ابن عبد البر

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي؛ إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما، روى بقرطبة عن أبي القاسم خلف بن القاسم الحافظ وعبد الوارث بن سفيان وسعيد نصر وأبي محمد ابن عبد المؤمن وأبي عمر الباجي وأبي عمر الكلمنكي وأبي الوليد ابن الفرضي وغيرهم. وكتب إليه من أهل المشرق أبو القاسم السقطي المكي وعبد الغني بن سعيد الحافظ وأبو ذر الهروي وأبو محمد ابن النحاس المصري وغيرهم.

قال القاضي أبو علي ابن سكرة: سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد الباجي يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البر في الحديث؛ وقال الباجي أيضاً: أبو عمر أحفظ أهل المغرب.

وقال أبو علي الحسين بن أحمد بن محمد الغساني الأندلسي الجياني المقدم ذكره: ابن عبد البر شيخنا من أهل قرطبة، بها طلب الفقه ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم الفقيه الإشبيلي وكتب بين يديه، ولزم أبا الوليد ابن الفرضي الحافظ وعنه أخذ كثيراً من علم الحديث، ودأب في طلب العلم وافتنّ فيه، وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس. وألف في - الموطأ - كتباً مفيدة. منها كتاب - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - ورتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله، وهو سبعون جزءاً؛ قال أبو محمد ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه؟ ثم صنع كتاب - الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار - شرح فيه الموطأ على وجهه ونسق أبوابه، وجمع في أسماء الصحابة رضي الله عنهم كتاباً جليلاً مفيداً سماه - الاستيعاب - وله كتاب - جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله - وكتاب - الدرر في اختصار المغازي والسير - وكتاب - العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم - وله كتاب صغير في قبائل العرب وأنسابهم وغير ذلك من تواليفه. وكان موفقاً في التأليف معاناً عليه، ونفع الله به. وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه ومعاني الحديث، له بسطة كبيرة في علم النسب.

وفارق قرطبة وجال في غرب الأندلس مدةً، ثم تحول إلى شرق الأندلس وسكن دانية من بلادها، وبلنسية وشاطبة، في أوقات مختلفة. وتولى قضاء الأشبونة وشنترين في أيام ملكها المظفر بن الأفطس؛ وصنف كتاب - بهجة المجالس وأنس المجالس - في ثلاثة أسفار، جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة:

من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل الجنة ورأى فيها عذقاً مدلى فأعجبه وقال: لمن هذا؟ فقيل: لأبي جهل، فشقّ ذلك عليه وقال: ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبداً، فإنها لا تدخلها إلا نفس مؤمنة، فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلماً فرح به وقام إليه، وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه.

ومنه أيضاً أنه قيل لجعفر بن محمد، يعني الصادق: كم تتأخر الرؤيا؟ قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم كأن كلباً أبقع يلغ في دمه، فكان شمر ابن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي رضي الله عنه إنه، وكان أبرص، فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة.

ومن ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا فقصها على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: أبا بكر، رأيت كأني أنا وأنت نرقى درجةً، فسبقتك بمرقاتين ونصف، فقال: يا رسول الله، يقبضك الله تعالى إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ونصفا.

ومن ذلك أن بعض أهل الشام قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا، ومع كل واحد منهما فريق من النجوم، قال: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر، قال: مع الآية الممحوة، لا عملت لي عملاً أبداً، فعزله، وقتل مع معاوية بن أبي سفيان بصفين.

وقالت عائشة رضي الله عنها: رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فقال لها أبوها أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من خير أهل الأرض، فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها.
ومنه أيضاً أن أعرابياً وقيل هو الحطيئة الشاعر أراد سفراً، فقال لامرأته:

عدي السنين لغيبتي وتصبري

 

وذري الشهور فإنهن قصار

 

فأجابته:

اذكر صبابتنا إليك وشوقنا

 

وارحم بناتك إنهن صغار

 

فأقام وترك سفره

 

وقال الهيثم بن عدي قال لي صالح بن حيان: مَنْ أفقه الشعراء؟ فقلت: اختلف في ذلك، فقال: أفقه الشعراء وضاح اليمن حيث يقول:

إذا قلت هاتي نوليني تبـسـمـت

 

وقالت: معاذ الله من فعل ما حرم

فما نولت حتى تضرعت عندهـا

 

وأعلمتها ما أرخص الله في اللمم

 

ومنه أيضاً: قيل لأسلم بن زرعة: إن انهزمت من أصحاب مرداس غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد، فقال: لأن يغضب علي وأنا حي خير من أن يرضى عني وأنا ميت.


ومنه أيضاً: سبّ أعرابي أعرابياً فسكت، فقيل له لم سكت عنه؟ فقال: ليس لي علم بمساويه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه.

