يوسف بن تاشفين

أبو يعقوب بن تاشفين اللمتوني أمير المسلمين وملك الملثمين، وهو الذي اختط مدينة مراكش وقد تقدم في ترجمة المعتمد محمد بن عباد والمعتصم محمد بن صمادح الملكين ببلاد الأندلس طرف من أخباره وما جرى لهما معه وكيف أخذ بلادهما، واستأسر ابن عباد وحبسه في أغمات، وقد استوفيت الكلام عليه هناك، ونبهت عليه الآن ليعلم الواقف عليه أن هذا الملك هو ذلك، وأنه عظيم الشان كبير السلطان.

ذكر أرباب التواريخ شيئاً من أحواله فاخترت في هذا الكتاب ما وجدته في كتاب - المعرب عن سيرة ملك المغرب - لأنه أوعب في حديثه من غيره لكنه لم يذكر مؤلفه حتى أذكره، غير أنه قال في أول النسخة التي نقلت منها هذا الفصل: إنه كتبها في سنة تسع وسبعين وخمسمائة وفرغ منها في غرة ذي القعدة من السنة بالموصل، وهو في مجلد واحد لطيف، فاخترت منه مقتضباً ما مثاله: كان بر المغاربة الجنوبي لقبيلة تسمى زناتة برابر فخرج عليهم من جنوبي المغرب من البلاد المتاخمة لبلاد السودان الملثمون يقدمهم أبو بكر ابن عمر منهم، وكان رجلاً ساذجاً خير الطباع مؤثراً لبلاده على بلاد المغرب غير ميال إلى الرفاهية، وكانت ولاة المغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط. فلما حصلت البلاد لأبي بكر ابن عمر المذكور سمع أن عجوزاً في بلاده ذهبت لها ناقة في غارة فبكت وقالت: ضيعنا أبو بكر ابن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب، فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب رجلاً من أصحابه اسمه يوسف بن تاشفين ورجع إلى بلاده الجنوبية.

وكان يوسف هذا رجلاً شجاعاً عادلاً مقداماً، اختط بالمغرب مدينة مراكش، وكان موضعها مكمناً للصوص، وكان ملكاً لعجوز مصمودية تمدنه منها؛ فلما تمهدت له البلاد تاق إلى العبور إلى جزيرة الأندلس، وكانت محصنة بالبحر، فأنشأ شواني ومراكب وأراد العبور إليها، فلما علم ملوك الأندلس بما يروم من ذلك أعدوا له عدة من المراكب والمقاتلة وكرهوا إلمامه بجزيرتهم، إلا أنهم استهولوا جمعه واستصعبوا مدافعته وكرهوا أن يصبحوا بين عدوين: الفرنج من شماليهم والملثمون من جنوبيهم. وكانت الفرنج تشد وطأتها عليهم، إلا أن ملوك الأندلس كانت ترهب الفرنج بإظهار موالاتهم لملك المغرب يوسف بن تاشفين، وكان له اسم كبير لنقله دولة زناتة وملك الغرب إليه في أسرع وقت، وكان قد ظهر لأبطال الملثمين في المعارك ضربات بالسيوف تقد الفارس وطعنات تنظم الكلى، فكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتالهم. وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظل يوسف بن تاشفين ويحذرونه على ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلما رأوا عزيمته متقدمة على العبور أرسل بعضهم إلى بعض، وكاتبوهم يستنجدون آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه كان أشجع القوم وأكبرهم مملكة، فوقع اتفاقهم على مكاتبته، وقد تحققوا أنه يقصدهم، يسألونه الإعراض عنهم وأنهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتاباً هو: - أما بعد، فإنك إن أعرضت عنا نُسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في إستبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت، والسلام -.

