الإمام أبو حنيفة

أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه الفقيه الكوفي، مولى تيم الله ابن ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات؛ كان خزازاً يبيع الخز، وجده زوطي من أهل كابل، وقيل بابل، وقيل من أهل الأنبار، وقيل من أهل نسا، وقيل من أهل ترمذ، وهو الذي مسه الرق فأعتق، وولد ثابت على الإسلام.

وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس من الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط. ولد جدي سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لعلي فينا، والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الفالوذج في المهرجان النيروز، فقال: مهرجونا كل يوم، هكذا قال الخطيب في تاريخه، والله تعالى أعلم.

وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، رضوان الله عليهم وهم: أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بكمة، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل. وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" أنه رأى أنس بن مالك، رضي الله عنه. وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم بن حبيب الصواف ومحمد بن المنكدر ونافعاً مولى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وهشام بن عروة وسماك بن حرب؛ وروى عنه عبيد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم.

وكان عاملاً زاهداً عابداً ورعاً تقياً كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف أبو حنيفة أن لايفعل "فحلف المنصور لفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لايفعل، وقال: إني لن أصلح إلى قضاء" فقال الربيع بن يونس الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه تولى عدد اللبن أياماً ليكفر بذلك عن يمنه، ولم يصح هذا من جهة النقل. وقال الربيع: رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله، ولا ترعي أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك، ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات أو تلي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال له: قد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟ وحكى الخطيب أيضاً في بعض الرويات: أن المنصور لما بنى مدينته ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة، أرسل إلى أبي حنيفة فجيء به، فعرض عيله قضاء الرصافة فأبى، فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط، قال: أو تفعل؟ قال: نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق ثمن تور صفر، فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، قال: ليس له علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ فقال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة معتمداً على أن يقول قطع عليه وضرب بيده إلى كمه، فحل صرة وأخرج درهمين ثقيلين للصفار: هذان الدرهمان عوض عن باقي تورك، فنظر الصفار إليهما وقال: نعم، فأخذ الدرهمين، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات.

وان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أراده أن يلي القدر بالكوفة أيام مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. وكان أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب أحمد على القول بخلق القرآن.

وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: مررت مع أبي بالكناسة فبكى، فقلت له: يا أبت ما يبكيك؟ فقال: يا بني، في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواط، على أن يلي القضاء، فلم يفعل.

والكناسة، بضم الكاف، موضع بالكوفة.

"قال الفضل بن غانم: كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض فعاده أبو حنيفة مراراً، فصار إلى آخر مرة، فرآه ثقيلاً فاسترجع ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير. ثم رزق العافية وخرج من الغد فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه فاتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه فعقد لنفسه مجلساً في الفقه، وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة فسأل عنه فأخبر أنه عقد مجلساً وأنه يلقي كلامك فيه، فدعا رجلاً كان له عنده قدر فقال: سر إلى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره بدرهم إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصار: ما لك عندي شيء وأنكره، ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع له الثوب مقصوراً، أله أجرة؟ فإن قال لك: له أجرة فقل له أخطأت، وإن قال: لا أجرة له فقل: أخطأت؛ فسار إليه وسأله، فقال أبو يوسف: له أجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له، فقال له: أخطأت، فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال: ما جاء بك إلى مسألة القصار، قال: أجل، قال: سبحان الله، من قعد بفتي الناس وعقد مجلساً يتكلم في دين الله وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الاجارات؟ فقال: يا أبا حنيفة، علمني، فقال: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة لاأنه قسر لصاحبه؛ ثم قال: من ظن أنه يستغني عن التعلم فلبيك على نفسه".

وكان أبو حنيفة حسن الوجه حسن المجلس، شديد الكرم حسن المواساة لإخوانه، وكان ربعة من الرجال، وقيل كان طوالا تعلوه سمرة، أحسن الناس منطقاً وأحلامهم نغمة.

