يعقوب الحضرمي

أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي بالولاء، البصري المقرئ المشهور، وهو أحد القراء العشرة، وهو المقرئ الثامن وله في القراءات رواية مشهورة منقولة عنه، وهو من أهل بيت العلم بالقراءات والعربية وكلام العرب والروايات الكثيرة للحروف والفقه، وكان من أقرأ القراء، وأخذ عنه عامة حروف القرآن مسنداً وغير مسند من قراة الحرميين والعراقيين وأهل الشام وغيرهم، وأخذ هو القراءة عرضاً عن سلام بن سليمان الطويل ومهدي بن ميمون وأبي الأشهب العطاردي وغيرهم. وروى عن حمزة حروفاً، وسمع الحروف من أبي الحسن الكسائي، وسمع من جده زيد بن عبد الله وشعبة. وأما إسناده في القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قرأ على سلام المذكور، وقرأ سلام على عاصم بن أبي النجود، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقرأ علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى القراءة عن يعقوب المذكور عرضاً جماعة: منهم روح بن عبد المؤمن ومحمد بن المتوكل وأوب حاتم السجستاني وغيرهم، ومع منه الزعفراني، واقتدى به في اختياره عامة البصريين بعد أبي عمرو بن العلاء، فهم أو أكثرهم على مذهبه، وكان طاهر بن عبد المنعم بن غلبون إمام الجامع بالبصرة لا يقرأ إلا بقراءة يعقوب.

وقال أبو الحسين ابن المنادي: قرأ يعقوب على أبي عمرو، وغلط في ذلك، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن يعقوب الحضرمي فقال: صدوق؛ وسئل أبو حاتم الرازي عنه فقال: صدوق.

وقال أبو حاتم السجستاني: كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا ورأينا بالحروف والاختلاف في القرآن الكريم وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحو في القرآن الكري.

وله كتاب سماه " الجامع " جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات، ونسب كل حرف إلى من قرأ به. وبالجملة فإنه كان إمام أهل البصرة في عصره في القراءات، وكان يأخذ أصحابه بعدد آي القرآن العزيز، فإذا أخطأ أحدهم في العدد أقامه.

وتوفي يعقوب المذكور في ذي الحجة، وقيل في جمادى الأولى، سنة خمس مائتين، وهو الأصح. وعاش هو وأبوه إسحاق وجده زيد، كل واحد منهم ثمانياً وثمانين سنة رحمهم الله أجمعين.

وأما جد أبيه عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي فإنه كان من الأئمة العلام المشار إليه في علومهم.

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أو ل من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي ثم ميمون الأقرن ثم عنبسة الفيل ثم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وقد جاء في رواية أخرى أن عنبسة قبل ميمون، والله أعلم بالصواب. وكان في زمان عبد الله بن أبي إسحاق بن عمر الثقفي وأبو عمرو بن العلاء، ومات عبد الله قبلهما.

وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتاب " المقتبس في أخبار النحويين " أن المبرد قال: أجمعت العلماء باللغة أن أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي وأنه لقن ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم أخذ النحو عن أبي الأسود عنبسة بن معدان المهري، وأخذه عنه ميمون الأقرن، وأخذه عنه عبد الله الحضرمي، وأخذه عنه عيسى بن عمر، وأخذه عنه الخليل بن أحمد، وأخذه عنه سيبويه، وأخذه عنه الأخفش.

وكان بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قد جمع بين عبد الله وأبي عمرو بن العلاء، وبلال يومئذ متولي البصرة، قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغت فيه.

وكان عبد الله كثيراً ما يأخذ على الفرزدق الغلط في شعره، فقال الفرزدق: والله لأهجونه ببيت يسير بين أهل الدب ويتمثلون به، فعمل:

فلو كان عبد الله مولى هجوته        ولكن عبد الله مولى موالـيا

وإنما قال الفرزدق ذلك أن عبد الله مولى الحضرميين، وهم حلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف، والحليف عند العرب مولى، ولهم على ذلك شواهد، ولولا خوف الإطالة لذكرت طرفاً من ذلك، لكن ليس هذا موضع ذكره.