فلما جاءه الكتاب مع تحف وهدايا وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف اللسان العربي لكنه كان يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية فقال له: أيها الملك، هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك، ويلتمسون منك ألا تجعلهم في منزلة الأعادي، فإنهم مسلمون، وهم من ذوي البيوتات؛ فلا تغير بهم، وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار، وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب؛ فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه: فما ترى أنت؟ فقال: أيها الملك، اعلم أن تاج الملك وبهجته وشاهده الذي لا يرد بابه خليق بما حصل في يده من الملك أن يعفو إذا استعفى وأن يهب إذا استوهب، وكلما وهب جزيلاً كان أعظم لقدره فإذا عظم قدره تأصل ملكه، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته، وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس ولم يتجشم المشقة إليهم، وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته؛ واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء البصراء بطريق تحصيل الملك قال: من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد. فلما ألقى الكاتب هذا الكلام إلى يوسف بن تاشفين بلغته فهمه وعلم أنه صحيح، فقال للكاتب: أجب القوم، واكتب بما يجب في ذلك، واقرأ علي كتابك، فكتب الكاتب: "بسم الله الرحمن الرحيم" من يوسف بن تاشفين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية من سالمكم، وسلم إليكم، وحكّمه التأييد والنصر فيما حكم عليكم، وإنكم مما بأيدكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصون منا بأكرم إيثار وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام -. فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه، وقرن به يوسف بن تاشفين درقاً لمطية مما لايكون إلا في بلاده. قلت: اللمطية، بفتح اللام وسكون الميم وبعدها طاء مهملة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، هذه النسبة إلى لمطة، وهي بليدة عند السوس الأقصى، بينها وبين سجلماسة عشرون يوماً، قاله ابن حوقل في كتاب - المسالك والممالك - وهي معدن الدرق اللمطية، ولا يوجد مثلها في الدنيا على ما يقال، والله أعلم قال: وأنفذ ذلك إليهم. فلما وصلهم كتابه أحبوه وعظموه وفرحوا بولايته ملك المغرب، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج، وأزمعوا إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين ويكونوا من أعوانه على ملك الفرنج، فتحصل ليوسف بن تاشفين برأي وزيره ما أراد من محبة أهل الأندلس له، وكفاه الحرب لهم.

وإن الأذفونش بن فرذلند صاحب طليطلة قاعدة ملك الفرنج أخذ يجوس خلال الديار ويفتتح بلاد الأندلس ويشتط على ملوكهم بطلب البلاد منهم، وخصوصاً المعتمد بن عباد، فإنه كان مقصوداً فيه وقد تقدم في ترجمة المعتمد ذكر تاريخ أخذه طليطلة والأبيات التي قيلت في ذلك فنظر المعتمد في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع فيما يلي بلاده، فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين على العبور، على ما فيه من الخطر، وعلم أن مجاورة غير الجنس مؤذنة بالبوار، وأن الفرنج والملثمين ضدان له، إلا أنه قال: إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين، ولأن يرعى أولادنا جمالهم أحب إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج، ولم يزل هذا الرأي نصب عينيه مهما اضطر إليه.

وإن الأذفونش خرج في بعض السنين يتخلل بلاد الأندلس في جمع كبير من الفرنج، فخافه ملوك الأندلس على البلاد، وأجفل أهل القرى والرساتيق من بين يديه ولجؤوا إلى المعاقل، فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له: إن كنت مؤثراً للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فأسرع في العبور إليه، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك؛ وكان يوسف بن تاشفين على أتم أهبة، فشرع في عبور عساكره، فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد، وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة، أعدوا أيضاً للخروج، فلما رأى الاذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا الله تعالى. ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلاً ورجلاً من الفريقين، كل أناس قد التفوا على ملكهم. فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملاً ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأيٌ مصيب، كان يحدق بها معسكره، وكان يحضرها الحرب، فكانت خيل الفرنج تحجم عنها. فلما تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش، وكان نازلاً بمكان أفيح من الأرض يسمى الزلاّقة بالقرب من بطليوس قال البياسي: بين المكانين أربعة فراسخ؛ وقال أيضاً: إن يوسف بن تاشفين قدم بين يدي حربه كتاباً على مقتضى السنة يعرض عليه الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية، ومن فصول كتابه: وبلغنا يا أذفونش أنك دعوت في الاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلكٌ تعبر البحر عليها إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" - غافر: 50 - فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه جاش بحر غيظه وزاد في ظغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاه.

ثم إن ابن تاشفين ومن معه قصدوا الزلاقة، فلما وافاها المسلمون نزلوا تجاه الفرنج بها، فاختار المعتمد بن عباد أن يكون هو المصادم لهم أولاً، وأن يكون يوسف بن تاشفين إذا انهزم المعتمد بعسكره بين أيديهم وتبعوه، يميل عليهم بعساكره، وتتألف معه عساكر الأندلس، فلما عزموا على ذلك وفعلوه خذل الفرنج وخالطتهم عساكر المسلمين واستحر القتل فيهم، فلم يفلت منهم غير الأذفونش في دون الثلاثين من أصحابه، فلحق ببلده على أسوأ حال، فغنم المسلمون من أسلحته وخيله وأثاثه ما ملأ أيديهم خيراً.

قلت: وكانت الوقعة في يوم الجمعة الخامس عشر من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وقيل في شهر رمضان في العشر الأواخر من السنة، والله أعلم. وقال البياسي: كان حلول العساكر الإسلامية بالجزيرة الخضراء في المحرم سنة تسع وسبعين وأربعمائة.

