الكتاب الثالث: الأمراض الجزئية - الفن السادس عشر: أحوال الأمعاء والمقعدة - المقالة الثالثة: أوجاع الأمعاء

المقالة الثالثة

أوجاع الأمعاء

فصل في المغص: أسباب المغص، إما ريح محتقنة، أو فضل حاد لذاع، أو بورقي مالح لذاع، أو غليظ لحج لا يندفع، أو قرحة، أو ورم، أو حميات، أو حب القرع. ومن المغص ما يكون على سبيل البحران، ويكون من علاماته. وكل مغص شديد، فإنه يشبه القولنج، وعلاجه علاج القولنج، إلا المراري، فإنه إن عولج بذلك العلاج، كان فيه خطر عظيم بل المغص الذي ليس مع إسهال، فإنه إذا اشتد، كان قولنجاً، أو إيلاوس، وإذا تأدى المغص إلى كزاز، أو قيء، وفواق، وذهول عقل، دل على الموت.

العلامات: أما الريحي، فيكون مع قراقر، وانتفاخ، وتمدد بلا ثقل، وسكون مع خروج الريح. وأما الكائن عن خلط مراري، فيدل عليه قلة الثقل مع شدة اللذع الملتهب، والعطش، وخروجه في البراز، ويشبه القولنج، فإن عولج بعلاجه كان خطراً عظيماً وأما علامة الكائن عن خلط بورقي، فلذع مع ثقل زائد، وخروج البلغم في البراز.

وعلامة الكائن عن خلط غليظ لزج، الثقل، ولزوم الوجع موضعاً واحداً، وخروج أخلاط من هذا القبيل في البراز. وعلامة الكائن عن القروح، علامات السحج المعلومة. وعلامات الكائن عن الورم، علامات الورم المذكورة في باب القولنج. وعلامة الكائن عن الديدان، العلامات، لمذكورة في باب الديدان.

العلاج: يجب في كل مغص مادي لمادته سدد أن يقيأ صاحبه، ثم يسهل. أما المغص الريحي، فيعالج أولاً بالتدبير الموافق، واجتناب ما تتولد منه الرياح، وبقلة الأكل، وقلة شرب الماء على الطعام، وقلة الحركة على الطعام. ثم إن كانت الريح لازمة، فيجب أن يعالج المعي بحقنة ليستفرغ الخلط المنجر إليها، ويستعمل فيها شحم الدجاج، ودهن الورد، وشمع، أو بمشروب إن كان المرض فوق مثل الشهرياران والتمري، والأيارج في ماء البزور، وكذلك السفرجلي، ثم يتناول مثل الترياق، والشجرينا، ونحوه، ومثل البزور المحللة للرياح.

صفة حقنة: يطبخ البسفايج، والكمون، والقنطوريون، والشبث، والسذاب اليابس، والحلبة، وبزر الكرفس، أجزاء سواء، في الماء طبخاً جيداً، ثم يؤخذ منه قدر مائة درهم، ويحل فيه من السكبينج، والمقل، من كل واحد وزن نصف درهم، أو أقل، أو أكثر، بحسب الحاجة، ويجعل عليه من دهن الناردين وزن عشرة دراهم، أو دهن السذاب، ومن العسل وزن عشرة.

صفة سفوف: يؤخذ كمّون، وحبّ غار، سذاب، ونانخواه، من كل واحد وزن نصف درهم، ومن الفانيذ السجزي وزن خمسة دراهم، يتخذ منه سفوف وهو شربة.

وأيضاً: يؤخذ من القنطوريون الغليظ وزن مثقال بمطبوخ. ومما هو عجيب النفع عند المجربين كعب الخنزير يحرق، ويسقى صاحب المغص الريحي، أو يسقى من حب الغار اليابس وحده ملعقتان. ومما ينفع منه، ومن البلغمي، حبّ البان، وحب البلسان، من كل واحد درهم ويشرب منه في الماء الحار بالغداة، وبالعشي.

ومن الضمّادات المشتركة لهما البندق المشوي مع قشره، يضمّد به الموضع حامياً، وكذلك التكميدات بمثل الشبث، والسذاب، والمرزنجوش اليابس، وتضميد السرة بحبّ الغار، مدقوقاً، يعجن بالشراب، أو بماء السذاب، ويحفظه الليل كله نافع جداً. والغذاء للريحي والبلغمي من مثل مرق القنابر، والديوك الهرمة المغذاة بشبث كثير، وأفاويه، وأبازير، ويقتصر على المرق، ويكون الخبز خميراً مملوحاً جيد الخبز. والخشكار أصوب له. والشراب العتيق الرقيق.

