ضياء الدين ابن الأثير

أبو الفتح نصر الله بن أبي بكر محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، الملقب ضياء الدين؛ كان مولده بجزيرة ابني عمر، ونشأ بها، وانتقل مع والده إلى الموصل "في رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة" وبها اشتغل وحصل العلوم وحفظ كتاب الله الكريم وكثيراً من الأحاديث النبوية وطرفاً صالحاً من النحو واللغة وعلم البيان وشيئاً كثيراً من الأشعار حتى قال في أول كتابه الذي سماه "الوشي المرقوم" ما مثاله: "وكنت حفظت من الأشعار القديمة والمحدثة ما لا أحصيه كثيرة، ثم اقتصرت بعد ذلك على شعر الطائيين: حبيب بن أوس، يعني أبا تمام، وأبي عبادة البحتري، وشعر أبي الطيب المتنبي، فحفظت هذه الدواوين الثلاثة، وكنت أكرر عليها بالدرس مدة سنين، حتى تمكنت من صوغ المعاني، وصار الإدمان لي خلقاً وطبعاً" وإنما ذكر هذا الفضل في معرض أن المنشئ ينبغي أن يجعل دأبه في الترسل حل المنظوم، ويعتمد عليه في هذه الصناعة.

ولما كملت لضياء الدين المذكور الأدوات قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين، تغمده الله برحمته، في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوصله القاضي الفاضل لخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من السنة، وأقام عنده إلى شوال من السنة، ثم طلبه ولده الملك الأفضل نور الدين من والده، فخيره صلاح الدين بين الإقامة في خدمته، والانتقال إلى ولده ويبقى المعلوم الذي قرره له باقياً عليه، فاختار ولده، فمضى إليه، وكان يومئذ شاباً، فاستوزره ولده الملك الأفضل نور الدين على- المقدم ذكره - رحمه الله تعالى، وحسنت حاله عنده.

ولما توفي السلطان صلاح الدين، واستقل ولده الملك الأفضل بمملكة دمشق، استقل ضياء الدين المذكور بالوزارة وردت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه، ولما أخذت دمشق من الملك الأفضل وانتقل إلى صرخد - حسبما شرحناه في ترجمته - وكان ضياء الدين قد أساء العشرة مع أهلها، وهموا بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن بن عجم مستخفياً في صندوق مقفل عليه، ثم صار إليه، وصحبه إلى مصر لما استدعي لنيابة ابن أخيه الملك المنصور - قد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك الأفضل فأغنى عن الإعادة.

ولما قصد الملك العادل الديار المصرية، وأخذها من ابن أخيه- كما ذكرناه هناك - وتعوض الملك الأفضل البلاد الشرقية، وخرج من مصر، لم يخرج ضياء الدين في خدمته، لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه، فخرج منها مستتراً، وله في كيفية خروجه مستخفياً رسالة طويلة، شرح فيها حاله، وهي موجودة في ديوان رسائله، وغاب عن مخدومه الملك الأفضل مديدة، ولما استقر الأفضل في سميساط عاد إلى خدمته وأقام عنده مدة ثم فارقه في ذي القعدة من سنة سبع وستمائة، واتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر صاحب حلب- المقدم ذكره - فلم يطل مقامه عنده ولا انتظم أمره، وخرج مغضباً وعاد إلى الموصل فلم يستقم حاله، فورد إربل فلم يستقم حاله، فسافر إلى سنجار ثم عاد إلى الموصل واتخذها دار إقامته واستقر، وكتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود ابن الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه- المقدم ذكره في حرف الهمزة - وأتابكه يومئذ الأمير بدر الدين لؤلؤ أبو الفضائل النوري، وذلك في سنة ثماني عشرة وستمائة.

ولقد ترددت إلى الموصل من إربل أكثر من عشر مرات، وهو مقيم بها، وكنت أود الاجتماع به لآخذ عنه شيئاً، ولما كان بينه وبين الوالد، رحمه الله تعالى، من المودة الأكيدة، فلم يتفق ذلك، ثم فارقت بلاد المشرق وانتقلت إلى الشام وأقمت به مقدار عشر سنين، ثم انتقلت إلى الديار المصرية وهو في قيد الحياة، ثم بلغني بعد ذلك خبر وفاته وأنا بالقاهرة، وسيأتي تاريخه في أواخر الترجمة إن شاء الله تعالى.

ولضياء الدين من التصانيف الدالة على غزارة فضله وتحقيق نبله، كتابه الذي سماه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، وهو في مجلدين، جمع فيه فأوعب، ولم يترك شيئاً يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره، ولما فرغ من تصنيفه كتبه الناس عنه، فوصل إلى بغداد منه نسخة، فانتدب له الفقيه الأديب عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المدائني، وتصدى لمؤاخذته والرد عليه، وعنته في ذلك، وجمع هذه المؤاخذات في كتاب سماه "الفلك الدائر على المثل السائر" فلما أكمله وقف عليه أخوه موفق الدين أبو المعالي أحمد، ويدعى القاسم أيضاً، فكتب إلى أخيه المذكور قوله:

المثل السـائر يا سـيدي

 

صنفت فيه الفلك الدائرا

لكن هـذا فـلـك دائر

 

تصير فيه المثل السائرا

 

وكانت ولادة عز الدين المذكور بالمدائن يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة. وتوفي في بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة.