وذكر الخطيب في تاريخه أن أبا حنيفة رأى في المنام كأنه ينبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فبعث من سأل ابن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علماُ، لم يسبقه أحد قبله.

قال الشافعي، رضي الله عنه، قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.

وروى حرملة بن يحيى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان، هكذا نقله الخطيب في تاريخه.

وقال يحيى بن معين: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركت الناس. وقال جعفر بن الربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سئل عن الفقه تفتح وساهل كالوادي، وسمعت له دوياً وجهارة في الكلام.

وكان إماماً في القياس؛ قال علي بن عاصم: دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذه من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، فقال الحجام: لا تزد، فقال: ولم؟ قال لأنه يكثر، قال فتتبع مواضع السواد لعله يكثر، وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك وقال: لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجام.

وقال عبد الله بن رجاء: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب، حتى إذا دب الشراب فيه غرد بصوت، وهو يقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا           ليوم كريهة وسداد ثـغـر

فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غدٍ، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، فقال الأمير: ايذنوا له وأقبلوا به راكباً ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ببغلته، ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له في مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه وقال: يا فتى أضعناك؟ فقال: لا، بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما مان عليه.

وقال ابن المبارك: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة، وشوي لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخل فلم يجدوا شيئاً يصبون فيه الخل، فتحيروا، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل حفرة وبسط عليها السفرة، وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشواء بالخل، فقالوا: تحسن كل شيء، فقال: عليكم بالشكر، فإن هذا شيء ألهمته لكم فضلاً من الله عليكم.

"وحكى الحسن بن زياد قال: دفن رجل مالاً في موضع، ثم نسي في أي موضع دفنه فلم يقع عليه، فجاء إلى أبي حنيفة فشكا إليه فقال له أبو حنيفة: ما هذا فقه فأحتال لك، ولكن اذهب فصل الليلة، ففعل الرجل، ولم يقم إلا أقل من ربع الليل حتى ذكر الموضع، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره، فقال له: قد علمت أن الشيطان لا يدعك تصلي حتى يذكرك، فهلا أتممت ليلتك شكراً لله عزوجل.

وقال ابن شبرمة: كنت شديد الازراء على أبي حنيفة، فحضرالموسم وكنت حاجاً يومئذ، فاجتمع إليه قوم يسألونه، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل فقال: يا أبا حنيفة: قصدتك أسألك عن أمر أهمني وأزعجني قال: وما هو؟ قال: لي ولد وليس لي غيره، فإن زوجته طلق، وإن سريته أعتق، وقد عجزت عن هذا فهل من حيلة؟ قال له: نعم اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه ثم زوجها منه، فإن طلق رجعت إليك مملوكتك وإن أعتق أعتق ما لايملك، وإن ولدت ثبت نسبه لك، فامت أن الرجل فقيه من يومئذ وكففت عن ذكره إلا بخير".

وقال ابن المبارك أيضاً: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً له قط، فقال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها.

وقال أبو يوسف: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع صاحب المنصور، وكان يعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الإستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلاً باليمين، فقال أبو حنيفة: يا أميرالمؤمنين، إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة، قال: وكيف؟ قال: يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم، فضحك المنصور وقال: يا ربيع، لا تتعرض لأبي حنيفة، فلما خرج أبو حنيفة قال له الربيع: أردت أن تشيط بدمي، قال: لا، ولكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك وخلصت نفسي.

وكان أبو العباس الطوسي سيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على المنصور، وكثر الناس، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أم الباطل؟ فقال: بالحق، قال: أنقذ الحق حيث كان ولا تسأل عنه؛ ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته.

وقال يزيد بن الكميت: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علي بنالحسن المؤذن ليلة العشاء الأخيرة سورة "إذا زلزلت" وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يتفكر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم وقد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خيرً خيراً، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شراً، أجر النعمان عبدك من النار، ومما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك، قال: فأذنت وإذا القنديل يزهر وهو قائم، فلما دخلت قال لي: تريد أن تأخذ القنديل، قلت: قد أذنت لصلاة الغداة، فقال: اكتم علي ما رأيت، وركع ركعتين وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل.

