الآمر بأحكام الله

أبو علي المنصور الملقب الآمر بأحكام الله بن المستعلي بن المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم العبيدي المذكور قبله، وقد تقدم بقية نسبه، وسبق ذكر والده في الأحمدين في حرف الهمزة.

وبويع الآمر بالخلافة بالولاية يوم مات أبوه في التاريخح المذكور في ترجمته وقام بتدبير دولته الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش المذكور في حرف الشين وكان وزير والده، وقد ذكرنا في ترجمته طرفاً من الآمر المذكور، ولما اشتد الآمر وفطن لنفسه قتل الأفضل حسبما تقدم شرحه، واستوزر المأمون أبت عبيد الله بن أبي شجاع فاتك بن أبي الحسن مختار المعروف بابن فاتك البطائحي، فاستولى هذا الوزير عليه، وقبح سمعته وأساء السيرة، ولما كثر ذلك منه قبض عليه الآمر أيضاً ليلة السبت رابع شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة واستطفى جميع أمواله، ثم قتله في رجب سنة إحدى وعشرين، وصلب بظاهر القاهرة وقتل معه خمسةً من إخوته، أحدهم يقال له المؤتمن، وكان متكبراً متجبراً خارجاً عن طوره، وله أخبار مشهورة.

ثم ظهر في مدة القبض على المأمون المصادرات على يد الراهب المسمى أبا شجاع بن قسا، فلم يبق أحد إلا وناله بمكروه من ضرب ونهب مال، وكان هذا الراهب الملعون في ابتداء حاله يخدم ولي الدولة أبا البركات ين يحيى بن أبي الليث ثم اتصل بالآمر وبذل في مصادرة قوم من النصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم، وتسلسل الحال إلى أن عم البلاد جميع رؤساء مصر وقضاتها وكتابها وشهودها وسوقتها إلى أن صادر رجلاً حمالاً فأخذ عشرين ديناراً ثمن جمل باعه لم يكن يملك سواه، وارتفع عنده إلى أن كان يستعمل بتنس ودمياط ملابس مخصوصة من الصوف الأبيض معلمة بالذهب، فكان يلبسها ويلبس فوقها الدماقس والديباج، وكان يتطيب من المسك بعدة من المثاقيل كل يوم، وكان يشم رائحة طيبه من مكان بعيد، وكان يركب الحمر بالسروج المحلاة بالذهب والفضة، ويدخل إلى دهليز القاعة المعروفة بلباس الخطباء بالجامع العتيق بمصر، فيجلس هناك ويستدعي الناس للمصادرة، وأقام كذلك مدة إلى أن قتل في سنة ثلاث وعشرين، على يد المقداد الوالي بمصر ثم صلب عند الجسر. ذكر أنه لما قبض على دار الراهب وجد فيها مكان فيه ثمانمائة طراحة جدد لم تستعمل قدرت إلى السقف، هذا نوع واحد فيها مكان قليل الاستعمال فكيف ما عداه من الديباج وأنواع المتاع الفاخر.

وكان الآمر سيء الرأي جائر السيرة مستهتراً متظاهراً باللهو اللعب، وفي أيامه أخذ الفرنج مدينة عكا في شعبان سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأخذوا طرابلس الشام بالسيف يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة، وكان أخذهم بالسيف، ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيديهم من أمتعها وذخائرها وكتب دار علمها وما كان في خزائن أربابها ما لايحد عدده ولا يحصى، وعوقب من بقي من أهلها، واستصفيت أموالهم، ثم وصلتها نجدة المصريين بعد فوات الأمر فيها، وفي هذه السنة ملكوا عرقة وكان نزولهم عليها أول شعبان من السنة المذكورة، وفيها ملكوا بانياس، وفيها جبيل بالأمان، وتسلموا قلعة تبنين يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان الوالي بها من جهة الأتابك ظهير الدين طغتكين المذكور في حرف التاء في ترجمة تتش بن ألب أرسلان وكان يومئذ صاحب دمشق وما والاها. ولما ملكوا صور ضربوا السكة باسم الآمر المذكور مدة ثلاث سنين، ثم قطعوا ذلك، وأخذوا بيروت يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ثلاث وخمسمائة بالسيف، وأخذوا صيدا لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسمائة.

وفي أيام الآمر أيضاً سنة أربع وخمسمائة، وقيل سنة إحدى عشرة، والله أعلم، قصد بردويل الافرنجي الديار المصرية ليأخذها، وانتهى إلى الفرما ودخلها وأحرقها وأحرق جامعها ومساجدها وأبواب البلد وقتل بها رجلاً مقعداً وابنته، فذبحها على صدره ورحل عنها وهو مريض، فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش، فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم، ورحلوا بجثته فدفنوها بقمامة. وسبخة بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى بردويل المذكور، والحجارة الملقاة هناك، والناس يقولون: هذا قبر بردويل وإنما هو هذه الحشوة، وكان بردويل صاحب البيت المقدس وعكا ويافا وعدة بلاد من ساحل الشام، وهو الذي أخذ هذه البلاد المذكور من المسلمين.

وفي هذه السنة أيضاً خرج المهدي محمد بن تومرت المقدم ذكره من مصر وصاحبها الآمر المذكور إلى بلاد المغرب في زي الفقهاء، وجرى له هناك ما سبق شرحه في ترجمته.

وكانت ولادة الآمر يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم وقيل ثاني المحرم سنة تسعين وأربعمائة بالقاهرة، وتولى وعمره خمس سنين. ولما انقضت أيامه خرج من القاهرة صبيحة يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ونزل إلى مصر وعدى على الجسر إلى الجزيرة التي قباله مصر، فكمن له قوم بالأسلحة وتواعدوا على مقتله في السكة التي يمر فيها إلى فرن هناك، فلما مر بهم وثبوا عليه فلعبوا عليه بأسيافهم، وكان قد جاوز الجسر وحده مع عدة قليلة من غلمانه وبطانته وخاصته وشيعته، فحمل في النيل في زورق ولم يمت، وأدخل القاهرة وهو حي، وجيء به إلى القصر من ليلته فمات ولم يعقب، وهو العاشر من أولاد المهدي عبيد الله القائم بسجلماسةة المقدم ذكره.

وانتقل الأمر إلى ابن عمه الحافظ عبد المجيد المقدم ذكره رحمهم الله تعالى؛ وكان قبيح السيرة ظلم للناس وأخذ أموالهم وسفك دماءهم، وارتكب المحذورات، واستحسن القبائح المحظورات، فابتهج الناس بقتله، وكان شديد الأدمة جاحظ العينين، حسن الخط والمعرفة والعقل.

وأما المأمون ابن البطائحي الوزير المذكور فهو الذي بنى الجامع الأقمر بالقاهرة سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكان الأفضل ابن أمير الجيوش قد شرع في عمارة جامع النيل بظاهر مصر عند الرصد المطل على بركة حبش في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ولم يكلمه، فأكمله بعده في مدة وزارته، والله أعلم بالصواب.