أبو يعقوب البويطي

أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي، صاحب الشافعي رضي الله عنه؛ كان واسطة عقد جماعته وأظهرهم نجابةً، اختص به في حياته، وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته، سمع الأحاديث النبوية من عبد الله بن وهب الفقيه المالكي المقدم ذكره ومن الإمام الشافعي، وروى عنه أبو إسماعيل الترمذي وإبراهيم بن إسحاق الحربي والقاسم بن المغيرة الجوهري وأحمد بن منصور الرمادي وغيرهم. وكان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة وأريد على القول بخلق القرآن الكريم فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات، وكان صالحاً متنسكاً عابداً زاهداً.

قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل، في عنقه غل وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله سبحانه الخلق بِكُنْ، فإذا كانت كن مخلوقة فكأن مخلوقاً خلق مخلوقاً، فوالله لأموتن في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه يعني الواثق.

وقال أبو عمر ابن عبد البر الحافظ في كتاب - الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء -: إن ابن أبي الليث الحنيفي قاضي مصر كان يحسده ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فيمن أخرج من مصر إلى بغداد، ولم يُخرج من أصحاب الشافعي غيره، وحمل إلى بغداد وحبس، فلم يجب إلى ما دعي إليه في القرآن، وقال: هو كلام الله غير مخلوق، وحبس ومات في السجن.

وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب - طبقات الفقهاء -: كان أبو يعقوب البويطي إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد؟ فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عافاك الله، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني.

وقال أبو الوليد ابن أبي الجارود: كان البويطي جاري فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي.

وقال الربيع: كان أبو يعقوب أبداً يحرك شفتيه بذكر الله تعالى، وما رأيت أحداً أنزع بحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي. وقال الربيع أيضاً: كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي، وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول له: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره فيقول: هو كما قال. وقال أيضاً: ربما جاء رسول صاحب الشرطة إلى الشافعي فيوجه أبا يعقوب البويطي ويقول: هذا لساني.

وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: لما مرض الشافعي مرضه الذي مات فيه جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك، وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء أبو بكر الحميدي، وكان في تلك الأيام بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت، فقال الحميدي: كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك، وغضب ابن عبد الحكم، فترك مجلس الشافعي وتقدم فجلس في الطاق، وترك طاقاً بين مجلس الشافعي ومجلسه، وجلس البويطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس فيه.

وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: رأيت أبي في المنام فقال لي: يا بني عليك بكتاب البويطي فليس في الكتب أقل خطأ منه.

وقال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جدّله، وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد، قال الربيع: فدخلت على البويطي أيم المحنة فرأيته مقيداً إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه.

وقال الربيع أيضاً: كتب إليّ أبو يعقوب من السجن: إنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأت كتابي هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوص بالغرباء خاصة خيراً، فكثيراً ما كنت أسمع الشافعي رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت:

أهين لهم نفسي لأكرمها بهـم       ولن تكرم النفس التي لا تهينها

وأخباره كثيرة؛ وتوفي يوم الجمعة قبل الصلاة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين، في القيد والسجن ببغداد، وقيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، والأول أصح، رحمه الله تعالى؛ وقال ابن القرّاب في تاريخه: توفي يوم الثلاثاء في رجب، والله أعلم.

والبويطي، بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها طاء مهملة، هذه النسبة إلى بويط، وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر.

ويوسف: فيه ست لغات، ضمّ السين وفتحها وكسرها مع الواو وضم السين وفتحها وكسرها مع الهمزة عوض الواو، فالمجموع ست لغات، والياء أوله مضمومة في اللغات الست، وسيأتي نظيره في يونس.