الوزير ابن هبيرة

أبو المظفر الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسين بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمرو بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان - وهو الحارث - بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، الشيباني، الملقب عون الدين، هكذا ساق نسبه جماهة منهم ابن الدبيبي في تاريخه وابن القادسي في كتاب " الوزراء " وغيرهما، وإنما أخرج له هذا النسب بعد سنين من وزارته، وذكره الشعراء في مدائحهم.

وهو من قرية من بلاد العراق تعرف بقرية بني أوقر، بالقاف، من أعمال دجيل، وهي دور عرمانيا، بالعين المهملة والياء المثناة من تحت، وتعرف الآن بدور الوزير نسبة إليه، وكان والده من أجنادها.

ودخل بغداد في صباه، واشتغل بالعلم، وجالس الفقهاء والأدباء وكان على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وسمع الحديث، وحصل من كل فن طرفاً، وقرأ الكتاب العزيز وختمه بالقراءات والروايات، وقرأ النحو، واطلع على أيام العرب وأحوال الناس، ولازم الكتابة، وحفظ ألفاظ البلغاء وتعلم على أيام صناعة الإنشاء، وكانت قراءته الأدب على أبي منصور ابن الجواليقي، وتفقه على أبي الحسين محمد بن محمد الفراء، وصحب الشيخ أبا عبد الله محمد بن يحيى بن علي بن مسلم بن موسى بن عمران الزبيدي الواعظ، وسمع الحديث النبوي من أبي عثمان إسماعيل بن محمد بن قيلة الأصبهاني ومن أبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحسين الكاتب ومن بعدهما، وحدث عن الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين وعن غيره، وسمع منه خلق كثير منهم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي.

وأول ولايته الإشراف بالأقرحة الغربية، ثم نقل إلى الأشراف على الإقامات المخزنية، ثم قلد الإشراف بالمخزن، ولم يطل في ذلك مكثه حتى قلد في سنة اثنتين وأربعين كتابة ديوان الزمام، ثم ترقى إلى الوزارة، وكان سبب توليته الوزارة ما حكاه الذي جمع سيرته أنه قال: من جملة ما رفع قدر الوزير ونقله إلى الوزارة ما جرى من مسعود البلالي شحنة بغداد نيابة عن السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي - وكان مسعود أحد الخدم الخصيان الحبشيين الكبار من أمراء دولته - من سوء أدبه في الحضرة وخروجه عن معتاد الواجب وانتشار مفسدي أصحابه، وكان وزير الخليفة إذ ذاك قوام الدين أبو القاسم علي بن صدقة بن علي بن صدقة قد كتب عن الخليفة إلى السلطان مسعود عدة كتب يعتمد الإنكار على مسعود البلالي على ما صدر منه، فلم يرجع بجواب، فلما قلد عون الدين ابن هبيرة كتابة ديوان الزمام خاطب الخليفة في مكاتبة السلطان مسعود بالقضية فوقع إليه: قد كان الوزير كتب في ذلك عدة كتب فلم يجيبوه، فراجع عون الدين في ذلك سؤاله إلى أن أجيب، فكتب من إنشائه رسالة، وهي طويلة فأضربت عن ذكرها، وحاصل الأمر فيها أنه دعا له، وأذكره ما كان أسلافه يعاملون الخلفاء به من حسن الطاعة والتأدب معهم والذب عنهم ممن يفتات عليهم، وشكا من مسعود البلالي، وأنه كاتب في ذلك عدة دفعات وما جاءه جواب، وأطال القول في ذلك، وكان هذا في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة في شهر ربيع الآخر، فما مضى على هذا إلا قليل حتى عاد الجواب بالاعتذار والذم لمسعود البلاني والإنكار لما اعتمده، فاستبشر المقتفي بإشارة عون الدين وعظم سروره بذلك وحسن موقع عون الدين من قلبه، ولم يزل عنده مكيناً حتى استوزره.

