الرمادي الشاعر

أبو عمر يوسف بن هارون الكندي، المعروف بالرمادي، الشاعر المشهور؛ ذكره الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب "جذوة المقتبس" فقال: أظن أحد آبائه كان من أهل رمادة، موضع بالمغرب؛ شاعر قرطبي كثير الشعر سريع القول مشهور عند الخاصة والعامة هنالك لسلوكه في فنون من المنظوم مسالك تنفق عند الكل، حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون: فتح الشعر بكندة وختم بكندة، يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هارون، وكانا متعاصرين، واستدللت على ذلك بمدحه أبا علي إسماعيل بن القاسم القالي عند دخوله الأندلس بالقصيدة التي أولها:

من حاكم بيني وبين عـذولـي

 

الشجو شجوي والعويل عويلي

 

وكان وصول أبي علي القالي إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلثمائة - قلت: وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته - ثم ذكر له الحميدي وقائع وعدة مقاطيع من الشعر، وأنه ألف كتاباً في الطير، وسجن مدة.


قلت: وقد ذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب "يتيمة الدهر" الأبيات التي مدح بها يوسف بن هرون أبا علي القالي، وأورد له بعد البيت المذكور قوله:

في أي جارحة أصون معذبـي

 

سلمت من التعذيب والتنكـيل

إن قلت في بصري فثم مدامعي

 

أو قلت في كبدي فثم غليلـي

وثلاث شيبات نزلن بمفـرقـي

 

فعلمت أن نزولهن رحـيلـي

طلعت ثلاثاً في نـزول ثـلاثة

 

واش ووجه مراقب وثـقـيل

فعزلنني عن صبوتي فلئن ذلل

 

ت لقد سمعت بذلة المعـزول

 

قلت: ثم خرج بعد هذا إلى المدح، وكان قد وصف الصيد والروض فقال:

روض تعاهده السحاب كأنـه

 

متعاهد من عهد إسمـاعـيل

قسه إلى الأعراب تعلـم أنـه

 

أولى من الأعراب بالتفضـيل

حازت قبائلهم لغات فـرقـت

 

فيهم، وحاز لغات كل قـبـيل

فالشرق خال بعده فكـأنـمـا

 

نزل الخراب بربعه المأهـول

وكأنه الشمس بدت في غربنـا

 

وتغيبت عن شرقهم بـأفـول

يا سيدي هذا ثنـائي لـم أقـل

 

زوراً ولا عرضت بالتنـويل

من كان يأمل نائلاً فأنا امـرؤ

 

لم أرج غير القرب في تأميلي

 

وله في غلام ألثغ من جملة أبيات:

لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا

 

الهجر يجمعنا فنـحـن سـواء

فإذا خلوت كتبتها في راحـتـي

 

وبكيت منتحـبـاً أنـا والـراء

 

وله فيه أيضاً:

أعد لثغة في الراء لو أن واصلاً

 

تسمعها ما أسقط الراء واصل

 

قلت: وهذا واصل هو واصل بن عطاء - المقدم ذكره في حرف الواو وقد ذكرت هناك هذا الشاعر وشيئاً من شعره.


قلت: وذكره ابن بشكوال في كتاب "الصلة"، فقال: "يوسف بن هرون الرمادي الشاعر من أهل قرطبة، يكنى أبا عمر، كان شاعر أهل الأندلس المشهور المقدم على الشعراء، روى عن أبي علي البغدادي - يعني القالي - كتاب "النوادر" من تأليفه، وقد أخذ عنه أبو عمر بن عبد البر قطعة من شعره رواها عنه وضمنها بعض تواليفه. قال ابن حيان: وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة يوم العنصرة، فقيراً معدماً، ودفن بمقبرة كلع". انتهى كلامه.


قلت: يوم العنصرة يوم مشهور ببلاد الأندلس، وهو موسم للنصارى، كالميلاد وغيره، وهو اليوم الرابع والعشرون من حزيران، فيه ولد يحيى بن زكريا عليهما السلام - والعنصرة: بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الصاد المهملة والراء وفي آخرها هاء - وفي هذا اليوم حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون عليه السلام حين بعثه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان يوشع ابن أخته، إلى أريحا لقتال الجبابرة فقتلهم وبقيت منهم بقية، فخشي أن يحول الليل بينه وبينهم، فسأل الله تعالى أن يحبس عليهم الشمس حتى يفرغ، فحبسها بدعائه، وقد ذكر الشعراء ذلك في أشعارهم كثيراً، فقال أبو تمام الطائي الشاعر المشهور من جملة قصيدة طويلة:

فردت علينا الشمس والليل راغـم

 

بشمس لهم من جانب الخدر تطلع

نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى

 

لبهجتها ثوب السماء المـجـزع

فواللـه مـا أدري أأحـلام نـائم

 

ألمت بنا أم كان في الركب يوشع

وقال أبو العلاء المعري من جملة قصيدة طويلة أيضاً:  

ويوشع رد بوحا بـعـض يوم

 

وأنت مني سفرت رددت بوحا

 

وبوح: بالباء الموحدة وسكون الواو وبعدها حاء مهملة، اسم من أسماء الشمس، وكذلك "يوح" بالياء المثناة من تحتها.


وأريحا: بفتح الهمزة وكسر الراء ثم ياء ساكنة وبعدها حاء مهملة ثم ألف مقصورة، بلدة بين القدس والشريعة من أرض الشام، وهي قريبة من مدائن لوط عليه السلام.


والرمادي: بفتح الراء والميم وبعد الألف دال مهملة وبعدها ياء النسب، هذه النسبة إلى الرمادة، قال ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه "المشترك وضعا المختلف صقعا" في باب الرمادة: الرمادة عشرة مواضع، وعدها فقال: الثالث رمادة المغرب، ينسب إليها يوسف بن هارون الكندي الرمادي الشاعر القرطبي.


وكلع: بفتح الكاف واللام وبعدها عين مهملة، وهي مقبرة قرطبة والله أعلم.


وذكر ابن سعيد في كتاب "المغرب في أشعار أهل المغرب" أن الرمادي المذكور اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف علم أدباء الأندلس، وهو القائل:

لا تلمني على الوقوف بـدار

 

أهلها صيروا السقام ضجيعي

جعلوا لي إلى هواهم سبـيلاً

 

ثم سدوا علي باب الرجـوع

ثم قال: وتوفي يحيى بن هذيل المذكور في سنة ست أو خمس وثمانين وثلثمائة وهو ابن ست وثمانين، رحمه الله تعالى.