وتوفي أخوه موفق الدين المذكور ببغداد، في سنة ست وخمسين وستمائة، بعد أن أخذها التتر بقليل. وكانا فقيهين أدبيين فاضلين، لهما أشعار مليحة. ومولد الموفق المذكور في جمادى الآخرة، وقيل في شهر ربيع الأول، سنة تسعين وخمسمائة بالمدائن.


وله كتاب "الوشي المرقوم في حل المنظوم" وهو مع وجازته في غاية الحسن والإفادة، وله كتاب "المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء"، وهو أيضاً نهاية في بابه، وله مجموع اختار فيه أبي تمام والبحتري وديك الجن والمتنبي، وهو في مجلد واحد كبير، وحفظه مفيد، وقال أبو البركات ابن المستوفي في "تاريخ إربل": نقلت من خطه، في آخر هذا الكتاب المختار ما مثاله:

تمتع بع علقاً نفيساً فإنـه اخ

 

تيار بصير بالأمور حـكـيم

أطاعته أنواع البلاغة فاهتدى

 

إلى الشعر من نهجٍ إليه قويم

 

وله أيضاً ديوان ترسل في عدة مجلدات والمختار منه في مجلد واحد. ومن جملة رسائله، وكتبه إلى مخدومه وقد سافر في زمن الشتاء والبرد الشديد: "وينهي أنه سار عن الخدمة، وقد ضرب الدجن فيه مضاربه، وأسبل عليه ذوائبه، وجعل كل قرارة حفيراً، وكل ربوة غديراً، وخط كل أرض خطاً، وغادر كل جانب شطاً، كأنه يوازي يد مولانا في شيمة كرمها، والتثاث صوب ديمها، والمملوك يستغفر الله من هذا التمثيل، العاري عن فائدة التحصيل، وفرق بين ما يملأ الوادي بمائه، ومن يملأ النادي بنعمائه، وليس ما ينبت زهراً يذهبه المصيف، أو تمراً يأكله الخريف، كمن ينبت ثروة تغوث الأعطاف، ويأكل المرتبع والمصطاف، ثم استمر على مسير يقاسي الأرض ووحلها، والسماء ووبلها، ولقد جاد حتى ضجر، وأسرف حتى اتصل بره بالعقوق، وما خاف المملوك لمع البوارق كما خاف لمع البروق، ولم يزل من مواقع قطره في حرب، ومن شدة برده في كرب، والسلام". ولما سمع صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام، المعروف بالحاجري الإربلي- المقدم ذكره - هذا المعنى، وهو قوله "ومن شدة بردة في كرب" أعجبه ونظم أبياتاً، ونت جملتها بيت أودعه هذا المعنى، وهو:

ويلاه من برد رضـابٍ لـه

 

أشكو إلى العذال منه الحريق

 

ومن وقف على هذا البيت ربما يتشوق على بقية أبيات، وهي قليلة فلا بأس بذكرها، وهي:

بين لوي الجزع ووادي العقيق

 

من لا إلى السلوان عنه طريق

جانٍ جنى الخـلة مـن ريقـه

 

حلو التثني والثـنـايا رشـيق

لو لم تكـن وجـنـتـه جـنةً

 

ما أنبتت ذاك العـذار الأنـيق

ويلاه من بـرد رضـابٍ لـه

 

أشكو إلى العذال منه الحريق

واعجبا يفعل بي في الـهـوى

 

ما تفعل الأعداء وهو الصديق

روحي فدى الظبي الذي قـده

 

يفعل فعل السمهري الدقـيق

 

وقد سبق في ترجمة النفيس القطرسي- في حرف الهمزة - بيت من جملة أبياته الكافية يتضمن هذا المعنى، وهو قوله:

أحرقت يا ثغر الحـبـي

 

ب حشاي لما ذقت بردك

وأصل هذا المعنى لابن التعاويذي- المقدم ذكره - في بيت من جملة قصيدته النونية المشهورة، وهو:

يذكي الجوى بارد من ثغره شبمٌ

 

ويوقظ الوجد طرف منه وسنان

 

ومن رسائل ضياء الدين ما كتبه عن مخدومه إلى الديوان العزيز من جملة رسالة، وهي: "ودولته هي الضاحكة، وإن كان نسبها إلى العباس، فهي خير دولة أخرجت للزمن، كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلاً بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوبة من أبكار السعادة بالحب الذي لا يسلى والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى اخترعه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما لم تخطه الأقلام صحفها، ولا أجالته الخواطر في أفكارها".