قال مصنف السيرة: وكان أيضاً من جملة أسباب وزارته أنه في سنة ثلاث وأربعين وصل إلى بغداد الأمير ابن ألقش المسعودي صاحب اللحف، وهو صقع بالعراق، ويلدكز السلطاني، وقصداها في جموع كثيرة، وصدر منهم فتن عظيمة تضمنتها التواريخ، فشرع الوزير قوام الدين بن صدقة في تدبير الحال، فأخفق مسعاه، فحينئذ استأذن عون الدين في أمرهم فأذن له في ذلك، فخاطب هؤلاء الخارجين على الخليفة، وأحسن التدبير في ذلك حتى كف شرهم، ثم قوي عليهم حتى نهبت العامة أموالهم، وجرت المقادير بهذه الأحوال لرفع ابن هبيرة ووضع الوزير ابن صدقة، فإنه عند انقضاء هذا المهم استدعى الخليفة المقتفي عون الدين بمطالعة على يد أميرين من أمراء الدولة فتبين بقراءته لها التباشير في أسرته، فركب إلى دار الخليفة في جماعته، وتسامع الناس بوزارته، ولما وصل إلى باب الحجرة استدعي فدخل وقد جلس له المقتفي بميمنة التاج، فقبل الأرض وسلم، وتحدثا ساعة بما لم يحط به غيرهما علماً، ثم خرج وقد جهزوا له التشريف على عادة الوزراء، فلبسه، ثم استدعي ثانياً فقبل الأرض، ودعا بدعاء أعجب الخليفة، ثم أنشده:

 

سأشكر عمراً ما تراخت منيتـي

 

أيادي لم تمنن وإن هي جـلـت

رأى خلتي من حيث يخفى مكانها

 

فكانت بمرأىً منه حتى تجلـت

 

قلت: وهذان البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي - المقدم ذكره - وهي ثلاثة أبيات، والثاني منهما بعد الأول:

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه

 

ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت

 

ولما أنشد عون الدين هذين البيتين غير نصف البيت الثاني منهما فإن الشاعر قال:

فكانت قذى عينيه حتى تجلت

فلما رأى أنه يخاطب الخليفة بهذه العبارة فغيره تأدباً.


ثم إن عون الدين خرج فقدم له حصان أدهم سائل الغرة محجل، وعليه من الحلي ما جرت به عادتهم مع الوزراء، والشرح ذلك يطول فاختصرته، وخرج بين يديه أرباب المناصب وأعيان الدولة وأمراء الحضرة وجميع خدام الخلافة وسائر حجاب الديوان، والطبول تضرب أمامه، والمسند وراءه محمول على عادتهم في ذلك، حتى دخل الديوان ونزل على طرف الديوان وجلس في الدست، وقام لقراءة عهده الشيخ سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم بن الأنباري، ولولا خوف الإطالة لذكرت العهد فإنه بديع في بابه، لكن قصدي الاقتصار فأعرضت عن ذكره، وهو مشهور في أيدي الناس، فلما فرغ من قراءته قرأ القراء وأنشد الشعراء، وتولى الوزارة يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر من سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وكان لقبه جلال الدين، فلما ولي الوزارة لقبوه عون الدين.


وكان عالماً فاضلاً ذا رأي صائب وسريرة صالحة، وظهر منه في أيام ولايته ما شهد له بكفايته وحصن مناصحته، فشكر له ذلك ولحظه بعين الرعاية وتوفرت له أسباب السعادة، وكان مكرماً لأهل العلم يحضر مجلسه الفضلاء على اختلاف فنونهم، ويقرأ عنده الحديث عليه وعلى الشيوخ بحضوره، ويجري من البحث والفوائد ما يكثر ذكره.


وصنف كتباً، فمن ذلك كتاب " الإفصاح عن شرح معاني الصحاح " وهو يشتمل على تسعة عشر كتاباً، شرح الجمع بين الصحيحين وكشف عما فيه من الحكم النبوية، وكتاب " المقتصد " بكسر الصاد المهملة، وشرحه أبو محمد ابن الخشاب النحوي المشهور في أربع مجلدات شرحاً مستوفىً، واختصر كتاب " إصلاح المنطق " لابن السكيت، وله كتاب " العبادات في الفقه على مذهب الإمام أحمد " وأرجوزة في المقصور والممدود، وأرجوزة في علم الخط، وغير ذلك.


وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري في تاريخه الصغير الأتابكي في فصل حصار الملك محمد وزين الدين بغداد، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، أن المقتفي لأمر الله جد في حفظ بغداد، وقام وزيره عون الدين بن هبيرة في هذا الأمر المقام الذي يعجز عنه غيره قال: وأمر المقتفي فنودي ببغداد: من جرح وقت القتال فله خمسة دنانير، فكان كل من جرح يوصل ذلك إليه، فحضر بعض العامة عند الوزير مجروحاً فقال الوزير: هذا جرح صغير لا تستحق عليه شيئاً، فعاد إلى القتال فضرب في جوفه فخرجت أمعاؤه، فعاد إلى الوزير فقال: يا مولانا الوزير يرضيك هذا؟ فضحك منه وأمر له بصلة، وأحضر من يعالجه، انتهى كلام ابن الأثير.


 قلت: وهذا محمد هو ابن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي، وزين الدين هو أبو الحسن علي بن بكتكين المعروف بكجك والد مظفر الدين صاحب إربل.


وقال غير ابن الأثير: إن الملك اسمه محمد شاه وإن هذه القضية كانت في سنة اثنتين وخمسين، والله أعلم، ذكر ذلك ابن الجوزي في كتاب " شذور العقود " وهو أخبر، لأنها بلده وهو بها، وقد ذكرت محمد شاه في ترجمة أبيه.


وتوفي الإمام المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وبويع ولده المستنجد بالله أبو المظفر يوسف، فدخل عليه وبايعه وأقره على وزارته وأكرمه، وكان خائفاً منه أن يعزله فلم يعزله ولم يتعرض له، ولم يزل مستمراً في وزارته إلى حين وفاته.


ومدحه جماعة من أماثل شعراء عصره: منهم أبو الفوارس سعد بن محمد المعروف بابن صيفي الملقب حيص بيص - المقدم ذكره - وله فيه مدائح منتخبة، فمن ذلك قوله:

يهز حديث الجود سـاكـن عـطـفـه

 

كما هز شرب الحي صهباء قـرقـف

ويرسو إذا طاشت حبا القوم واغـتـدت

 

صعاب الذرا من زعزع الخطب ترجف

صروم الـدنـايا هـاجـر كـل سـنة

 

ولكنه بالـمـجـد صـب مـكـلـف

يضيق بأدنى الـعـار ذرعـاً وصـدره

 

بأهوال ما يدني من الحمـد نـفـنـف

إذا قيل عون الـدين يحـيى تـألـق ال

 

غمام وماس السمهـري الـمـثـقـف

 

وكانت عوائدهم في بغداد في شهر رمضان أن الأعيان يحضرون سماط الخليفة عند الوزير، وهم يسمون السماط " الطبق " وكان حيص بيص في جملة من يحضر الطبق، وكانت نفسه أبية وهمته عربية، وإذا أحضروا الطبق تخطاه وقعد فوقه من أرباب المراتب جماعة ليس فيهم فضل، فيجد في نفسه لذلك مشقة عظيمة فكتب إلى الوزير عون الدين يستعفيه عن الحضور:

يا باذل المال في عـدمٍ وفـي سـعةٍ

 

ومطعم الزاد في صبحٍ وفي غسـق

وحاشر الناس أغنتهـم فـواضـلـه

 

إلى مزيدٍ من النعمـاء مـنـدفـق

في كل بيت خوان من مـكـارمـه

 

يميرهم وهو يدعمهم إلى الطـبـق

فاض النوال فلولا خوف مـنـعـمةٍ

 

من بأس عدلك نادى الناس بالغـرق

وكل أرض بها صـوب وسـاكـبة

 

حتى الوغى من نجيع الخيل والعرق

صن منكبي عن زحامٍ إن غضبت له

 

تمكن الطعن من عرضي ومن خلقي

وإن رضيت به فالـذل مـنـقـصة

 

فكم تكلفته حـمـلاً فـلـم أطـق

أنا المريض بأحـداث وسـورتـهـا

 

وليس غير إبائي حافـظ رمـقـي

وهبه لي كعطاياك التـي كـثـرت

 

فالجود بالعز فوق الجود بـالـورق

إن اصفرار مجن الشمس من حـزنٍ

 