ويجب أن يستعملوا الرياضة اللطيفة قبل الطعام. والقنفذ المشوي فيما قيل نافع من المغصين جميعاً.

وأما الكائن عن بلغم لزج، فيقرب علاجه من علاج الريحي، إلا أن العناية يجب أن تكون بالتنقية أكثر، إما من تحت، وإما من فوق. ومما ينفع منه إن لم يكن إسهال سفوف الحماما، وينفعه سقي الحرف مع الزبيب، وأقراص الأفاويه. وأما الكائن عن بلغم، فيجب أن يبادر في استفراغه بحقن تربدية بسفايجية، فيها تعليل ما بمثل السبستان، والبنفسج، وأن يستفرغ أيضاً بمثل أيارج فيقرا، والسفرجلي، ثم يستعمل الأغذية الحسنة الكيموس، الدسمة دسومة جهدة، مثل الدسومة الكائنة عن لحوم الحملان الرضع والدجاج، والفراريج، المسمنة، ويقلل الغذاء مع تجويده، ويشرب الشراب الرقيق القليل.

ومما ينفع في كل مغص بارد، سقي ماء العسل مع حبّ الرشاد، والأنيسون، والوجّ، وحب الغار، وورق الغار، والزراوند، والقنطوريون، وعود البلسان مفردة ومركبة.

وأما الكائن عن الصفراء، فيجب أن تنظر، فإن كان هناك قوة قوية، ومادة كثيرة، استفرغ ذلك بمقل طبيخ الهليلج، أو بمثل ماء الرمانين، وقليل سقمونيا، أو بغير سقمونيا، بل وحده، ويتبعه الماء الحار، وبمثل طبيخ من التمر الهندي، والخيار شنبر والشيرخشت وما أشبه ذلك، ثم يعدل المادة بمثل بزر قطونا مع دهن ورد، وماء الرمان، وعصارة القثاء مع دهن ورد، ويضمد البطن بالأضمدة الباردة، وفيها عنب الثعلب، وفقّاح الكرم، ويجب أن يخلط بها أيضاً مثل الأفسنتين. والأغذية عدسية، وسماقية، وإسفاناخية، وأمبر باريسية، ونحو ذلك. ويجب أن يتحرز عن غلط يقع فيه، فيظن أنه قولنج، ويعالج بعلاجه، فيعطب المريض. على إنا سنعود إلى تعريف تمام ما يجب أن يعالج به هذا القسم من المغص، إذا تكلمنا في أصناف القولنج المراري. فلينتظر تمام القول فيه هناك.

وأما الكائن عن القروح، فعلاجه علاج القروح. وقد ذكرناه.

وأما الكائن عن الورم، فعلاجه علاج الورم. وأما الكائن عن الديدان، فعلاجه علاج الديدان، ونحن قد فرغنا من بيان جميع ذلك.

فصل في القراقر وخروج الريح بغير إرادة: القراقر تتولد عن كثرة الرياح، ولدها أغذية نافخة، أو سوء هضم بسبب من أسباب سوء الهضم يكون في الأعضاء، أو يكون في الأغذية. وأكثر ما يكون في الأغضاء، فإنما يكون بسبب البرودة، أو لسقوط القوة، كما في آخر السل. وأكثر ما يكون مع لين من الطبيعة، وهيجان الحاجة إلى البروز.

وقد يكون في الأمعاء العالية الدقيقة، فيكون صوتها أشدّ، وفي الغلاظ، فيكون صوتها أثقل. وإذا خالطها الرطوبة، كانت إلى البقبقة، وقد تكون القراقر علامة للبحران، ومنذرة بالإسهال، وقد تكون بمشاركة الطحال، وقد تعرض للميروقين للسدة كثيراً بسبب أن معاءهم تبرد، وقد تكون إذا كان في الكبد ضعف.

وأما خروج الريح بغير إرادة، فقد يكون لاسترخاء المستقيم، وقد يكون لاسترخاء الصائم، ويفرق بينهما بما يرى من قلة حس المقعدة، أو من بروزها.