ولعمري ما أنصف ضياء الدين في دعواه الاختراع لهذا المعنى، وقد سبقه إليه ابن التعاويذي في قصيدته السينية، التي مدح بها الإمام الناصر لدين الله أبا العباس أحمد أول يوم جلس في دست الخلافة، وهو يوم الأحد مستهل ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وأول القصيدة:

طاف يسعى بها على الجلاس

 

كقضيب الأراكة الـمـياس

 

ومنها عند المخلص، وهو المقصود بالذكر هاهنا:

يا نهار المشيب من لي هيهـا

 

ت بليل الشبـيبة الـديمـاس

حال بيني وبين لهوي وأطـرا

 

بي دهرٌ أحال صبغة راسـي

ورأى الغانيات شيبي فأعرض

 

ن وقلن السواد خير لـبـاس

كيف لا يفضل السواد وقد أضح

 

ى شعاراً على بني العـبـاس

 

ولا شك أن ضياء الدين زاد على هذا المعنى، لكن ابن التعاويذي هو الذي فتح الباب وأوضح السبيل، فسهل على ضياء الدين سلوكه.


وله من جملة رسائله في ذكر العصا التي يتوكأ عليها الشيخ الكبير، وهو معنى غريب: "وهذا لمبتدأ ضعفي خبر، ولقوس ظهري وتر، وإن كان إلقاؤها دليلاً على الإقامة فإن حملها دليل على السفر". وله في وصف المسلوبين من جملة كتاب يتضمن البشرى بهزيمة الكفار وهو: "فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عار وزيهم زي كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المحمر، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزر، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر، الباقي على الدهر، وهو شعار نسجه السنان الخارق، لا الصنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلا ريثما غابت البيض في الطلى والهام، وألف الطعن بين ألف الخط واللام.
وأول هذا الفضل مأخوذ من قول البحتري:

سلبوا وأشرقت الدماء عليهم

 

محمرة فكأنهم لم يسلبـوا

 

وله رسالة يصف فيها الديار المصرية، وهي طويلة، ومن جملتها فصل صفة نيلها وقت زيادته، وهو معنى بديع غريب، ولم أقف لغيره على أسلوبه، وهو قوله: "وعذب رضابه فضاهى جنى النحل، واحمر صفيحة فعملت أنه قد قتل المحل". وهذا المعنى نهاية في الحسن، ثم إني وجدت هذا المعنى لبعض العرب، وقد أخذ ضياء الدين منه، وهو قوله:

لله قـلـب مـا يزال يروعـه

 

برق الغمامة منجداً أو مغورا

ما احمر في الليل البهيم صفيحه

 

متجرداً إلا وقد قتل الـكـرى

 

ولقد أحسن في أخذه وتلطف في نقله إلى هذا المعنى، ومثله قول عبد الله ابن المعتز المقدم ذكره في غلام أرمد:

قالوا اشتكت عينه فقلت لهم:

 

من كثرة القتل مسها الوصب

حمرتها من دماء من قتلـت

 

والدم في النصل شاهد عجب

 

وله كل معنى مليح في الترسل، وكان يعارض القاضي الفاضل في رسائله، فإذا أنشأ رسالة أنشأ مثلها، وكان بينهما مكاتبات ومجاوبات، ولم يكن له في النظم شيء حسن، وسأذكر منه أنموذجاً:

ثلاثة تعطي الفرح

 

كأس وكوب وقدح

ما ذبح الزق لهـا

 

إلا وللهـم ذبـح

وكان كثيراً ما بنشد:

قلب كفاه من الصبـابة أنـه

 

لبى دعاء الظاعنين وما دعي

ومن الظنون الفاسدات توهـم

 

بعد اليقين بقاؤه في أضلعي

وهذان البيتان من جملة أبيات للفقيه عمارة اليمني- المقدم ذكره.

ومحاسنه كثيرة، وقد طال الشرح.

 وذكره أبو البركات ابن المستوفي في "تاريخ إربل" وبالغ في الثناء عليه وقال: ورد إربل في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وستمائة، وكانت ولادته بجزيرة ابن عمر في يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة؛ وتوفي في إحدى الجماديين سنة سبع وثلاثين وستمائة، ببغداد، وقد توجه إليها رسولاً من جهة صاحب الموصل، وصلي عليه من الغد بجامع القصر ودفن بمقابر قريش في الجانب الغربي بمشهد موسى بن جعفر، رضي الله عنهما. قال أبو عبد الله محمد بن النجار البغدادي في "تاريخ بغداد": توفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، وهو أخبر، لأنه صاحب هذا الفن، وقد مات عندهم.وقد تقدم ذكر أخويه: مجد الدين أبي السعادات المبارك، وأبي الحسن علي الملقب عز الدين، وكان الأخوة الثلاثة فضلاء نجباء رؤساء، لكل واحد منهم تصانيف نافعة، رحمهم الله تعالى.

وكان لضياء الدين المذكور ولد نبيه له النظم والنثر الحسن، وصنف عدة تصانيف نافعة من مجاميع وغيرها، ورأيت له مجموعاً جمعه للملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب، وأحسن فيه وذكر فيه جملة من نظمه ونثره ورسائل أبيه، ومولده بالموصل في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وتوفي بكرة نهار الاثنين ثاني جمادى الأولى سنة اثنين وعشرين وستمائة، واسمه محمد، ولقبه الشرف، رحمه الله تعالى.