الجزء الثاني - باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم السلام

باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم السلام

 فمنهم شعيا بن أمصيا

قال محمد بن إسحاق‏:‏ وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس، وكان سامعاً مطيعاً لشعيا فيما يأمره به، وينهاه عنه من المصالح، وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل فمرض الملك، وخرجت في رجله قرحة، وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان، وهو سنحاريب‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ في ستمائة ألف راية، وفزع الناس فزعاً عظيماً شديداً، وقال الملك للنبي شعيا‏:‏ ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده‏؟‏ فقال‏:‏ لم يوح إليّ فيهم شي بعد‏.‏

ثم نزل عليه الوحي بالأمر للملك حزقيا، بأن يوصي ويستخلف على ملكه من يشاء، فإنه قد اقترب أجله، فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل بقلب مخلص، وتوكل وصبر‏:‏

اللهم رب الأرباب، وإله الآلهة القدوس المتقدس، يا رحمن يا رحيم المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعلمي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي سري وإعلاني لك‏.‏

قال‏:‏ فاستجاب الله له ورحمه، وأوحى الله إلى شعيا أن يبشره بأنه قد رحم بكاءه، وقد أخر في أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب وجنوده، فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع، وانقطع عنه الشر والحزن، وخر ساجداً وقال في سجوده‏:‏

يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت، اللهم أنت الذي تعطي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي‏.‏

فلما رفع رأسه، أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته فيشفى، ويصبح قد برئ‏.‏

ففعل ذلك فشفي، وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت، فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم‏:‏ بخت نصّر‏.‏

فأرسل ملك بني إسرائيل فجاء بهم فجعلهم في الأغلال، وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم، سبعين يوما، ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير، ثم أودعهم السجن‏.‏

وأوحى الله تعالى إلى شعيا، أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومهم ما قد حل بهم، فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم، فقال له السحرة والكهنة‏:‏ إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم، فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به‏.‏ ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثم لما مات حزقيا ملك بني إسرائيل، مرج أمرهم، واختلطت أحداثهم، وكثر شرهم، فأوحى الله تعالى إلى شعيا، فقام فيهم فوعظهم وذكرهم، وأخبرهم عن الله بما هو أهله، وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذبوه‏.‏

فلما فرغ من مقالته عدوا عليه، وطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها، فلما رأوا ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها، ونشروه معها، فإنا الله وإنا إليه راجعون‏.‏

 ومنهم ارميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب

وقد قيل إنه الخضر‏.‏ رواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏ وهو غريب وليس بصحيح‏.‏‏

قال ابن عساكر‏:‏ جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق، فقال‏:‏ أيها الدم فتنت الناس فاسكن فسكن، ورسب حتى غاب‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا‏:‏ حدثني علي بن أبي مريم، عن أحمد بن حباب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال‏:‏ قال أرميا‏:‏ أي رب أي عبادك أحب إليك‏؟‏

قال‏:‏ أكثرهم لي ذكراً، الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق، الذين لا تعرض لهم وسادس الفناء، ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء، الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه، وإذا زوى عنهم سروا بذلك، أولئك أنحلهم محبتي، وأعطيهم فوق غاياتهم‏.‏

 ذكر خراب بيت المقدس

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 2-8‏]‏‏.‏

وقال وهب بن منبه‏:‏ أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا، حين ظهرت فيهم المعاصي‏:‏ أن قم بين ظهراني قومك، فأخبرهم أن لهم قلوباً ولا يفقهون، وأعيناً ولا يبصرون، وآذاناً ولا يسمعون، وإني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم، فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي‏؟‏

إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقي، وأما قراؤهم فعبدوا غيري، وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم، وعودوا الكذب ألسنتهم‏.‏

وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجن عليهم جيولاً لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم ملكاً جباراً قاسياً، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال الفجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور، وكأن حمل فرسانه كر العقبان، يعيدون العمران خراباً، ويتركون القرى وحشة، فيا ويل إيليا وسكانها، كيف أذللهم للقتل، وأسلط عليهم السباع، وأعيد بعد لجب الأعراس صراخاً،

وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء السرج وهج العجاج، وبالعز ذلاً، وبالنعمة العبودية، وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب، وبالمشي على الزرابي الخبب، ولأجعلن أجسادهم زبلاً للأرض، وعظامهن ضاحية للشمس، ولأدوسنهم بألوان العذاب، ثم لآمرن السماء فتكون طبقاً من حديد، والأرض سبيكة من نحاس، فإن أمطرت لم تنبت الأرض، وإن أنبتت شيئاً في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم‏.‏

ثم أحبسه في زمان الزرع، وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئاً سلطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم‏.‏ رواه ابن عساكر بهذا اللفظ‏.‏

وقال إسحاق بن بشر‏:‏ أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال‏:‏ إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل، وذلك حين عظمت الأحداث فيهم، فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدث نفسه بالمسير إليهم، لما أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم، فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحي‏.‏

فقام أرميا فشق ثيابه، وجعل الرماد على رأسه، وخر ساجداً وقال‏:‏ يا رب وددت أمي لم تلدني، حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل، فيكون خراب بين المقدس، وبوار بني إسرائيل من أجلي، فقال له‏:‏ ارفع رأسك، فرفع رأسه فبكى، ثم قال‏:‏ يا رب من تسلط عليهم‏؟‏ فقال‏:‏ عبدة النيران، لا يخافون عقابي، ولا يرجون ثوابي‏.‏

قم يا أرميا فاستمع وحي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل‏.‏ من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك، ولأمر عظيم أجتبيتك‏.‏

فقم مع الملك تسدده وترشده، فكان مع الملك يسدده، ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم، ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله إلى أرميا أن ائت قومك من بني إسرائيل‏.‏

قم فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم، وعرفهم أحداثهم‏.‏

فقال أرميا‏:‏ يا رب إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تبلغني، مخطئ إن لم تسددني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تعزني‏.‏

فقال الله تعالى‏:‏ أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلق والأمر كله لي، وأن القلوب والألسنة كلها بيدي، فأقلبها كيف شئت فتطيعني، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي، قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي، وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي، ولا يعلم ما عندي غيري‏.‏ ‏

وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحددت عليها حدوداً فلا تعدو حدي، وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي، وخوفاً واعترافاً لأمري، وإني معك ولن يصل إليك شيء معي، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي، لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من اتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً‏.‏

انطلق إلى قومك فقم فيهم‏.‏

وقل لهم‏:‏ إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم، فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء، وكيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي‏؟‏

وكيف وجدتم مغبة معصيتي‏؟‏

وهل وجدوا أحداً عصاني فسعد بمعصيتي‏؟‏ د

وهل علموا أحداً أطاعني فشقي بطاعتي‏؟‏

إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها‏.‏

أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولاً يتعبدونهم، ويعملون فيهم بغير كتابي، حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري وسنتي، وعزوهم عني، فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي‏.‏

وأما ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي، ونسوا عهدي، فهم يحرفون كتابي، ويفترون على رسلي، جرأة منهم علي، وغرة بي، فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني، هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي‏؟‏ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي‏؟‏ وهل ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً من دوني‏؟‏ أو آذن لأحد بالطاعة لأحد، وهي لا تنبغي إلا لي‏.‏

وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون، فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعلمون، لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي‏.‏

وأما أولاد النبيين فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنون مثل نصري آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم ولا تفكر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري، حين اغتر المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمري، وظهر ديني‏.‏

فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني، فتطولت عليهم، وصفحت عنهم، فأكثرت ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون، وكل ذلك أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية، وأظهرهم على العدو، ولا يزدادون إلا طغياناً وبعداً مني‏.‏

فحتى متى هذا‏؟‏

أبي يسخرون‏؟‏

أم بي يتحرشون‏؟‏

أم إياي يخادعون‏؟‏

أم علي يجترئون‏؟‏

فإني أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم، ويضل فيها رأي ذوي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جباراً قاسياً عاتباً ألبسه الهيبة، وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة، وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل سواد الليل المظلم‏.‏

له فيه عساكر مثل قطع السحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيران النسور، وحمل فرسانه كسرب العقبان، يعيدون العمران خراباً والقرى وحشاً، ويعثون في الأرض فساداً، ويتبرون ما علوا تتبيراً، قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون، ولا يرحمون، ولا يبصرون، ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد، تقشعر من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها‏.‏

فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها، ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها، الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري، ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير الدين، ويتعلمون فيها لغير العمل‏.‏

لأبدلن ملوكها بالعز الذل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنعمة الجوع، وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء، وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالأرواح الطيبة والأدهان جيف القتل، وبلباس التيجان أطواق الحديد، والسلاسل والأغلال‏.‏

ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة، والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيدة مساكن السباع، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار‏.‏

ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار، وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار، والخبب إلى الليل في بطون الأسواق، وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه، والسوق والأسفار والأرواح السموم‏.‏

ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب، حتى لو كان الكائن منهم في حالق لوصل ذلك إليه، إني إنما أكرم من أكرمني، وإنما أهين من هان عليه أمري‏.‏

ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقاً من حديد، ولآمرن الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس، فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت، فإن أمطرت خلال ذلك شيئاً سلطت عليهم الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، وإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوني لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم‏.‏

وإن قالوا‏:‏ اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآبائنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنك اخترتنا لنفسك، وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك، ثم مكنت لنا في البلاد، واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغاراً، وحفظتنا وإياهم برحمتك كباراً، فأنت أوفى المنعمين وإن غيّرنا، ولا تبدل وإن بدلنا‏.‏ ‏‏

وإن تتم فضلك ومنك وطولك وإحسانك، فإن قالوا ذلك قلت لهم‏:‏ إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعفت، وإن غيروا غيرت، وإذا غيروا غضبت، وإذا غضبت عذبت، وليس يقوم شيء بغضبي‏.‏

قال كعب‏:‏ فقال أرميا‏:‏ برحمتك أصبحت أتعلم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولاً، والإقامة في دار الخاطئين، وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني، فإن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظني بك‏.‏

ثم قال‏:‏ يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت، أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك‏؟‏ يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد، ومن البيوت التي رفعت لذكرك، يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم، وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمة موسى نجيك، وقوم داود صفيك‏.‏

يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد‏؟‏ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم‏؟‏ وأمة نجيك موسى‏؟‏ وقوم خليفتك داود‏؟‏ تسلط عليهم عبدة النيران‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إنما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلنهم دار العاصين إلا أن أتداركهم برحمتي‏.‏

قال أرميا‏:‏ يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً وحفظتنا به، وموسى قربته نجياً، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا، ولا تسلط علينا عدونا، فأوحى الله إليه‏:‏

يا أرميا إني قدستك في بطن أمك، وأخرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل، لمكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة جنة، ناعم شجرها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثمارها ولا تنقطع‏.‏

ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل‏:‏ إني كنت لهم بمنزلة الداعي الشفيق أجنبهم كل قحط وكل عسرة، وأتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشاً ينطح بعضها بعضاً، فيا ويلهم ثم يا ويلهم، إنما أكرم من أكرمني، وأهين من هان عليه أمري، إن من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي‏.‏

وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعاً فيظهرونها في المساجد والأسواق، وعلى رؤوس الجبال، وظلال الأشجار، حتى عجت السماء إليَّ منهم، وعجت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب‏.‏

قال‏:‏ فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب، عصوه وكذبوه واتهموه، وقالوا‏:‏ كذبت وأعظمت على الله الفرية، فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد، ولا مسجد ولا كتاب‏.‏

لقد أعظمت الفرية على الله، واعتراك الجنون، فأخذوه وقيدوه وسجنوه، فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر، فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 5‏]‏‏.‏

قال‏:‏ فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه، ففتحوا الأبواب وتخللوا الأزقة، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ‏}‏ وحكم فيهم حكم الجاهلية، وبطش الجبارين، فقتل منهم الثلث، وسبى الثلث، وترك الزمنى والشيوخ والعجائز، ثم وطئهم بالخيل، وهدم بيت المقدس، وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواق حاسرات، وقتل المقاتلة، وخرب الحصون، وهدم المساجد، وحرق التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب، فوجدوه قد مات‏.‏

وأخرج لهم أهل بيته الكتاب إليه، وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر، وميشائيل، وعزرائيل، وميخائيل، فأمضى لهم ذلك الكتاب، وكان دانيال بن حزقيل خلفاً من دانيال الأكبر‏.‏

ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس، ووطئ الشام كلها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، فلما فرع منها انصرف راجعاً وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير‏.‏

وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحد عشر ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب، وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط زبالون، ونفتالي ابني يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط دان بن يعقوب، وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب، وألفين من سبط زبالون بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي، واثني عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل، وانطلق حتى قدم أرض بابل‏.‏

قال إسحاق بن بشر‏:‏ قال وهب بن منبه‏:‏ فلما فعل ما فعل، قيل له‏:‏ كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، وتهدم مساجدهم، وتحرق كنائسهم، فكذبوه واتهموه وضربوه وقيدوه وحبسوه‏.‏

فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له‏:‏ أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأنى علمت ذلك‏؟‏ قال‏:‏ أرسلني الله إليهم فكذبوني‏.‏

قال‏:‏ كذبوك وضربوك وسجنوك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ بئس القوم قوم كذبوا نبيهم، وكذبوا رسالة ربهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك، وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك‏.‏

قال له أرميا‏:‏ إني لم أزل في أمان الله منذ كنت، لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك، ولم يكن لك عليهم سلطان، فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه، فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا‏.‏

وهذا سياق غريب‏.‏ وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة‏.‏ وفيه من جهة التعريب غرابة‏.‏‏

وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي‏:‏ كان بخت نصر أصفهبذا لما بين الأهواز إلى الروم للملك على الفرس، وهو لهراسب‏.‏ وكان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب بالخنساء، وقاتل الترك وألجأهم إلى أضيق الأماكن، وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام، فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق، وقد قيل‏:‏ إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب، وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم‏.‏

وقد روى ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب‏:‏ أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دماً يغلي على كبا - يعني القمامة - فسألهم ما هذا الدم‏؟‏ فقالوا‏:‏ أدركنا آباءنا على هذا‏.‏ وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال‏:‏ فقتل على ذلك سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكن‏.‏

وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا، وهذا لا يصح لأن يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة، والظاهر أن هذا دم نبي متقدم، أو دم لبعض الصالحين، أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به‏.‏

قال هشام بن الكلبي‏:‏ ثم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها، وكان من آل داود، وصانعه عن بني إسرائيل، وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع‏.‏ فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه، لأجل أنه صالحه فضرب رقاب من معه من الرهائن، ورجع إليهم فأخذ المدينة عنوة‏.‏

وقتل المقاتلة، وسبى الذرية‏.‏ قال‏:‏ وبلغني أنه وجد في السجن أرميا النبي، فأخرجه وقص عليه ما كان من أمره إياهم، وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه‏.‏ فقال بخت نصر‏:‏ بئس القوم قوم عصوا رسول الله، وخلى سبيله، وأحسن إليه، واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل، فقالوا‏:‏ إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله عز وجل مما صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا، فدعا ربه فأوحى الله إليه أنه غير فاعل، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة‏.‏

فأخبرهم ما أمره الله تعالى به فقالوا‏:‏ كيف نقيم بهذه البلدة وقد خرجت وغضب الله على أهلها‏؟‏ فأبوا أن يقيموا‏.‏

قال ابن الكلبي‏:‏ ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد، فنزلت طائفة منهم الحجاز، وطائفة يثرب، وطائفة وادي القرى، وذهبت شرذمة منهم إلى مصر، فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه، فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم‏.‏ ‏

ثم ركب إلى بلاد المغرب، حتى بلغ أقصى تلك الناحية‏.‏ قال‏:‏ ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب، ومصر، وأهل بيت المقدس، وأرض فلسطين، والأردن، وفي السبي دانيال وغيره من الأنبياء‏.‏

قلت‏:‏ والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر، لا الأكبر، على ما ذكره وهب بن منبه، والله أعلم‏.‏

 ذكر شيء من خبر دانيال عليه السلام

قال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني قال‏:‏ إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان، فحدثني بعض أصحابنا عنه، عن الأجلح الكندي، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال‏:‏ ضرا بخت نصر أسدين، فألقاهما في جب، وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه، فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب‏.‏

فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام‏:‏ أن اعدد طعاماً وشراباً لدانيال، فقال‏:‏ يا رب أنا بالأرض المقدسة، ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله إليه أن أعدد ما أمرناك به، فإنا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت‏.‏

ففعل وأرسل إليه من حمله، وحمل ما أعده، حتى وقف على رأس الجب، فقال دانيال‏:‏ من هذا‏؟‏

قال‏:‏ أنا أرميا‏.‏

فقال‏:‏ ما جاء بك‏؟‏

فقال‏:‏ أرسلني إليك ربك‏.‏

قال‏:‏ وقد ذكرني ربي‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

فقال دانيال‏:‏ الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي يجيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ينقطع الحيل عنا‏.‏

وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبي خلد بن دينار، حدثنا أبو العالية قال‏:‏ لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا‏.‏

