قطب الدين مودود

قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، المعروف بالأعرج صاحب الموصل وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة أخيه نور الدين محمود صاحب الشام، وذكر أولاده الثلاثة وهم: سيف الدين غازي الذي تولى السلطنة بعده، وعز الدين مسعود، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار، واستوعبت في ترجمة غازي ما جرى من نور الدين عقيب موت قطب الدين المذكور وأنه قصد الموصل ثم قرر غازي المذكور فيها، ورتب أحوال أولاد أخيه كلهم.

وفي تلك السفرة بنى نور الدين الجامع النوري داخل الموصل، وهو مشهور هناك يقام فيه الجمعة، وكان سبب عمارته ما حكاه العماد الأصبهاني في البرق الشامي عند ذكره لوصول نور الدين إلى الموصل أنه كان بالموصل خربة متوسطة البلد واسعة، وقد أشاعوا عنها ما ينفر القلوب منها، وقالوا: ما شرع في عمارتها إلا من ذهب عمره، ولم يتم على مراده أمره، فأشار عليه الشيخ الزاهد معين الدين عمر الملا وكان من كبار الصالحين بابتياع الخربة وبنائها جامعاً؛ وأنفق فيها أموالاً جزيلة، ووقف على الجامع ضيعة من ضياع الموصل.

وكان قطب الدين قد تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد عقيب موت أخيه سيف الدين غازي الأكبر المقدم ذكره أيضاً وكان حسن السيرة، عادلاً في حكمه. وفي دولته عظم شأن جمال الدين محمد الوزير الأصبهاني المعروف بالجواد المقدم ذكره وهو الذي قبض عليه حسبما سبق شرحه، وكان مدبر دولته وصاحب رأيه الأمير زين الدين علي كجك والد مظفر الدين صاحب إربل، وكان نعم المدبر والمشير لصلاحه وخيره وحسن مقاصده مع شجاعة تامة وفروسية مشهورة وقد تقدم ذكره في ترجمة ولده مظفر الدين في حرف الكاف. ولم يزل قطب الدين المذكور على سلطنته ونفاذ كلمته إلى أن توفي في شوال سنة خمس وستين وخمسمائة، وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكور.

وذكر أسامة بن منقد في كتاب له صغير ذكر فيه من أدركه في عمره من ملوك البلاد أن قطب الدين المذكور توفي سلخ ربيع الآخر سنة ست ستين وخمسمائة، وليس بصحيح، فإن أخاه نور الدين كان بالموصل في شهر ربيع الآخر، وجاءته رسل الخليفة وهو مخيم على الموصل في الشهر المذكور، ولم يتوجه نور الدين إليها إلا بعد وفاة أخيه قطب الدين. وكانت وفاته بالموصل، ومدة عمره أكثر من أربعين سنة بقليل، وخلف عدة أولاد، وأكثرهم ملك البلاد.

وقد تقدم ذكر أبيه وجده وجماعة من أهل بيته، رحمهم الله تعالى.