كمال الدين ابن يونس

أبو الفتح موسى بن أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد، الملقب كمال الدين، الفقيه الشافعي؛ تفقه بالموصل على والده، ثم توجه إلى بغداد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وأقام بالمدرسة النظامية بشتغل على المعيد بها السديد السلماسي المقدم ذكره وكان المدرس بها يومئذ الشيخ رضي الدين أبو الخير أحمد بن اسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس القزويني، فقرأ الخلاف والأصول وبحث الأدب على الكمال أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري المقدم ذكره فتميز ومهر، وكان قد قرأ أولاً على الشيخ أبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وهو بالموصل ثم أصعد إلى الموصل وعكف على الاشتغال، ودرس بعد وفاة والده في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى في موضعه بالمسجد المعروف بالأمير زين الدين صاحب إربل، وهذا المسجد رأيته وهو على وضع المدرسة، ويعرف الآن بالمدرسة الكمالية لأنه نسب إلى كمال الدين المذكور لطول إقامته به.

ولما اشتهر فضله انثال عليه الفقهاء، وتبحر في جمع الفنون، وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، وتفرد بعلم الرياضة، ولقد رأيته بالموصل في شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، وترددت إليه دفعات عديدة لما كان بينه وبين الوالد رحمه الله من المؤانسة والمودة الأكيدة، ولم يتفق لي الأخذ عنه لعدم الإقامة وسرعة الحركة إلى الشام، وكان الفقهاء يقولون: إنه يدري أربعة وعشرين فناً دراية متقنة، فمن ذلك المذهب وكان فيه أوحد الزمان، وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحل لهم مسائل الجامع الكبير أحسن حل مع ما هي عليه من الإشكال المشهور؛ وكان يتقن فني الخلاف العراقي والبخاري، وأصول الفقه وأصول الدين. ولما وصلت كتب فخر الدين الرازي إلى الموصل وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم اصطلاحة فيها سواه، وكذلك الإرشاد للعميدي لما وقف عليها حلها في ليلة واحدة وأقرأها على ما قالوه.

وكان يدري فن الحكمة: المنطق والطبيعي والإلهي، وكذلك الطب، ويعرف فنون الرياضة من اقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي المجسطي لفظة يونانية معناها بالعربي الترتيب، ذكر ذلك الوكري في كتابه وأنواع الحساب: المفتوح منه والجبر والمقابلة والأرثماطيقي وطريق الخطأين، والموسيقى والمساحة، معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها، وبالجملة فلقد كان كما قال الشاعر:

وكان من العلوم بحيث يقضى

 

له في كل فن بالـجـمـيع

 

واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد؛ وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً تاماً مستوفًى، حتى إنه كان يقرىء كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، والمفصل للزمخشري، وكان له في التفسير والحديث وأسماء الرجال وما يتعلق به يدٌ جيدة؛ وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم، والأشعار والمحاضرات، شيئاً كثيراً. وكان أهل الذمة يقرءون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله. وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه يعرف سواه لقوته فيه. وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه.


 ولقد جاءنا الشيخ أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري، صاحب التعليقة في الخلاف والزيج والتصانيف المشهورة، من الموصل إلى إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وقبلها في خمس وعشرين وستمائة، ونزل بدار الحديث، وكنت أشتغل عليه بشيء من الخلاف، فبينما أنا يوماً عنده إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد، وكان فاضلاً، فتجارياً في الحديث زماناً، وجرى ذكر الشيخ كمال الدين في أثناء الحديث، فقال له الأثير: لما حج الشيخ كمال الدين ودخل بغداد كنت هناك؟ فقال: نعم، فقال: كيف كان إقبال الديوان العزيز عليه؟ فقال ذلك الفقيه: ما أنصفوه على قدر استحقاقه، فقال الأثير: ما هذا إلا عجب، والله ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ، فاستعظمت منه هذا الكلام، وقلت له: يا سيدنا كيف تقول كذا؟ فقال: يا ولدي ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي، ووالله ما بينه وبين الشيخ نسبة.


وكان الأثير على جلالة قدره في العلوم يأخذ الكتاب ويجلس بين يديه يقرأ عليه، والناس يوم ذاك يشتغلون في تصانيف الأثير. ولقد شاهدت هذا بعيني، وهو يقرأ عليه كتاب المجسطي. ولقد حكى لي بعض الفقهاء أنه سأل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في العلوم فقال: ما أعلم، فقال: وكيف هذا يا مولانا. وهو في خدمتك منذ سنين عديدة، ويشتغل عليك؟ فقال: لأني مهما قلت له تلقاه بالقبول وقال: نعم يا مولانا، فما جاذبني في مبحث قط حتى أعلم حقيقة فضله، ولا شك أنه كان يعتمد هذا القدر مع الشيخ تأدباً، وكان معيداً عنده في المدرسة البدرية، وكان يقول: ما تركت بلادي وقصدت الموصل إلا للاشتغال على الشيخ.


وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح المقدم ذكره يبالغ في الثناء على فضائله وتعظيم شأنه وتوحده في العلوم؛ فذكره يوماً وسرع في وصفه على عادته، فقال له بعض الحاضرين: يا سيدنا، على من اشتغل؟ ومن كان شيخه؟ فقال: هذا الرجل خلقه الله تعالى عالماً إماماً في فنونه، لا يقال على من اشتغل ولا من شيخه، فإنه أكبر من هذا.
وحكى لي بعض الفقهاء بالموصل أن ابن الصلاح المذكور سأله أن يقرأ عليه شيئاً من المنطق سراً، فأجابه إلى ذلك، وتردد إليه مدة فلم يفتح عليه فيه بشيء فقال له: يا فقيه، المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن، فقال له: ولم ذاك يا مولانا؟ فقال: لأن الناس يعتقدون فيك الخير، وهم ينسبون كل من اشتغل بهذا الفن إلى فساد الاعتقاد، فكأنك تفسد عقائدهم فيك ولا يحصل لك من هذا الفن شيء؛ فقبل إشارته وترك قراءته.


ومن يقف على هذه الترجمة فلا ينسبني إلى المغالاة في حق الشيخ. ومن كان من أهل تلك البلاد وعرف ما كان عليه الشيخ، عرف أني ما أعرته وصفاً ونعوذ بالله من الغلو والتساهل في النقل.


ولقد ذكره أبو البركات المبارك بن المستوفي المقدم ذكره في تاريخ إربل فقال: هو عالم مقدم، ضرب في كل علم، وهو في علم الأوائل: كالهندسة والمنطق وغيرهما ممن يشار إليه، حل اقليدس والمجسطي على الشيخ شرف الدين المظفر بن محمد المظفر الطوسي الفارابي، يعني صاحب الاصطرلاب الخطي المعروف بالعصا.


ثم قال ابن المستوفي: وردت عليه مسائل من بغداد في مشكلات هذا العلم، فحلها واستصغرها، ونبه على براهينها، بعد أن احتقرها، وهو في الفقه والعلوم الإسلامية نسيج وحده، ودرس في عدة مدارس بالموصل، وتخرج عليه خلق كثير في كل فن.
ثم قال: أنشدنا لنفسه، وأنفذها إلى صاحب الموصل يشفع عنده:

لئن شرفت أرضٌ بمالك رقـهـا

 

فمملكة الدنيا بكـم تـتـشـرف

بقيت بقاء الدهر أمـرك نـافـذ

 

وسعيك مشكور وحكمك منصف

ومكنت في حفظ البسيطة مثل ما

 

تمكن في أمصار فرعون يوسف

 

قلت أنا: ولقد أنشدني هذه الأبيات عنه أحد أصحابنا بمدينة حلب، وكنت بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وبها رجل فاضل في علوم الرياضة، فأشكل عليه مواضع في مسائل الحساب والجبر والمقابلة والمساحة واقليدس، فكتب جميعها في درج وسيرها إلى الموصل، ثم بعد أشهر عاد جوابه، وقد كشف عن خفيها وأوضح غامضها وذكر ما يعجز الإنسان عن وصفه، ثم كتب في آخر الجواب: فليمهد العذر في التقصير في الأجوبة، فإن القريحة جامدة، والفطنة خامدة، قد استولى عليها كثرة النسيان، وشغلتها حوادث الزمان، وكثير مما استخرجناه وعرفناه نسيناه، بحيث صرنا كأنا ما عرفناه؛ وقال لي صاحب المسائل المذكورة: ما سمعت مثل هذا الكلام إلا للأوائل المتقنين لهذه العلوم، ما هذا من كلام أبناء هذا الزمان.


وحكى لي الشيخ الفقيه الرياضي علم الدين قيصر بن أبي القاسم عبد الغني بن مسافر الحنفي المصري المعروف بتعاسيف، وكان إماماً في علوم الرياضة، قال: لما أتقنت علوم الرياضة بالديار المصرية ودمشق، تاقت نفسي إلى الاجتماع بالشيخ كمال الدين لما كنت أسمعه من تفرده بهذه العلوم، فسافرت إلى الموصل قصد الاجتماع به، فلما حضرت في خدمته وجدته على حلية الحكماء المتقدمين، وكنت قد طالعت أخبارهم، فسلمت عليه وعرفته قصدي له للقراءة عليه، فقال لي: في أي العلوم تريد تشرع؟ فقلت: في الموسيقى، فقال: مصلحة هو، فلي زمان ما قرأه أحد عليّ، فأنا أوثر مذاكرته، وتجديد العهد به، فشرعت فيه ثم في غيره حتى شققت عليه أكثر من أربعين كتاباً في مقدار ستة أشهر، وكنت عارفاً بهذا الفن، لكن كان غرضي الانتساب في القراءة إليه، وكان إذا لم أعرف المسألة أوضحها لي، وما كنت أجد من يقوم مقامه في ذلك.