فقلت لأبي العالية‏:‏ ما كان فيه‏؟‏

قال‏:‏ سيركم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد‏.‏

قلت‏:‏ فما صنعتم بالرجل‏؟‏

قال‏:‏ حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس، فلا ينبشونه‏.‏

قلت‏:‏ فما يرجون منه‏؟‏

قال‏:‏ كانت السماء إذا حبست عنهم المطر برزوا بسريره فيمطرون‏.‏

قلت‏:‏ من كنتم تظنون الرجل‏؟‏

قال‏:‏ رجل يقال له دانيال‏.‏

قلت‏:‏ منذ كم وجدتموه قد مات‏؟‏

قال‏:‏ منذ ثلاثمائة سنة‏.‏

قلت‏:‏ ما تغير منه شيء‏؟‏

قال‏:‏ لا إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع‏.‏ ‏

وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية، ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظاً من ثلاثمائة سنة، فليس بنبي، بل هو رجل صالح لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي، بنص الحديث الذي في البخاري‏.‏

والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة، وقيل ستمائة، وقيل ستمائة وعشرون سنة، وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة، وهو قريب من وقت دانيال إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر، فإنه قد يكون رجلاً آخر، إما من الأنبياء، أو الصالحين‏.‏

ولكن قربت الظنون أنه دانيال لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجوناً، كما تقدم، وقد روي بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شبر‏.‏ وعن أنس بن مالك بإسناد جيد‏:‏ أن طول أنفه ذراع، فيحتمل على هذا أن يكون رجلاً من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد، والله أعلم‏.‏

وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب أحكام القبور‏:‏ حدثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد الله، عن أبي الأشعث الأحمري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏إن دانيال دعا ربه عزَّ وجل أن تدفنه أمة محمد‏)‏‏)‏‏.‏

فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر، وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من دل على دانيال فبشروه بالجنة‏)‏‏)‏‏.‏

فكان الذي دل عليه رجل يقال له حرقوص، فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره، فكتب إليه عمر أن ادفنه، وابعث إلى حرقوص، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة، وهذا مرسل من هذا الوجه‏.‏ وفي كونه محفوظاً نظر، والله أعلم‏.‏

ثم قال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا أبو بلال، حدثنا قاسم بن عبد الله، عن عنبسة بن سعيد، وكان عالماً قال‏:‏ وجد أبو موسى مع دانيال مصحفاً، وجرة فيها ودك ودراهم وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر‏:‏ أما المصحف فابعث به إلينا، وأما الودك فابعث إلينا منه، ومر من قبلك من المسلمين يستشفون به، واقسم الدراهم بينهم، وأما الخاتم فقد نفلناكه‏.‏

وروي عن ابن أبي الدنيا من غير وجه‏:‏ أن أبا موسى لما وجده وذكروا له أنه دانيال، التزمه وعانقه وقبله، وكتب إلى عمر يذكر له أمره، وأنه وجد عنده مالاً موضوعاً قريبا من عشرة آلاف درهم، وكان من جاء اقترض منها، فإن ردها وإلا مرض، وإن عنده ربعة، فأمر عمر بأن يغسل بماء وسدر، ويكفن ويدفن ويخفى قبره، فلا يعلم به أحد، وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال، وبالربعة فتحمل إليه، ونفله خاتمه‏.‏

وروي عن أبي موسى‏:‏ أنه أمر أربعة من الأسراء فسكروا نهراً، وحفروا في وسطه قبراً، فدفنه فيه ثم قدم الأربعة الأسراء فضرب أعناقهم، فلم يعلم موضع قبره غير أبي موسى الأشعري رضي الله عنه‏.‏ ‏ ‏

وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثني إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال‏:‏ رأيت في يد ابن بردة بن أبي موسى الأشعري خاتماً نقش فصه أسدان، بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل‏.‏

قال أبو بردة‏:‏ هذا خاتم ذلك الرجل الميت، الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال، أخذه أبو موسى يوم دفنه‏.‏

قال أبو بردة‏:‏ فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا‏:‏ إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه، جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له‏:‏ إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعور ملكك ويفسده، فقال الملك‏:‏ والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته، إلا أنهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد، فبات الأسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه، فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه، فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ‏.‏

قال أبو بردة‏:‏ قال أبو موسى‏:‏ قال علماء تلك القرية فنقش دانيال صورته، وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه، لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك‏.‏ إسناد حسن‏.‏

 ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها، واجتماع الملأ من بني إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض و شعابها

قال الله تعالى في كتابه المبين، وهو أصدق القائلين‏:‏ ‏{‏أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 259‏]‏‏.‏

قال هشام بن الكلبي‏:‏ ثم أوحى الله تعالى إلى أرميا عليه السلام فيما بلغني‏:‏ أني عامر بيت المقدس فأخرج إليها فأنزلها، فخرج حتى قدمها وهي خراب، فقال في نفسه‏:‏ سبحان الله أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرها، فمتى يعمرها‏؟‏ ومتى يحييها الله بعد موتها‏؟‏

ثم وضع رأسه فنام، ومعه حماره وسلة من طعام، فمكث في نومه سبعين سنة، حتى هلك بخت نصر، والملك الذي فوقه، وهو لهراسب، وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب، وكان موت بخت نصر في دولته، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين، فلم يبق بها من الإنس أحد‏.‏

فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل‏:‏ أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع، وملَّك عليهم رجلاً من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها، فرجعوا فعمروها، وفتح الله لأرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تبني، وكيف تعمر، ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خراباً فلما نظر إليها عامرة آهلة، قال‏:‏ أعلم أن الله على كل شيء قدير‏.‏

قال‏:‏ فأقام بنو إسرائيل بها، ورد الله عليهم أمرهم، فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف‏.‏ ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان، يعني بعد ظهور النصارى عليهم، هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه‏.‏

وذكر ابن جرير أن لهراسب كان ملكاً عادلاً سائساً لمملكته، قد دانت له العباد، والبلاد، والملوك، والقواد، وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار، والأنهار، والمعاقل‏.‏ ثم لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونيف، نزل عن الملك لولده بشتاسب، فكان في زمانه ظهور دين المجوسية‏.‏

وذلك أن رجلاً كان اسمه زردشت، كان قد صحب أرميا عليه السلام، فأغضبه فدعا عليه أرميا، فبرص زردشت، فذهب فلحق بأرض آذربيجان، وصحب بشتاسب، فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه، فقبله منه بشتاسب، وحمل الناس عليه وقهرهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً ممن أباه منهم‏.‏

ثم كان بعد بشتاسب، بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين، والأبطال المذكورين، وقد ناب بخت نصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة، وعمَّر دهراً طويلاً قبحه الله‏.‏

والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو‏:‏ أرميا عليه السلام، قال وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وغيرهما، وهو قوي من حيث السياق المتقدم‏.‏

وقد روي عن علي، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وسليمان بن بريدة، وغيرهم، أنه عزير، وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف، والله أعلم‏.‏

 وهذه قصة العزير

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر‏:‏ هو عزير بن جروة، ويقال‏:‏ بن سوريق بن عديا بن أيوب بن درزنا بن عري بن تقي بن اسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران‏.‏

ويقال‏:‏ عزير بن سروخا، جاء في بعض الآثار أن قبره بدمشق، ثم ساق من طريق أبي القاسم البغوي، عن داود بن عمرو، عن حبان بن علي، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعاً لا أدري العين بيع، أم لا، ولا أدري أكان عزير نبياً أم لا‏.‏

ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن، عن محمد بن إسحاق السجزي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذؤيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه‏.‏

ثم روي من طريق إسحاق بن بشر، وهو متروك عن جويبر، ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس‏:‏ أن عزيراً كان ممن سباه بخت نصر، وهو غلام حدث، فلما بلغ أربعين سنة، أعطاه الله الحكمة، قال‏:‏ ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه، قال‏:‏ وكان يُذكر مع الأنبياء، حتى محى الله اسمه من ذلك، حين سأل ربه عن القدر، وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر، والله أعلم‏.‏

وقال إسحاق بن بشر‏:‏ عن سعيد، عن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن سلام‏:‏ أن عزيراً هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه‏.‏

وقال إسحاق بن بشر‏:‏ أنبأنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن كعب وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، ومقاتل، وجويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، وعبد الله بن إسماعيل السدي، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس وإدريس، عن جده وهب بن منبه قال إسحاق‏:‏

كل هؤلاء حدثوني عن حديث عزير، وزاد بعضهم على بعض قالوا بإسنادهم‏:‏ إن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيماً، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر‏.‏

ودخل الخربة وهو على حماره، فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين، وسلة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة، وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه، فألقاه في تلك القصعة في العصير، ليبتل ليأكله، ثم استلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت، ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها، وقد باد أهلها، ورأى عظاماً بالية فقال‏:‏ ‏{‏أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏‏.‏

فلم يشك أن الله يحييها، ولكن قالها تعجباً، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث، قال‏:‏ فبعث الله إلى عزير ملكاً، فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه، لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى‏.‏

ثم ركَّب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك وهو يرى ويعقل، فاستوى جالساً فقال له الملك‏:‏ كم لبثت‏؟‏ قال لبثت يوماً أو بعض يوم‏.‏

وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار، والشمس لم تغب، فقال‏:‏ أو بعض يوم، ولم يتم لي يوم، فقال له الملك‏:‏ بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك يعني‏:‏ الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏لَمْ يَتَسَنَّهْ‏}‏ يعني‏:‏ لم يتغير‏.‏

وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء من حالهما، فكأنه أنكر في قلبه، فقال له الملك‏:‏ أنكرت ما قلت لك انظر إلى حمارك، فنظر إلى حماره قد بليت عظامه، وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار فأجابت، وأقبلت من كل ناحية، حتى ركبه الملك، وعزير ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك، فقام الحمار رافعاً رأسه، وأذنيه إلى السماء، ناهقاً يظن القيامة قد قامت فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً‏}‏‏.‏

يعني‏:‏ وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها، حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحماً‏.‏ ‏

فلما تبين له قال‏:‏ أعلم أن الله على كل شيء قدير من أحياء الموتى وغيره‏.‏

قال‏:‏ فركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منزله، فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم‏.‏

فخرج عنهم عزير، وهي بنت عشرين سنة، كانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة، فقال لها عزير‏:‏ يا هذه أهذا منزل عزير‏؟‏

قالت‏:‏ نعم هذا منزل عزير فبكت وقالت‏:‏ ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً، وقد نسيه الناس، قال‏:‏ فإني أنا عزير، كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني‏.‏

قالت‏:‏ سبحان الله فإن عزيراً قد فقدناه منذ مائة سنة، فلم نسمع له بذكر، قال‏:‏ فإني أنا عزير‏.‏

قالت‏:‏ فإن عزيراً رجل مستجاب الدعوة، يدعو للمريض، ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك، قال‏:‏ فدعا ربه، ومسح بيده على عينيها فصحتا، وأخذ بيدها وقال‏:‏ قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت‏:‏ أشهد أنك عزير‏.‏

وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة، وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت‏:‏ هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت‏:‏ أنا فلانة مولاتكم، دعا لي ربه فرد علي بصري، وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه‏.‏

قال‏:‏ فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه، فقال ابنه‏:‏ كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير، فقالت بنو إسرائيل‏:‏ فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة، فيما حدثنا غير عزير، وقد حرق بخت نصر التوراة، ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا، وكان أبوه سروخا، وقد دفن التوراة أيام بخت نصر في موضع يعرفه أحد غير عزير‏.‏

فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره، فاستخرج التوراة، وكان قد عفن الورق، ودرس الكتاب، قال‏:‏ وجلس في ظل شجرة، وبنو إسرائيل حوله، فجدد لهم التوراة، ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، فمن ثم قالت اليهود عزير بن الله، للذي كان من أمر الشهابين، وتجديده التوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل‏.‏

وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل، والقرية التي مات فيها يقال لها سايراباذ‏.‏

قال ابن عباس فكان كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ‏}‏ يعني‏:‏ لبني إسرائيل وذلك أنه كان يجلس مع بنيه، وهم شيوخ وهو شاب، لأنه مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شاباً كهيئة يوم مات، قال ابن عباس‏:‏ بُعث بعد بخت نصر، وكذلك قال الحسن، وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس‏:‏

وأسود رأس شاب من قبله ابنه * ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر

يرى ابنه شيخا يدبّ على عصا * ولحيته سوداء والرأس أشقر

وما لابنه حيل ولا فضل قوة * يقوم كما يمشي الصبي فيعثر

يعد ابنه في الناس تسعين حجة * وعشرين لا يجري ولا يتبختر

وعمر أبيه أربعون أمرها * ولان ابنه تسعون في الناس عبر

فما هو في المعقول إن كنت دارياً * وان كنت لا تدري فبالجهل تعذر

 فصل

المشهور أن عزيراً نبي من أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان فيما بين داود وسليمان، وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة، ألهمه الله حفظها، فسردها على بني إسرائيل، كما قال وهب بن منبه، أمر الله ملكاً، فنزل بمعرفة من نور، فقذفها في عزير، فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها‏.‏

وروى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ‏} ‏[‏التوبة‏:‏ 30‏]‏ لم قالوا ذلك‏؟‏ فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه، وقول بني إسرائيل لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب، وأن عزيراً قد جاءنا بها من غير كتاب، فرماه طوائف منهم، وقالوا عزير ابن الله‏.‏

ولهذا يقول كثير من العلماء‏:‏ إن تواتر التوراة انقطع في زمن العزير، وهذا متجه جداً إذا كان العزيز غير نبي، كما قاله عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري‏.‏

وفيما رواه إسحاق ابن بشر، عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، وعن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه ومقاتل، عن عطاء بن أبي رباح قال‏:‏

كان في الفترة تسعة أشياء‏:‏ بخت نصر، وجنة صنعاء، وجنة سبأ، وأصحاب الأخدود، وأمر حاصورا، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، ومدينة أنطاكية، وأمر تبع‏.‏

وقال إسحاق بن بشر‏:‏ أنبأنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال‏:‏ كان أمر عزير وبخت نصر في الفترة‏.‏ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏إن أولى الناس بابن مريم الأنبياء أولاد علات لانا إنه ليس بيني وبينه نبي‏)‏‏)‏‏.‏

وقال وهب بن منبه‏:‏ كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام‏.‏

وقد روى ابن عساكر، عن أنس بن مالك، وعطاء بن السائب أن عزيراً كان في زمن موسى بن عمران، وأنه استأذن عليه فلم يأذن له، يعني لما كان من سؤاله عن القدر، وأنه انصرف وهو يقول‏:‏ مائة موتة أهون من ذل ساعة، وفي معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء‏:‏

قد يصبر الحر على السيف * ويأنف الصبر على الحيف

ويؤثر الموت على حالة * يعجز فيها عن قرى الضيف

فأما ما روى ابن عساكر وغيره، عن ابن عباس، ونوف البكالي، وسفيان الثوري وغيرهم، من أنه سأل عن القدر فمحا اسمه من ذكر الأنبياء، فهو منكر، وفي صحته نظر، وكأنه مأخوذ عن الإسرائيليات‏.‏

وقد روى عبد الرزاق، وقتيبة بن سعيد، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال‏:‏ قال عزير فيما يناجي ربه‏:‏ ‏(‏يا رب تخلق خلقاً فتضل من تشاء، وتهدي من تشاء‏)‏ فقيل له‏:‏ أعرض عن هذا، فعاد فقيل له‏:‏ لتعرض عن هذا أو لأمحون اسمك من الأنبياء، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون‏.‏ وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محيا اسمه، والله أعلم‏.‏

وقد روى الجماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، وكذلك رواه شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه، فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى الله إليه مهلاً نملة واحدة‏)‏‏)‏‏.‏

فروى إسحاق بن بشر، عن ابن جريج، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه أنه عزير‏.‏ وكذا روى عن ابن عباس، والحسن البصري أنه عزير، فالله أعلم‏.‏

 قصة زكريا ويحيى عليهما السلام

قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏

{‏كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 1-15‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 56‏)‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 37-41‏]‏‏.‏

وقال تعالى في سورة الأنبياء‏:‏ ‏{‏وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ‏}‏ ‏[‏89-90‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 85‏]‏‏.‏

قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل‏:‏ زكريا بن برخيا، ويقال‏:‏ زكريا بن دان، ويقال‏:‏ زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهفاشاط بن اينا من ابن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي عليه السلام من بني إسرائيل‏.‏

دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى، وقيل‏:‏ إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى، والله أعلم‏.‏

وقد قيل غير ذلك في نسبه، ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر، ويقال‏:‏ زكرى أيضاً‏.‏

والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقص على الناس خبر زكريا عليه السلام، وما كان من أمره حين وهبه الله ولداً على الكبر، وكانت امرأته مع ذلك عاقراً في حال شبيبتها، وقد أسنت أيضاً حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً‏}‏‏.‏

قال قتادة عند تفسيرها‏:‏ إن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الخفي‏.‏ وقال بعض السلف‏:‏ قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضراً عنده مخافته فقال‏:‏ يا رب يا رب يا رب، فقال الله‏:‏ لبيك لبيك لبيك‏.‏

{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي‏} أي‏:‏ ضعف وخار من الكبر‏.‏

{‏وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً‏}‏ استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي‏:‏ غلب على سواد الشعر شيبه، كما قال ابن دريد في مقصورته‏:‏

أما ترى رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدَجا

واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جمر الغضا

وآض عود اللهو يبساً ذاويا * من بعد ما قد كان مجاج الثرى

يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطناً وظاهراً، وهكذا قال زكريا عليه السلام‏.‏

{‏إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً‏}‏ أي‏:‏ ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة، وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان، وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها، ولا في أوانها، وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولداً، وإن كان قد طعن في سنه‏.‏

{‏هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ‏}‏ وقوله‏:‏ {‏وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً‏}‏ قيل‏:‏ المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته، فسأل وجود ولد من صلبه يكون براً تقياً مرضياً ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ‏}‏ أي‏:‏ من عندك بحولك وقوتك‏.‏

‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَلِيّاً * يَرِثُنِي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ أي‏:‏ في النبوة والحكم في بني إسرائيل ‏{‏وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء، فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي‏.‏

وليس المراد ههنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة، ووافقهم ابن جرير ههنا، وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه‏:‏

أحدها‏:‏ ما قدمنا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 16‏]‏ أي‏:‏ في النبوة والملك، كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها، من طرق عن جماعة من الصحابة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏لا نورث ما تركنا فهو صدقة‏)‏‏)‏‏.‏

فهذا نص على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث، ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه، الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم‏:‏ ابنته فاطمة، وأزواجه التسع، وعمه العباس رضي الله عنهم‏.‏

واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وأبو هريرة، وآخرون رضي الله عنهم‏.‏

الثاني‏:‏ أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء‏:‏

‏(‏‏(‏نحن معاشر الأنبياء لا نورث‏)‏‏)‏‏.‏ وصححه‏.‏

الثالث‏:‏ أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها، أو يلتفتوا إليها، أو يهمهم أمرها، حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة، لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولداً يكون وارثاً له فيها‏.‏

الرابع‏:‏ أن زكريا عليه السلام كان نجاراً يعمل بيده، ويأكل من كسبها، كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهاداً يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له، يخلفه من بعده، وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم، إن شاء الله‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد - يعني ابن هرون - أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏كان زكريا نجاراً‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا رواه مسلم، وابن ماجه من غير وجه عن حماد بن سلمة به‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً‏}‏ وهذا مفسر بقوله‏:‏ ‏{‏فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 39‏]‏‏.‏ ‏‏

فلما بشر بالولد، وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له ‏{‏قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً‏}‏ أي‏:‏ كيف يوجد ولد من شيخ كبير‏.‏ قيل‏:‏ كان عمره إذ ذاك سبعاً وسبعين سنة، والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك‏.‏

{‏وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً‏}‏ يعني‏:‏ وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم، كما قال الخليل‏:‏ ‏{‏أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 54‏]‏ وقالت سارة ‏{‏قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 72-73‏]‏‏.‏

وهكذا أجيب زكريا عليه السلام، قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه ‏{‏كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ‏}‏ أي‏:‏ هذا سهل يسير عليه ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً‏}‏ أي‏:‏ قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، أفلا يوجد منك ولدا وإن كنت شيخا‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 90‏]‏ ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت، وقيل‏:‏ كان في لسانها شئ أي‏:‏ بذاءة‏.‏

{‏قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً‏}‏ أي‏:‏ علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به‏.‏

{‏قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً‏}‏ يقول‏:‏ علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزاً، وأنت في ذلك سوي الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية، وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب، واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه‏.‏

{‏فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً‏}‏ والوحي ههنا هو‏:‏ الأمر الخفي، إما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضاً، ووهب، وقتادة‏.‏

قال مجاهد، وعكرمة، ووهب، والسدي، وقتادة‏:‏ اعتقل لسانه من غير مرض‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد‏.‏

‏{‏يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً‏}‏ يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه‏.‏

قال عبد الله بن المبارك، قال معمر، قال الصبيان ليحيى بن زكريا‏:‏ اذهب بنا نلعب، فقال‏:‏ ما للعب خلقنا، قال‏:‏ وذلك قوله ‏{‏وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً‏}

وأما قوله‏:‏ ‏{‏وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا‏}‏ فروى ابن جرير، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ لا أدري ما الحنان‏.‏

وعن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك ‏{‏وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا‏}‏ أي‏:‏ رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا، فوهبنا له هذا الولد‏.‏ ‏

وعن عكرمة ‏{‏وَحَنَاناً‏}‏ أي‏:‏ محبة عليه، ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس، ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما، وبره بهما، وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائض والرذائل، والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمراً ونهياً، وترك عقوقهما قولاً وفعلاً فقال‏:‏ ‏{‏وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً‏}‏‏.‏

هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر، ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخاً إذا خرج من بين الأحشاء، وفارق لينها وضمها، وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها‏.‏

وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار، وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحبور، ومن محزون ومثبور، وما بين جبير وكسير، وفريق في الجنة وفريق في السعير، ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول‏:‏

ولدتك أمك باكياً مستصرخاً * والناس حولك يضحكون سرور

فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال‏:‏ ‏{‏وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً‏}‏‏.‏

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة‏:‏ أن الحسن قال‏:‏ إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى‏:‏ استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر‏:‏ استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى‏:‏ أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك، فعرف والله فضلهما‏.‏

وأما قوله في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 39‏]‏ فقيل‏:‏ المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء، وقيل غير ذلك، وهو أشبه لقوله‏:‏ ‏{‏هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 38‏]‏‏.‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد يقول أنا خير من يونس بن متى‏)‏‏)‏‏.‏

علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وهو منكر الحديث‏.‏

وقد رواه ابن خزيمة، والدارقطني، من طريق أبي عاصم العباداني، عن علي بن زيد بن جدعان به مطولا‏.‏ ثم قال ابن خزيمة‏:‏ وليس على شرطنا‏.‏

وقال ابن وهب‏:‏ حدثني ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه يوماً وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل‏:‏ موسى كليم الله، وقال قائل‏:‏ عيسى روح الله وكلمته، وقال قائل‏:‏ إبراهيم خليل الله، وهم يذكرون ذلك ‏

فقال‏:‏

‏(‏‏(‏أين الشهيد ابن الشهيد، يلبس الوبر، ويأكل الشجر مخافة الذنب‏)‏‏)‏‏.‏

قال ابن وهب‏:‏ يريد يحيى بن زكريا‏.‏

وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدلس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏(‏‏(‏كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا‏)‏‏)‏‏.‏

فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين، وقد عنعن ههنا‏.‏

ثم قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلاً‏.‏

ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق‏:‏ حدثنا محمد بن الأصبهاني، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏

ما أحد لا يلقى الله بذنب إلا يحيى بن زكريا ثم تلا ‏{‏وَسَيِّداً وَحَصُوراً‏}‏ ثم رفع شيئاً من الأرض فقال‏:‏ ما كان معه إلا مثل هذا، ثم ذبح ذبحاً‏.‏ وهذا موقوف من هذه الطريق، وكونه موقوفاً أصح من رفعه، والله أعلم‏.‏

وأورده ابن عساكر من طرق‏:‏ عن معمر، عن ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف، عن عثمان بن سباح، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه‏.‏

وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليها السلام‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني‏:‏ حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، سمعت أبا سليمان يقول‏:‏ خرج عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا يتماشيان، فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى‏:‏ يا ابن خالة لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبداً‏.‏

قال‏:‏ وما هي يا ابن خالة‏.‏

قال‏:‏ امرأة صدمتها‏.‏

قال‏:‏ والله ما شعرت بها‏.‏

قال‏:‏ سبحان الله بدنك معي فأين روحك‏؟‏

قال‏:‏ معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين‏.‏

فيه غرابة وهو من الإسرائيليات‏.‏

وقال إسرائيل، عن أبي حصين، عن خيثمة قال‏:‏ كان عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا ابني خالة، وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم، ولا عبد ولا أمة، ولا مأوى يأويان إليه أين ماجنهما الليل أويا، فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى‏:‏ أوصني،‏.‏

قال‏:‏ لا تغضب‏.‏

قال‏:‏ لا أستطيع إلا أن أغضب‏.‏

قال‏:‏ لا تقتن مالاً‏.‏

قال‏:‏ أما هذه فعسى‏.‏ ‏

وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا عليه السلام موتا، أو قتل قتلا على روايتين‏.‏

فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال‏:‏ هرب من قومه فدخل شجرة، فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أن، فأوحى الله إليه لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها، فسكن أنينه حتى قطع باثنتين‏.‏ وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعد إن شاء الله‏.‏

وروى إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال‏:‏ الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا، فأما زكريا فمات موتا، فالله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكاد أن يبطئ، فقال له عيسى عليه السلام‏:‏ إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن‏؟‏

فقال يا أخي‏:‏ إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال‏:‏ فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏

إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن‏:‏ أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فإن مثل ذلك، مثل من اشترى عبداً من خالص ماله بورق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا‏.‏

وأمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا‏.‏

وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك‏.‏

وأمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال‏:‏ هل لكم أن أفتدي نفسي منكم‏؟‏ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه‏.‏

وآمركم بذكر الله عز وجل كثيراً، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى حصناً حصيناً فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل‏.‏ قال‏:‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن‏:‏ بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم، قال‏:‏ يا رسول الله وإن صام وصلى‏؟‏ قال‏:‏ وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا رواه أبو يعلى، عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير‏.‏

وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي، وموسى بن إسماعيل كلاهما، عن أبان بن يزيد العطار به‏.‏

ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري به‏.‏

ورواه الحاكم، من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام، عن أخيه به‏.‏

ثم قال‏:‏ تفرد به مروان الطاطري، عن معاوية بن سلام‏.‏

قلت‏:‏ وليس كما قال‏.‏

ورواه الطبراني، عن محمد بن عبدة، عن أبي نوبة الربيع بن يافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري، فذكر نحو هذه الرواية‏.‏

ثم روى الحافظ ابن عساكر، من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال‏:‏ ذكر لنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات، وذكر نحو ما تقدم‏.‏

وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثير الانفراد من الناس، إنما كان يأنس إلى البراري، ويأكل من ورق الأشجار، ويرد ماء الأنهار، ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان، ويقول‏:‏ من أنعم منك يا يحيى‏.‏

وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه، فوجداه عند بحيرة الأردن، فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عز وجل‏.‏

وقال ابن وهب، عن مالك، عن حميد بن قيس، عن مجاهد قال‏:‏ كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه‏.‏

وقال محمد بن يحيى الذهلي‏:‏ حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال‏:‏ جلست يوماً إلى أبي إدريس الخولاني، وهو يقص فقال‏:‏ ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما، فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال‏:‏ إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاماً، إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم‏.‏

وقال ابن المبارك، عن وهيب بن الورد قال‏:‏ فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام، فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبراً وأقام فيه يبكي على نفسه، فقال‏:‏ يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام، وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه، فقال‏:‏ يا أبت ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة، لا يقطع إلا بدموع البكائين‏.‏

فقال له‏:‏ ابك يا بني، فبكيا جميعا‏.‏

وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه‏.‏‏

وروى ابن عساكر عنه أنه قال‏:‏ إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم، فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله عز وجل، ثم قال‏:‏ كم بين النعيمين وكم بينهما، وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه‏.‏

 بيان سبب قتل يحيى عليه السلام

وذكروا في قتله أسباباً من أشهرها‏:‏ أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق، كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه، أو من لا يحل له تزويجها، فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك، فبقي في نفسها منه، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها، استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها، فبعثت إليه من قتله، وجاء برأسه ودمه في طشت إلى عندها، فيقال‏:‏ إنها هلكت من فورها وساعتها‏.‏ وقيل‏:‏ بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك، فتمنع عليها الملك، ثم أجابها إلى ذلك، فبعث من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طشت‏.‏

وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ حيث قال‏:‏ أنبأنا يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء، فسلم عليه وقال له‏:‏ يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان، ولم قتلك بنو إسرائيل‏؟‏

قال‏:‏ يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجها، وكان كما قال الله تعالى ‏{‏وَسَيِّداً وَحَصُوراً‏}‏ وكان لا يحتاج إلى النساء، فهوته امرأة ملك بني إسرائيل، وكانت بغية، فأرسلت إليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها، فأجمعت على قتل يحيى، ولهم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب‏.‏

قال‏:‏ فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته، وكان بها معجباً، ولم تكن تفعله فيما مضى، فلما أن شيعته قال الملك‏:‏ سليني فما سألتني شيئاً إلا أعطيتك، قالت‏:‏ أريد دم يحيى بن زكريا، قال لها‏:‏ سليني غيره‏.‏ قالت‏:‏ هو ذاك‏.‏ قال‏:‏ هو لك‏.‏

قال‏:‏ فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي، وأنا إلى جانبه أصلي، قال‏:‏ فذبح في طشت وحمل رأسه ودمه إليها‏.‏

قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏فما بلغ من صبرك‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ما انفتلت من صلاتي‏.‏

قال‏:‏ فلما حمل رأسه إليها، فوضع بين يديها، فلما أمسوا خسف الله بالملك، وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل‏:‏ قد غضب إله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2 /65‏)‏

قال‏:‏ فخرجوا في طلبي ليقتلوني، وجاءني النذير فهربت منهم، وإبليس أمامهم يدلهم علي، فلما تخوفت أن لا أعجزهم، عرضت لي شجرة فنادتني وقالت‏:‏ إليّ إليّ، وانصدعت لي ودخلت فيها‏.‏

قال‏:‏ وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة، وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس‏:‏ أما رأيتموه دخل هذه الشجرة، هذا طرف ردائه دخلها بسحره، فقالوا‏:‏ نحرق هذه الشجرة، فقال إبليس‏:‏ شقوه بالمنشار شقاً‏.‏ قال‏:‏ فشققت مع الشجرة بالمنشار، قال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏هل وجدت له مساً أو وجعاً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ لا، إنما وجدت ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها‏.‏

هذا سياق غريب جدا، وحديث عجيب، ورفعه منكر، وفيه ما ينكر على كل حال، ولم ير في شيء من أحاديث الإسراء ذكر زكريا عليه السلام إلا في هذا الحديث‏.‏ وإنما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الإسراء‏:‏ فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة‏.‏

فجاء على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث، فإن أم يحيى أشياع بنت عمران، أخت مريم بنت عمران‏.‏ وقيل‏:‏ بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى، هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم، فيكون يحيى ابن خالة مريم، فالله أعلم‏.‏

ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا، هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره على قولين‏؟‏ فقال الثوري، عن الأعمش، عن شمر بن عطية قال‏:‏ قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا، منهم يحيى بن زكريا عليه السلام‏.‏

وقال أبو عبيد القاسم ابن سلام، حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ قدم بخت نصر دمشق، فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فسأل عنه فأخبروه، فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن‏.‏ وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهو يقتضي أنه قتل بدمشق، وإن قصة بخت نصر كانت بعد المسيح، كما قاله عطاء، والحسن البصري، فالله أعلم‏.‏

وروى الحافظ ابن عساكر، من طريق الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد قال‏:‏ رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير، وفي رواية كأنما قتل الساعة، وذكر في بناء مسجد دمشق، أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة فالله أعلم‏.‏

وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصى في فضائل الأقصى من طريق العباس بن صبح، عن مروان، عن سعيد بن عبد العزيز، عن قاسم مولى معاوية قال‏:‏ كان ملك هذه المدينة - يعني دمشق - هداد بن هداد وكان قد زوجه ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا، وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق، وهو الصاغة العتيقة‏.‏

قال‏:‏ وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا، ثم أنه أراد مراجعتها، فاستفتى يحيى بن زكريا فقال‏:‏ لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا، وذلك بإشارة أمها، فأبى عليها ثم أجابها إلى ذلك، وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جيرون من أتاه برأسه في صينية، فجعل الرأس يقول له‏:‏ لا تحل له، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره‏.‏

فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها، وأتت به أمها وهو يقول كذلك، فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها إلى قدميها، ثم إلى حقويها، وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن، ويلطمن وجوههن، ثم خسف بها إلى منكبيها، فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها، لتتسلى برأسها ففعل، فلفظت الأرض جثتها عند ذلك، ووقعوا في الذل والفناء‏.‏

ولم يزل دم يحيى يفور، حتى قدم بخت نصر فقتل عليه خمسة وسبعين ألفا‏.‏

قال سعيد بن عبد العزيز‏:‏ وهي دم كل نبي، ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا عليه السلام فقال‏:‏ أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله، فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس، فتبعهم إليها فقتل خلقاً كثيراً لا يحصون كثرة، وسبا منهم، ثم رجع عنهم‏.‏

 قصة عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته عليه من الله أفضل الصلاة والسلام

قال الله تعالى في سورة آل عمران، التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية، منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله، الذين زعموا أن لله ولداً تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم، ويدعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة، وهم‏:‏ الذات المقدسة، وعيسى، ومريم، على اختلاف فرقهم‏.‏

فأنزل الله عز وجل صدر هذه السورة، بين فيها أن عيسى عبد من عباد الله، خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات، وأنه خلقه من غير أب، كما خلق آدم من غير أب ولا أم، وقال له‏:‏ كن فكان، سبحانه وتعالى، وبين أصل ميلاد أمه مريم، وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى، وكذلك بسط ذلك في سورة مريم، كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته‏.‏

فقال تعالى وهو أصدق القائلين‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 33-37‏]‏‏.‏

يذكر تعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام، والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته، ثم خصص فقال‏:‏ ‏{‏وَآلَ إِبْرَاهِيمَ‏}‏ فدخل فيهم بنو إسماعيل، وبنو إسحاق‏.‏ ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران، والمراد بعمران هذا‏:‏ والد مريم عليها السلام‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ وهو عمران بن باشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن احريق بن موثم بن عزازيا بن امصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن ايان بن رحبعام بن سليمان بن داود‏.‏

وقال أبو القاسم ابن عساكر‏:‏ مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن امون بن ميشا بن حزقا بن احاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط بن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود عليه السلام، وفيه مخالفة كما ذكره محمد بن إسحاق‏.‏

ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام‏.‏ وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم اشياع في قول الجمهور، وقيل‏:‏ زوج خالتها اشياع فالله أعلم‏.‏

وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره‏:‏ أن أم مريم كانت لا تحبل، فرأت يوماً طائراً يزق فرخا له، فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس، قالوا‏:‏ فحاضت من فورها، فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها السلام، ‏{‏فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ‏}‏ وقرئ‏:‏ بضم التاء

{‏وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى‏}‏ أي‏:‏ في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم‏.‏

وقولها‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ‏}‏ استدل به على تسمية المولود يوم يولد، وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنك أخاه وسماه عبد الله‏.‏ ‏

وجاء في حديث الحسن، عن سمرة مرفوعا‏:‏

‏(‏‏(‏كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه‏)‏‏)‏‏.‏

رواه أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي، وجاء في بعض ألفاظه ‏(‏‏(‏ويدمى‏)‏‏)‏ بدل ‏(‏‏(‏ويسمى‏)‏‏)‏ وصححه بعضهم، والله أعلم‏.‏

وقولها‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ‏}‏ قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها‏.‏

فقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها‏)‏‏)‏‏.‏

ثم يقول أبو هريرة‏:‏ واقرؤا إن شئتم ‏{‏وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 36‏]‏‏.‏

أخرجاه من حديث عبد الرزاق‏.‏

ورواه ابن جرير، عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن عبد الله بن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه‏.‏

وقال أحمد أيضاً‏:‏ حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذؤيب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به من هذا الوجه‏.‏

ورواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا هشيم، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضينه، إلا ما كان من مريم وابنها، ألم تر إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ، قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله، قال‏:‏ ذلك حين يلكزه الشيطان بحضينه‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا على شرط مسلم، ولم يخرجه من هذا الوجه‏.‏

ورواه قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى بن مريم ومريم‏)‏‏)‏‏.‏ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ‏}

وكذا رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث‏.‏ ‏‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الملك حدثنا المغيرة - هو ابن عبد الله الحزامي - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏قال كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا‏}‏ ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها، لفتها في خروقها، ثم خرجت بها إلى المسجد، فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم، فتنازعوا فيها‏.‏

والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها، وكفالة مثلها في صغرها، ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل أن زوجته أختها أو خالتها على القولين، فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا‏}‏ أي‏:‏ بسبب غلبه لهم في القرعة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 44‏]‏‏.‏

قالوا‏:‏ وذلك أن كلاً منهم ألقى قلمه معروفا به، ثم حملوها ووضعوها في موضع، وأمروا غلاما لم يبلغ الحنث، فأخرج واحدا منها، وظهر قلم زكريا عليه السلام، فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية، وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر، فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه في الماء فهو الغالب، ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء‏.‏

ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب، ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم، فكفلها إذ كان أحق بها شرعاً وقدرا لوجوه عديدة‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏ 37‏]‏‏.‏

قال المفسرون‏:‏ اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواه، فكانت تعبد الله فيه، وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت، إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة، والصفات الشريفة‏.‏

حتى أنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها ‏{‏أَنَّى لَكِ هَذَا‏}‏ فتقول‏:‏ ‏{‏هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ رزق رزقنيه الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب‏.‏

فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه، وإن كان قد أسن وكبر، قال‏:‏ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 38‏]‏ قال بعضهم‏:‏ قال يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه، هب لي ولداً وإن كان في غير أوانه، فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته‏.

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 42-51‏]‏‏.‏

يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب، وبشرت بأن يكون نبياً شريفاً

{‏وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ‏}‏ أي‏:‏ في صغره، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة، ويدعو إلى الله فيها‏.‏

وأمرت بكثرة العبادة، والقنوت، والسجود، والركوع، لتكون أهلاً لهذه الكرامة، ولتقوم بشكر هذه النعمة، فيقال‏:‏ إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها، رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها‏.‏

فقول الملائكة‏:‏ ‏{‏يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ‏}‏ أي‏:‏ اختارك واجتباك‏.‏ ‏{‏وَطَهَّرَكِ‏}‏ أي‏:‏ من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة ‏{‏وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ‏}‏ يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها، كقوله لموسى‏:‏ ‏{‏إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 144‏]‏‏.‏

وكقوله عن بني إسرائيل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 32‏]‏‏.‏

ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام أفضل من موسى، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها، وأكثر عدداً وأفضل علماً وأزكى عملاً من بني إسرائيل وغيرهم‏.‏

ويحتمل أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ‏}‏ محفوظ العموم، فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها، ووجد بعدها، لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها، ونبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، محتجاً بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى، كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره، فلا يمتنع على هذا أن يكون مريم أفضل من سارة وأم موسى، لعموم قوله‏:‏ {‏وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ‏}‏ إذ لم يعارضه غيره، والله أعلم‏.‏

وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره، عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال، وليس في النساء نبية، فيكون أعلى مقامات مريم، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 75‏]‏ فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها، وممن يكون بعدها، والله أعلم‏.‏

وقد جاء ذكرها مقروناً مع آسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، رضي الله عنهن وأرضاهن‏.‏

وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من طرق عديدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏حسبك من نساء العالمين بأربع‏:‏ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زانجويه، عن عبد الرزاق به وصححه‏.‏ ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي وابن عساكر من طريق تميم بن زياد، كلاهما عن أبي جعفر الرازي، عن ثابت عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏خير نساء العالمين أربع‏:‏ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قال‏:‏ كان أبو هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه لزوج في ذات يده‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو هريرة‏:‏ ولم تركب مريم بعيراً قط‏.‏

وقد رواه مسلم في صحيحه، عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا زيد بن الجباب، حدثني موسى بن علي، سمعت أبي يقول‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو هريرة‏:‏ وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابنة عمران لم تركب الإبل، تفرد به، وهو على شرط الصحيح‏.‏

ولهذا الحديث طرق أخر عن أبي هريرة‏.‏

وقال أبو يعلى الموصلي‏:‏ حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربع خطوط فقال‏:‏

‏(‏‏(‏أتدرون ما هذا‏؟‏‏)‏‏)‏

قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أفضل نساء أهل الجنة‏:‏ خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه النسائي من طرق، عن داود بن أبي هند، وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث‏:‏

حدثنا يحيى بن حاتم العسكري، نبأنا بشر بن مهران بن حمدان، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين‏:‏ فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو القاسم البغوي‏:‏ حدثنا وهب بن منبه، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت لفاطمة‏:‏ أرأيت حين أكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم ضحكت‏؟‏

قالت‏:‏ أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقاً به وأني سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم بنت عمران فضحكت‏.‏

وأصل هذا الحديث في الصحيح، وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه‏:‏ أنهما أفضل الأربع المذكورات‏.‏

وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن يزيد - هو ابن أبي زياد - عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران‏)‏‏)‏‏.‏

إسناد حسن، وصححه الترمذي ولم يخرجوه‏.‏

وقد روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب، ولكن في إسناده ضعف‏.‏ والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع، ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة، ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة، لكن ورد حديث إن صح عين الاحتمال الأول‏.‏

فقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر‏:‏ أنبأنا أبو الحسن بن الفرا، وأبو غالب، وأبو عبد الله ابنا البنا، قالوا‏:‏ أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا الزبير -هو ابن بكار - حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن كريم، عن ابن عباس قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأة فرعون‏)‏‏)‏ فإن كان هذا اللفظ محفوظاً بثم التي للترتيب، فهو مبين لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء، وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه، والله أعلم‏.‏

وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي، عن داود الجعفري، عن عبد العزيز بن محمد - وهو الدراوردي - عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مرفوعاً، فذكره بواو العطف، لا بثم الترتيبية، فخالفه إسناداً ومتناً، فالله أعلم‏.‏

فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث‏:‏ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏‏)‏‏.‏

فإنه حديث صحيح كما ترى، اتفق الشيخان على إخراجه ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية، ولعل المراد بذلك في زمانهما، فإن كلا منهما كفلت نبياً في حال صغره، فآسية كفلت موسى الكليم، ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة، وفاطمة فخديجة خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة خمسة عشر سنة، وبعدها أزيد من عشر سنين، وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها رضي الله عنها وأرضاها‏.‏

وأما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها، لأنها أصيبت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية أخواتها متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يتزوج بكراً غيرها، ولا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة بل ولا في غيرها أعلم منها ولا أفهم، وقد غار الله لها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فأنزل براءتها من فوق سبع سموات‏.‏

وقد عمرت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً من خمسين سنة، تبلغ عنه القرآن والسنة، وتفتي المسلمين، وتصلح بين المختلفين، وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين، في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين، والأحسن الوقف فيهما، رضي الله عنهما وما ذاك إلا لأن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏‏)‏‏.‏

يحتمل أن يكون عاماً بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاماً بالنسبة إلى ما عدى المذكورات، والله أعلم‏.‏ ‏

والمقصود ههنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران عليها السلام، فإن الله طهرها واصطفاها على نساء عالمي زمانها، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقاً، كما قدمنا‏.‏

وقد ورد في حديث أنها تكون من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، هي وآسية بنت مزاحم‏.‏ وقد ذكرنا في التفسير عن بعض السلف أنه قال ذلك، واستأنس بقوله‏:‏ ‏{‏ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 5‏]‏ قال‏:‏ فالثيب آسية، ومن الأبكار مريم بنت عمران، وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم، فالله أعلم‏.‏

قال الطبراني‏:‏ حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثنا أبي، أنبأنا عمي الحسين، حدثنا يونس بن نفيع، عن سعد بن جنادة - هو العوفي - قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون، وأخت موسى‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الحافظ أبو يعلى‏:‏ حدثنا إبراهيم بن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يونس بن شعيب، عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏أشعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثم أخت موسى‏)‏‏)‏‏.‏

رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبد النور به، وزاد‏:‏ فقلت هنيئاً لك يا رسول الله‏.‏

ثم قال العقيلي‏:‏ وليس بمحفوظ‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ حدثني محمد بن الحسن، عن يعلى بن المغيرة، عن ابن أبي داود قال‏:‏ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه، فقال لها‏:‏

‏(‏‏(‏بالكره مني ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيراً، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة‏:‏ مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ بالرفاء والبنين‏.‏

وروى ابن عساكر من حديث محمد بن زكريا الغلابي‏:‏ حدثنا العباس بن بكار، حدثنا أبو بكر الهزلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة، وهي في مرض الموت فقال‏:‏

‏(‏‏(‏يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئهن مني السلام‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ يا رسول الله وهل تزوجت قبلي‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثم أخت موسى‏)‏‏)‏‏.‏

وروى ابن عساكر من طريق سويد بن سعيد‏:‏ حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال‏:‏ نزل جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أرسل به، وجلس يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت خديجة فقال جبريل‏:‏ من هذه يا محمد‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏هذه صديقة أمتي‏)‏‏)‏

قال جبريل‏:‏ معي إليها رسالة من الرب عز وجل يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب، لا نصب فيه ولا صخب‏.‏ ‏

قالت‏:‏ الله السلام، ومنه السلام، والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته على رسول الله ما ذلك البيت الذي من قصب‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم، وهما من أزواجي يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏

وأصل السلام على خديجة من الله، وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه، ولا وصب، في الصحيح‏.‏ ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جداً، وكل من هذه الأحاديث في أسانيدها نظر‏.‏

وروى ابن عساكر من حديث أبي زرعة الدمشقي‏:‏ حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية، عن صفوان بن عمرو، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة، يعني‏:‏ صخرة بيت المقدس، فقال‏:‏ الصخرة على نخلة، والنخلة على نهر من أنهار الجنة، وتحت النخلة مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة‏.‏

ثم رواه من طريق إسماعيل، عن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن مسعود، عن عبد الرحمن، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله‏.‏

وهذا منكر من هذا الوجه، بل هو موضوع، قد رواه أبو زرعة، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن مسعود بن عبد الرحمن، عن ابن عابد أن معاوية سأل كعباً عن صخرة بيت المقدس فذكره‏.‏

قال الحافظ بن عساكر‏:‏ وكونه من كلام كعب الأحبار أشبه‏.‏

قلت‏:‏ وكلام كعب الأحبار هذا، إنما تلقاه من الإسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل، وضعه بعض زنادقتهم أو جهالهم، وهذا منه، والله أعلم‏.‏‏

 ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم العذراء البتول

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَموتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 16-37‏]‏‏.‏

ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا، التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها، كما ذكر في سورة آل عمران، قرن بينهما في سياق واحد، وكما قال في سورة الأنبياء‏:‏

{‏وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ * وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 89-91‏]‏‏.‏

وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة، تخدم بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام، وأنه اتخذ لها محراباً وهو المكان الشريف من المسجد، لا يدخله أحد عليها سواه‏.‏

وأنها لما بلغت، اجتهدت في العبادة، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام‏.‏

وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولداً زكياً يكون نبياً كريماً، طاهراً، مكرماً، مؤيداً بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج، لها ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون‏.‏

فاستكانت لذلك، وأنابت، وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر، ولا تعقل، وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها، أو لحاجة ضرورية، لا بد منها من استقاء ماء، أو تحصيل غذاء‏.‏

فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها ‏{‏انْتَبَذَتْ‏}‏ أي‏:‏ انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام ‏{‏فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً‏}‏ فلما رأته {‏قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً‏}

قال أبو العالية‏:‏ علمت أن التقي ذو نهية، وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق، اسمه‏:‏ تقي، فإن هذا قول باطل بلا دليل، وهو من أسخف الأقوال‏.‏

{‏قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ‏}‏ أي‏:‏ خاطبها الملك قائلاً‏:‏ إنما أنا رسول ربك أي لست ببشر، ولكني ملك بعثني الله إليك {‏لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً‏}‏ أي‏:‏ ولداً زكياً ‏{‏قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ‏}‏ أي‏:‏ كيف يكون لي غلام، أو يوجد لي ولد ‏{‏وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً‏}‏ أي‏:‏ ولست ذات زوج، وما أنا ممن يفعل الفاحشة‏.‏

{‏قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ‏}‏ أي‏:‏ فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه، قائلاً‏:‏ ‏{‏كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ‏}‏ أي‏:‏ وعد أنه سيخلق منك غلاماً، ولست بذات بعل، ولا تكونين ممن تبغين ‏{‏هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ‏}‏ أي‏:‏ وهذا سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَرَحْمَةً مِنَّا‏}‏ أي‏:‏ نرحم به العباد، بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفوليته وكهوليته، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة، والأولاد، والشركاء، والنظراء، والأضداد، والأنداد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً‏}‏ يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها، يعني‏:‏ أن هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق، واختاره ابن جرير، ولم يحك سواه، والله أعلم‏.‏

ويحتمل أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً‏}‏ كناية عن نفخ جبريل فيها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 12‏]‏

فذكر غير واحد من السلف‏:‏ أن جبريل نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة إلى فرجها، فحملت من فورها، كما تحمل المرأة عند جماع بعلها‏.‏

ومن قال‏:‏ أنه نفخ في فمها، أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها، فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن‏.‏

فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملك من الملائكة، وهو جبريل عليه السلام، وأنه إنما نفخ فيها، ولم يواجه الملك الفرج، بل نفخ في جيبها، فنزلت النفخة إلى فرجها، فانسلكت فيه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا‏}‏ فدل على أن النفخة ولجت فيه، لا في فمها، كما روي عن أبي بن كعب، ولا في صدرها كما رواه السدي، بإسناده عن بعض الصحابة‏.‏

ولهذا قال تعال‏:‏ ‏{‏فَحَمَلَتْهُ‏}‏ أي‏:‏ حملت ولدها ‏{‏فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً‏}‏ وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام في حقها‏.‏

فذكر غير واحد من السلف، منهم وهب بن منبه أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل، كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بني إسرائيل يقال له‏:‏ يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن خالها، فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها، ونزاهتها، وعبادتها، وهو مع ذلك يراها حبلى، وليس لها زوج‏.‏

فعرض لها ذات يوم في الكلام، فقال‏:‏ يا مريم هل يكون زرع من غير بذر‏؟‏

قالت‏:‏ نعم‏.‏ فمن خلق الزرع الأول‏؟‏

ثم قال‏:‏ فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر‏؟‏

قالت‏:‏ نعم‏.‏ فمن خلق الشجر الأول‏؟‏

ثم قال‏:‏ فهل يكون ولد من غير ذكر‏؟‏

قالت‏:‏ نعم، إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، قال لها‏:‏ فأخبريني خبرك‏؟‏

فقالت‏:‏ إن الله بشرني ‏{‏بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ويروي مثل هذا عن زكريا عليه السلام، أنه سألها فأجابته بمثل هذا، والله أعلم‏.‏

وذكر السدي بإسناده عن الصحابة‏:‏

أن مريم دخلت يوماً على أختها، فقالت لها أختها‏:‏ أشعرت أني حبلى‏؟‏

فقالت مريم‏:‏ وشعرت أيضا أني حبلى، فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى‏:‏ إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك قوله‏:‏

{‏مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ‏}‏‏.‏

ومعنى السجود ههنا‏:‏ الخضوع والتعظيم كالسجود عند المواجهة للسلام، كما كان في شرع من قبلنا، وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم‏.‏

وقال أبو القاسم‏:‏ قال مالك‏:‏ بلغني أن عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم‏:‏ إن أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك‏.‏

قال مالك‏:‏ أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام، لأن الله تعالى جعله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص‏.‏