على علاها لمرماهـا إلـى الأفـق

وإن تـوهـم قـوم أنـه حـمــق

 

فربما اشتبه التوقـير بـالـحـمـق

 

وأهدي الوزير عون الدين دواة بلور مرصعة بمرجان، وفي مجلسه جماعة منهم حيص بيص، فقال الوزير: يحسن أن يقال في هذه الدواة شيء من الشعر، فقال بعض الحاضرين، وكان ضريراً، ولم أقف على اسمه:

ألين لداود الحـديد كـرامةً

 

يقدره في السرد كيف يريد

ولان لك البلور وهي حجارة

 

ومعطفه صعب المرام شديد

 

فقال حيص بيص: إنما وصفت صانع الدواة ولم تصفها، فقال الوزير: من عير غير، فقال الحيص بيص:

صيغت دواتك من يوميك فاشتبها

 

على الأنام ببلـور ومـرجـان

فيوم سلمك مبيض بفيض نـدى

 

ويوم حربك قانٍ بالدم القـانـي

 

ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب " الجنان " تأليف القاضي الرشيد أحمد بن الزبير - المذكور في أوائل هذا الكتاب - ونسبهما إلى القاضي الرشيد أحمد بن قاسم الصقلي قاضي مصر، وذكر أنه دخل على الأفضل شاهان شاه أمير الجيوش بمصر - وقد تقدم ذكره أيضاً - فرأى بين يديه دواة من عاج محلاة بمرجان، فقال بديهاً:

ألين لداود الحـديد كـرامةً

 

يقدره في السرد كيف يريد

ولان لك البلور وهي حجارة

 

ومعطفه صعب المرام شديد

 

ومدحه أبو عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله الشاعر - المقدم ذكره - بقصائد عديدة: منها وهي أحسنها فلهذا ذكرتها:

ولع النسيم وبانة الـجـرعـا

 

وصفاك إلا الحلي والـودعـا

يا دمية ضاقت خلاخـلـهـا

 

عنها وضقت بحبهـا ذرعـا

قد كنت ذا دمـعٍ وذا جـلـد

 

فبقيت لا جلـدا ولا دمـعـا

صيرت جسمي للضنى سكنـا

 

وسكنت بعد تبالة الجـزعـا

يا من رأى أدمـاء سـانـحةً

 

قلبي لها لا المنحنى مرعـى

لاثت بمثل الغصن مـئزرهـا

 

وجلت بعود أراكةٍ طـلـعـا

وإذا تراجعك الـكـلام فـلا

 

تعدد لأيام الصبـا رجـعـى

ولقد سمعت بالكأس تصبحنـي

 

سكرى اللواحظ وعثة المسعى

في مستنير الزهر ما صنعـت

 

أبراده عـدن ولا صـنـعـا

باكرت مفترعـاً ثـراه ومـا

 

ركب الحمام لبـانةٍ فـرعـا

سلت عليه البارقـات ظـبـاً

 

لبس الغدير لخوفهـا درعـا

يا عاذلي إن شئت تسمعـنـي

 

عذلاً فشق لصخرة سمـعـا

طبعاً جبلت على الغرام كمـا

 

جبل الوزير على الندى طبعا

 

وخرج بعد هذا إلى المديح فأضربت عنه، ولولا خوف الإطالة لذكرته.


ومدحه أبو الفتح بن عبد الله سبط ابن التعاويذي - المقدم ذكره - بقصيدة واحدة وهي:

سقاها الحيا من أربـعٍ وطـلـول

 

حكت دنفي من بعدهم ونجـولـي

ضمنت لها أجفـان عـينٍ قـريحةٍ

 

من الدمع مدرار الشؤون همـول

لئن حال رسم الدار عما عهـدتـه

 

فعهد الهوى في القلب غير محيل

خليلي قد هاج الغرام وشـاقـنـي

 

سنا بارقٍ بالأجـرعـين كـلـيل

ووكل طرفي بالسهاد تـنـظـري

 

قضاء مليٍ بـالـديون مـطـول

إذا قلت أنحلت جسمـي صـبـابة

 

تقول وهل حب بـغـير نـحـول

وإن قلت دمعي بالأسى فيك شاهدي

 