فحكي أن موضع المعترك على اتساعه ما كان فيه موضع قدم إلا على جسد أو دم، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم، فلما حصلت عف عنها يوسف بن تاشفين وآثر بها ملوك الأندلس، وعرفهم أن مقصوده إنما كان الغزو لا النهب، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف ابن تاشفين لهم بالمغانم استكرموه وأحبوه وشكروا له.

ثم إن يوسف بن تاشفين أزمع الرجوع إلى بلاده، وكان عند قصده ملاقاة الأذفونش تحرى المسير بالعراء من غير أن يمر بمدينة أو رستاق حتى نزل الزلاقة تجاه الأذفونش وهناك اجتمع بعساكر الأندلس؛ وذكر أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي في كتاب - تذكير العاقل وتنبيه الغافل - أن ابن تاشفين نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء، وكان الموعد في المناجزة يوم السبت الأدنى فغدر الأذفونش ومكر، فلما كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب من العام أقبلت طلائع ابن عباد والروم في أثرها والناس على طمأنينة، فبادر ابن عباد للركوب، وانبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها، ووقع البهت ورجفت الأرض، وصارت الناس فوضى على غير تعبية ولا أهبة، ودهمتهم خيل العدو، فقمرت ابن عباد وحطمت ما تعرض لها، وتركت الأرض حصيداً خلفها، وصرع ابن عباد وأصابه جرح أشواه؛ وفر رؤساء الأندلس وأسلموا محلاتهم، وظنوا أنها وهية لا ترقع ونازلة لا تدفع، وظن الأذفونش أن أمير المسلمين في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين، فركب أمير المسلمين أحدق به أنجاد خيله ورجاله من صنهاجة ورؤساء القبائل، فعمدوا إلى محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها وقتلوا حاميتها، وضربت الطبول فاهتزت الأرض وتجاوبت الآفاق، وتراجع الروم إلى محلتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها، فصدموا أمير المسلمين فأفرج لهم عنها، ثم كر فأخرجهم منها، ثم كروا عليه فأفرج لهم عنها، ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الزان، فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها وأحجمت عن أقرانها، وتلاحق الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه بالقذف، فأهوى ليضربه بالسيف، فلصق به الأسود وقبض على أعنته وانتضى خنجراً كان منتطقاً به، فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه وشك فخذه مع بداد سرجه، وكان وقت الزوال من ذلك اليوم، فهبت ريح النصر وأنزل الله سكينته على المسلمين ونصر دينه، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه، فأخرجوهم عن محلتهم، فولوا ظهورهم وأعطوا أعناقهم، والسيوف تصفعهم إلى أن لحقوا بربوة لجأوا إليها واعتصموا بها، وأحدقت بهم الخيل؛ فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة، وأفلتوا بعدما نشبت فيهم أظفارهم، واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة، وأمر ابن عباد بضم رءوس قتلى الروم، فنشر منها أمامه كالتل العظيم، ثم كتب ابن عباد إلى ولده الرشيد كتاباً وأطار به الحمام يوم السبت سادس عشر المحرم يخبره بالنصر.

وقد روي أيضاً أن أمير المسلمين طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه إلى المرية في هذا المعنى، وذكر فيه أن جماعة أفتوه بجواز طلب ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال أهل المرية لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله ابن الفراء أن يكتب جوابه، وكان هذا القاضي من الدين والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: أما بعد ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره ولا يشك في عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بضجيعه في قبره، ولا من لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فلتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف أن ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسلمين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام.

