الجزء الثالث - باب‏:‏ الأمر بإبلاغ الرسالة

باب‏:‏ الأمر بإبلاغ الرسالة

إلى الخاص والعام، وأمره له بالصبر والاحتمال، والإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسول الأعظم إليهم، وذكر ما لقي من الأذية منهم، هو وأصحابه رضي الله عنهم‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 214-220‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 44‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ‏}‏‏[‏القصص‏:‏ 88‏]‏‏.‏

أي‏:‏ أن الذي فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن‏:‏ لرادك إلى دار الآخرة، وهي المعاد، فيسألك عن ذلك‏.‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 92-93‏]‏ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً‏.‏

وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء‏:‏ ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏‏.‏

وأوردنا أحاديث جمَّة في ذلك، فمن ذلك‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ لما أنزل الله ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، فصعد عليه، ثم نادى‏:‏‏(‏‏(‏يا صباحاه‏)‏‏)‏، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد‏)‏‏)‏‏.‏

فقال أبو لهب - لعنه الله -‏:‏ تباً لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا‏؟‏

وأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ‏}‏ ‏[‏المسد‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا معاوية بن عمرو، وحدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة‏.‏

قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فعمَّ وخصَّ‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلائها‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، وله طرق أخر عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره‏.‏‏

وقال أحمد أيضاً‏:‏ حدثنا وكيع بن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ لما نزل ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏‏.‏

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم‏)‏‏)‏ ورواه مسلم أيضاً‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي ‏(‏في الدلائل‏)‏‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب‏.‏

قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏ 214-215‏]‏‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت، فجاءني جبريل عليه السلام فقال لي‏:‏ يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار‏)‏‏)‏‏.‏

قال علي‏:‏ فدعاني فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره فصمتّ عن ذلك ثم جاءني جبريل عليه السلام فقال‏:‏ يا محمد‏:‏ إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدَّ لنا عس لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب‏)‏‏)‏ ففعلت‏.‏

فاجتمعوا له يومئذٍ وهم أربعون رجلاً يزيدون رجلاً، أو ينقصون فيهم أعمامه‏:‏ أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث‏.‏

فقدَّمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حذية فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏كلوا بسم الله‏)‏‏)‏‏.‏

فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها‏.‏

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اسقهم يا علي‏)‏‏)‏، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا منه جميعاً وأيم الله إن كان الرجل ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب - لعنه الله - فقال‏:‏ لهدَّ ما سحركم صاحبكم‏؟‏

فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا علي عد لنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم‏)‏‏)‏ ففعلت ثم جمعتهم له‏.‏ ‏

فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا، وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها‏.‏

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل من ما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة‏)‏‏)‏‏.‏

هكذا رواه البيهقي، من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه، عن عبد الله بن الحارث به‏.‏

وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن محمد بن حميد الرازي، عن سلمة بن الفضل الأبرش، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي فذكر مثله‏.‏

وزاد بعد قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏وإني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي‏)‏‏)‏ وكذا وكذا‏.‏

قال‏:‏ فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت‏:‏ ولأني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأخمشهم ساقاً، أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن هذا أخي، وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ‏!‏

تفرد به عبد الغفار بن القاسم أبو مريم، وهو كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعَّفه الباقون‏.‏

ولكن روى ابن أبي حاتم في ‏(‏تفسيره‏)‏ عن أبيه، عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي، عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث‏.‏

قال‏:‏ قال علي‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏‏.‏

قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إصنع لي رِجل شاة بصاع من طعام، وإناء لبناً، وأدع لي بني هاشم، فدعوتهم وإنهم يومئذٍ لأربعون غير رجل، أو أربعون ورجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال‏:‏ وبدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فسكتوا، وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال‏:‏ وسكتُ أنا لسن العباس‏.‏

ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت‏:‏ أنا يا رسول الله، قال‏:‏ أنت‏؟‏

قال‏:‏ وإني يومئذٍ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن؛ خمش الساقين‏.‏

وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم‏.‏

وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم‏.‏

ومعنى قوله في هذا الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي‏)‏‏)‏ يعني‏:‏ إذا مت، وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضي عنه؛ وقد أمَّنه الله من ذلك في قوله تعالى‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ الآية‏.‏

والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحج‏.‏

يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء‏.‏

وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية‏.‏

وكان من أشدِّ الناس عليه‏:‏ عمه أبو لهب - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب - وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إليه طبعاً، وكان يحنو عليه ويحسن إليه ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حباً طبعياً لا شرعياً‏.‏

وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه‏.‏

ولاجترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه وربك يخلق ما يشاء ويختار‏.‏

وقد قسَّم خلقه أنواعاً وأجناساً، فهذان العمان كافران‏:‏ أبو طالب وأبو لهب‏.‏

ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمن أنه سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه‏.‏