ثالبني عمرو وثالبـتـه

 

قد أثم المثلوب والثالب

قلت له خيراً وقال الخنا

 

كلّ على صـاحـبـه

 

وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما: إذا قال فيك رجل ما لا يعلم من الخير أوشك أن يقول فيك ما لا يعلم من الشر.


ومنه أيضاً: ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع.


ومنه أيضاً: روي أنه لما أهبط الله تعالى آدم عليه السلام إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام فقال: يا آدم إن الله عز وجل قد أحضرك ثلاث خصال لتختار منهن واحدة وتتخلى عن ثنتين، قال: وما هن؟ قال: الحياء والدين والعقل، قال آدم: إني اخترت العقل، فقال جبريل للحياء والدين: ارتفعا فقد اختار العقل، قالا: لا، لا نرتفع، قال: ولمَ؟ أعصيتما؟ قالا: لا ولكن أمرنا أن لا نفارق العقل حيث كان.


وقال عبد الملك بن عبد الحميد من أبيات:

الماء في دار عثمان له ثـمـن

 

والخبز فيها له شأن من الشـان

عثمان يعلم أن الحمد ذو ثـمـن

 

لكنه يشتهي حمـداً بـمـجـان

والناس أكيس من أن يحمدوا أحداً

 

حتى يروا عنده آثار إحـسـان

 

ومن كتاب - بهجة المجالس - أيضاً قال الرياشي: خرج الناس بالبصرة ينظرون هلال شهر رمضان، فرآه رجلٌ واحد منهم، ولم يزل يومئ إليه حتى رآه معه غيره وعاينوه، فلما كان هلال الفطر جاز الجماز صاحب النوادر إلى ذلك الرجل، فدّق عليه الباب فقال: قم أخرجنا مما أدخلتنا فيه. قلت: وهذا الجماز هو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء ابن ريان، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو ابن أخت سلم الخاسر؛ قال السمعاني في حقه: كان خبيث اللسان حسن النادرة، وكان أكبر من أبي نواس، وقيل في نسبه غير ذلك، والجماز لقبه، وهو بفتح الجيم وتشديد الميم وبعد الألف زاي. فمن نوادره أنه قال: أصبحت في يوم مطير، فقالت لي امرأتي: أي شيء يطيب في هذا اليوم؟ فقلت لها: الطلاق، فسكتت عني. ودخل يوماً بعض إخوانه وقد طبخ وغرف الطعام، فقال الداخل: سبحان الله ما أعجب أسباب الرزق! فقال الجماز؛ الحرمان والله أعجب منه، امرأته طالق إن ذقته. وقال له السروي الشاعر: ولدت امرأتي البارحة ولداً كأنه دينار منقوش، فقال له الجماز: لاعن أمه. وللجماز شعر أيضاً ذكره في كتاب - الورقة -، فمن ذلك ما كتبه إلى صاحب له، وكان يلازم الجامع ثم انقطع عنه:

هجرت المسجد الجام

 

ع والهجر له ريبـه

فلا نـافـلةً تـأتـي

 

ولا تشهد مكتـوبـه

وأخبـارك تـأتـينـا

 

على الأعلام منصوبه

فإن زدت من الغـيب

 

ة زدناك من الغيبـه

 

ومنه أيضاً: قال أردشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع، واعلموا أن الكرام أصبر نفوساً، واللئام أصبر أجساماً.


قلت: هذا كله نقلته من - بهجة المجالس - وفيه كفاية فلا حاجة إلى الإطالة.


وتوفي الحافظ أبو عمر المذكور يوم الجمعة آخر يوم من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة، بمدينة شاطبة من شرق الأندلس. وقال صاحبه أبو الحسن طاهر بن مفوّز المعافري، وهو الذي صلى عليه: سمعت أبا عمر ابن عبد البر يقول: ولدت يوم الجمعة والإمام يخطب لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلثمائة رحمه الله تعالى؛ وقد تقدم في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ أنه كان حافظ الشرق، وابن عبد البر حافظ الغرب، وماتا في سنة واحدة، وهما إمامان في هذا الفن.


والنمري: بفتح النون والميم بعدها راء، هذه النسبة إلى النمر بن قاسط، بفتح النون وكسر الميم، وإنما تفتح الميم في النسبة خاصة، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، وقد تقدم الكلام على القرطبي وشاطبة، فأغنى عن الإعادة.


وذكر أبو عمر المذكور أن والده أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد البر توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين وثلثمائة ومولده سنة ثلاثين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.


وكان ولده أبو محمد عبد الله بن يوسف من أهل الأدب البارع والبلاغة، وله رسائل وشعر، فمن شعره قوله:

لا تـكـثـرن تـأمــلا

 

واحبس عليك عنان طرفك

فلـربـمـا أرسـلـتـه

 

فرماك في ميدان حتفـك

قيل إنه مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.