رواه ابن أبي حاتم‏.‏

وروي عن مجاهد قال‏:‏ قالت مريم‏:‏ كنت إذا خلوت حدثني وكلمني، وإذا كنت بين الناس سبح في بطني‏.‏

ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر، كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن، إذ لو كان خلاف ذلك لذكر‏.‏

وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر‏.‏

وعن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته في الحال، و هذا الظاهر، لأن الله تعالى ذكر الانتباذ بعد الحمل، قال بعضهم‏:‏ حملت به تسع ساعات، واستأنسوا لذلك بقوله‏:‏ ‏{‏فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ‏}‏ والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه لقوله‏:‏ ‏{‏فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 63‏]‏‏.‏

وكقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 14‏]‏‏.‏

ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يوماً كما ثبت في الحديث المتفق عليه‏.‏

قال محمد بن إسحاق‏:‏ شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا‏.‏

قال‏:‏ واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم، واعتزلتهم، وانتبذت مكاناً قصياً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ‏} أي‏:‏ فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به، عن أنس مرفوعاً، والبيهقي بإسناد، وصححه عن شداد بن أوس مرفوعاً أيضاً ببيت لحم الذي بنى عليه بعض ملوك الروم، فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل‏.‏

{‏قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً‏}‏ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها، حين تأتيهم بغلام على يدها مع أنها قد كانت عندهم من العابدات، الناسكات، المجاورات في المسجد، المنقطعات إليه، المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة‏.‏

فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت إن لو كانت ماتت قبل هذا الحال، أو كانت ‏{‏نَسْياً مَنْسِيّاً‏}‏ أي‏:‏ لم تخلق بالكلية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا‏}‏ وقرىء من تحتها على الخفض، وفي المضمر قولان‏:‏ أحدهما أنه جبريل، قاله العوفي عن ابن عباس، قال‏:‏ ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم‏.‏

وهكذا قال سعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، والضحاك، والسدي، وقتادة، وقال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وسعيد بن جبير، في رواية هو ابنها عيسى، واختاره ابن جرير‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً‏}‏ قيل‏:‏ النهر وإليه ذهب الجمهور‏.‏ وجاء فيه حديث رواه الطبراني، لكنه ضعيف، واختاره ابن جرير، وهو الصحيح‏.‏

وعن الحسن، والربيع بن أنس، وابن أسلم، وغيرهم، أنه ابنها، والصحيح الأول لقوله‏:‏ ‏{‏وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً‏}‏ فذكر الطعام والشراب، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً‏}‏ ثم قيل‏:‏ كان جذع النخلة يابساً، وقيل‏:‏ كانت نخلة مثمرة، فالله أعلم‏.‏

ويحتمل أنها كانت نخلة، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء، وليس ذاك وقت ثمر، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان‏:‏ {‏تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً‏}‏ قال عمرو بن ميمون ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية‏.‏ ‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم وليس من الشجر شيء يلقح غيرها‏)‏‏)‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران‏)‏‏)‏‏.‏

وكذا رواه أبو يعلى في مسنده عن شيبان بن فروخ، عن مسروق بن سعيد، وفي رواية مسرور بن سعد، والصحيح مسرور بن سعيد التميمي، أورد له ابن عدي هذا الحديث عن الأوزاعي به، ثم قال‏:‏ وهو منكر الحديث، ولم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث‏.‏

وقال ابن حبان‏:‏ يروي عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً‏}‏ وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال‏:‏ ‏{‏فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً‏}‏ أي‏:‏ فإن رأيت أحدا من الناس ‏{‏فَقُولِي‏}‏ له أي‏:‏ بلسان الحال والإشارة ‏{‏إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً‏}‏ أي‏:‏ صمتاً وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام، قاله قتادة والسدي وابن أسلم ويدل على ذلك قوله ‏{‏فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً‏}‏ فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً‏}‏ ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها، فمروا على محلتها والأنوار حولها، فلما واجهوها وجدوا معها ولدها، فقالوا لها‏:‏ ‏{‏يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً‏}‏ أي‏:‏ أمراً عظيماً منكراً‏.‏

وفي هذا الذي قالوه نظر، مع أنه كلام ينقض أوله آخره، وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملت بنفسها، وأتت به قومها وهي تحمله‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وذلك بعد ما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوماً‏.‏

والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً‏}‏ والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال، ثم قالوا لها‏:‏ ‏{‏يَا أُخْتَ هَارُونَ‏}‏ قيل‏:‏ شبهوها بعابد من عباد زمانهم، كانت تساميه في العبادة وكان اسمه هرون‏.‏ وقيل‏:‏ شبهوها برجل فاجر في زمانهم اسمه هرون‏.‏ قاله سعيد بن جبير‏.‏ وقيل‏:‏ أرادوا بهرون أخا موسى شبهوها به في العبادة‏.‏

وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهرون نسباً، فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهرون ضربت بالدف يوم نجا الله موسى وقومه، وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه، وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح، مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولاً، ولله الحمد والمنة‏.‏

وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هرون، وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها، ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها والله أعلم‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا‏:‏

أرأيت ما تقرؤن‏:‏ ‏{‏يَا أُخْتَ هَارُونَ‏}‏ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا‏.‏

قال‏:‏ فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏

‏(‏‏(‏ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم‏)‏‏)‏‏.‏

وكذا رواه مسلم، والنسائي، والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم‏)‏‏)‏‏.‏

وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهرون، حتى قيل إنه حضر بعض جنائزهم بشر كثير، منهم ممن يسمى بهرون أربعون ألفاً، فالله أعلم‏.‏

والمقصود أنهم قالوا‏:‏ ‏{‏يَا أُخْتَ هَارُونَ‏}‏ ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هرون، وكان مشهوراً بالدين والصلاح والخير ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً‏}‏ أي‏:‏ لست من بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم، لا أخوك ولا أمك ولا أبوك، فاتهموها بالفاحشة العظمى، ورموها بالداهية الدهياء‏.‏

فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله، ففر منهم فلحقوه، وقد انشقت له الشجرة فدخلها، وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا‏.‏ ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار، فلما ضاق الحال وانحصر المجال، وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال‏.‏

‏{‏فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ خاطبوه وكلموه، فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه‏.‏ فعندها ‏{‏قَالُوا‏}‏ من كان منهم جباراً شقياً ‏{‏كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً‏}‏ أي‏:‏ كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده، ولا يميز بين محض وزبده، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا، والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء، إذ لا تردين علينا قولاً نطقياً، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا فعندها‏:‏

{‏قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً‏}‏ هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم، فكان أول ما تكلم به أن ‏{‏قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ‏}‏ اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله، وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله‏:‏ ‏{‏آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً‏}‏ فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا، لعنهم الله وقبحهم‏.‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 156‏]‏ وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا‏:‏ إنها حملت به من زنا في زمن الحيض، لعنهم الله، فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة، واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولي العزم الخمسة الكبار‏.‏

ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ‏}‏ وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة، تعالى وتقدس‏.‏

{‏وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً‏}‏ وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد، بالصلاة والإحسان إلى الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة، وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج، على اختلاف الأصناف، وقرى الأضياف، النفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات، وسائر وجوه الطاعات، وأنواع القربات‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً‏}‏ أي‏:‏ وجعلني براً بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة، وبرأها وأعطى كل نفس هداها‏.‏

{‏وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً‏}‏ أي‏:‏ لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته ‏{‏وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً‏}

وهذه الأماكن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام، ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية، وبين أمره ووضحه وشرحه قال‏:‏ {‏ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 34-35‏]‏‏.‏

كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 58-63‏]‏‏.‏ ‏

ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً، يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم، وهم‏:‏ العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح، فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلى المسالمة والموادعة‏.‏

وقال قائلهم‏:‏ وهو العاقب عبد المسيح‏:‏ يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلاَّ إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم‏.‏

فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه أن يضرب عليهم جزية، وأن يبعث معهم رجلاً أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، وقد بينا ذلك في تفسير آل عمران، وسيأتي بسط هذه القضية في السيرة النبوية، إن شاء الله تعالى وبه الثقة‏.‏

والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح قال لرسوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ أي‏:‏ لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يؤوده، بل هو القدير الفعال لما يشاء ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 82‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ‏}‏ هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 37‏]‏ أي‏:‏ فاختلف أهل الزمان ومن بعدهم فيه، فمن قائل من اليهود‏:‏ إنه ولد زنية، واستمروا على كفرهم وعنادهم‏.‏ وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا‏:‏ هو الله‏.‏ وقال آخرون‏:‏ هو ابن الله‏.‏

وقال المؤمنون‏:‏ هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون المثابون المؤيدون المنصورون، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم بقوله‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏‏.‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل‏)‏‏)‏‏.‏

قال الوليد‏:‏ فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير، عن جنادة وزاد‏:‏ ‏(‏‏(‏من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر به‏.‏ ومن طريق أخرى عن الأوزاعي به‏.‏

 باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً

قال تعالى في آخر هذه السورة‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً‏}‏ أي‏:‏ شيئاً عظيماً ومنكراً من القول وزوراً‏.‏

‏{‏تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 90- 95‏]‏‏.‏

فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد، لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه، وجميع سكان السموات والأرض عبيده، وهو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه‏.‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 100-103‏]‏‏.‏

فبين أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه له، ولا عديل له، فلا صاحبة له فلا يكون له ولد‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1-4‏]‏‏.‏

تقرر أنه الأحد الذي لا نظير له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ‏{‏الصَّمَدُ‏}‏ وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته وبلغ رحمته وجميع صفاته ‏{‏لَمْ يَلِدْ‏}‏ أي‏:‏ لم يوجد منه ولد ‏{‏وَلَمْ يُولَدْ‏}‏ أي‏:‏ ولم يتولد عن شيء قبله

{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ‏}‏ أي‏:‏ وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو فقطع النظير المداني الأعلى والمساوي، فانتفى أن يكون له ولد، إذ لا يكون الولد إلا متولداً بين شيئين متعادلين أو متقاربين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا‏.‏

وقال تبارك وتعالى وتقدس‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171-173‏]‏‏.‏

ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلو والإطراء في الدين، وهو مجاوزة الحد، فالنصارى لعنهم الله غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد، فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله وابن أمته العذراء البتول، التي أحصنت فرجها، فبعث الله الملك جبريل إليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام‏.‏

والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى، كما يقال بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وكذا روح الله، أضيفت إليه تشريفاً لها وتكريماً‏.‏ وسمي عيسى بها لأنه كان بها من غير أب، وهي الكلمة أيضاً التي عنها خلق، وبسببها وجد، كما قال تعالى ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 116-117‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ {‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 30‏]‏‏.‏

فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى عليهم لعائن الله، كل من الفريقين ادعوا على الله شططاً، وزعموا أن له ولدا، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه، ولا فيما ائتفكوه، إلا مجرد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة، تشابهت قلوبهم‏.‏

وذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة الله، زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود، الذي يعبرون عنه بعلة العلل والمبدأ الأول، وأنه صدر عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك، ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول إلى عشرة، والنفوس إلى تسعة، والأفلاك إلى تسعة، باعتبارات فاسدة ذكروها، واختيارات باردة أوردوها، ولبسط الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر‏.‏

وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله، وأنه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة‏.‏ تعالى الله عما يقولون، وتنزه عما يشركون كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 19‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 149-160‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 86‏)‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26-29‏]‏‏.‏

وقال تعالى في أول سورة الكهف، وهي مكية‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 1-5‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 68-70‏]‏‏.‏

فهذه الآيات المكيات، الكريمات، تشمل الرد على سائر فرق الكفرة من الفلاسفة، ومشركي العرب، واليهود، والنصارى، الذين ادعوا وزعموا بلا علم أن لله ولداً سبحانه وتعالى عما يقولون الظالمون المعتدون علواً كبيراً‏.‏

ولما كانت النصارى عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة، من أشهر من قال بهذه المقالة، ذُكروا في القرآن كثيراً للرد عليهم، وبيان تناقضهم، وقلة علمهم، وكثرة جهلهم، وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم، وذلك أن الباطل كثير التشعب، والاختلاف، والتناقض، وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 82‏]‏ فدل على أن الحق يتحد ويتفق، والباطل يختلف ويضطرب، فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو الله تعالى، وطائفة قالوا هو ابن الله عز الله، وطائفة قالوا هو ثالث ثلاثة جل الله‏.‏

قال الله تعالى في سورة المائدة‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 17‏]‏‏.‏

فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم، وبين أنه الخالق القادر على كل شيء، المتصرف في كل شيء، وأنه رب كل شيء ومليكه وإلهه‏.‏

وقال في أواخرها‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 72-75‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 87‏)‏

حكم تعالى بكفرهم شرعاً وقدراً، فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول إليهم هو عيسى بن مريم، قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم، داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار، وعدم الفوز بدار القرار، والخزي في الدار الآخرة، والهوان والعار، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ‏}‏ قال ابن جرير وغيره‏:‏ المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة‏:‏ أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن على اختلافهم في ذلك ما بين الملكية واليعقوبية والنسطورية، عليهم لعائن الله‏.‏

كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك، ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ‏}‏ أي‏:‏ وما من إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا كفوء له، ولا صاحبة له، ولا ولد‏.‏

ثم توعدهم وتهددهم فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال‏:‏ ‏{‏أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏‏.‏

ثم بين حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة، أي‏:‏ ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم الله، وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ‏}‏ كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما، أي‏:‏ ومن كان بهذه المثابة كيف يكون إلهاً، تعالى الله عن قولهم وجهلهم علواً كبيراً‏.‏

وقال السدي وغيره‏:‏ المراد بقوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ‏}‏ زعمهم في عيسى وأمه أنهما الإلهان مع الله، يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة‏:‏

{‏وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏} ‏[‏المائدة‏:‏ 116-118‏]‏‏.‏

يخبر تعالى أنه يسأل عيسى بن مريم يوم القيامة على سبيل الإكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه، عمن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله، أو أنه الله، أو أنه شريكه، تعالى الله عما يقولون، فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه، ولكن لتوبيخ من كذب عليه، فيقول له‏:‏ ‏{‏أأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ‏}‏ أي‏:‏ تعاليت أن يكون معك شريك‏.‏

{‏مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ‏}‏ أي‏:‏ ليس هذا يستحقه أحد سواك ‏{‏إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ‏}‏‏.‏ ‏

وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب‏:‏ ‏{‏مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ‏}‏ أي ما قلت غير ما أمرتني عليه حين أرسلتني إليهم، وأنزلت علي الكتاب الذي كان يتلى عليهم، ثم فسر ما قال لهم بقوله‏:‏ {‏أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم‏.‏

{‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي‏}‏ أي‏:‏ رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي، فرحمتني وخلصتني منهم، وألقيت شبهي على أحدهم، حتى انتقموا منه، فلما كان ذلك ‏{‏كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏‏.‏

ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عز وجل، والتبري من أهل النصرانية‏:‏ ‏{‏إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ‏}‏ أي‏:‏ وهم يستحقون ذلك، ‏{‏وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط، لا يقتضي وقوع ذلك، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ولم يقل‏:‏ الغفور الرحيم‏.‏

وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح ‏{‏إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ وقال‏:‏

‏(‏‏(‏إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً‏)‏‏)‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 16-20‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 4-5‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 81-82‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 111‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ 1-4‏]‏‏.‏

وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

‏(‏‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، يزعم أن لي ولداً، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد‏)‏‏)‏‏.‏

وفي ‏(‏الصحيح‏)‏ أيضاً‏:‏ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

‏(‏‏(‏لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم‏)‏‏)‏‏.‏  

ولكن ثبت في الصحيح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

‏(‏‏(‏إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 102‏]‏‏.‏

وهكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 24‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ‏} ‏[‏يونس‏:‏ 69-70‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً‏} ‏[‏الطارق‏:‏ 17‏]‏

 ذكر منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام، و مرباهما في صغره و صباه، وبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى

قد تقدم أنه ولد ببيت لحم، قريباً من بيت المقدس، وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر، وأن مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار، وهي راكبة على حمار، ليس بينهما وبين الإكاف شيء وهذا لا يصح، والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم، كما ذكرنا ومهما عارضه فباطل‏.‏

وذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك، حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى، فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء، وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره، فسأل الكهنة عن ذلك، فقالوا هذا لمولد عظيم في الأرض‏.‏

فبعث رسله ومعهم ذهب، ومر، ولبان، هدية إلى عيسى، فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم، فذكروا له ذلك، فسأل عن ذلك الوقت، فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس‏.‏

واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد، فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له، ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا، قيل لها إن رسل ملك الشام إنما جاؤوا ليقتلوا ولدك، فاحتملته فذهبت به إلى مصر، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة‏.‏ ‏

وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره، فذكر منها أن الدهقان الذي نزلوا عنده، افتقد مالاً من داره، وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والضعفاء والمحاويج، فلم يدر من أخذه، وعزَّ ذلك على مريم عليها السلام، وشق على الناس وعلى رب المنزل، وأعياهم أمرها‏.‏

فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك، عمد إلى رجل أعمى وآخر مقعد، من جملة من هو منقطع إليه، فقال للأعمى‏:‏ احمل هذا المقعد وانهض به، فقال‏:‏ إني لا أستطيع ذلك، فقال‏:‏ بلى كما فعلت أنت وهو، حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار، فلما قال ذلك صدقاه فيما قال، وأتيا بالمال، فعظم عيسى في أعين الناس، وهو صغير جداً‏.‏

ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده، فلما اجتمع الناس وأطعمهم، ثم أراد أن يسقيهم شراباً، يعني خمراً، كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان، لم يجد في جراره شيئاً، فشق ذلك عليه‏.‏

فلما رأى عيسى ذلك منه، قام فجعل يمر على تلك الجرار، ويمر يده على أفواهها، فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شراباً من خيار الشراب، فتعجب الناس من ذلك جداً، وعظموه، وعرضوا عليه وعلى أمه مالاً جزيلاً فلم يقبلاه، وارتحلا قاصدين بيت المقدس، والله أعلم‏.‏

وقال إسحاق بن بشر‏:‏ أنبأنا عثمان بن ساج وغيره، عن موسى بن وردان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وعن مكحول، عن أبي هريرة قال‏:‏

إن عيسى بن مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل، فمجد الله تمجيداً لم تسمع الآذان بمثله، لم يدع شمساً ولا قمراً ولا جبلاً ولا نهراً ولا عيناً إلا ذكره في تمجيده فقال‏:‏

اللهم أنت القريب في علوك، المتعال في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، أنت الذي خلقت سبعاً في الهواء، بكلماتك مستويات، طباقاً أجبن وهن دخان من فرقك، فأتين طائعات لأمرك، فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك

وجعلت فيهن نوراً على سواد الظلام، وضياء من ضوء الشمس بالنهار، وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد، فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك، وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران‏.‏

فتباركت اللهم في مفطور سمواتك، وفيما دحوت من أرضك، دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج الغامر، فأذللتها إذلال التظاهر، فذل لطاعتك صعبها، واستحيى لأمرك أمرها، وخضعت لعزتك أمواجها، ففجرت فيها بعد البحور الأنهار، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار، ثم أخرجت منها والأنهار الأشجار والثمار‏.‏

ثم جعلت على ظهرها الجبال، فوتدتها أوتاداً على ظهر الماء، فأطاعت أطوادها وجلمودها، فتباركت اللهم فمن يبلغ بنعته نعتك، أمن يبلغ بصفته صفتك‏؟‏

تنشر السحاب، وتفك الرقاب، وتقضي الحق، وأنت خير الفاصلين، لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب، لا إله إلا أنت سبحانك سترت السموات عن الناس، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يغشاك من عبادك الأكياس‏.‏

نشهد أنك لست بإله استحدثناك، ولا رب يبيد ذكره، ولا كان معك شركاء فندعوهم ونذكرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، نشهد أنك أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن لك كفواً أحد‏.‏

وقال إسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس‏:‏ إن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً، حتى بلغ ما يبلغ الغلمان، ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان، فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول، وكانوا يسمونه ابن البغية، وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 156‏]‏‏.‏

قال‏:‏ فلما بلغ سبع سنين، أسلمته أمه في الكتاب، فجعل لا يعلمه المعلم شيئاً إلا بدره إليه، فعلمه أبا جاد‏.‏

فقال عيسى‏:‏ ما أبو جاد‏؟‏

فقال المعلم‏:‏ لا أدري‏.‏

فقال عيسى‏:‏ كيف تعلمني ما لا تدري‏؟‏

فقال المعلم‏:‏ إذاً فعلِّمني‏.‏

فقال له عيسى‏:‏ فقم من مجلسك فقام، فجلس عيسى مجلسه فقال‏:‏ سلني‏.‏

فقال المعلم‏:‏ ما أبو جاد‏؟‏

فقال عيسى‏:‏ الألف آلاء الله، والباء بهاء الله، والجيم بهجة الله وجماله‏.‏

فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد‏.‏

ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع لا يسأل ولا يتمادى‏.‏

وهكذا روى ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، وعن مسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد رفع الحديث في دخول عيسى إلى الكتاب، وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد وهو مطول لا يفرح به‏.‏ ثم قال ابن عدي‏:‏ وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسماعيل‏.‏

وروى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة قال‏:‏ كان عبد الله بن عمر يقول‏:‏ كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم‏:‏ تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك ‏؟‏

فيقول‏:‏ نعم‏.‏

فيقول‏:‏ خبأت لك كذا وكذا، فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها‏:‏ أطعميني ما خبأت لي‏.‏

فتقول‏:‏ وأي شيء خبأت لك‏؟‏

فيقول‏:‏ كذا وكذا‏.‏

فتقول له‏:‏ من أخبرك‏؟‏

فيقول‏:‏ عيسى بن مريم‏.‏

فقالوا‏:‏ والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم، فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم، فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم فقالوا‏:‏ إنما هؤلاء قردة وخنازير‏.‏

فقال‏:‏ اللهم كذلك فكانوا كذلك‏.‏

رواه ابن عساكر‏.‏

وقال إسحق بن بشر عن جويبر، ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 50‏]‏‏.‏

وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين‏.‏ ‏‏

وهذه صفة غريبة الشكل، وهي أنها ربوة‏:‏ وهو المكان المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستو يقر عليه، وارتفاعه متسع ومع علوه فيه عيون الماء معين وهو الجاري السارح على وجه الأرض‏.‏

فقيل‏:‏ المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح، وهو نخلة بيت المقدس، ولهذا ‏{‏فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً‏}‏ وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف، وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق، فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق، وقيل‏:‏ ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب، ومن تلقاه عنهم والله أعلم، وقيل‏:‏ هي الرملة‏.‏

وقال إسحق بن بشر‏:‏ قال لنا إدريس، عن جده وهب بن منبه قال‏:‏ إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمر الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال‏:‏ فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا، وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل، وعلمه التوراة، وأعطاه إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والعلم بالغيوب، مما يدخرون في بيوتهم، وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره‏.‏

 بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها

قال أبو زرعة الدمشقي‏:‏ حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه قال‏:‏ أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان، ونزل الزبور على داود في اثنتي عشر ليلة خلت من شهر رمضان، وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة، وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم في ثمانية عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاماً، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين من شهر رمضان‏.‏

وقد ذكرنا في التفسير عند قوله‏:‏ ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏ الأحاديث الواردة في ذلك، وفيها‏:‏ أن الإنجيل أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان‏.‏

وذكر ابن جرير في تاريخه‏:‏ أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة، ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏

وقال إسحاق بن بشر‏:‏ وأنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ومقاتل، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة قال‏:‏ أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم‏:‏ يا عيسى جد في أمري ولا تهن واسمع وأطع، يا ابن الطاهرة البكر البتول إنك من غير فحل، وأنا خلقتك آية للعالمين، إياي فاعبد، وعليّ فتوكل، خذ الكتاب بقوة، فسر لأهل السريانية بلغ من بين يديك إني أنا الحق الحي القائم الذي لا أزول‏.‏

صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والتاج، وهي العمامة والمدرعة، والنعلين، والهراوة وهي القضيب، الأنجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الجعد الرأس، الكث اللحية، المقرون الحاجبين، الأقنى الأنف، المفلج الثنايا، البادي العنفقة، الذي كان عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه‏.‏

له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعاً، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وينحدر من صبب، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك تنفح منه، ولم ير قبله ولا بعده مثله، الحسن القامة، الطيب الريح، نكاح النساء ذا النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت يعني في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب‏.‏

تكفله يا عيسى في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، له منها فرخان مستشهدان، وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر، كلامه القرآن، ودينه الإسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه وسمع كلامه‏.‏

 بيان شجرة طوبى ما هي

قال عيسى‏:‏ يا رب وما طوبى‏؟‏

قال‏:‏ غرس شجرة أنا غرستها بيدي، فهي للجنان كلها، أصلها من رضوان، وماؤها من تسنيم، وبردها برد الكافور، وطعمها طعم الزنجبيل، وريحها ريح المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً‏.‏

قال عيسى‏:‏ يا رب اسقني منها، قال‏:‏ حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي‏.‏

قال‏:‏ يا عيسى أرفعك إلي‏؟‏

قال‏:‏ رب ولم ترفعني‏؟‏

قال‏:‏ أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على قتال اللعين الدجال، أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلي بهم لأنها مرحومة، ولا نبي بعد نبيهم‏.‏

وقال هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه أن عيسى قال‏:‏ يا رب أنبئني عن هذه الأمة المرحومة، قال‏:‏ أمة أحمد هم علماء حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، وأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله‏.‏ يا عيسى هم أكثر سكان الجنة لأنه لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم، ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم‏.‏ رواه ابن عساكر‏.‏

وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن بديل العقيلي، عن عبد الله بن عوسجة قال‏:‏ أوحى الله إلى عيسى بن مريم أنزلني من نفسك كهمك، واجعلني ذخراً لك في معادك، وتقرب إليّ بالنوافل أحبك، ولا تول غيري فأخذلك، اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن لمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى، وكن مني قريباً، وأحي ذكري بلسانك، ولتكن مودتي في صدرك‏.‏

تيقظ من ساعات الغفلة، واحكم في لطيف الفطنة، وكن لي راغباً راهباً، وأمت قلبك في الخشية لي، وراع الليل لحق مسرتي، واظمِ نهارك ليوم الري عندي، نافس في الخيرات جهدك، واعترف بالخير حيث توجهت، وقم في الخلائق بنصيحتي، واحكم في عبادي بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان، وجلاء الأبصار من غشاء الكلال، ولا تكن حلساً كأنك مقبوض وأنت حي تنفس‏.‏

يا عيسى بن مريم ما آمنت بي خليقة إلا خشعت، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي، فأشهدك أنها آمنة من عقابي، ما لم تغير أو تبدل سنتي، يا عيسى ابن مريم البكر البتول ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل، وقلا الدنيا، وترك اللذات لأهلها، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن في ذلك تلين الكلام، وتفشي السلام، وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذار ما هو آت من أمر المعاد، وزلازل شدايد الأهوال، قبل أن لا ينفع أهل ولا مال‏.‏

وأكحل عينك بملول الحزن إذا ضحك البطالون، وكن في ذلك صابراً محتسباً، وطوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين، رج من الدنيا بالله يوم بيوم، وذق مذاقة ما قد حرب منك أين طعمه وما لم يأتك كيف لذته، فرح من الدنيا بالبلغة، وليكفك منها الخشن الحثيث، قد رأيت إلى ما يصير، اعمل على حساب فإنك مسؤول، لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك‏.‏

وقال أبو داود في كتاب القدر‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن طاووس، عن أبيه قال‏:‏ لقي عيسى بن مريم إبليس فقال‏:‏ أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك‏؟‏ قال إبليس‏:‏ فارقَ بذروة هذا الجبل فتردى منه فانظر هل تعيش أم لا - فقال ابن طاووس - عن أبيه فقال عيسى‏:‏ أما علمت أن الله قال‏:‏ لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت‏.‏

وقال الزهري‏:‏ إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده‏.‏

قال أبو داود‏:‏ حدثنا أحمد بن عبدة، أنبأنا سفيان، عن عمرو، عن طاووس قال‏:‏ أتى الشيطان عيسى بن مريم فقال‏:‏ أليس تزعم أنك صادق، فاتِ هوة فألق نفسك قال‏:‏ ويلك أليس قال‏:‏ يا ابن آدم لا تسألني هلاك نفسك، فإني أفعل ما أشاء‏.‏

وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا حسين بن طلحة، سمعت خالد بن يزيد قال‏:‏ تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين أو سنتين، أقام يوماً على شفير جبل، فقال الشيطان‏:‏ أرأيت أن ألقيت نفسي هل يصيبني إلا ما كتب لي‏؟‏ قال‏:‏ إني لست بالذي أبتلي ربي، ولكن ربي إذا شاء ابتلاني، وعرفه أنه الشيطان ففارقه‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا شريح بن يونس، حدثنا علي بن ثابت، عن الخطاب بن القاسم، عن أبي عثمان قال‏:‏ كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال‏:‏ أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر‏.‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ ألق نفسك من هذا الجبل، وقل قدر علي‏.‏

فقال‏:‏ يا لعين، الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله عز وجل‏.‏ ‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الفضل بن موسى البصري، حدثنا إبراهيم بن بشار سمعت سفيان بن عيينة يقول‏:‏ لقي عيسى بن مريم إبليس فقال له إبليس‏:‏ يا عيسى بن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمت في المهد صبياً، ولم يتكلم فيه أحد قبلك قال‏:‏ بل الربوبية للإله الذي أنطقني ثم يميتني ثم يحيني‏.‏

قال‏:‏ فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحي الموتى، قال‏:‏ بل الربوبية لله الذي يحي من يشاء ويميت من أحييت ثم يحييه‏.‏

قال‏:‏ والله إنك لإله في السماء وإله في الأرض، قال‏:‏ فصكه جبريل صكة بجناحيه، فما نباها دون قرون الشمس، ثم صكه أخرى بجناحيه فما نباها دون العين الحامية، ثم صكه أخرى فأدخله بحار السابعة فأساخه، وفي رواية فأسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة، فخرج منها وهو يقول‏:‏ ما لقي أحد من أحد ما لقيت منك يا ابن مريم‏.‏

وقد روي نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر‏.‏

فقال الحافظ أبو بكر الخطيب‏:‏ أخبرني أبو الحسن بن رزقويه، أنبأنا أبو بكر أحمد بن سبدي، حدثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، أنبأنا علي بن عاصم، حدثني أبو سلمة سويد عن بعض أصحابه قال‏:‏ صلى عيسى ببيت المقدس فانصرف، فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له‏:‏ إنه لا ينبغي لك أن تكون عبداً، فأكثر عليه وجعل عيسى يحرص على أن يتخلص منه، فجعل لا يتخلص منه، فقال له فيما يقول‏:‏ لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبداً، قال‏:‏ فاستغاث عيسى بربه فأقبل جبريل وميكائيل، فلما رآهما إبليس كف، فلما استقر معه على العقبة اكتنفا عيسى، وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي‏.‏

قال‏:‏ فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك، فقال لعيسى‏:‏ قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبداً، إن غضبك ليس بغضب عبد، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت، ولكن أدعوك لأمر هو لك آمر الشياطين فليطيعوك، فإذا رأى البشر أن الشياطين أطاعوك عبدوك، أما إني لا أقول أن تكون إلهاً ليس معه إله، ولكن الله يكون إلهاً في السماء، وتكون أنت إلهاً في الأرض‏.‏

فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه، وصرخ صرخة شديدة، فإذا إسرافيل قد هبط فنظر إليه جبريل وميكائيل، فكف إبليس فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه، فصك به عين الشمس، ثم ضربه ضربة أخرى فأقبل إبليس يهوي، ومر عيسى وهو بمكانه فقال‏:‏ يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعباً شديداً فرمى به في عين الشمس، فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية، قال‏:‏ فغطوه فجعل كلما صرخ غطوه في تلك الحمأة، قال‏:‏ والله ما عاد إليه بعد‏.‏ ‏

قال‏:‏ وحدثنا إسماعيل العطار، حدثنا أبو حذيفة قال‏:‏ واجتمع إليه شياطينه فقالوا‏:‏ سيدنا قد لقيت تعباً، قال‏:‏ إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل، وسأضل به بشراً كثيراً، وأبث فيهم أهواء مختلفة، وأجعلهم شيعاً ويجعلونه وأمه إلهين من دون الله، قال‏:‏ وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآناً ناطقاً بذكر نعمته على عيسى، فقال‏:‏ ‏{‏يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 110‏]‏‏.‏

يعني‏:‏ إذ قويتك بروح القدس - يعني جبريل - ‏{‏تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ‏} الآية كلها، وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعواناً، ترضى بهم وصحابة وأعوانا يرضون بك، هادياً وقائداً إلى الجنة، فذلك فاعلم خلقان عظيمان، من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي، وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا، وصلينا فلم يقبل صلاتنا، وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا‏.‏

فقل لهم‏:‏ ولم ذلك وما الذي يمنعني إن ذات يدي‏؟‏ قلت‏:‏ أوليس خزائن السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء، وإن البخل لا يعتريني، أولست أجود من سأل، وأوسع من أعطى‏؟‏ أو أن رحمتي ضاقت، وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي، ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم غروا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم، ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة‏.‏

لعرفوا من أين أوتوا، وإذاً لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام، وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربوني، ويستحلون محارمي‏؟‏ وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها‏؟‏ يا عيسى إنما أجزي عليها أهلها، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء‏؟‏

ازددت عليهم غضباً يا عيسى، وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من عبدني وقال‏:‏ فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار، ورفقائك في المنازل، وشركاءك في الكرامة، وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار‏.‏

وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أني مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد، وأختم به الأنبياء والرسل، ومولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يتزين بالفحش، ولا قوال بالخنا، أسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل التقوى ضميره، والحكم معقوله، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته، والحق شريعته، والإسلام ملته، اسمه أحمد

أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأغني به بعد العائلة، وأرفع به بعد الضيعة، أهدي به وأفتح به بين آذان صم وقلوب غلف وأهواء مختلفة متفرقة، أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إخلاصاً لاسمي وتصديقاً لما جاءت به الرسل‏.‏

ألهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم، ومجالسهم، وبيوتهم، ومنقلبهم، ومثواهم يصلون لي قياماً وقعوداً وركعاً وسجوداً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، قرباتهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، وقربانهم في بطونهم، رهبان بالليل، ليوث في النهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم‏.‏

وسنذكر ما يصدق كثيراً من هذا السياق، مما سنورده من سورتي المائدة والصف، إن شاء الله وبه الثقة‏.‏

وقد روى أبو حذيفة إسحق بن بشر بأسانيده، عن كعب الأحبار ووهب بن منبه، وابن عباس، وسلمان الفارسي، دخل حديث بعضهم في بعض قالوا‏:‏ لما بعث عيسى بن مريم، وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزؤن به، فيقولون‏:‏ ما أكل فلان البارحة وما ادخر في منزله‏؟‏ فيخبرهم فيزداد المؤمنون إيماناً، والكافرون والمنافقون شركاً وكفراناً‏.‏

وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوي إليه، إنما يسيح في الأرض ليس له قرار، ولا موضع يعرف به، فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي، فقال لها‏:‏ مالك أيتها المرأة‏؟‏

فقالت‏:‏ ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت، أو يحييها الله لي فأنظر إليها‏.‏

فقال لها عيسى‏:‏ أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏

قالوا‏:‏ فصلى ركعتين، ثم جاء فجلس عند القبر، فنادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن، فاخرجي قال‏:‏ فتحرك القبر، ثم نادى الثانية فانصدع القبر بإذن الله، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها عيسى‏:‏ ما أبطأ بك عني‏؟‏

فقالت‏:‏ لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكاً فركب خلقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إليّ روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيمة‏.‏

ثم أقبلت على أمها فقالت‏:‏ يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين، يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله وكلمته سل ربي أن يردني إلى الآخرة، وأن يهون علي كرب الموت، فدعا ربه فقبضها إليه، واستوت عليها الأرض، فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً‏.‏

وقدمنا في عقيب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح، فدعا الله عز وجل وصلى لله فأحياه الله لهم، فحدثهم عن السفينة وأمرها، ثم دعا فعاد تراباً‏.‏

وقد روى السدي، عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس في خبر ذكره‏:‏ وفيه أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل مات، وحمل على سريره، فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل، فرأى الناس أمراً هائلاً، ومنظراً عجيباً‏.‏

قال الله تعالى وهو أصدق القائلين‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ *وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 110-111‏]‏ يذكره تعالى بنعمته عليه، وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب، بل من أم بلا ذكر، وجعله له آية للناس، ودلالة على كمال قدرته تعالى، ثم إرساله بعد هذا كله ‏{‏وَعَلى وَالِدَتِكَ‏}‏ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة، وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون‏.‏

ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ وهو‏:‏ جبريل بإلقاء روحه إلى أمه، وقرنه معه في حال رسالته، ومدافعته عنه لمن كفر به ‏{‏تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً‏}‏ أي‏:‏ تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ‏{‏وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏} أي‏:‏ الخط والفهم، نص عليه بعض السلف ‏{‏وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي‏}‏ أي‏:‏ تصوره وتشكله من الطين على هيئته، عن أمر الله له بذلك ‏{‏فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي‏} أي‏:‏ بأمري، يؤكد تعالى بذكر الإذن له في ذلك لرفع التوهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ‏}‏ قال بعض السلف‏:‏ وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته ‏{‏وَالْأَبْرَصَ‏}‏ هو الذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص، وصار داؤه عضالاً ‏{‏وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى‏}‏ أي‏:‏ من قبورهم أحياء بإذني، وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ‏}‏ وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه، وأنقذه من بين أظهرهم، صيانة لجنابه الكريم عن الأذى، وسلامة له من الردى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ‏} قيل‏:‏ المراد بهذا الوحي وحي إلهام، أي أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال‏:‏ {‏وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 68‏]‏‏.‏

{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 7‏]‏‏.‏

وقيل‏:‏ المراد وحي بواسطة الرسول، وتوفيق في قلوبهم، لقبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين‏:‏ ‏{‏آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ‏}‏‏.‏

وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم، أن جعل له أنصاراً وأعواناً ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى لعبده محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 62-63‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 48-54‏]‏‏.‏

كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان، فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء، فبعث بآيات بهرت الأبصار، وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر، وما ينتهي إليه، وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل، الذي لا يمكن صدوره، إلا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له، أسلموا سراعاً ولم يتلعثموا‏.‏

وهكذا عيسى ابن مريم، بعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنى لحكيم إبراء الأكمه، الذي هو أسوأ حالاً من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره، هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به، وعلى قدرة من أرسله‏.‏

وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن، أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق عز وجل، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله‏.‏ ‏

والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين، استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة، فكانوا له أنصاراً وأعواناً، قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته، وذلك حين همَّ به بنو إسرائيل، ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان، فعزموا على قتله وصلبه، فأنقذه الله منهم، ورفعه إليه من بين أظهرهم، وألقى شبهه على أحد أصحابه‏.‏

فأخذوه فقتلوه وصلبوه، وهم يعتقدونه عيسى، وهم في ذلك غالطون، وللحق مكابرون، وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 6-8‏]‏‏.‏

إلى أن قال بعد ذلك‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 14‏]‏‏.‏

فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيباً، فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده، ونوه باسمه، وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه، إذا شاهدوه إقامة للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم، كما قال تعالى‏:‏

{‏الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏‏.‏‏

قال محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا‏:‏ يا رسول الله أخبرنا عن نفسك‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روي عن العرباض بن سارية، وأبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وفيه‏:‏

‏(‏‏(‏دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى‏)‏‏)‏‏.‏

وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 129‏]‏ ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى، قام فيهم خطيباً فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 6‏]‏ يحتمل عود الضمير إلى عيسى عليه السلام، ويحتمل عوده إلى محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله، ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته، على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ من يساعدني في الدعوة إلى الله ‏{‏قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ‏} وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة، فسموا بذلك النصارى‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ‏}‏ يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم من آمن، ومنهم من كفر، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم، فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير، بعث إليهم رسلاً ثلاثة أحدهم شمعون الصفا، فآمنوا واستجابوا، وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس، لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية‏.‏

وكفر آخرون من بني إسرائيل، وهم جمهور اليهود، فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 55‏]‏‏.‏

فكل من كان إليه أقرب كان غالباً فمن دونه، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه، من أنه عبد الله ورسوله، كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه وأطروه، وأنزلوه فوق ما أنزل الله به، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود فيه عليهم لعائن الله، كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة، إلى زمن الإسلام وأهله‏.‏

 ذكر خبر المائدة

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 112-115‏]‏‏.‏

قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف، ومضمون ذلك‏:‏ أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوماً، فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم، أن الله قد تقبل صيامهم، وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها يوم فطرهم، وتكون كافية لأولهم وآخرهم، لغنيهم وفقيرهم‏.‏

فوعظهم عيسى في ذلك، وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها، ولا يؤدوا حق شروطها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل، فلما لم يقلعوا عن ذلك، قام إلى مصلاه ولبس مسحاً من شعر، وصف بين قدميه، وأطرق رأسه، وأسبل عينيه بالبكاء، وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال، أن يجابوا إلى ما طلبوا‏.‏

فأنزل الله تعالى المائدة من السماء، والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنوا قليلاً قليلاً وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة، وأن يجعلها بركة وسلامة، فلم تزل تدنوا حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام، وهي مغطاة بمنديل‏.‏

فقام عيسى يكشف عنها، وهو يقول‏:‏ بسم الله خير الرازقين، فإذا عليها سبعة من الحيتان، وسبعة أرغفة، ويقال‏:‏ وخل، ويقال‏:‏ ورمان وثمار، ولها رائحة عظيمة جداً، قال الله لها كوني فكانت‏.‏

ثم أمرهم بالأكل منها فقالوا‏:‏ لا نأكل حتى تأكل، فقال‏:‏ إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها، فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء، فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى، وكانوا قربياً من ألف وثلاثمائة، فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك‏.‏

ثم قيل‏:‏ إنها كانت تنزل كل يوم مرة، فيأكل الناس منها، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم، حتى قيل‏:‏ إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف، ثم كانت تنزل يوماً بعد يوم، كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم‏.‏ ‏

ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس، وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية، ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير‏.‏

وقد روى ابن أبي حاتم، وابن جرير جميعاً‏:‏ حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏نزلت المائدة من السماء خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا، ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير‏)‏‏)‏‏.‏

ثم رواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار موقوفاً، وهذا أصح، وكذا رواه من طريق سماك، عن رجل من بني عجل، عن عمار موقوفا، وهو الصواب والله أعلم‏.‏

وخلاس عن عمار منقطع، فلو صح هذا الحديث مرفوعاً لكان فيصلاً في هذه القصة، فإن العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا‏؟‏

فالجمهور أنها نزلت، كما دلت عليه هذه الآثار، كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن، ولا سيما قوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ‏}‏ كما قرره ابن جرير، والله أعلم‏.‏

وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد، وإلى الحسن بن أبي الحسن البصري، أنهما قالا‏:‏ لم تنزل، وأنهم أبوا نزولها حين قال‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏ ولهذا قيل‏:‏ إن النصارى لا يعرفون خبر المائدة، وليس مذكوراً في كتابهم، مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله، والله أعلم‏.‏

وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير، فليكتب من هناك، ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم، ولله الحمد والمنة‏.‏

 فصل توجه عيسى عليه السلام نحو البحر‏.‏

قال أبو بكر بن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا رجل سقط اسمه، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان، عن بكر بن عبد الله المزني قال‏:‏ فقد الحواريون نبيهم عيسى، فقيل لهم توجه نحو البحر، فانطلقوا يطلبونه، فلما انتهوا إلى البحر، إذا هو يمشي على الماء، يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى، وعليه كساء مرتد بنصفه، ومؤتزر بنصفه، حتى انتهى إليهم‏.‏

فقال له بعضهم - قال أبو هلال ظنت أنه من أفاضلهم - ألا أجيء إليك يا نبي الله‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ فوضع إحدى رجليه على الماء، ثم ذهب ليضع الأخرى، فقال‏:‏ أوه غرقت يا نبي الله، فقال‏:‏ أرني يدك يا قصير الإيمان، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة، مشى على الماء‏.‏ ‏

ورواه أبو سعيد ابن الأعرابي، عن إبراهيم بن أبي الجحيم، عن سليمان بن حرب، عن أبي هلال، عن بكر بنحوه‏.‏

ثم قال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض قال‏:‏ قيل لعيسى بن مريم يا عيسى بأي شيء تمشي على الماء‏؟‏ قال‏:‏ بالإيمان واليقين‏.‏

قالوا‏:‏ فإنا آمنا كما آمنت، وأيقنا كما أيقنت‏.‏

قال‏:‏ فامشوا إذاً‏.‏

قال فمشوا معه في الموج فغرقوا‏.‏

فقال لهم عيسى‏:‏ ما لكم‏؟‏

فقالوا‏:‏ خفنا الموج‏.‏

قال‏:‏ ألا خفتم رب الموج‏؟‏

قال‏:‏ فأخرجهم، ثم ضرب بيده إلى الأرض، فقبض بها ثم بسطها، فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مدر أو حصى‏.‏

فقال‏:‏ أيهما أحلى في قلوبكم‏؟‏

قالوا‏:‏ هذا الذهب‏.‏

قال‏:‏ فإنهما عندي سواء‏.‏

وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى عليه السلام كان يلبس الشعر، ويأكل من ورق الشجر، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال، ولا يدخر شيئاً لغد، قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه، صلوات الله وسلامه عليه‏.‏

وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال‏:‏ كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الساعة صاح، ويقول لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت‏.‏ وعن عبد الملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلي‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا معمر، حدثنا جعفر بن بلقان أن عيسى كان يقول‏:‏ اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهناً بعملي، فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي، ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط علي من لا يرحمني‏.‏

وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد كان عيسى يقول‏:‏ لا نصيب حقيقة الإيمان، حتى لا يبالي من أكل الدنيا‏.‏ قال الفضيل‏:‏ وكان عيسى يقول‏:‏ فكرت في الخلق، فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق‏.‏

وقال إسحاق بن بشر عن هشام بن حسان، عن الحسن قال‏:‏ إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة، قال‏:‏ وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى، قال‏:‏ وبينما عيسى يوماً نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم، إذ مر به إبليس فقال يا عيسى‏:‏ ألست تزعم أنك لا تريد شيئاً من عرض الدنيا، فهذا الحجر من عرض الدنيا، فقال فقام عيسى فأخذ الحجر ورمى به إليه وقال‏:‏ هذا لك مع الدنيا‏.‏

وقال معتمر بن سليمان‏:‏ خرج عيسى على أصحابه، وعليه جبة صوف، وكساء، وتبان، حافياً باكياً شعثاً، مصفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش، فقال السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي‏؟‏

قالوا‏:‏ أين بيتك يا روح الله‏؟‏

قال‏:‏ بيتي المساجد، وطبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصون، وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمني والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيب النفس غير مكترث، فمن أغنى مني وأربح‏.‏ رواه ابن عساكر‏.‏

وروي في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري‏:‏ حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني، عن حيوة بن شريح، حدثني الوليد ابن أبي الوليد، عن سفي بن نافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏أوحى الله تعالى إلى عيسى أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى، فوعزتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء، ولأولمن عليك أربعمائة عام‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا حديث غريب رفعه، وقد يكون موقوفا من رواية سفي بن نافع عن كعب الأحبار، أو غيره من الإسرائيليين، والله أعلم‏.‏

وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال‏:‏ قال عيسى للحواريين‏:‏ كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا‏.‏

وقال قتادة‏:‏ قال عيسى عليه السلام‏:‏ سلوني فإني لين القلب، وإني صغير عند نفسي‏.‏

وقال إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال‏:‏ قال عيسى للحواريين‏:‏ كلوا خبز الشعير، واشربوا الماء القراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، بحق ما أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ما أقول لكم، إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه، يود أن الناس كلهم مثله‏.‏ وروي نحوه عن أبي هريرة‏.‏

وقال أبو مصعب، عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول‏:‏ يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح، والبقل البري، وخبز الشعير، وإياكم وخبز البر، فإنكم لن تقوموا بشكره‏.‏

وقال ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال‏:‏ كان عيسى يقول‏:‏ اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وكان يقول‏:‏ حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة‏.‏

وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد‏.‏ ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلاً‏.‏ وعن عيسى عليه السلام‏:‏ يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفاً، واتخذ المساجد بيتاً، وعلم عينك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك التفكر، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة‏.‏

وعنه عليه السلام أنه قال‏:‏ كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر داراً، فلا يتخذ الدنيا قراراً، وفي هذا يقول سابق البربري‏:‏

لكم بيوت بمستن السيوف وهل * يبنى على الماء بيت أسه مدر

وقال سفيان الثوري‏:‏ قال عيسى بن مريم لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء‏.‏

وقال إبراهيم الحربي، عن داود بن رشيد، عن أبي عبد الله الصوفي قال‏:‏ قال عيسى‏:‏ طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشا حتى يقتله‏.‏ ‏‏

وعن عيسى عليه السلام‏:‏ إن الشيطان مع الدنيا، وفكره من المال، وتزينه مع الهوى، واستمكانه عند الشهوات‏.‏

وقال الأعمش، عن خيثمة‏:‏ كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم، ويقول‏:‏ هكذا فاصنعوا بالقرى، وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام‏:‏ طوبى لحجر حملك، ولثدي أرضعك، فقال‏:‏ طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه‏.‏

وعنه‏:‏ طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته، وحفظ لسانه، ووسعه بيته‏.‏

وعنه‏:‏ طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية، وانتبهت إلى غير إثم‏.‏

وعن مالك بن دينار قال‏:‏ مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا‏:‏ ما أنتن ريحها‏!‏

فقال‏:‏ ما أبيض أسنانها لينهاهم عن الغيبة‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا‏:‏ حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن زكريا بن عدي قال‏:‏ قال عيسى بن مريم‏:‏ يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا‏.‏ قال زكريا‏:‏ وفي ذلك يقول الشاعر‏:‏

أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون

فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

وقال أبو مصعب، عن مالك‏:‏ قال عيسى بن مريم عليه السلام‏:‏ لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان‏:‏ معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية‏.‏

وقال الثوري‏:‏ سمعت أبي يقول، عن إبراهيم التيمي قال‏:‏ قال عيسى لأصحابه‏:‏ بحق أقول لكم من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ قال عيسى‏:‏ إن أكل الشعير مع الرماد، والنوم على المزابل مع الكلاب، لقليل في طلب الفردوس‏.‏

وقال عبد الله بن المبارك‏:‏ أنبأنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ قال عيسى‏:‏ اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن قلتم نحن أعظم بطوناً من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحوش والحمر، فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز‏.‏

وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبد الله، عن يزيد بن ميسرة قال‏:‏ قال الحواريون للمسيح‏:‏ يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه، قال‏:‏ آمين آمين بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجراً قائماً إلا أهلكه بذنوب أهله‏.‏ ‏ إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئاً، إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة، وبها يعمر الله الأرض، وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك‏.‏

وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه‏:‏ أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية قالت‏:‏ حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم إملاء، حدثنا الوليد بن أبان إملاء، حدثنا أحمد بن جعفر الرازي، حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز، عن المعتمر، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏مر عيسى عليه السلام على مدينة خربة فأعجبه البنيان فقال‏:‏ أي رب مر هذه المدينة أن تجيبني، فأوحى الله إلى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى‏.‏

قال‏:‏ فنادت المدينة‏:‏ عيسى حبيبي وما تريد مني‏؟‏

قال‏:‏ ما فعل أشجارك، وما فعل أنهارك، وما فعل قصورك، وأين سكانك‏؟‏

قالت‏:‏ حبيبي جاء وعد ربك الحق، فيبست أشجاري، ونشفت أنهاري، وخربت قصوري، ومات سكاني‏.‏