العلاج: يدير باجتناب الأغذية النافخة، والكثيرة، وبالصبر على الجوع، وتقوية الهضم بما قد علمته، وتحليل الرياح بالأدوية التي نذكرها في باب القولنج الريحي. ومن الجيد في ذلك في أكثر الأوقات الكموني، وأيضاً الفلافلي، وأيضاً الوجّ المربى. وإن كان مع إسهال، فالخوزي. وأيضاً يؤخذ من الكمّون، ومن النانخواه، ومن الكاشم، ومن الكراويا، من كل واحد جزء، ومن الأنيسون جزءان، ويستفّ منه بالفانيذ السجزي قدر خمسة دراهم، ويعالج خروج الريح بغير إرادة بعلاج فالج المقعدة، أو يتناول الترياق ودهن الكلكلانج، وتمريخ ما فوق السرّة بدهن القسط، ونحوه إن كان بسبب الصائم.

فصل في القولنج واحتباس الثفل: القولنج مرض معوي مؤلم يتعسر معه خروج ما يخرج بالطبع، والقولنج بالحقيقه هو إسم لما كان السبب فيه في الأمعاء الغلاظ قولون فما يليها، وهو وجع يكثر فيها لبردها، وكثافتها، ولبردها ما كثر عليها الشحم. فإن كان في الأمعاء الدقاق، فالآسم المخصوص به بحسب التعارف الصحيح هو إيلاوس، ولكن ربما سمي إيلاوس في بعض المواضع قولنجاً، لشدة مشابهته له.

وأسباب القولنج، إما أن تقع خاصة في قولون، أو تقع في غيره، وتتأدى إليه على سبيل شركة مع غيره. وأسبابه التي تقع فيه خاصة، إما سوء مزاج مفرد حار، أوبارد، أو يابس.

والحار يفعل بشدة تجفيفه، وتوجيهه الغذاء إلى الكبد، ودفعه له إليها، والبارد بتجميده، أو لحدوث سوء المزاج المؤذي. وأكثره في البلدان الباردة، وعند هبوب الشمال. والبرد قد يفعل ذلك من جهة شدة تسخينه الجوف، فيجفف الثفل، وشده لعضل المقعدة، فيرفع الأثفال وما معها إلى فوق. واليابس يفعل ذلك لعدم ما يزلق الثفل، ووجود ما يجففه، وينشفه.

وأما سوء المزاج الرطب المفرد، فلا يكون سبباً ذاتياً للقولنج، اللهم إلا أن يعرض منه عارض يكون ذلك سبباً للقولنج بارداً، أو رطباً مادياً، وأما سوء مزاج مع مادة، إما حارة تلهب، وتلذع، وتفرّق الاتصال، وتتجاوز حدّ المغص إلى حد القولنج. وإما باردة، فتوجع، إما لسوء المزاج المختلف البارد، وإما بما يحدث من تفرق الاتصال، أو بممرها،وإن كان ذلك غير صميم القولنج. وقد يحدثه البارد بما يتولد عنه الريح في جرم المعي ساعة بعد ساعة، وربما كان الخلط الفاعل لهذا الوجع، أو لما تقاربه سوداء، وربما كان عروضه بنوائب، وعند أكل الطعام، وربما سكنه قذف شيء حامض سوداوي. وإن كان مثل هذا القذف في مثل هذا الألم في الأكثر بلغماً، ولّده برد الأعضاء، وسوء الهضم، والأغذية، والفواكه، والبقول.

وإما أن يكون سبب القولنج الخاص، سدة تمنع البراز، والأخلاط، والرياح عن النفوذ، وهي تندفع، فتحدث وجعاً، وتمدداً عظيماً. وأكثر هذه السدّة إذا لم يكن ورم، فإنه يقع بعد أن يمتلىء الأعور، ثم يتأدى إلى قولون.

وهذه السدّة، إما ورم في المعي وأكثره حار وإما من خلط بلغمي لزج يملأ قضاءه ويسده- وهو الكائن في الأكثر وهو الذي ينتفع بالحمى، وإما من ريح معترضة، وإما الالتواء فاتل للمعي لريح فتلت أوإنهتاك رباط أو قيلة أو فتق واندفاع من المعي إلى نواحي الأربية والخصية أو فتق فوق ذلك، وأما الديدان مزدحمة، وأما الثفل يابس.

