وهو يوم مشهور ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور فوثبوا عليه، وجرت مقتلة بينهم وبين أصحاب المنصور بالهاشمية، وهي مدينة بناها السفاح بالقرب من الكوفة. ذكر غرس النعمة بن الصابي في كتاب "الهفوات" ما مثاله: لما فرغ السفاح من بناء مدينته بالأنبار، وذلك في ذي العقدة سنة أربع وثلاثين ومائة، وكان معن متوارياً بالقرب منهم، فخرج متنكراً معتماً ملثماً، وقد تقدم إلى القوم وقاتل قدام المنصور قتالاً أبان فيه عن نجدة وشهامة وفرقهم، فلما أفرج عن المنصور قال له: من أنت ويحك؟ فكشف لثامه فقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة، فأمنه المنصور وأكرمه وكساه وزينه، وصار من خواصه، ثم دخل عليه بعد ذلك في بعض الأيام فلما نظر إليه قال: هيه يا معن، تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله:

معن بن زائدة الذي زيدت به

 

شرفاً على شرف بنو شيبان

 

فقال: كلا يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته على قوله في هذه القصيدة:

ما زلت يوم الهاشمية معلناً

 

بالسيف دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزته وكنت وقاءه

 

من وقع كل مهند وسنـان

 

فقال: أحسنت يا معن.


وقال له يوماً: يا معن، ما أكثر وقوع الناس في قومك؟ فقال: يا أمير المؤمنين:

إن العرانين تلقاها محسدة

 

ولا ترى للئام الناس حساداً

 

ودخل عليه يوماً وقد أسن فقال له: كبرت يا معن، فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، فقال: وإني لجلد، فقال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، فقال: وفيك بقية، فقال، هي لك يا أمير المؤمنين.


وعرض هذا الكلام على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة، فقال: ويح هذا، ما ترك لربه شيئاً.


وأشهر قصائد مروان فيه وأحسنها القصيدة اللامية التي ذكرت بعضها في ترجمة مروان، وهي طويلة تزيد على خمسين بيتاً، ولولا خوف الإطالة لذكرتها، وله فيه من قصيدة:

قد آمن الله من خـوف ومـن عـدم

 

من كان معن له جاراً من الزمـن

معن بن زائدة الموفـي بـذمـتـه

 

والمشتري المجد بالغالي من الثمـن

يرى العطايا التي تبقى محامـدهـا

 

غنماً إذا عدها المعطي من الغبـن

بنى لشـيان مـجـداً لا زوال لـه

 

حتى تزول ذرى الأركان من حضن

 

حضن: بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة وبعدها نون، اسم جبل عظيم بين نجد وتهامة، بينه وبين تهامة مرحلة، يقال في المثل: أنجد من رأى حضناً، وله ذكر كثير من الأشعار والأخبار.


ودخل على معن بعض الفصحاء يوماً فقال له: إني لو أردت أن أستشفع إليك ببعض من يثقل عليك لوجدت ذلك سهلاً، ولكني استشفعت إليك بقدرك، واستغنيت بفضلك، فإن رأيت أن تضعني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك فافعل، وإني لم أكرم نفسي عن مسألتك فأكرم وجهي عن ردك.


ولمعن أشعار جيدة وأكثرها في الشجاعة، وقد ذكره أبو عبد الله ابن المنجم في كتاب البارع وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله في خطاب ابن أخي عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقد رآه يتبختر بين السماطين، وكان قبل ذلك لقي الخوارج ففر منهم:

هلا مشيت كذا غداة لقـيتـهـم

 

وصبرت عند الموت يا خطاب

نجاك خوار العـنـان كـأنـه

 

تحت العجاج إذا استحث عقاب

وتركت صحبك والرماح تنوشهم

 

وكذاك من قعدت به الأحساب

 