ولما قضى أمير المسلمين من هذه الوقعة ما قضى، أمر عساكره بالمقام وأن تشن الغارات على بلاد الفرنج، وأمرّ عليهم سير ابن أبي بكر، وطلب الرجوع في طريقه، فتكرم له المعتمد بن عباد، فعرج به إلى بلاده وسأله أن ينزل عنده، فأجابه يوسف إلى ذلك. فلما انتهى إلى إشبيلية مدينة المعتمد، وكانت من أجمل المدن منظراً ونظر إلى موضوعها على نهر عظيم مستبحر تجري فيه السفن بالبضائع جالبة من بر المغرب وحاملة إليه، في غربيه رستاق عظيم مسيره عشرين فرسخاً يشتمل على آلاف من الضياع كلها تين وعنب وزيتون، وهذا الموضع هو المسمى شرف إشبيلية، وتمير بلاد المغرب كلها من هذه الأصناف، وفي جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد في غاية الحسن والبهاء، وفيها أنواع ما يحتاج إليه من المطعوم والمشروب والملبوس والمفروش وغير ذلك، فأنزل المعتمد يوسف بن تاشفين في أحدها، وتولى من إكرامه وخدمته ما أوسع شكر ابن تاشفين له، وكان مع ابن تاشفين أصحاب له ينبهونه على تأمل تلك الحال وما هي عليه من النعمة والإتراف، ويغرونه باتخاذ مثلها لنفسه ويقولون له: إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم واللذة كما هو المعتمد وأصحابه؛ وكان يوسف بن تاشفين مقتصداً في أموره غير متطاول ولا مبذر متنوق في صنوف الملاذ بالأطعمة وغيرها، وكان قد ذهب صدر عمره في بلاده في شظف العيش، فأنكر على مغريه بذلك الإسراف وقال: الذي يلوح من أمر هذا الرجل، يعني المعتمد، أنه مضيع لما في يده من الملك، لأن هذه الأموال التي تعينه على هذه الأحوال لابد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبداً، فأخذه بالظلم وأخرجه في هذه الترهات،و هذا من أفحش الاستهتار، ومن كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما لا يعدو الاجوفين متى يستجد همة في حفظ بلاده وضبطها وحفظ رعيته والتوفر على مصالحها؟!! ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته: هل تختلف فتنقص عما هي عليه في بعض الأوقات؟ فقيل له: بل كان زمانه على هذا، قال: أفكل أصحابه وأنصاره على عدوه ومنجديه على الملك ينال حظاً من ذلك؟ قالوا: لا، قال: فكيف ترون رضاهم عنه؟ قالوا: لا رضا لهم عنه، فأطرق يوسف وسكت. فأقام يوسف عند المعتمد على تلك الحال أياماً. وفي بعض تلك الأيام استأذن رجل على المعتمد، فدخل وهو ذو هيئة رثة، وكان من أهل البصائر، فلما دخل عليه قال: أصلحك الله أيها الملك، إن من أوجب الواجبات شكر النعمة، وإن من شكر النعمة إهداء النصائح، وإني رجل من رعيتك، حالي في دولتك إلى الاختلال أقرب منها إلى الاعتدال، لكنني ملتزم لك من النصيحة ما يستوجبه الملك على رعيته، فمن ذلك خبر وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك هذا يوسف بن تاشفين يدل على أنهم يرون أنفسهم وملكهم أحق بهذه النعمة منك، وقد رأيت رأيا فإن آثرت الإصغاء إليه قلته، قال له المعتمد: قله، قال: رأيت أن هذا الرجل الذي أطلعته على ملكك رجل مستأسد على الملوك، قد حطم ببر العدوة زناتة وأخذ الملك من أيديهم ولم يبق على أحد منهم، ولا يؤمن أن يطمح إلى الطماعية في ملكك، بل في ملك جزيرة الأندلس كلها بما قد عاينه من بلهنية عيشك، وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس، وإن له من الولد والأقارب ممن يؤثر مسراتهم من يودّ له الحلول بما أنت فيه من خصب الجناب، وقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك منه أقوى ناصر عليه لو احتجت إليه، فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن، وبعد أن فات الأمر في الأذفونش لا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم، قال له المعتمد: وما هو الحزم اليوم؟ قال: إن تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك، وتجزم أنك لا تطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء حتى لا يبقى منهم بالجزيرة طفل، ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه بغزاة له، ثم بعد ذلك تستعطفه بأغلظ الإيمان ألا يضمر في نفسه عوداً إلى هذه الجزيرة إلا باتفاق منكم ومنه، وتأخذ منه على ذلك، هائن، فإنه يعطيك من ذلك ما تشاء، فنفسه أعز عليه من جميع ما تلتمس منه، فعند ذلك يقنع هذا الرجل ببلاده التي لا تصلح إلا له، وتكون قد استرحت منه بعدما استرحت من الأذفونش، وتقيم في موضعك على خير حال، ويرتفع ذكرك عند ملوك الأندلس وأهل الجزيرة، ويتسع ملكك وتنسب بهذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم، وتهابك الملوك، ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في محاورة من عاملته هذه المعاملة واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحار الدم دون حصول مثله.

فلما سمع المعتمد كلام الرجل استصوبه وجعل يفكر في انتهاز هذه الفرصة. وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللذات، فقال أحدهم لهذا الرجل الناصح: ما كان المعتمد على الله، وهو إمام أهل المكرمات، ممن يعامل بالحيف ويغدر بالضيف، فقال له الرجل، إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به؛ قال ذلك النديم: لضيمٌ مع وفاء خير من حزم مع جفاء. ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه، فشكر له المعتمد ووصله بصلة، وانصرف. واتصل هذا الخبر بيوسف بن تاشفين فأصبح غادياً، فقدم له المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة فقبلها، ثم رحل فعبر من الجزيرة الخضراء إلى سبتة قلت: وهو المكان المعروف بزقاق سبتة يعدي الناس فيه من أحد البرين إلى الآخر، أعني بر الأندلس وبر العدوة، وقد تقدم الكلام على هذا المكان.