وهذا الثفل ييبس، إما لأنه ثفل أغذية يابسة، وإما لأنه بقي زماناً طويلاً فييبس، وكان سبب بقائه ضعف القوة الدافعة في الأمعاء، فكثيراً ما يكون هذا البقاء بسبب شرب شيء مخدر يخدر القوي الفعالة في الثفل، ومع ذلك فيجمد أيضاً، أو لضعف القوة العاصرة في عضل البطن كما يعرض لمن يكثر الجماع، أو بطلان حسّ المعي، أو قلة انصباب المرار الدفاع الغسال، وإما لأن الماساريقا تشفت منه رطوبة كثيرة لإدرار عرض مفرط، أو رياضيات معرقة، أو شدة تخلخل البدن لمزاج، فيذعن لجذب الهواء المحيط الحار، ولذلك كان الاستحمام بالماء الحار مما يحبس الطبيعة، أو لهواء يبلغ من تسخينه أن يجذب الرطوبات، ولو من غير تسخينه أن يجذب الرطوبات، ولو من غير تخلخل، أو لتخلخل ناصوري.

رق يكون بسبب صناعة تحوج إلى مقاساة حرارة مثل الزجاجة والحدادة، والسبك، أو لمزاج في البطن نفسه حار جداً يجفف بحرارته، أو يكون السبب في تلك الحرارة في أقل الأحوال كثرة مرار حار ينصب إلى البطن، فيحرق الثفل إذا صادفه متهيئاً لذلك لقلته، أو ليبولسة جوهره، وهذا في الأقل. وإما في الأكثر، فإنه يطلق الطبيعة. وإذا عرض هذا القولنج في الأقل، آذى، وآلم المعي ألماً شديداً غير محتمل. وربما كان سبب تلك الحرارة شدة برد الهواء الخارج، فيحقن الحرارة في داخل، ومع ذلك يدر البول، ويشد المقعدة، فتدفع الثفل إلى فوق، أو لمزاج يابس في المعي والبطن ييبس الثفل، أو لزحير، وورم المستقيم، فيحتبس الثفل. وزعم بعضهم أنه ربما تحجر المحتبس، وخرج حصاة.

وأما الذي يعرض بالمشاركة، فمثل أن يعرض في الكبد، أو في المثانة، أو في الكلية، أو في الطحال ورم، فيشاركه المعي بما يضغط ذلك الورم من جوهره، ويقبضه، ويشدّه، ومثل أن يشارك الكلية في أوجاع الحصاة، فيضعف فعله من دفع الأخلاط، فتحتبس فيه، ويحدث قولنج بمشاركة الحصاة على أن وجع الحصاة مما يشبه وجع القولنج، ويخفي الأعلى من له بصيرة، وسنذكر الفرق بينهما في العلامات.

وقد يعرض القولنج، والإيلاوس على سبيل عروض الأمراض الوبائية الوافدة، فيتعدى من بلد إلى بلد، ومن إنسان إلى إنسان قد حكى ذلك طبيب من المتقدمين، وذكر أنه كان يؤدي في بعضهم إلى الصرع، وكان صرعاً قاتلاً، وبعضهم إلى انخلاع معي قولون، واسترخائه مع سلامة من حسه، وكان يرجى في مثله الخلاص، وكان أكثره في إيلاوس،وكان يصير قولنجان على سبيل الانتقال الشبيه بالحبران. قال: وكان بعض الأطباء يعالجهم بعلاج عجيب، وذلك انه كان يطعمهم الخس، والهندبا، ولحم السمك الغليظ، ولحم كل ذي خف، والأكارع، كل ذلك مبرداً، والماء البارد، والحموضات، فيشفيهم بذلك، حتى شفي جميع من لم يقع به الصرع والفالج المذكور، وشفي بعض من ابتدأه الصرع.

وقد يعرض القولنج لأصحاب التمدد، لعجزهم عن دفع الثفل والأخلاط عن الأمعاء العالية، كما أنهم يعجزون عن حبس ما يكون في السافلة، وربما كان برد مزاجهم سبباً للقولنج.

وأكثر ما يعرض القولنج يكون عن بلغم غليظ، ثم عن ريح يسد، أو ينفذ في طبقات المعي وليفها، فيفرق اتصالها، فإن الريح ينفش في المعدة بسبب سعة المعدة، وبسبب حرارة المعدة، وقرب الأعضاء الحارة منها، وينفش في الأمعاء بسبب رقّتها، ويحتبس في الأخرى لأضداد ذلك من بردها، و ضيقها، وكثرة التعاريج فيها، وصفاقة طبقتها.