قال‏:‏ أخبر رجل يقال له‏:‏ ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهلياً فأسلم - قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز، يمشي بين ظهراني الناس وهو يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا‏)‏‏)‏ والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول‏:‏ إنه صابئ، كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا‏:‏ هذا عمه أبو لهب، ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه‏.‏ ‏

وقال البيهقي أيضاً‏:‏ حدثنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان، حدثنا أبو الأزهر‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمر، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة الديلي‏.‏

قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول‏:‏ أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم‏.‏

قلت‏:‏ من هذا‏؟‏

قيل‏:‏ هذا أبو لهب‏.‏

ثم رواه من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن رجل من كنانة‏.‏

قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أيها الناس قولوا‏:‏ لا إله إلا الله تفلحوا‏)‏‏)‏ وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول‏:‏ يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى‏.‏

كذا قال أبو جهل، والظاهر أنه أبو لهب، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى‏.‏

وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه، وسجاياه، واعتماده فيما يحامي به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم‏.‏

قال يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن موسى بن طلحة، أخبرني عقيل بن أبي طالب‏.‏

قال‏:‏ جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا‏:‏ إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا‏.‏

فقال‏:‏ يا عقيل انطلق فأتني بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس - أو قال خنس - يقول‏:‏ بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال‏:‏ إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم فحلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ترون هذه الشمس‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال أبو طالب‏:‏ والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا‏.‏

رواه البخاري في ‏(‏التاريخ‏)‏، عن محمد بن العلاء، عن يونس بن بكير‏.‏

ورواه البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار عنه به - وهذا لفظه -‏.‏

ثم روى البيهقي من طريق يونس، عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث‏.‏

أن قريشاً حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال له‏:‏ يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني وقالوا‏:‏ كذا وكذا فابقِ علي، وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك‏.‏

فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلِّمه، وضعف عن القيام معه‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه‏)‏‏)‏‏.‏

ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فلما ولىّ قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا ابن أخي فأقبل عليه، فقال‏:‏ امض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً‏.‏ قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك‏:‏

والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسَّد في التراب دفينا

فامضي لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر وقرَّ بذاك منك عيونا

ودعوتني وعلمتُ أنك ناصحي * فلقد صدقت، وكنت قِدمُ أمينا

وعرضت ديناً قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سُبّة * لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

ثم قال البيهقي‏:‏ وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعاراً؛ وفي كل ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه‏.‏

وقال يونس بن بكير‏:‏ حدثني محمد بن إسحاق قال‏:‏ حدثني رجل من أهل مصر قديماً منذ بضعاً وأربعين سنة عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل بن هشام‏:‏ يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا وإني أعاهد الله لأجلس له غداً بحجرٍ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم‏.‏

فلما أصبح أبو جهل - لعنه الله - أخذ حجراً ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، وكان قبلته الشام‏.‏

فكان إذا صلّى صلّى بين الركنين الأسود واليماني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام‏.‏

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وقد غدت قريش، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتاً ممتقعاً لونه مرعوباً قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال من قريش‏.‏

فقالوا له‏:‏ ما بك يا أبا الحكم‏؟‏

فقال‏:‏ قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قطّ فهمَّ أن يأكلني‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذلك جبريل، ولو دنا منه لأخذه‏)‏‏)‏‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، حدثنا عثمان الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح قال‏:‏ حدثنا الليث بن سعد، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب‏.‏

قال‏:‏ كنت يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال‏:‏ إن لله عليَّ إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضباناً، حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب، فاقتحم الحائط‏.‏

فقلت‏:‏ هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق‏} فلما بلغ شأن أبي جهل ‏{‏كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى‏}‏‏.‏

فقال إنسان لأبي جهل‏:‏ يا أبا الحكم هذا محمد‏؟‏

فقال أبو جهل‏:‏ ألا ترون ما أرى‏؟‏ والله لقد سدَّ أفق السماء عليّ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم، عن عكرمة قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لو فعل لأخذته الملائكة عياناً‏)‏‏)‏‏.‏ ‏

ورواه البخاري عن يحيى، عن عبد الرزاق به‏.‏

قال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ مر أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي‏.‏

فقال‏:‏ ألم أنهك أن تصلي يا محمد‏؟‏ لقد علمت ما بها أحد أكثر نادياً مني‏.‏

فانتهره النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال جبريل‏:‏ ‏(‏‏(‏فليدع ناديه سندع الزبانية‏)‏‏)‏ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب‏.‏

رواه أحمد، والترمذي، وصححه النسائي من طريق داود به‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ لئن رأيت محمداً عند الكعبة يصلي لأتيته حتى أطأ عنقه، قال‏:‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لو فعل لأخذته الزبانية عياناً‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو جعفر بن جرير‏:‏ حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه‏.‏

فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏}‏حتى بلغ من الآية ‏{‏لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية‏}‏‏.‏

فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقيل ما يمنعك‏؟‏

قال‏:‏ قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة‏.‏

قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم‏؟‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ فقال‏:‏ واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب‏.‏

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته‏.‏

قال‏:‏ فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، قال‏:‏ فقيل له مالك‏؟‏

قال‏:‏ إن بيني وبينه خندقاً من نار، وهولاً وأجنحة‏.‏ قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وأنزل الله تعالى - لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا - ‏{‏كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏

وقد رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم، والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود‏.‏

قال‏:‏ ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه‏.‏

فقالوا‏:‏ من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره‏؟‏

فقال عقبة ابن أبي معيط‏:‏ أنا‏.‏ ‏

فأخذه، فألقاه على ظهره، فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمة، فأخذته عن ظهره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم عليك بهذا الملأ من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهم عليك بأبي بن خلف - أو أمية بن خلف‏)‏‏)‏ شعبة الشاك‏.‏

قال عبد الله‏:‏ فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعاً، ثم سحبوا إلى القليب غير أبي - أو أمية بن خلف - فإنه كان رجلاً ضخماً فتقطع‏.‏

وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من ‏(‏صحيحه‏)‏ ومسلم من طرق عن أبي إسحاق به‏.‏

والصواب أمية بن خلف فإنه الذي قتل يوم بدر، وأخوه أُبي إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه - والسلا‏:‏ هو الذي يخرج مع ولد الناقة، كالمشيمة لولد المرأة‏.‏

وفي بعض ألفاظ ‏(‏الصحيح‏)‏‏:‏ أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا، حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي‏:‏ يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله‏.‏

وفيه‏:‏ أن فاطمة لما ألقته عنه، أقبلت عليهم، فسبتهم، وأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه صلى الله عليه وسلم دعا على الملأ منهم جملة وعين في دعائه سبعة‏.‏

وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم وهم‏:‏ عتبة، وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف‏.‏

قال أبو إسحاق‏:‏ ونسيت السابع‏.‏

قلت‏:‏ هو عمارة بن الوليد وقع تسميته في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏‏.‏

قصة الأراشي

قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي‏.‏

قال‏:‏ قدم رجل من إراش بإبل له إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها‏.‏

فأقبل الأراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد‏.‏

فقال‏:‏ يا معشر قريش مَنْ رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام، فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي‏؟‏

فقال أهل المجلس‏:‏ ترى ذلك - يهزون به - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة، اذهب إليه فهو يعديك عليه‏.‏

فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقام معه‏.‏

فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم‏:‏ اتبعه فانظر ما يصنع ‏؟‏

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه‏.‏

فقال‏:‏ من هذا‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏محمد فاخرج ‏!‏‏)‏‏)‏ فخرج إليه وما في وجهه قطرة دم، وقد انتقع لونه‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أعط هذا الرجل حقه‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ لا تبرح حتى أعطيه الذي له‏.‏

قال‏:‏ فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال للأراشي‏:‏ الحق لشأنك‏.‏

فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال‏:‏ جزاه الله خيراً، فقد أخذت الذي لي‏.‏

وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا‏:‏ ويحك ماذا رأيت‏؟‏

قال‏:‏ عجباً من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه فقال‏:‏ أعط هذا الرجل حقه‏.‏

فقال‏:‏ نعم‏!‏ لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه إياه‏.‏

ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له‏:‏ ويلك مالك فوالله ما رأينا مثل ما صنعت ‏؟‏

فقال‏:‏ ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي وسمعت صوته فملئت رعباً، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل، ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فوالله لو أبيت لأكلني‏.‏

 فصل أشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال البخاري‏:‏ حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير‏.‏

سألت ابن العاص فقلت‏:‏ أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله‏؟‏

قال‏:‏ بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه على عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏{‏أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ‏}‏ ‏[‏المؤمنين‏:‏ 28‏]‏الآية‏.‏

تابعه ابن إسحاق قال‏:‏ أخبرني يحيى بن عروة، عن أبيه قال‏:‏ قلت لعبد الله بن عمرو‏.‏

وقال‏:‏ عبدة، عن هشام، عن أبيه قال‏:‏ قيل لعمرو بن لعاص‏.‏

وقال‏:‏ محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، حدثني عمرو بن العاص‏.‏‏

قال البيهقي‏:‏ وكذلك رواه سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، كما رواه عبدة‏.‏

انفرد به البخاري‏.‏

وقد رواه في أماكن من ‏(‏صحيحه‏)‏، وصرَّح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أشبه لرواية عروة عنه، وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة‏.‏