قال: ولما عبر يوسف إلى بر العدوة أقام عسكره بجزيرة الأندلس ريثما استراح ثم تبع آثار الأذفونش فتوغل في بلاده. ولما رجع الأذفونش إلى موضعه سأل عن أصحابه وشجعانه وأبطال عسكره فوجد أكثرهم قد قتلوا، ولم يسمع إلا نياح الثكالى عليهم، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات هماً وغماً ولم يخلف إلا بنتا جعل الأمر إليها، فتحصنت بمدينة طليطلة.

وأما عسكر ابن تاشفين فإنهم في غارتهم هذه كسبوا من المغانم ما لم يحد ولا يوصف وأنفذوا ذلك إلى بر العدوة، واستأذن أميرهم سير ابن أبي بكر يوسف بن تاشفين في المقام بجزيرة الأندلس وأعلمه أنه قد افتتح معاقل في الثغور ورتب بها مستحفظين ورجالاً يغنون فيها، وأنه لا يستقيم لهذه الجيوش أن تقيم بالثغور في ضنك من العيش تصابح العدو وتماسيه، وتحظى ملوك الأندلس من الأرياف برغد العيش، فكتب إليه ابن تاشفين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإلحاقهم بالعدوة، فمن استعصى عليه منهم قاتله ولا ينفسّ عنه حتى يخرجه، وليبدأ منهم بمجاوري الثغور، ولا يتعرض للمعتمد بن عباد ما لم يستولِ على البلاد، ثم يولي تلك البلاد أمراء عسكره وأكابرهم. فابتدأ سير ابن أبي بكر بملوك بني هود من ملوك الأندلس ليستنزلهم من معقلهم وهي ورطة قلت: هي بضم الراء وسكون الواو ثم طاء مهملة بعدها هاء، قلعة منيعة من عاصمات الذرا، ماؤها ينبوع في أعلاها، وكان بها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه الأزمان فلم يقدر عليها فرحل عنها، ثم جند أجناداً على صور الفرنج وأمرهم أن يقصدوا هذه القلعة مغيرين عليها، ويكمن هو وأصحابه بالقرب منها، ففعلوا ذلك، فرآهم صاحب القلعة فاستضعفهم ونزل في طلبهم، فخرج سير ابن أبي بكر فقبض عليه وتسلم القلعة. ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس، فسلموا إليه ولحقوا بالعدوة. ثم نازل بني صمادح بالمرية وكانت قلعتهم حصينة، إلا أنهم لم يكن عندهم أجناد ولا أنجاد من الرجال فزحفوا عليهم وغلبوهم، فلما علم المعتصم بن صمادح أنه مغلوب دخل قصره فأدركه أسف قضى عليه، فمات من ليلته فاشتغل أهله به. فسلموا المدينة. ثم نازلوا المتوكل عمر بن الأفطس ببطليوس، وكان رجلاً شجاعاً عظيم القدر كبير البيت وكان أبوه المظفر بالله أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة التجيبي من فحول العلماء، وكان ملكاً له تصانيف أعظمها وأشهرها الكتاب المنسوب إليه وهو - المظفري - في علم التاريخ، "وكانت" مدينته بطليوس من أجمل البلاد لم يذعن ولا أقبل على غير المدافعة والقتال إلى أن خامر عليه أصحابه فقبض عليه باليد وعلى ولدين له، فقتلوا صبراً، وحملوا أولاده الأصاغر إلى مراكش؛ وسائر ملوك الجزيرة سلموا وتحولوا إلى بر العدوة إلا ما كان من المعتمد بن عباد، فإن سير ابن أبي بكر لما فرغ من ملوك الجزيرة، كتب إلى يوسف بن تاشفين أنه لم يبق بالجزيرة من ملوكها غير المعتمد بن عباد، فارسم في أمره بما تراه، فأمره بقصده وأن يعرض عليه التحول إلى بر العدوة بأهله وماله، فإن فعل فبها ونعمت، وإن أبى فنازله، فلما عرض عليه سير ابن أبي بكر ذلك لم يعطه جواباً، فنازله وحاصره أشهراً ثم دخل عليه البلد قهراً واستخرجه من قصره قسراً، فحمل إلى العدوة مقيداً، فأنزل بأغمات وأقام بها إلى أن مات، ولم يعتقل من ملوك الأندلس غيره. وتسلم سير ابن أبي بكر الجزيرة كلها واستحوذ عليها، فمات يوسف بن تاشفين في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وأفضى الملك إلى ولده أبي الحسن علي بن يوسف، وكان رجلاً حليماً وقوراً صالحاً عدلاً منقاداً للحق والعلماء، تجبى إليه الأموال من البلاد، لم يزعزعه عن سريره قط حادث ولا طاف به مكروه قلت: قد تقدم في ترجمة أبي نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي صاحب - قلائد العقيان - أنه جمع الكتاب المذكور باسم إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، وأن الذي أشار بقتل الفتح المذكور هو علي بن يوسف بن تاشفين المذكور.

