هشام ابن الكلبي

أبو المنذر هشام بن أبي النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو، الكلبي النسابة الكوفي، - قد تقدم ذكر أبيه في المحمدين وما جرى له مع الفرزدق الشاعر - وحدث هشام عن أبيه وروى عن ابنه العباس، وخليفة بن خياط، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، ومحمد بن أبي السري البغدادي، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام وغيرهم. وكان من أعلم الناس علم الأنساب، وله كتاب " الجمهرة " في النسب وهو من محاسن الكتب في هذا الفن، وكان من الحفاظ المشاهير.

ذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " عنه أنه دخل بغداد وحدث بها، وأنه قال: حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن، فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، ونظرت يوماً في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة.

وله من التصانيف شيء كثير، فمن ذلك كتاب " حلف عبد المطلب وخرزاعة " وكتاب " حلف الفضول " وكتاب " حلف تميم وكلب " وكتاب " المنافرات " وكتاب " بيوتات قريش " وكتاب " فضائل قيس عيلان " وكتاب " الموءودات " وكتاب " بيوتات ربيعة " وكتاب " الكنى " وكتاب " شرف قصي وولده الجاهلية والإسلام "، وكتاب " ألقاب قريش " وكتاب " ألقاب اليمن " وكتاب " ادعاء زياد معاوية "، وكتاب " أخبار زياد بن أبيه "، وكتاب " صنائع قريش "، وكتاب " المشاجرات "، وكتاب " المعاتبات "، وكتاب " ملوك الطوائف "، وكتاب " ملوك كندة "، وكتاب افتراق ولد نزار "، وكتاب " تفريق الأزد "، وكتاب " طسم وجديس " وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً، وأحسنها وأنفعها كتابه المعروف بالجمهرة في معرفة الأنساب، ولم يصنف في بابه مثله، وكتابه الذي سماه " المنزل " في النسب أيضاً، وهو أكبر من الجمهرة، وكتاب " الموجز " في النسب، وكتاب " الفريد " صنفه للمأمون في الأنساب، وكتابه " الملوكي " صنفه لجعفر بن يحيى البرمكي في النسب أيضاً.
وكان واسع الرواية لأيام الناس وأخبارهم، فمن روايته أنه قال: اجتمعت بنو أمية عند معاوية بن أبي سفيان، فعاتبوه في تفضيل عمرو بن العاص وادعاء، زياد بن أبيه، فتكلم معاوية، ثم حرك عمراً الكلام، فقال في بعض كلامه: أنا الذي أقول في يوم صفين:

إذا تـخـازرت ومـا بــي مـــن خـــزر

 

ثم كـسـرت الـعـين مـن غــير عـــور

ألفيتني ألوى بعيد المستمر ما حملت من خير وشر

 

 

كالحـية الـصـمـاء فـي أصـل الـشـجـر

 

 

 

أما والله ما أنا بالواني ولا الفاني، وإني أنا الحية الصماء التي لا يسلم سليمها، ولا ينام كليمها، وإني أنا المرء إن همزت كسرت، وإن كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور، ومن شاء فليؤامر، مع أنهم والله لو عاينوا من يوم الهربر ما عاينت أو لو ولوا ما وليت لضاق عليهم المخرج، ولتفاقم بهم المنهج، إذ شد علينا أبو الحسن وعن يمينه وشماله المباشرون من أهل البصائر وكرام العشائر، فهناك والله شخصت الأبصار، وارتفع الشرار، وتقلصت الخصى إلى مواضع الكلى، قارعت الأمهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرت الحدق واغبرت الأفق، وألجم العرق، وسال العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وخام اللثام، وذهب الكلام وأزبدت الأشداق، وكثر العناق، وقامت الحرب على ساق، وحضر الفراق، وتضاربت الرجال بأغماد سيوفها بعد فناء من نبلها وتقصفٍ من رماحها، فلا يسمع يومئذ إلا التغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيل، ووقع السيوف على الهام كأنه دق غاسل بخشبته على منصبه، ندأب ذلك يوماً حتى ظعن الليل بغسقه، وأقبل الصبح بفلقه، ثم لم يبق من القتال إلا الهرير والزئير، لعلمتم أني أحسن بلاء، وأعظم غناء، وأصبر على اللأواء منكم، وإني وإياكم كما قال الشاعر:

وأغضي على أشياء لو شئت قلتها

 

ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا

وإن كان عودي من نضار فإنني

 

لأكرمه من أن أخاطر خروعـا

والمأثور عنه كثير.

وتوفي سنة أربع ومائتين، وقيل سنة ست، والأول أصح، والله أعلم بالصواب، رحمه الله تعالى.