وقال أسد بن عمرو: صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، وكان عامة ليلة يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة وكان يسمع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.

وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه: لما مات أبي سألنا الحسن ابن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك! لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء.ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب في تاريخه منها شيئاً كثيراً، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق في تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الإمام لا يشك في دينه، ولا في روعه وتحفظه، ولم يكن يعاب بشيء سوى قلة العربية، فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن العلاء المقرىء النحوي- المقدم ذكره -سأله عن القتل بالمثل: هل يوجب القود أم لا؟ قفال: لا، كما هو قاعدة مذهبه خلافاً للإمام الشافعي رضي الله عنه، فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق، فقال: ولو قتله بأبا قبيس، يعني الجبل المطل على مكة حرسها الله تعالى. وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات الست المعربة بالحروف- وهي أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذو مال - أن إعرابها يكون في الأحوال الثلاث بالألف، وأنشدوا في ذلك:

إن أباها وأبـا وأبـاهـا

 

قد بلغنا في المجد غايتاها

وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، فهي لغته، والله أعلم.

 

وهذا وإن كان خروجاً عن المقصود لكن الكلام ارتبط بعضه ببعض فانتشر.

 

وكانت ولادة أبي حنيفة سنة ثمانين للهجرة، وقيل سنة إحدى وستين، والأول أصح، وتوفي في رجب، وقيل في شعبان سنة خمسين ومائة، وقيل لأحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة، وقيل إحدى وخمسين وقيل ثلاث وخمسين، والأول أصح؛ وكانت وفاته في السجن ليلي القضاء فلم يفعل، هذا هو الصحيح، وقيل إنه لم يمت في السجن، وقيل توفي في اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي رضي الله عنهما، ودفن بمقبرة الخيرزان، وقبره هناك مشهور يزار.

 

وزوطى: بضم الزاي وسكون الواو وفتح الطاء المهملة وبعدها ألف مقصورة، وهو اسم نبطي.

 

وكابل: بفتح الكاف وضم الباء الموحدة بعد الألف وبعدها لام، وهي ناحية معروفة من بلاد الهند ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم.

وأما بابل والأنبار فهما معروفان فلا حاجة إلى الكلام عليهما.

وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً وقبة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنيفة، ولما فرغ من عمارة ذلك ركب إليها في جماعة من الأعين ليشاهدوها، فبينما هم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر سعود المعروف بالبياض الشاعر- المقدم ذكره -وأنشده:

ألم تر أن العلم كان مـبـدداً

 

فجمعه هذا المغيب في اللحد

كذلك كانت هذه الأرض ميتة

 

فأنشرها فعل العميد أبي سعد

فأجازه أبو سعد جائزة سنية.

ولهذا أبي سعد مدرسة بمدينة مرو، وله عدة ربط وخانات في المفاوز، وكان كثير الخير وعمل المعروف، وانقطع في آخر عمره عن الخدمة ولزم بيته، وكانوا يراجعونه في الأمور، وتوفي في المحرم سنة أربع وستين وأربعمائة بأصبهان، رحمه الله تعالى.

وكان بناء المشهد والقبة في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وقد تقدم في ترجمة ألب أرسلان محمد والد السلطان ملك شاه أنه بنى مشهداً على قبر الإمام أبي حنيفة، وكذلك وجدته في بعض التواريخ، وقد غاب عني الآن من أين نقلته، ثم وجدت بعد ذلك أن الذي بنى مشهداً والقبة أبو سعد المذكور، والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور، وهو كان المباشر كما جرت عادة النواب مع ملوكهم، فتسبت العمارة إليه بهذه الطريق، ويدل على ذلك أن تاريخ العمارة في أيام ألب أرسلان، أبو سعد كان مستوفياً في أيامه، ثم استمر على وظيفته في أيام ولده ملك شاه، وهذا إنما ذكرته لنجمع بين النقلين، والله أعلم.