ثم ولي بعده ولده تاشفين بن علي بن يوسف وعلى يده انقرض ملكهم، وسيأتي شرح ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في أوائل هذه الترجمة أن يوسف بن تاشفين هو الذي اختطّ مدينة مراكش؛ قال صاحب هذا الكتاب الذي نقلت منه هذه الترجمة في آخر الكتاب: إن مراكش مدينة عظيمة بناها الأمير يوسف بن تاشفين بموضع كان اسمه مراكش معناه: امش مسرعاً بلغة المصامدة كان ذلك الموضع مأوى اللصوص وكان المارون فيه يقولون لرفقائهم هذه الكلمة، فعرف الموضع بها. وقال غير مؤلف هذا الكتاب: بنى ابن تاشفين مدينة مراكش في سنة خمس وستين وأربعمائة، قاله أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه - النبراس - في خلافة القائم بأمر الله، قال: وكانت مزرعة لأهل نفيس، فاشتراها منهم بماله الذي خرج به من الصحراء ونفيس: بفتح النون وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها، جبل مطل على مراكش، قلت: وهي بنواحي أغمات في المغرب الأقصى. وذلك أنه لما توطنت نفسه على الملك، وأطاعته قبائل البربر وذهب من يخالفه من لمتونة سمت همته إلى بناء هذه المدينة، وكان في موضعها قرية صغيرة في غابة من الشجر، وبها قوم من البربر، فاختطها يوسف وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة، وهي في مرج فسيح، وحولها جبال على فراسخ منها، وبالقرب منها جبل لا يزال عليه الثلج وهو الذي يعدل مزاجها وحرها.

وفي سنة أربع وستين وأربعمائة نزل يوسف على مدينة فاس، وكانت إذ ذاك من قواعد بلاد المغرب العظام، وضيق على أهلها ثم أخذها فأقر العامة بها، ونفى البربر والجند، بعد أن حبس بعضهم وقتل بعضهم، فعند ذلك قوي شأنه وتمكن بالمغرب الأقصى والأدنى سلطانه، مع ما صار بيده من بلاد جزيرة الأندلس كما شرحناه. وكان حازماً سائساً للأمور ضابطاً لمصالح مملكته، مؤثراً لأهل العلم والدين كثير المشورة لهم، وبلغني أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي، تغمده الله تعالى برحمته، لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة وميله إلى أهل العلم عزم على التوجه إليه، فوصل إلى الإسكندرية وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه فوصله خبر وفاته، فرجع عن ذلك العزم، وكنت وقفت على هذا الفصل في بعض الكتب، وقد ذهب عني في هذا الوقت أين وجدته.

وكان يوسف معتدل القامة أسمر اللون نحيف الجسم خفيف العارضين دقيق الصوت، وكان يخطب لبني العباس، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين، ولم يزل على حاله وعزه وسلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين لثلاث خلون من المحرم سنة خمسمائة، وعاش تسعين سنة ملك منها مدة خمسين سنة، رحمه الله تعالى.

وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله: سنة خمسمائة فيها توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك المغرب والأندلس، وكان حسن السيرة خيراً عادلاً، يميل إلى أهل العلم والدين ويكرمهم ويحكمهم في بلاده ويصدر عن آرائهم، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام، فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى الآخر عملاً يعمل فيه لأمير المسلمين، وتمنى الآخر زوجته، وكانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاده، فبلغه الخبر، فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار، واستعمل الآخر، وقال للذي تمنى زوجته: يا جاهل، ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه؟ ثم أرسله إليها، فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه في كل يوم طعاماً واحداً، ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت في هذه الأيام؟ قال: طعاماً واحداً، فقالت له: كل النساء شيء واحد؛ وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته.