والقولنج الريحي-وإن لم يخل من مادة تمدّ الريح- فإنما لا ينسب إلى تلك المادة، لأن تلك المادة وحدها لا تسد الطريق على ما يخرج، ولا توجع بذاتها، بل بما يحدث عنها. والبلغمي يؤلم بذاته، ويسد بذاته. وأما سائر الأقسام، فأقل منهما ومما يهيىء الأمعاء للقولنج، وخصوصاً الريحي، هو الشراب الكثير المزاج، والبقول، وخصوصاً القرع، والفواكه الرطبة، وخصوصاً العنب، وشرب الماء عليه، والحركة عليها، والجماع. والمدافعة بإطلاق الريح، ووصول برد شديد إلى المعي، فيبردها، ويكثفها، ومما يهيىء الأمعاء للثفلي أكل البيض المشوي، والكمّثري، والسفرجل القابض،والفتيت، والسويق، والجاورس، والأرز، وما يشبه ذلك، والمجامعة الكثيرة، وخصوصاً على طعام غليظ. وأيضاَ فإن المدافعة بالتبرز قد توقع فيه.

وكل قولنج من خلط غليظ، أو من أثفال، فإن الأعور يمتلىء من مادته أولاً في أكثر الأمر، ثم يتأدى إلى غيره، وما لم يستفرغ المادة التي في الأعور لم يقع تمام البروز، وربما كان القولنج مستمداً من فوق، فكلما حقن، أو كمد، نزلت المادة، فتضاعف الألم.

والحمى نافعة في كل ما كان من أوجاع القولنج سببه ريح غليظة، أو بلغم، أو سوء مزاج بارد، وهي أجل الأمور النافعة للريحي والقولنج، كثيراً ما ينتقل إلى الفالج، ويبحرن به ، وذلك إذا اندفعت المادة الرقيقة إلى الأطراف، فتشربها العضل، وكذلك قد يبحرن بأوجاع المفاصل، وربما انتقل إلى أوجاع الظهر البلغمي، أوالدموي النافع منه الفصد لإنضاج الحرارة الوجعية، والأدوية القولنجبة المنضجة للمواد الفجة.

وإذا انتقل إلى الوسواس، والمالنخوليا، والصرع، فهو رديء . وربما أدى إلى الأستسقاء بما يفسد من مزاج الكبد. وإذا وافق القولنج أوجاع المفاصل ونحوها، لم تظهر تلك الأوجاع لأسباب ثلاثة: لأن الوجع الأقوى يغفل عن الأضعف، ولأن المواد تكون متجهة إلى جانب الألم المعوي، ولأن الألم والجوع والسهر يحلل الفضول. وإذا طال احتباس الثفل، نفخ البطن، ثم قتل. وإذا قويت أعضاء القولنج، ولم يقبل الفضول، فكثيراً ما ترقى الفضول، فيمرض الرأس. وكثيراً ما يحدث القولنج عقيب استطلاقات تخلف الغليظ، وكثيراً ما يوقع علاج القولنج والمغص فواقاً، فاعلم جميع ذلك.

علامات القولنج مطلقاً: أما أعراض القولنج الحقيقي الذي لم يسبق استْحكامه، فأن يقل ما يخرج من الثفل، ويتدافع نوبة البراز، وتقل الشهوة، بل تزول أصلاً، ويعاف صاحبها الدسومات، والحلاوات، وءانما يميل قليل ميل إلى حامض، وحريف، أو مالح، ويكون مائلاً إلى التهوع، والغثيان، خصوصاً إذا تناول دسماً، أو شم رائحة دسم، وحلاوة، ويضعف استمراؤه جداً، ويجد كل ساعة مغصاً، ويميل إلى شرب الماء ميلاً كثيراً، ويجد وجعاً في ظهره، وفي ساقيه، ثم تشتد به هذه الأعراض، فيتشد، وتحتبس الطبيعة، فلا يكاد يخرج، و لا ريح وربما احتبس الجشاء أيضاً، ويشتد المغص، فيصير كأنه يثقب بطنه بمثقب، أو كأنما أودع إمعاوه مسلة قائمة، كلما تحرك ألم، واشتد العطش، فلم ير وصاحبه، وإن شرب كثيراً، لأن المشروب لا ينفذ إلى الكبد لسدد عرضت في فوهات المااساريقا التي تلي البطن، وربما أكثر في بعضهم القشعريرة بلا سبب.

فإن احتيل في إخراج شيء من بطن القولنجي، خرج رطوبات، وبنادق كالبعر الكبير والصغير، وشيء يطفو في الماء، ويتواتر القيء المراري، والبلغمي، ويبتدىء في أكثر الأمر بلغمياً، ثم مرارياً، ثم ربما قذف شيئاً كراثياً، وزنجارياً، وربما قذف شيئاً من جنس سوداء متقطعاً، فإن الأخلاط قد تفسد، وتحترق من الوجع، والسهر، والأدوية الحارة.