تقول شهود الدمـع غـير عـدول

فلا تعذلاني إن بـكـيت صـبـابةً

 

على ناقضٍ عهد الوفـاء مـلـول

فأبرح ما يمنى به الصب في الهوى

 

ملال حـبـيب أو مـلام عـذول

ودون الكـثـيب بـيض عـقـائل

 

لعبن بألـبـاب لـنـا وعـقـول

غداة التقت ألحاظها وقـلـوبـنـا

 

فلم تـجـل إلا عـن دمٍ وقـتـيل

ألا حبذا وادي الأراك وقـد وشـت

 

برياك ريحـاً شـمـألٍ وقـبـول

وفي أبرديه كلما اعتلت الـصـبـا

 

شفاء فـؤاد بـالـغـرام عـلـيل

دعوت سلواً فيك غير مسـاعـدي

 

وحاولت صبرا عنك غير جمـيل

تعرفت أسباب الهوى وحمـلـتـه

 

على كاهلٍ للنـائبـات حـمـول

فلم ألحظ في حب الغواني بطـائلٍ

 

سوى رعي ليلٍ بالغـرام طـويل

ومنها:

إلى كم تمنيني الليالي بمـاجـدٍ

 

رزين وقار الحلم غير عجول

أهز اختيالاً في هواه معاطفي

 

وأسحب تيهاً في ثراه ذيولـي

لقد طال عهدي بالنوال وإننـي

 

لصب إلى تقبيل كف مـنـيل

وإن ندى يحيى الوزير لكافـل

 

بها لي، وعون الدين خير كفيل

وكان عون الدين كثيراً ما ينشد:

ما ناصحتك خبايا الود من أحـد

 

ما لم ينلك بمكروهٍ من العـذل

مودتي لك تأبى أن تسامحنـي

 

بأن أراك على شيءٍ من الزلل

 وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي بن عبد الله سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه الذي سماه " مرآة الزمان " ورأيته في أربعين مجلداً وجميعه بخطه - وكان أبوه قزغلي مملوك عون الدين بن هبيرة المذكور، وزوجه بنت الشيخ جمال الدين أبي الفرج المذكور، فأولدها شمس الدين فولاؤه له - إنه سمع مشايخه ببغداد يحكون أن عون الدين قال: كان سبب ولايتي المخزن أنني ضاق ما بيدي حتى فقدت القوت أياماً، فأشار علي بعض أهلي أن أمضي إلى قبر معروف الكرخي رضي الله عنه، فأسأل الله تعالى عنده، فإن الدعاء عنده مستجاب، قال: فأتيت قبر معروف فصليت عنده ودعوت، ثم خرجت لأقصد البلد، يعني بغداد، فاجتزت بقطفتا - قلت: وهي محلة من محال بغداد - قال: فرأيت مسجداً مهجوراً فدخلت لأصلي فيه ركعتين، وإذا بمريض ملقى على بارية، فقعدت عند رأسه وقلت: ما تشتهي؟ فقال: سفرجلة، قال: فخرجت إلى بقال هناك فرهنت عنده مئزري على سفرجلتين وتفاحة وأتيته بذلك، فأكل من السفرجلة، ثم قال: أغلق باب المسجد، فأغلقته، فتنحى عن البارية وقال: احفر هاهنا، فحفرت وإذا بكوز، فقال خذ هذا فأنت أحق به، فقلت: أما لك وارث؟ فقال: لا، وإنما كان لي أخ وعهدي بعيد وبلغني أنه مات، ونحن من الرصافة، قال: وبينما هو يحدثني إذ قضى نحبه، فغسلته وكفنته ودفنته، ثم أخذت الكوز وفيه مقدار خمسمائة دينار وأتيت إلى دجلة لأعبرها، وإذا بملاح في سفينة عتيقة وعليه ثياب رثة، فقال: معي معي، فنزلت معه، وإذا به من أكثر الناس شبهاً بذلك الرجل، فقلت: من أين أنت؟ فقال: من الرصافة، ولي بنات، وأنا صعلوك، قلت: فما لك أحد؟ قال: لا، كان لي أخ ولي عنه زمان ما أدري ما فعل الله به، فقلت: ابسط حجرك، فبسطه فصببت المال فيه، فبهت، فحدثته الحديث، فسألني أن آخذ نصفه فقلت: لا والله ولا حبة، ثم صعدت إلى دار الخليفة وكتبت رقعة فخرج عليها إشراف المخزن، ثم تدرجت إلى الوزارة.