وأما ولده علي المذكور فإنه توفي لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ومولده في حادي عشر رجب سنة ست وسبعين وأربعمائة، وقد سبق ذكر طرف من حديثه في ترجمة محمد بن تومرت المهدي، فيكشف عنه.

ولما خرج عبد المؤمن بن علي المقدم ذكره قاصداً جهة البلاد المغربية ليأخذها من علي بن يوسف بن تاشفين المذكور، كان مسيره على طريق الجبال فسير علي بن يوسف ولده تاشفين ليكون في قبالة عبد المؤمن، ومعه جيش فساروا في السهل وأقاموا على هذا مدة، فتوفي علي بن يوسف في أثنائها في التاريخ المذكور، فقدم أصحابه ولده إسحاق بن علي وجعلوه نائب أخيه تاشفين على مراكش، وكان صبياً وظهر أمر عبد المؤمن ودانت له الجبال، وفيها غمارة وتالدة والمصامدة، وهم أمم لا تحصى، فخاف تاشفين بن علي واستشعر القهر، وتيقن أن دولتهم ستزول، فأتى مدينة وهران، وهي على البحر، وقصد أن يجعلها مقره، فإن غلب عن الأمر ركب منها في البحر إلى بر الأندلس يقيم بها كما أقامت بنو أمية بالأندلس عند انقراض دولتهم بالشام وبقية البلاد، وفي ظاهر وهران ربوة على البحر تسمى صلب الكلب، وبأعلاها رباط يأوي إليه المتعبدون. وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة صعد تاشفين إلى ذلك الرباط ليحضر الختم في جماعة يسيرة من خواصه، وكان عبد المؤمن بجمعه في تاجرة وهي وطنه كما ذكرته في ترجمته واتفق أنه أرسل منسراً إلى وهران فوصلوها في اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان، ومقدمهم الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى صاحب المهدي، فكمنوا عشية، وأعلموا بانفراد تاشفين في ذلك الرباط، فقصدوه وأحاطوا به، وأحرقوا بابه، فأيقن الذين فيه بالهلاك، فخرج تاشفين راكباً فرسه، وشد الركض عليه ليثب الفرس النار وينجو، فترامى الفرس نازيا لروعته، ولم يملكه اللجام حتى تردى من جرف هنالك إلى جهة البحر على حجارة في وعر، فتكسر تاشفين وهلك في الوقت، وقتل الخواص الذين كانوا معه، وكان عسكره في ناحية أخرى لا علم لهم بما جرى في الليل.

وجاء الخبر بذلك إلى عبد المؤمن، فوصل إلى وهران، وسمى ذلك الموضع الذي فيه الرباط صلب الفتح، ومن ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من الجبل إلى السهل. ثم توجه إلى تلمسان وهي مدينتان قديمة ومحدثة بينهما شوط فرس، ثم توجه إلى فاس فحاصرها، وأخذها في سنة أربعين وخمسمائة، ثم قصد مراكش في سنة إحدى وأربعين فحاصرها أحد عشر شهراً وفيها إسحاق بن علي وجماعة من مشايخ دولتهم قدموه بعد موت أبيه علي بن يوسف بن تاشفين نائباً عن أخيه تاشفين، فأخذها وقد بلغ القحط من أهلها الجهد، وأُخرج إليه اسحاق بن علي ومعه سير بن الحاج وكان من الشجعان وخواص دولتهم، وكانا مكتوفين، واسحاق دون البلوغ، فعزم عبد المؤمن أن يعفو عن إسحاق لصغر سنه فلم يوافقه خواصه، وكان لا يخالفهم، فخلى بينهم وبينهما فقتلوهما، ثم نزل عبد المؤمن في القصر، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وانقرضت دولة بني تاشفين.

قلت: وقد ذكرت في ترجمة المعتمد بن عباد أن يوسف بن تاشفين عاد إلى الأندلس في العام الثاني من وقعة الزلاقة، وذكرت ها هنا ما يدل على أنه ما عاد إليها، وإنما نوابه هم الذين أخذوا بلاد الأندلس له، فقد يعتقد الواقف على هذا الكتاب أن هذا متناقض، والعذر في هذا أنني وجدته في ترجمة ابن عباد على تلك الصورة ووجدته في هذه الترجمة على هذه الصورة، والله أعلم بالصواب.