وقد أطلت الشرح في نشر علومه، ولعمري لقد اختصرت.


ولما توفي أخوه الشيخ عماد الدين محمد المقدم ذكره تولى الشيخ المدرسة العلائية موضع أخيه، ولما فتحت المدرسة القاهرية تولاها. ثم تولى المدرسة البدرية في ذي الحجة سنة عشرين وستمائة. وكان مواظباً على إلقاء الدروس والإفادة. وحضر في بعض الأيام دروسه جماعة من المدرسين أرباب الطيالس، وكان العماد أبو علي عمر بن عبد النور بن ماجوج بن يوسف الصنهاجي اللزني النحوي البجائي حاضراً، فأنشد على البديهة قوله:

كمال كمال الدين للعلم والعلـى

 

فهيهات ساع في مساعيك يطمع

إذا اجتمع النظار في كل موطن

 

فغاية كلٍ أن تقول ويسمـعـوا

فلا تحسبوهم من غناء تطيلسـوا

 

ولكن حياء واعترافاً تقنـعـوا

 

وللعماد المذكور فيه أيضاً:

تجر الموصل الأذيال فخراً

 

على كل المنازل والرسوم

بدجلة والكمال، هما شفاء

 

لهيمٍ أو لذي فهم سـقـيم

فذا بحرٌ تدفق وهو عـذب

 

وذا بحر ولكن من علـوم

 

وكان الشيخ سامحه الله تعالى يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه، وكانت تعتريه غفلة في بعض الأحيان لاستيلاء الفكرة عليه بسبب هذه العلوم، فعمل فيه العماد المذكور:

أجدك أن قد جاد بعد التـعـبـس

 

غزال بوصلٍ لي وأصبح مؤنسي

وعاطيته صهباء من فيه مزجهـا

 

كرقة شعري أو كدين ابن يونس

وقد خرجنا عن المقصود إلى ما لاحاجة بنا إليه.

وكانت ولادته يوم الخميس، خامس صفر إحدى وخمسين وخمسمائة، بالموصل. وتوفي بها رابع عشر شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، ودفن في تربتهم المعروفة بهم عند تربة عناز، خارج باب العراق.

وقد سبق ذكر ولده شرف الدين أحمد في حرف الهمزة، وأخيه عماد الدين في حرف الميم، وسيأتي ذكر والده في حرف الياء إن شاء الله تعالى، رحمهم الله أجمعين. ولما كنت أتردد إلى خدمته بالموصل أوقع الله في نفسي أنه إن رزقت ولداً ذكراً سميته باسمه، ثم سافرت في بقية السنة المذكورة إلى الشام وأقمت به عشر سنين، ثم سافرت إلى الديار المصرية في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وتقلبت الأحوال ثم حصل التأهل، فرزقني الله ولدي الأكبر في بكرة يوم السبت حادي عشر صفر سنة إحدى وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة فسميته موسى، وعجبت من موافقته للشيخ في الولادة، في الشهر والسنة، فكان بين مولدهما سنة. وذكرت ذلك للشيخ الحافظ زكي الدين عبد العظيم المحدث فعجب من هذا الاتفاق، وجعل يكرر التعجب ويقول: والله إن هذا لشيء غريب.

وتوفي الشيخ رضي الدين القزويني مدرس المدرسة النظامية المذكور في أول هذه الترجمة، في الثالث والعشرين من المحرم سنة تسعين وخمسمائة. وكانت ولادته في شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين، وموته بها أيضاً.

ولولا خوف الإطالة لذكرت من مناقب الشيخ كمال الدين ما يستغرق الوصف. وقد تقدم الكلام على الصنهاجي.

وأما اللزني: فهو بفتح اللام وسكون الزاي وبعدها نون، هذه النسبة إلى لزنة، وهي قبيلة من البربر تسكن بالقرب من بجاية من عمل إفريقية.

وتوفي علم تعاسيف المذكور يوم الأحد ثالث عشر رجب من سنة تسع وأربعين وستمائة بدمشق، ودفن خارج باب شرقي، ثم نقل إلى باب الصغير. ومولده في سنة أربع وسبعين وخمسمائة بأصفون، من شرقي صعيد مصر، رحمه الله تعالى.