وقال جدي الشيخ أبو الفرج في كتاب " المنتظم ": وكان الوزير يسأل الله تعالى الشهادة ويتعرض لأسبابها، وكان صحيحاً يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى من سنة ستين وخمسمائة، فنام ليلة الأحد في عافية، فلما كان في وقت السحر قاء، فأحضر طبيباً كان يخدمه فسقاه شيئاً، فيقال إنه سمه فمات، وسقي الطبيب بعده بنحو ستة أشهرٍ سماً فكان يقول: سقيت كما سقيت، ومات الطبيب. وقال في " المنتظم " أيضاً: وكنت ليلة مات الوزير نائماً على سطح مع أصحابي، فرأيت في المنام كأني في دار الوزير وهو جالس، فدخل رجل بيده حربة قصيرة فضربه بها بين أنثييه فخرج الدم كالفوارة فضرب الحائط، فالتفت فإذا بخاتم من ذهب ملقى، فأخذته وقلت: لمن أعطيه؟ أنتظر خادماً يخرج فأعطيه إياه، وانتبهت وحدثت أصحابي بالرؤيا، فلم أستتم الحديث حتى جاء رجل فقال: مات الوزير، فقال بعض الحاضرين: هذا محال، أنا فارقته أمس العصر وهو في كل عافية، وجاء آخر وصح الحديث، وقال لي ولده: لا بد أن تغسله، فأخذت في غسله ورفعت يده لأغسل مغابنه - قلت: المغابن: مطاوي البدن مثل الإبط وغيره، واحدها مغبن، بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة - قال: فسقط الخاتم من يده، فحين رأيت الخاتم تعجبت من المنام، قال: ورأيت في وقت غسله آثاراً في وجهه وجسده تدل على أنه مسموم، فلما خرجت جنازته غلقت أسواق بغداد، ولم يتخلف عن جنازته أحد، وصلي عليه في جامع القصر، وحمل إلى باب البصرة، فدفن في مدرسته التي أنشأها، وقد دثرت الآن، ورثاه جماعة من الشعراء؛ انتهى كلام أبي الفرج ابن الجوزي. وقال مؤلف سيرة الوزير المذكور: إن سبب موته كان بلغماً ثار بمزاجه وقد خرج مع المستنجد للصيد، فسقي مسهلاً فقصر عن استفراغه، فدخل إلى بغداد يوم الجمعة سادس جمادى الأولى راكباً متحاملاً إلى المقصورة لصلاة الجمعة فصلى بها وعاد إلى داره، فلما كان وقت صلاة الصبح عاوده الصبح عاوده البلغم، فوقع مغشياً عليه، فصرخ الجواري فأفاق فسكتهن، وبلغ الخبر ولده عز الدين أبا عبد الله محمداً، واكن ينوب عنه في الوزارة، فبادر إليه، فلما دخل عليه قال له: قد بث أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء المعروف بابن سلمة جماعة ليستعلم ما هذا الصياح، فتبسم الوزير على ما هو عليه من تلك الحال وأنشد:

وكم شامتٍ بي عند موتي جهالةً

 

بظلمٍ يسل السيف بعد وفـاتـي

ولو علم المسكين مـا ذا ينـالـه

 

من الضر بعدي مات قبل مماتي

ثم تناول مشروباً فاستفرغ به، ثم استدعى بماء فتوضأ للصلاة وصلى قاعداً فسجد فأبطأ عن القعود من السجود فحركوه فإذا هو ميت، فطولع به الإمام المستنجد فأمر بدفنه.

وخلف ولدين: أحدهما عز الدين المذكور والآخر شرف الدين أبو الوليد مظفر.

وأما مولده فقد ذكر أبو عبد الله محمد بن القادسي في " تاريخ الوزراء " أنه ولد في سنة وتسعين وأربعمائة على ما ذكره من لفظه، رحمه الله تعالى.

