الأعلم الشنتمري

أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي، المعروف بالأعلم من أهل ششنتمرية الغرب؛ رحل إلى قرطبة في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وأقام بها مدة، وأخذ عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا الإفليلي وأبي سهل الحراني وأبي بكر مسلم بن أحمد الأديب.
وكان عالماً بالعربية واللغة ومعاني الأشعار، حافظاً لجميعها، كثير العناية بها حسن الضبط لها مشهوراً بمعرفتها وإتقانها، أخذ الناس عنه كثيراً، وكانت الرحلة في وقته إليه؛ وقد أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني المقدم ذكره وغيره.

وكُفّ بصره في آخر عمره؛ وشرح كتاب - الجمل - في النحو لأبي القاسم الزجاجي، وشرح أبيات الجمل في كتاب مفرد، وساعد شيخه ابن الإفليلي المذكور على شرح ديوان المتنبي، وغالب ظني أنه شرح - الحماسة - فقد كان عندي - شرح الحماسة - للشنتمري في خمس مجلدات، وقد غاب عني الآن من كان مصنفه، وأظنه هو، والله أعلم، وقد أجاد فيه.

وتوفي سنة ست وسبعين وأربعمائة بمدينة إشبيلية من جزيرة الأندلس، وكانت ولادته في سنة عشر وأربعمائة، رحمه الله تعالى.

وذكر أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني الإشبيلي خطيب جامعها، قال: مات أبي أبو عبد الله محمد بن شريح يوم الجمعة منتصف شوال سنة ست وسبعين وأربعمائة، فسرت إلى الشيخ الأستاذ أبي الحجاج الأعلم، فأعلمته بوفاته فإنهما كانا كالأخوين محبة ووداداً، فلما أعلمته انتحب وبكى كثيراً واسترجع ثم قال: لا أعيش بعده إلا شهراً، فكان كذلك.

ورأيت بخط الرجل الصالح العالم محمد بن خير المقرئ الأندلسي، رحمه الله تعالى، أن أبا الحجاج المذكور إنما قيل له - الأعلم - لأنه كان مشقوق الشفة العليا شقاً فاحشاً. قلت: ومن كان مشقوق الشفة العليا يقال له أعلم، والفعل الماضي منه علم بكسر اللام يعلم بفتحها علماً أيضاً والمرأة علماء إذا كانت كذلك، فإن كان مشقوق الشفة السفلى يقال له أفلح، بالفاء والحاء المهملة والفعل منه كما تقدم في الأعلم يقال: فلح بكسر اللام يفلح فلحاً بفتحها فيهما، وهذه القاعدة مطردة في العيوب والعاهات كلها أن تكون عين الفعل الماضي مكسورة وفي المضارع والمصدر مفتوحة تقول خرس يخرس خرساً، وبرص يبرص برصاً، وعمي يعمى عمى، وكذلك جميعه، واسم الفاعل منه على أفعل مثل أخرس وأبرص وأعمى، وكذلك أعلم وأفلح.

وكان أبو يزيد سهيل بن عمرو القرشي العامري رضي الله عنه أعلم، فلما أسر يوم بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيباً أبداً، قال صلى الله عليه وسلم: دعه فعسى أن يقوم مقاماً تحمده، وكان سهيل من الخطباء الفصحاء البلغاء، وهو الذي جاء في صلح الحديبية وعلى يده انبرم الصلح، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه. والمقام الذي وعد به صلى الله عليه وسلم لسهيل هو أنه لما قبض صلى الله عليه وسلم كان سهيل بمكة فارتدت جماعة من العرب وحصل عندهم اختلاف، فقام سهيل خطيباً وسكّن الناس ومنعهم من الاختلاف فكان هذا هو المقام المحمود. وقول عمر رضي الله عنه: - دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيباً أبداً - فإنما قال ذلك لأنه كان مشقوق الشفة العليا ونزعت ثنيته تعذر عليه الكلام إلا بمشقة وكلفة، فهذا الذي قصده عمر رضي الله عنه.

وكان عنترة بن شداد العبسي الفارس المشهور أفلح، فكان يقال له الفلحاء لفلحة كانت به، وإنما ذهبوا به إلى تأنيث الشفة والله أعلم.
وشنتمرية: بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها والميم وكسر الراء وبعدها ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، وهي مدينة بالأندلس في غربها.

والحديبية: بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ياء ساكنة مثناة من تحتها ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء مكسورة ثم ياء ثانية مفتوحة وفي آخرها هاء ساكنة، وهو موضع بين مكة والمدينة كانت به بيعة الرضوان، ويروى بتشديد الياء الأخيرة أيضاً.