وإنما يتواتر القيء لمشاركة المعدة للأمعاء، ولكثرة المادة، وفقدانها الطريق إلى أسفل، ولأن طريق البراز إلى الأمعاء في أكثر الأمر ينسد، فيقفف إلى فوق، ولذلك يحمر البول فيه لأن جل المرار يتوجه إلى الكلية، إذ لا يجد طريقاً إلى المرارة المرتكزة لما أمامها من السدة، ولأن الوجع يحمر الماء، ولأن الكلية تشارك في الألم. ولذلك ربما احتبس البول أيضاً، وقد يكون البول في أوائله على لون ماء الحمص، أو ماء الجبن، وربما أصابه خفقان عظيم، فاحتاج صدره إلى إمساك باليد، وربما اندفع الأمر إلى العرق البارد والغشي وبرد الأطراف واختلاط الذهن.

علامات سلامة القولنج: أسلم القولنج ما لا يكون الاحتباس فيه بشديد، أويكون الوجع منتقلاً، وربما خف كثيراً، وإن كان يعود بعده، ويجد صاحبه بخروج الريح، والبراز، واستعمال الحقن، راحة بينة، كما أن ضده أصعب القولنج.

العلامات الرديئة في القولنج: شدة الوجع، وتدارك القيء والعرق البارد، وبرد الأطراف لشدة وجع البطن، وميل الدم والروح إليه. وإذا أدى إلى الفواق المتدارك، وإلى الاختلاط، والكزاز، واحتبس كل ما يخرج، فلا يخرج ولا بالحيلة قتل.

وفي غرائب العلامات، من كان به وجع البطن، فظهر بحاجبه آثار بثر أسود كالباقلا، ثم تقرح، وبقي إلى اليوم الثاني، أو أكثر فإنه يموت. وهذا الإنسان يصيبه السبات، وكثرة النوم في ابتداء مرضه، وجودة النفس حينئذ قليلة الدلالة على الخلاص، فكيف رداءته.

فرق ما بين القولنج وحصاة الكلى: قد تعرض في حصاة الكلي الأعراض القولنجية المذكورة جلها، لأن قولون نفسه يشارك الكلية، فيعرض له الوجع، لكن الفرق الذي يخصّه، ويعرض له أعراض التي تناسب ذلك الوجع بينهما، قد يكون من حال الوجع، ومن جهة المقارنات الخاصة، ومن جهة ما يوافق، ولا يوافق، ومن جهة ما يخرج، ومن جهة مبلغ الأعراض، ومن جهة الآسباب، والدلائل المتقدمة. أما حال الوجع، فيختلف فيها بالقدر، والمكان، والزمان، والحركة.

أما القدر، فلأن الذي للحصاة يكون صغيراً كأنه سلاة ، والقولنجي كبيراً.

وأما المكان، فإن القولنجي يبتدىء من أسفل، ومن اليمين، ويمتد إلى فوق، وإلى اليسار، وإذا استقر انبسط يمنة ويسرة، وعند قوم أنه لا يبتدىء قولنج البتّة من اليسار وليس ذلك بصحيح، فقد جرّبنا خلافه، ويكون إلى قدام، ونحو العانة أميل منه إلى خلف. والكلى يبتدىء من أعلى وينزل قليلاً إلى حيث يستقر ويكون أميل إلى خلف. وأما الزمان، فلأن الكلي قد يشتد في وقت الخلو، والقولنجي يخص فيه، ويشتد عند تناول شيء، والقولنجي يبتدىء دفعة، وفي زمان قصير، والحصوي قليلاً قليلاً، ويشتد في آخره، ولأن في الكلي يكون أولاً وجع في الظهر، وعسر في البول، ثم العلامات التي يشارك فيها القولنج. وفي القولنج تكون تلك العلامات، ثم الوجع.

وأما الحركة، فلأن القولنجي يتحرّك إلى جهات شتى، والكلي ثابت. وأما من جهة المقارنات الخاصة،. فإن الاقشعرار يكثر في الكلى، ولا ينسب لقولنج.

وأما الفرق المأخوذ من جهة ما يوافق، وما لا يوافق، فلأن الحقن، وخروج الريح والثفل، يُخفّف من وجع الكلي تخفيفاً يعتد به في أكثر الأحوال. والأدوية المفتتة للحصاة تخفف وجع الكلية، ولا تخفف القولنج.