قال بعضهم: رأيته في المنام بعد موته، فسألته عن حاله، فقال:

قد سئلنا عن حالنا فأجبنـا

 

بعد ما حال حالنا وحجبنا

فوجدنا مضاعفاً ما كسبنـا

 

ووجدنا ممحصاً ما اكتسبنا

ولما بلغ خبر موته عضد الدين ابن المظفر أستاذ الدار المذكور كان بحضرته سبط ابن التعاويذي - المذكور قبل هذا - وهو من موالي بني المظفر فإن أباه كان مملوكاً لبعض بني المظفر، واسمه نشتكين فسماه ابنه عبد الله، فأراد سبط بن التعاويذي أن يتقرب إلى عضد الدولة لعلمه ما بينه وبين الوزير، فأنشد مرتجلاً:

قال لي، والوزير قد مات، قوم

 

قم لنبكي أبا المظفـر يحـيى

قلت أهون عندي بذلـك رزأً

 

ومصاباً وابن المظفـر يحـيا

وقال آخر، ولا أذكر اسمه الآن، لكنه من الشعراء المشاهير:

أيا رب مثل الماجد ابن هـبـيرة

 

يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر

يموت بيحيى كل فضلٍ وسـؤدد

 

ويحيا بيحيى كل جهل ومنكـر

والمقصود أن محاسنه كانت كثيرة، وقد أطلت هذه الترجمة حتى استوفيت مقاصدها.
ورأيت في كتاب " النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس " تأليف أبي الخطاب ابن دحية غلطة أحببت التنبيه عليها في هذا الكتاب كي لا يقف عليها أحد فيظنه مصيباً فيما ذكره، وهو أنه قال في خلافة المقتفي لأمر الله ما مثاله: وسعد بوزيره أبي المظفر عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة من ولد الأمير الكبير أبي حفص عمر بن هبيرة، وقد ذكر المؤرخون فصائل جده، التي حازها عون الدين من بعده، ثم ذكرت مكرمة لعمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين في دولة بني أمية، وظن ابن دحية أن الوزير المذكور من ذرية ذلك المتقدم، وعجبت منه من ذلك، فإن الوزير شيباني - كما شرحناه في أول الترجمة - وذاك فزاري النسب - كما يأتي في ترجمة ولده يزيد بن عمر بن هبيرة إن شاء الله تعالى - وأين شيبان من فزارة؟ ولا شك أنه ما أوقعه في هذا الأمر إلا ما أراه في نسب الوزير، فقد جاء فيه عمر بن هبيرة، فتوهم أن هذا هو ذاك، وليس الأمر كما توهمه، ومثل ابن دحية لا يعذر فقد كان حافظاً ومطلعاً على أمور الناس، وهذا الأمر واضح لكن الخطأ موكل بالإنسان. قلت: وأكثر من جرى ذكره في هذه الترجمة قد تقدم ذكره في هذا التاريخ، وأفردت لكل واحد منهم بترجمة مستقلة، سوى الشيخ الزبيدي، فإنه كان كبير القدر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما انتفع الوزير إلا بصحبته، وما ذكرته في هذا التاريخ، فينبغي التنبيه عليه، إذ مثله لا يهمل، وكان دخوله بغداد في سنة تسع وخمسمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وقال أبو عبد الله بن النجار في " تاريخ بغداد ": كان مولده بزبيد في ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ستين وأربعمائة، وتوفي ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ودفن بمقبرة جامع المنصور ببغداد، رحمه الله تعالى.
وقول الآخر:

أيا رب مثل الماجد ابن هـبـيرة

 

يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر!

فالمراد به أبو الفضل يحيى بن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن المعمر بن جعفر الملقب زعيم الدين، تولى النظر بالمخزن في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين، ففيها ناب في الوزارة بعد عزل أبي الفرج ابن المظفر، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي، وكان على ذلك إلى أن توفي، وكان مشكوراً محمود الطريقة محباً لأهل العلم، وكانت ولادته ليلة الجمعة بعد العشاء الأخير التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى عشر وخمسمائة، وتوفي ليلة العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن من الغد في الحربية بتربة له، رحمه الله تعالى.