وقال أبو عثمان المازني النحوي: حدثني صاحب شرطة معن قال: بينما أنا على رأس معن إذا هو براكب يوضع، فقال معن: ما أحسب الرجل يريد غيري، ثم قال لحاجبه: لا تحجبه، قال: فجاء حتى مثل بين يديه وأنشد:

أصلحك الله قل ما بـيدي

 

فما أطيق العيال إذ كثروا

ألح دهر رمى بكلكـلـه

 

فأرسلوني إليك وانتظروا

 

قال: فقال معن وأخذته الأريحية: لا جرم والله لأعجلن أوبتك، ثم قال: يا غلام، ناقتي الفلانية وألف دينار، فادفعها إليه، فادفعها إليه وهو لا يعرفه، هكذا روى هذا الخطيب في تاريخه.


وأخبار معن ومحاسنه كثيرة. وكان قد ولي سجستان في أواخر أمره، وانتقل إليها، وله في آثار وماجرايات، وقصده الشعراء بها، فلما كانت سنة إحدى وخمسين، وقيل اثنتين وخمسين، وقيل ثمان وخمسين ومائة، كان في داره صناع يعملون له شغلاً، فاندس بينهم قوم من الخوارج، فقتلوه بسجستان وهو يحتجم، ثم تتبعهم ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقتلهم بأسرهم، وكان قتله بمدينة بست. ولما قتل معن رثاه الشعرا بأحسن المراثي، فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة شاعره المذكور، وهي قصيدة من أفخر الشعر وأحسنه، وأولها:

مضى لسبيله معن، وأبـقـى

 

مكارم لن تبيد ولـن تـنـالا

كأن الشمس يوم أصيب معن

 

من الإظلام ملبـسة جـلالاً

هو الجبل الذي كانت نـزار

 

تهد من العدو به الـجـبـالا

وعطلت الثغور لفقد مـعـن

 

وقد يروي بها الأسل النهـالا

وأظلمت العراق وأورثتـهـا

 

مصيبته المجلـلة اخـتـلالا

وظل الشام يرجف جانـبـاه

 

لركن العز حين وهى فمالا

وكادت من تهامة كـل أرض

 

ومن نجد تزول غـداة زالا

فإن يعل البلاد له خـشـوع

 

فقد كانت تطول به اختـيالا

أصاب الموت يوم أصاب معناً

 nbsp;

من الأحياءأكرمهم فـعـالا

وكان الناس كلهم لـمـعـن

 

إلى أن زار جفرتـه عـيالا

ولم يك طالب للعرف ينـوي

 

إلى غير ابن زائدة ارتحـالا

مضى من كان يحمل كل ثقل

 

ويسبق فيض نائله السـؤالا

وما عمد الوفود لمثل مـعـن

 

ولا حطوا بساحته الرحـالا

ولا بلغت أكف ذوي العطـايا

 

يميناًمـن يديه ولا شـمـالا

وما كانت تجف لـه حـياض

 

من المعروف مترعة سجالا

لأبيض لايعد المـال حـتـى

 

يعم به بغاة الـخـير مـالا

فليت الشامـتـين بـه فـدوه

 

وليت العمر مد له فـطـالا

ولم يك كنزه ذهباً، ولـكـن

 

سيوف الهند والحلق المـذالا

ومارنة من الخطي سـمـراً

 

ترى فيهن لينـاً واعـتـدالا

وذخراً من محامد بـاقـيات

 

وفضل تقى به التفضيل نالا

ومنها:

مضى لسبيله من كنت ترجـو

 

به عثرات دهرك أن تـقـالا

فلست بمالك عبـرات عـين

 

أبت بدموعها إلا انـهـمـالا

وفي الأحشاء منك غليل حزنٍ

 

كحر النار تشتعل اشتـعـالا

وقائلة رأت جسمي ولـونـي

 

معاً عن عهدها قلباً فـحـالا

أرى مروان عاد كذي نحـول

 