ثم رأيت في كتاب - تذكير العاقل - تأليف أبي الحجاج يوسف البياسي أن ابن تاشفين لما جاز البحر قصد إشبيلية، فخرج ابن عباد إلى لقائه ومعه الضيافة والإقامة، ثم خرج من إشبيلية بقضه وقضيضه قاصداً بطليوس، وجرت الواقعة المذكورة، ثم عاد ابن تاشفين إلى بلاده، وان ابن عباد جاز البحر ومضى إليه في سنة إحدى وثمانين واستنجده على ما يجاوره من بلاد العدو، فأكرمه ابن تاشفين وأجابه إلى إنجاده، ثم عاد ابن عباد إلى بلاده واستعد للعدو، ولحقه ابن تاشفين في رجب من سنة إحدى وثمانين، ثم خرج الأذفونش في جيش كثيف، وكان ملوك الأندلس قد اجتمعوا عند ابن تاشفين فلما رأى ما فعله من الاستعداد بالجمع الكثير رحل عن مكانه وأوهمه خواصه أن ملوك الأندلس يفرون عنه ويخلون بينه وبين الأذفونش فأصغى إلى كلامهم وعمل في نفسه قولهم، فأخذ في الحركة إلى البرية، وتحرك الجميع بحركته وجاز البحر عائداً إلى بلاده، وقد وغر صدره على ملوك الأندلس، وتبين لهم تغيره عليهم وخافوه، فشرعوا في تحصين بلادهم وتحصيل الأقوات، وراسل بعضهم الأذفونش ليكون عوناً له خوفاً من ابن تاشفين، فأجابه الأذفونش بالإعانة والمساعدة، وكان قد سير له هدايا وألطافاً كثيرة فقبلها منه، وحلف له على جميع ما التمس منه، واتصل ذلك بابن تاشفين فاستشاط غيظاً.

ثم إن ابن تاشفين جاز البحر مرة ثالثة وقصد قرطبة وهي لابن عباد، فوصلها في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقد سبقه إليها ابن عباد، فخرج إليه بالضيافة وجرى معه على عادته. ثم إن ابن تاشفين أخذ غرناطة من صاحبها عبد الله بن بلكين بن باديس بن حبوس وحبسه، فطمع ابن عباد في غرناطة وأن ابن تاشفين يعطيه إياها. فعرّض له بذلك، فأعرض عنه ابن تاشفين، وخاف ابن عباد منه، وعمل على الخروج عنه فقال له: إنه جاءته كتب من إشبيلية، وهم خائفون من العدو المجاور لهم واستأذنه في العود إليها، فأذن له فعاد. ثم رجع ابن تاشفين إلى بلاده وجاز البحر في شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين، وأقام ببلاده إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين، ثم عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة ابن عباد، وبلغ ذلك ابن عباد فأخذ في التأهب والاستعداد، ووصل ابن تاشفين إلى سبتة وجمع العساكر الكثيرة وقدّم عليهم سير بن أبي بكر فجاوزا البحر وضايقوا بلاد ابن عباد، فاستصرخ بالأذفونش فلم يلتفت إليه، وكان ما ذكرته، والله أعلم.
وفي هذه الترجمة ذكر الملثمين فيحتاج إلى الكلام عليه، والذي وجدته أن أصل هؤلاء القوم من حمير بن سبأ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاء، ويسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتهم من الشعر والوبر، وأول من جمعهم وحرضهم على القتال وأطمعهم في تملك البلاد عبد الله بن ياسين الفقيه، وقتل في حرب جرت مع برغواطة، وقام مقامه أبو بكر ابن عمر الصنهاجي الصحراوي المقدم ذكره ومات في حرب السودان، وقد ذكرنا حديث يوسف بن تاشفين وسبب تقدمه، وهو الذي سمى أصحابه المرابطين، وهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، فلذلك سموهم الملثمين، وذلك سنة لهم يتوارثونها خلفاً عن سلف، وسبب ذلك على ما قيل أن حمير كانت تتلثم لشدة الحر والبرد يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم. وقيل كان سببه أن قوماً من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء، فإذا أتاهم العدو ظنوهم النساء فيخرجون عليهم، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم، فلزموا اللثام تبركاً بما حصل لهم من الظفر بالعدو.

وقال شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله: وقيل إن سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء، فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح، ففعلن ذلك، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعاً عظيماً فظنه رجالاً وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم، فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل النساء أكثر، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلاً ولا نهاراً.

ومما قيل في اللثام:

قومٌ لهم درك العلا في حمير      وإن انتموا صنهاجة فهم هم
لما حووا إحراز كل فضيلة           غلب الحياء عليهم فتلثمـوا

وكان يوسف بن تاشفين مقدم جيش أبي بكر ابن عمر الصنهاجي، وخرج من سجلماسة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وكان أبو بكر ابن عمر قد أتى سجلماسة في سنة ثلاث وخمسين وحاصرها، وقاتل أهلها أشد قتال وأخذها، ثم رتب عليها يوسف بن تاشفين فكان ما كان.