وأما من جهة ما يخرج، فإن الكلي ربما لم يكن معه احتباس شيء، إذا خرج كان كالبعر، والبنادق، وكإخثاء البقر، وطافياً، وربما لم يكن احتباس أصلاً، ولا قراقر، ونحوها. والقولنجي لا يخلو من ذلك.

وأما من جهة مبلغ الأعراض، فلأن وجع الساقين، والظهر، والقشعريرة، في الكلي أكثر لكن سقوط الشهوة، والقيء المراري، والبلغمي. وقلة الإستمراء، وشدّة الألم، والتأدى إلى الغشي، والعرق البارد، والانتفاع بالقيء في الكلي أقل. وأما من جهة الأسباب. والدلائل المتقدمة، فإن تواتر التخم، وتناول الأغذية الرديئة، ومزاولة المغص والقراقر، واحتباس الثفل يكون سابقاً في القولنج. والبول الرملي، والخلطي في وجع الكلي، وأولاً يكون في الكلى بول رقيق، ثم خلط غلظ، ثم رملي.

علامات تفاصيل القولنج، علامات البلغمي منها: قد يدل أن القولنج بلغمي، تقدم الآسباب المولدة للمبلغم من التخم، ومن أصناف الأغذية، والسن، والبلد، والوقت، وسائر ما علمت. ويدلّ عليه خروج البلغم في الثفل قبل القولنج، ومعه عند الحقن، وبرودة الأسافل، وثقل محسوس، وشدّة الاحتباس جداً، فلايخرج شيءمن ثفل، أوخلط، أوريح، فإن خرج شيء خرج كإخثاء البقر، وكما يخرج في الريحي. لكن في الريحي يكون أخف، ويكون الوجع طويل المدة، ولا يجب أن يفتر بما يشتد من العطش، والالتهاب، ويحمر من الماء، فيظن أن العلة حارة، فإن ذلك مشترك للجميع.

فصل في علامات الريحي: علامات الريحي، لقدم أسبابه المعلومة مثل كثرة شرب الماء البارد، وشرب الشراب الممزوج، والبقول النفاخة، والفواكه، واتفاق طعام لم ينهضم، وقراقر، وإحساس انفتال في الأمعاء، وتمدد وتمزّق شديد، كأنما تثقب الأمعاء بمثقب، وكأنما أوجع الأمعاء مسلة وهذا قد يكون في البلغمي إذا حبس الريح، أو ولدها. لكنه يكون في الريح أشد. ولا يحس في الريحي بثقل شديد، ويكون قد تقدم في الريحي قراقر كثيرة، ورياح قد سكنت، فلا تقرقر الآن، ولا تخرج. وإنما لعلها أن تقرقر عند التكميد، والغمز، وربما ثبت الوجع، ولم ينتقل، وربما عرف الانتفاخ باليد. وفي الأكثر ينتفع بالغمز، وربما نفع التكميد منه، وربما لم ينفع. وذلك إذا كانت المادة الفاعلة للريح ثابتة كلما وجدت حرارة، وتسخيناً فعلت ريحاً.

وقد يدل عليه الثفل الحثوي الذي يطفو على الماء لكثرة ما فيه من الريح، وربما كان معه البطن ليناً، وربما أسهل، وأخرج أخلاطاً، فلم ينتفع بها لإحتباس الريح الغليظة في الطبقات. والذي يكون في انتقال وجع أسلم، والذي يكون فيه انتفاخ البطن كالطبل رديء.

علامات الثفلي: علامات الثفلي تقدم أشياء، هي احتباس الثفل قبل حدوث الألم بمدة، ويكون هناك ثفل شديد جداً، ويحس كأن المعي ينشقّ عن نفسه، وإذا تزخَر لم يخرج شيء، بل ربما خرج شيء لزج، فيغلظ. لكن الثفلي المراري يدل عليه صبغ الثفل، وكثرة ما يخرج من المرار، والحرقة، والالتهاب، واللذع. والتأدي السالف بإسهال المرة، وجفاف اللسان.

والثفلي الكائن عن تخلخل البدن، فيدل عليه سبق قلة الثفل، ولين البدن، وسرعة تأذيه من الحرّ، والبرد الخارج.

والثفلي الكائن عن حرارة البطن، أو يبوسته، يدل عليه وجود الالتهاب في المراق، أو يبس المراق وقحولتها، ويبس البراز وسواده إلى حمرة ما.