من الهنندي قد فقد الصقـالا

رأت رجلاً براه الحزن حتـى

 

أضر بـه وأورثـه خـبـالا

فقلت لها: الذي أنكرت منـي

 

لفجع مصيبة أنكـى وعـالا

وأيام المنون لـهـا صـروف

 

تقلب بالفتى حـالاً فـحـالا

كأن الليل واصل بعد مـعـن

 

ليالي قد قرن بـه فـطـالا

فلهف أبي عليك إذا العطـايا

 

جعلن منى كواذب واعتـلالا

ولهف أبي عليك إذا اليتامـى

 

غدوا شعثاً كأن بهـم سـلالا

ولهف أبي عليك إذا القوافـي

 

لممتدح بها ذهبـت ضـلالا

ولهف أبي عليك لكل هـيجـا

 

لها تلقي حواملها السـخـالا

أقمنا بـالـيمـامة إذ يئسـنـا

 

مقـامـاً لا نـريد لـه زيالا

وقلنا أين نرحل بعـد مـعـن

 

وقد ذهب النوال فـلا نـوالا

وما شهد الوقائع منك أمضـى

 

وأكرم مقدمـاً وأشـد بـالا

سيذكرك الخليقة غـير قـال

 

إذا هو في الأمور بلا الرجالا

ولا ينسى وقائعك الـلـواتـي

 

على أعدائه جعـلـت وبـالا

ومعتركاً شهدت به حفـاظـاً

 

وقد كرهت فوارسه النـزالا

حباك أخو أمية بالـمـراثـي

 

مع المدح الذي قد كان قـالا

أقام وكان نحـوك كـل عـام

 

يطيل بواسط الرحل اعتقـالا

وألقى رحله أسفاً وآلى

 

يميناً لا يشد له حبـالا

 

وهذه المرثية من أحسن المراثي. وقال عبد الله بن المعتز في كتاب طبقات الشعراء: دخل مروان بن أبي حفصة على جعفر البرمكي فقال له: ويحك، أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فقال: بل أنشدك مديحي فيك، فقال جعفر: أنشدني مرثيتك في معن، فأنشأ يقول:

وكان الناس كلهم لمعـن

 

إلى أن زار حفرته عيالا

 

حتى فرغ من القصيدة، وجعل جعفر يرسل دموعه على خديه، فلما فرغ قال له جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله شيئاً؟ قال: لا: قال جعفر: فلو كان معن حياً ثم سمعها منك كم كان يثيبك عليها؟ قال: أصلح الله الوزير، أربعمائة دينار، قال جعفر: فأنا نظن أنه كان لا يرضى لك بذلك، قد أمرنا لك عن معن، رحمه الله تعالى، بالضعف مما ظننت، وزدناك نحن مثل ذلك، فاقبض من الخازن ألفاً وستمائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك، فقال مروان يذكر جعفراً وما سمح به عن معن:

نفحت مكافئاً عن قبر معن

 

لنا مما تجود به سـجـالا

فعجلت العطية يا ابن يحيى

 

لنادبه ولم ترد المـطـالا

فكافأ عن صدى معن جواد

 

بأجود راحة بذل النـوالا

بنى لك خالد وأبوك يحـيى

 

بناء في المكارم لن ينـالا

كأن البرمكي بكـل مـال

 

تجود به يداه يفـيد مـالا

 

ثم قبض المال وانصرف.


وحكى أبو الفرج الاصبهاني في كتاب الأغاني عن محمد البيذق النديم أنه دخل على هارون الرشيد، فقال له: أنشدني مرثية مروان بن أبي حفصة في معن ابن زائدة، فأنشده بعض هذه القصيدة، فبكى الرشيد، قال: وكان بين يديه سكرجة فملأها من دموعه.