قال‏:‏ فأين أموالهم‏؟‏

فقالت‏:‏ جمعوها من الحلال والحرام، موضوعة في بطني، لله ميراث السموات والأرض‏.‏

قال‏:‏ فنادى عيسى عليه السلام فعجبت من ثلاث أناس‏:‏ طالب الدنيا والموت يطلبه، وباني القصور والقبر منزله، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه، ابن آدم لا بالكثير تشبع ولا بالقليل تقنع، تجمع مالك لمن لا يحمدك، وتقدم على رب لا يعذرك، إنما أنت عبد بطنك وشهوتك، وإنما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك، وأنت يا ابن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك‏)‏‏)‏‏.‏

هذا حديث غريب جداً وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك‏.‏

وقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي قال‏:‏ قال عيسى عليه السلام‏:‏ يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب الرجل حيث كنزه‏.‏

وقال ثور بن يزيد، عن عبد العزيز بن ظبيان قال‏:‏ قال عيسى بن مريم‏:‏ من تعلم وعلم وعمل دعي عظيماً في ملكوت السماء‏.‏

وقال أبو كريب‏:‏ روي أن عيسى عليه السلام قال‏:‏ لا خير في علم لا يعبر معك الوادي، ويعبر بك النادي‏.‏

وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعاً أن عيسى قام في بني إسرائيل فقال‏:‏ يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، والأمور ثلاثة أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله عز وجل‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا معمر، عن رجل، عن عكرمة قال‏:‏ قال عيسى‏:‏ لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئاً، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير‏.‏

وكذا حكى وهب وغيره عنه، وعنه‏:‏ أنه قال لأصحابه‏:‏ أنتم ملح الأرض، فإذا فسدتم فلا دواء لكم، وإن فيكم خصلتين من الجهل‏:‏ الضحك من غير عجب، والصبحة من غير سهر‏.‏

وعنه أنه قيل له‏:‏ من أشد الناس فتنة‏؟‏ قال‏:‏ زلة العالم، فإن العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير‏.‏

وعنه أنه قال‏:‏ يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم والآخرة تحت أقدامكم، قولكم شفاء، وعملكم داء، مثلكم مثل شجرة الدفلى، تعجب من رآها وتقتل من أكلها‏.‏

وقال وهب‏:‏ قال عيسى‏:‏ يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلوها ولا تدعون المساكين يدخلونها، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه‏.‏

وقال مكحول‏:‏ التقى يحيى وعيسى فصافحه عيسى وهو يضحك، فقال له يحيى‏:‏ يا ابن خالة مالي أراك ضاحكاً كأنك قد أمنت‏؟‏

فقال له عيسى‏:‏ ما لي أراك عابساً كأنك قد يئست‏؟‏

فأوحى الله إليهما‏:‏ إن أحبكما إلي أبشكما بصاحبه‏.‏

وقال وهب بن منبه‏:‏ وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يدلى فيه، فجعلوا يذكرون القبر وضيقه فقال‏:‏ قد كنتم فيما هو أضيق منه من أرحام أمهاتكم، فإذا أحب الله أن يوسع وسع‏.‏

وقال أبو عمر الضرير‏:‏ بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دماً‏.‏ والآثار في مثل هذا كثيرة جداً‏.‏ وقد أورد الحافظ ابن عساكر منها طرفاً صالحاً، اقتصرنا منها على هذا القدر، والله الموفق للصواب‏.‏

 

 ذكر رفع عيسى عليه السلام إلى السماء في حفظ الرب وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 54-55‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً‏} ‏[‏النساء‏:‏ 155-159‏]‏‏.‏

فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان‏.‏

قال الحسن البصري، ومحمد بن إسحاق‏:‏ كان اسمه داود بن نورا، فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده، ورفع عيسى من روزنة من ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون‏.‏

ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه، فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب، وضلوا بسبب ذلك ضلالاً مبيناً كثيراً فاحشاً بعيداً‏.‏

وأخبر تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ‏}‏ أي‏:‏ بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام‏.‏ كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء‏.‏ وكما سنورد ذلك مستقصى في كتاب الفتن والملاحم، عند أخبار المسيح الدجال، فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي عليه السلام من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال‏.‏

وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء‏.‏

قال ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏

لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم‏:‏ إن منك من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال‏:‏ أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي‏؟‏

فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له‏:‏ اجلس‏.‏ ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال‏:‏ أنا‏.‏ فقال عيسى اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا، فقال‏:‏ أنت هو ذاك‏.‏ فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء‏.‏

قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه‏.‏ فكفر به بعضهم اثني عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق‏.‏

فقالت طائفة‏:‏ كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء، ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون‏.‏

فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ‏} ‏[‏الصف‏:‏ 14‏]‏‏.‏

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم‏.‏

ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية به نحوه‏.‏

ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة، عن أبي معاوية، وهكذا ذكر غير واحد من السلف، وممن ذكر ذلك مطولاً محمد بن إسحاق بن يسار قال‏:‏ وجعل عيسى عليه السلام يدعو الله عز وجل أن يؤخر أجله، يعني ليبلغ الرسالة ويكمل الدعوة، ويكثر الناس الدخول في دين الله‏.‏

قيل‏:‏ وكان عنده من الحواريين اثني عشر رجلاً‏:‏ بطرس، ويعقوب بن زبدا، ويحنس أخو يعقوب، واندراوس، وفليبس، وابرثلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوس، وفتاتبا، ويودس كريا يوطا، وهذا هو الذي دل اليهود على عيسى‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس، كتمته النصارى وهو الذي ألقي شبه المسيح عليه فصلب عنه، قال‏:‏ وبعض النصارى يزعم أن الذي صلب عن المسيح، وألقي عليه شبهه هو‏:‏ يودس بن كريا يوطا، والله أعلم‏.‏

وقال الضحاك عن ابن عباس‏:‏ استخلف عيسى شمعون، وقتلت اليهود يودس، الذي ألقي عليه الشبه‏.‏

وقال أحمد بن مروان‏:‏ حدثنا محمد بن الجهم قال‏:‏ سمعت الفراء يقول في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏ قال‏:‏ إن عيسى غاب عن خالته زماناً، فأتاها فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره، فكسروا الباب، ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى، فطمس الله عينيه عن عيسى، ثم خرج إلى أصحابه فقال‏:‏ لم أره ومعه سيف مسلول‏.‏

فقالوا‏:‏ أنت عيسى، وألقى الله شبه عيسى عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فقال جل ذكره‏:‏ ‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ‏}‏‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هرون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال‏:‏ أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحوارين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم‏:‏ سحرتمونا لتبرزن إلينا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً‏.‏

فقال عيسى لأصحابه‏:‏ من يشتري منكم نفسه اليوم بالجنة‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا، فخرج إليهم فقال‏:‏ أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، فظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وحدثنا المثنى، حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهباً يقول‏:‏ أن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت، وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعاماً فقال‏:‏ أحضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة‏.‏ ‏

فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال‏:‏ ألا من رد عليّ شيئاً الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه‏.‏

فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال‏:‏ أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم‏.‏

وأما حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلى، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول‏:‏ سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها‏؟‏

فقالوا‏:‏ والله ما ندري ما لنا، والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمراً، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال‏:‏ يذهب بالراعي وتتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه‏.‏

ثم قال الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا‏:‏ هذا من صحابه فجحد، وقال‏:‏ ما أنا بصاحبه فتركوه، ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه‏.‏

فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال‏:‏ ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح، فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون‏:‏ أنت كنت تحي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل‏؟‏

ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعاً، ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى فقال‏:‏ على من تبكيان‏؟‏ قالتا‏:‏ عليك‏.‏

فقال‏:‏ إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود‏.‏

فسأل عنه أصحابه فقالوا‏:‏ إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه، فقال‏:‏ لو تاب لتاب الله عليه‏.‏ ثم سألهم عن غلام كان يتبعهم يقال له يحيى فقال‏:‏ هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم‏.‏

وهذا إسناد غريب عجيب، وهو أصح مما ذكره النصارى من أن المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعه، فأراها مكان المسامير من جسده، وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب، وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل، وزيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحق، ومقتضى الدليل‏.‏ ‏

وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب، فيما بلغه، أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صلب المصلوب بسبعة أيام وهي تحسب أنه ابنها، أن ينزل جسده، فأجابهم إلى ذلك ودفن هنالك، فقالت مريم لأم يحيى‏:‏ ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح‏؟‏ فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى‏:‏ ألا تسترين فقالت‏:‏ وممن أستتر‏؟‏

فقالت‏:‏ من هذا الرجل الذي هو عند القبر، فقالت أم يحيى‏:‏ إني لا أرى أحداً، فرجت مريم أن يكون جبريل، وكانت قد بعد عهدها به، فاستوقفت أم يحيى وذهبت نحو القبر، فلما دنت من القبر قال لها جبريل، وعرفته‏:‏ يا مريم أين تريدين‏؟‏ فقالت‏:‏ أزور قبر المسيح فأسلم عليه وأحدث عهداً به‏.‏

فقال‏:‏ يا مريم إن هذا ليس المسيح، إن الله قد رفع المسيح وطهره من الذين كفروا، ولكن هذا الفتى الذي ألقي شبهه عليه وصلب وقتل مكانه‏.‏ وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه، فلا يدرون ما فعل به، فهم يبكون عليه، فإذا كان يوم كذا وكذا فأت غيض كذا وكذا فإنك تلقين المسيح‏.‏

قال‏:‏ فرجعت إلى أختها، وصعد جبريل، فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من أمر الغيضة‏.‏ فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة، فلما رآها أسرع إليها، وأكب عليها فقبل رأسها، وجعل يدعو لها كما كان يفعل، وقال‏:‏ يا أمه إن القوم لم يقتلوني، ولكن الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك، والموت يأتيك قريباً فاصبري، واذكري الله كثيراً، ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت‏.‏

قال‏:‏ وبلغني أن مريم بقيت بعد عيسى خمس سنين، وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة، رضي الله عنها وأرضاها‏.‏

وقال الحسن البصري‏:‏ كان عمر عيسى عليه السلام يوم رفع أربعاً وثلاثين سنة، وفي الحديث‏:‏

‏(‏‏(‏إن أهل الجنة يدخلونها جرداً مرداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين‏)‏‏)‏‏.‏

وفي الحديث الآخر على ميلاد عيسى وحسن يوسف‏.‏ وكذا قال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال‏:‏ رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة‏.‏

فأما الحديث الذي رواه الحاكم في ‏(‏مستدركه‏)‏ ويعقوب بن سفيان الفسوي في ‏(‏تاريخه‏)‏ عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته‏:‏ أن عائشة كانت تقول‏:‏

أخبرتني فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها‏:‏ أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله، وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة، فلا أراني إلا ذاهب على رأس ستين‏.‏ هذا لفظ الفسوي فهو حديث غريب‏.‏ ‏

قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر، وإنما أراد به مدة مقامه في أمته، كما روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال‏:‏ قالت فاطمة‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة‏.‏ وهذا منقطع‏.‏

وقال جرير، والثوري، عن الأعمش‏:‏ إن إبراهيم مكث عيسى في قومه أربعين عاماً‏.‏ ويروى عن أمير المؤمنين علي‏:‏ أن عيسى عليه السلام رفع ليلة الثاني والعشرين من رمضان، وتلك الليلة في مثلها توفي علي بعد طعنة بخمسة أيام‏.‏

وقد روى الضحاك، عن ابن عباس‏:‏ أن عيسى لما رفع إلى السماء، جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها، وجاءته مريم فودعته وبكت، ثم رفع وهي تنظر، وألقى إليها عيسى برداً له وقال‏:‏ هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة، وألقى عمامته على شمعون‏.‏

وجعلت أمه تودعه بإصبعها تشير بها إليه حتى غاب عنها، وكانت تحبه حباً شديداً لأنه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين، إذ لا أب له، وكانت لا تفارقه سفراً ولا حضراً‏.‏ قال بعض الشعراء‏:‏

وكنت أرى كالموت من بين ساعة * فكيف ببين كان موعده الحشر

وذكر إسحاق بن بشر، عن مجاهد بن جبير‏:‏ أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الذي شبه لهم، وهم يحسبونه المسيح، وسلم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك، تسلطوا على أصحابه بالقتل والضرب والحبس، فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم وهو ملك دمشق في ذلك الزمان، فقيل له‏:‏

إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه، وأهانوا أصحابه وحبسوهم، فبعث فجيء بهم، وفيهم يحيى بن زكريا، وشمعون، وجماعة فسألهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه، فبايعهم في دينهم، وأعلى كلمتهم، وظهر الحق على اليهود، وعلت كلمة النصارى عليهم‏.‏

وبعث إلى المصلوب فوضع عن جذعه، وجيء بالجذع الذي صلب عليه ذلك الرجل فعظمه، فمن ثم عظمت النصارى الصليب، ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم، وفي هذا نظر من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فإنه معصوم، يعلم ما وقع على جهة الحق‏.‏

الثاني‏:‏ أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة، وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة إليه، على ما سنذكره‏.‏

الثالث‏:‏ أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم ألقوه بخشبته، جعلوا مكانه مطرحاً للقمامة والنجاسة، وجيف الميتات والقاذورات، فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور، فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح، ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب، فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي، فالله أعلم أكان هذا أم لا‏؟‏

وهل كان هذا لأن ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلاً صالحاً، أو كان هذا محنة وفتنة لأمة النصارى في ذلك اليوم حتى عظموا تلك الخشبة، وغشوها بالذهب واللآلئ، ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها‏.‏

وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة، وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة، فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس، التي يقال لها القمامة، باعتبار ما كان عندها، ويسمونها القيامة، يعنون التي يقوم جسد المسيح منها‏.‏

ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود، فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس، فكنس عنها القمامة بردائه، وطهرها من الأخباث والأنجاس، ولم يضع المسجد وراءها، ولكن أمامها حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء وهو المسجد الأقصى‏.‏

 ذكر صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 75‏]‏‏.‏

قيل‏:‏ سمي المسيح لمسحه الأرض، وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان، لشدة تكذيب اليهود له، وافترائهم عليه وعلى أمه، عليهما السلام‏.‏ وقيل‏:‏ لأنه كان ممسوح القدمين‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 87‏]‏ والآيات في ذلك كثيرة جداً، وقد تقدم ما ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏‏:‏

‏(‏‏(‏ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهل صارخاً، إلا مريم وابنها، ذهب يطعن فطعن في الحجاب‏)‏‏)‏‏.‏

وتقدم حديث عمير بن هانئ، عن جنادة، عن عبادة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

‏(‏‏(‏من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل‏)‏‏)‏‏.‏

رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم‏.‏

وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران، وإذا آمن بعيسى بن مريم ثم آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران‏)‏‏)‏‏.‏

هذا لفظ البخاري‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام، عن معمر ‏(‏ح‏)‏ وحدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏ليلة أسري بي لقيت موسى، قال‏:‏ فنعته فإذا رجل حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنؤة‏.‏

قال ولقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، يعني الحمام، ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏)‏‏.‏ الحديث‏.‏

وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى، ثم قال‏:‏ حدثنا محمد بن كثير، أنبأنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به البخاري‏.‏

وحدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أبو ضمرة، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع قال‏:‏ قال عبد الله بن عمر‏:‏ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال‏:‏

‏(‏‏(‏إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر يقطر رأسه ماء، واضعاً يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا‏؟‏ فقالوا المسيح بن مريم‏.‏

ثم رأيت رجلاً وراءه جعد قطط أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعاً يده على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت من هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ المسيح الدجال‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة‏.‏

ثم قال البخاري‏:‏ تابعه عبد الله بن نافع، ثم ساقه من طريق الزهري، عن سالم بن عمر قال‏:‏ الزهري‏:‏ وابن قطن رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية، فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحيين مسيح المهدي، ومسيح الضلالة، ليعرف هذا إذا نزل فيؤمن به المؤمنون، ويعرف الآخر فيحذره الموحدون‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق فقال له‏:‏ أسرقت‏؟‏

قال‏:‏ كلا، والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى‏:‏ آمنت بالله وكذبت عيني‏)‏‏)‏‏.‏

وكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن وغيره، عن أبي هريرة قال‏:‏ ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏رأى عيسى رجلاً يسرق فقال‏:‏ يا فلان أسرقت‏؟‏

فقال‏:‏ لا والله ما سرقت‏.‏

فقال‏:‏ آمنت بالله وكذبت بصري‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا يدل على سجية طاهرة، حيث قدم حلف ذلك الرجل، فظن أن أحداً لا يحلف بعظمة الله كاذباً على ما شاهده منه عياناً، فقبل عذره ورجع على نفسه فقال‏:‏ آمنت بالله أي‏:‏ صدقتك وكذبت بصرى لأجل حلفك‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏تحشرون حفاة عراة غرلاً‏)‏‏)‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 104‏]‏‏.‏

فأول الخلق يكسى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال‏.‏

فأقول‏:‏ أصحابي‏.‏

فيقال‏:‏ إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم‏.‏

فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 117-118‏]‏‏.‏

تفرد به دون مسلم من هذا الوجه‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان، سمعت الزهري يقول‏:‏ أخبرني عبد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، سمع عمر يقول على المنبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

‏(‏‏(‏لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله‏)‏‏)‏‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

‏(‏‏(‏لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة‏:‏ عيسى‏.‏

وكان في بني إسرائيل رجل يقال له‏:‏ جريج يصلي إذ جاءته أمه، فدعته فقال‏:‏ أجيبها أو أصلي‏؟‏

فقالت‏:‏ اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات‏.‏

وكان جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته، فأبى فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً‏.‏

فقيل لها‏:‏ ممن‏؟‏

قالت‏:‏ من جريج‏.‏