وأما الثفلي الكائن عن تحليل الهواء والرياضة والتفرق وغير ذلك، فيدل عليه سبق قلة الثفل مع وقوع الآسباب المذكورة. وعلامة الكائن من احتباس الصفراء المنصبّ إلى الأمعاء، ثفل، وانتفاخ بطن، وبياض لون البراز، وعسر خروجه مع وجع ممدد للثفل والمزاحمة الكائنة منه فقط، وربما قارنه يرقان.

وعلامة الأحتباس الكائن بسبب البرد من الكبد أو غيره، أن لا يكون نتن ويكون اللون إلى الخضرة. وعلامة الكائن من السوداء حموضة الجشاء، وسواد البراز، وانتفاخ من البطن مع قلّة من الوجع.

فصل في علامات القولنج الورمي: أما علامات الكائن من الورم الحار، فوجع متمدّد ثابت في موضع واحد، مع ثقل وضربان، ومع التهاب وحمى حادة، وعطش شديد، وحمرة في اللون، وتهيج في العين، واحتباس من البول وهو علامة قوية وتأذ بالإسهال.وربما كان هذا الوجع مع لين من الطبيعة، وربما تأدى إلى برد الأطراف مع حر شديد في البطن، وربما احمر ما يحاذيه من البطن، فإن كان الورم صفراوياً، كان التمدد والثقل والضربان أقل، والحمى والالتهاب. واللذع أشد.

وأما علامات الكائن من ورم بارد بلغمي وهو قليل فأن يكون وجع قليل متصل يظهر في موضع واحد، خصوصاً عند انحدار شيء مما ينحدر عن البطن، وينال باليد انتفاخ مع لين، وتكون السحنة سحنة المترهلين، ويكون قد سبق ما يوجب ذلك من تناول الألبان، والسمك، واللحوم الغليظة، والفواكه، والبقول الباردة الرطبة، ويكون المني بارداً رقيقاً، فإنه علامات موافقة لهذا، ويكون البراز بلغمياً.

فصل في علامات الالتوائي والفتقي: علامة الالتوائي حصوله دفعة بعد حركة عنيفة كوثبة شديدة، أو سقطة، أو ضربة، أو ركض، أو مصارعة، أو حمل ثقل، أو انفتاق فتق، أو ريح شديدة، ويكون الوجع متشابهاً فيه لا يبتدىء، ثم يزداد قليلاً قليلاً، وقد يدلّ الفتق على الفتقي لتعلم ذلك.

فصل في علامات الأصناف الباقية من القولنج الخفيف مثل آلكائن عن برد أو ضعف حس أو عن ديدان: علامات الكائن عن برد الأمعاء: قلة العطش، وطفو البراز، وانتفاخه، واحتباس برد في الأمعاء، وخفة الوجع، وربما كان المني معه بارداً.

وعلامة الكائن عن المرة الصفراء: الأسباب المتقدمة، والسن، والبلد، والسحنة، والفصل، وغير ذلك، وما يجده من لذع شديد، وتلقب، واحتراق، وتأذ بالحقن الحادة، وتأذ بما يسقل وينزل المرار، وتأذٍ بالجوع، وانتفاع بالمعدلات الباردة، واستفراغ مرار- إن لم تكن المادة متشرّبة،- وهيجان في الغب. وربما صحبته حمى، وربما لم تصحبه، ولا تكون حمى كحمى الورمي في عظم الأعراض، وربما صحبه وجع في العانة كأنه نخس سكين، ولا تكن ريح.

وعلامة الكائن من ضعف الدافعة، أن يكون قد تقدمه لين من الطبيعة، وحاجة إلى قيام متواتر، لكنه قليل قليل، وتقدم أسبابه مما ينهك القوة من حز، أو برد وصل، أو متناول. وكثيراً ما يتفق أن يكون البطن ليناً، أو معتدلاً وكمية البراز وكيفيته على المجرى الطبيعي، لكنه يحتاج في أن يخرج الثفل إلى استعمال آلة، أو حمول.

وربما كان ذلك لناصور.

وعلامة الذي من ضعف الحس، أن تكون المتناولات المائلة بكيفية البراز إلى اللذع لا تتقاضى بالقيام. وهذه مثل الكراث، والبصل، والجبن، والحلبة، وأيضاً فأن تكون الحمولات الحادة لا يحس بأذاها إذا احتملها، ويكون البطن ينتفخ مما يتناول، فيحتبس، ولا يوجع وجعاً يعتد به، وقد يتفق أن يكون هناك ناصور يفسد الحس.

وعلامة الكائن من الديدان، علامات الديدان وتقدّم خروجها.