ويقال: أن مروان بعد هذه القصيدة المرثية لم ينتفع بشعره، فإنه كان إذا مدح خليفة أو من دونه قال له: أنت قلت في مرثيتك:

وقلنا أين نرحل بعد معـن

 

وقد ذهبت النوال فلا نوالا

فلا يعطيه الممدوح شيئاً، ولا يسمع قصيدته.


حدث الفضل ابن الربيع قال: رأيت مروان بن أبي حفصة وقد دخل على المهدي بعد موت معن بن زائدة في جماعة من الشعراء فيهم سلم الخاسر وغيره، فأنشده مديحاً، فقال له: من أنت؟ فقال: شاعرك مروان بن أبي حفصة، فقال له المهدي: ألست القائل:

وقلنا أين نرحل بعد معن

 

وأنشده البيت المذكور، وقد جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال؟! لا شيء لك عندنا، جروا برجله، قال: فجروا برجله حتى أخرجوه، فلما كان في العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء في ذلك الحين في كل عام مرة، قال: فمثل بين يديه وأنشده قصيدته التي أولها:

طرقتك زائرة فحي خيالهـا

 

بيضاء تخلط بالحياء دلالهـا

قادت فؤادك فاستقاد ومثلهـا

 

قاد القلوب إلى الصبا فأمالها

 

فأنصت له حتى بلغ إلى قوله:

هل تطمسون من السماء نجومها

 

بأكفكم أو تسترون هـلالـهـا

 

وقد تقد ذكر بعضها في ترجمة مروان، قال: فأنصت له المهدي، ولم يزل يزحف كلما سمع شيئاً فشيئاً منها، حتى صار على البساط إعجاباً بما سمع، ثم قال له: كم بيت هي؟ فقال: مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم، وهذا يخالف ما ذكرناه في ترجمته، لكنه يختلف باختلاف الروايات، ويقال إنها أول مائة ألف أعطيها شاعر في خلافة بني العباس. قال الفضل بن الربيع فلم تلبث الأيام أن أفضت الخلافة إلى هارون الرشيد، ولقد رأيت مروان مائلاً مع الشعراء بين يديه، وقد أنشده شعراً، فقال له: من أنت؟ فقال: شاعرك مروان بن أبي حفصة، فقال له: ألست القائل في معن كذا، وأنشده البيت، ثم قال: خذوا بيده فأخرجوه فإنه لا شيء له عندنا، ثم تلطف حتى دخل عليه بعد ذلك، فأنشده فأحسن جائزته.


ومن المراثي النادرة أيضاً أبيات الحسين بن مطير بن الأشيم الأسدي في معن بن زائدة أيضاً، وهي من أبيات الحماسة:

ألما على معـن وقـولا لـقـبـره

 

سقتك الغوادي مربعاً ثم مربـعـا

فيا قـبـر كـيف واريت جــوده

 

وقد كان منه البر والبحر متـرعـا

ويا قبر معـن أنـت أول حـفـرة

 

من الأرض خطت للمكارم مضجعا

بلى قد وسعت الجود، والجـود مـيت

 

ولو كان حياً ضقت حتى تـصـدعـا

فتى عيش في معروفه بعـد مـوتـه

 

كما كان بعد السيل مجراه مرتـعـا

ولما مضى معن مضى الجود وانقضى

 

وأصبح عرنين المـكـارم أجـدعـا

وقد سبق لمعن في ترجمة الصاحب بن عباد نادرة مستظرفة فلا حاجة على إعادتها هنا، ولولا خوف الإطالة لأتيت من محاسنه بكل نادرة بديعة.

والحوفزان بن شريك الشيباني الموصوف بالكرم والشجاعة أخو جده مطر بن شريك، وإنما قيل له الحوفزان لأن قيس بن عاصم المنقري حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته، ومعنى حفزه أي دفعه من خلفه، واسم الحوفزان الحارث بن شريك، وقيل إن الذي حفزه بسطام بن قيس الشيباني، والأول أصلح، والله تعالى أعلم بالصواب.