وقد روى البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني يحيى بن عروة، عن أبيه عروة‏.‏

قال‏:‏ قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص‏:‏ ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوته‏؟‏

فقال‏:‏ لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقالوا‏:‏ ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم - أو كما قال - قال‏:‏ فبينما هم في ذلك، طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مرَّ بهم طائفاً بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى‏.‏

فلما مرَّ بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه، فمضى فمرَّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتسمعون يا معشر قريش‏؟‏ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح‏)‏‏)‏‏.‏

فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه أحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول‏:‏ انصرف أبا القاسم راشداً، فما كنت بجهول‏.‏

فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض‏:‏ ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه‏.‏

فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون‏:‏ أنت الذي تقول كذا وكذا‏؟‏

لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم‏.‏

فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم أنا الذي أقول ذلك‏)‏‏)‏ ولقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكى دونه ويقول‏:‏ ويلكم ‏{‏أتقتلون رجلاً يقول ربي الله‏}‏ ثم انصرفوا عنه‏.‏

فإن ذلك لأكبر ما رأيت قريشاً بلغت منه قط‏.‏

 فصل تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏

في تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس‏.‏

قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال‏)‏‏)‏‏.‏

وأخرجه الترمذي، وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهراً لدينه، لا يرده عنه شيء‏.‏

فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبة، وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي‏.‏

وأبو سفيان‏:‏ صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأبو البختري - واسمه العاص - بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل - واسمه عمرو - بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم‏.‏

والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة ابن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، والعاص‏:‏ ابن وائل بن سعيد بن سهم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ أو من مشى منهم‏.‏

فقالوا‏:‏ يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه‏؟‏

فقال لهم أبو طالب‏:‏ قولاً رفيقاً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه‏.‏

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين الله، ويدعو إليه، ثم سرى الأمر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا‏.‏

وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه وحضَّ بعضهم بعضاً عليه، ثم أنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى‏.‏

فقالوا له‏:‏ يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا له - ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث‏:‏ أن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني، فقالوا‏:‏ كذا وكذا الذي قالوا له، فابق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق‏.‏

قال‏:‏ فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بدو وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه‏.‏

قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب‏.‏

فقال‏:‏ أقبل يابن أخي، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال‏:‏ اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمتك لشيء أبداً‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثم أن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له - فيما بلغني -‏:‏ يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه، فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً فهو لك‏؟‏ وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامنا فنقتله فإنما هو رجل برجل ‏!‏

قال‏:‏ والله لبئس ما تسومونني‏؟‏ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني فتقتلونه ‏!‏ هذا والله ما لا يكون أبداً‏.‏

قال‏:‏ فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي‏:‏ والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً‏؟‏

فقال أبو طالب للمطعم‏:‏ والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك - أو كما قال - فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضاً‏.‏ ‏

فقال أبو طالب عند ذلك يعرِّض بالمطعم بن عدي، ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم‏:‏

ألا قُلْ لعمروٍ والوليدِ ومطعمٍ * ألا ليت حظِّي من حياطتكم بكرُ

من الخورِ حبحابٌ كثيرٌ رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر

تخلَّف خلْفَ الوردِ ليس بلاحقٍ * إذ ما علا الفيفاء قيل له وبر

أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سُئلا قالا إلى غيرنا الأمر

بلى لهما أمرٌ ولكنْ تحرجما * كما حرجمت من رأس ذي علق الصخر

أخصّ خصوصاً عبدَ شمسٍ ونَوْفلاً * هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر

هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهما صفر

هما أشركا في المجد من لا أبا له * من الناس إلا أن يرسَّ له ذِكر

وتيمٍ ومخزومٍ وزهرةٍ منهم * وكانوا لنا مولىً إذا بغي النصر

فوالله لا تنفك منا عداوةٌ * ولا منكم ما دام من نسلنا شفر

قال ابن هشام‏:‏ وتركنا منها بيتين أقذع فيهما‏.‏

 فصل‏:‏ في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب‏.‏

وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون، في بني هاشم، وبني عبد المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون‏.‏

فقال في ذلك يمدحهم ويحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

إذا اجتمعت يوماً قريشٌ لمفخرٍ * فعبدُ منافٍ سرُّها وصميمُها

وإن حصلت أشرافُ عبدِ منافِها * ففي هاشم أشرافُها وقديمُها

وإن فخرتْ يوماً فإن محمداً * هو المصطفى من سرِّها وكريمها

تداعت قريشٌ غُّثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها

وكنَّا قديماً لا نقرُّ ظُلامة * إذ ما ثنوا صُعر الرقاب نُقيمُها

ونحمي حماها كلَّ يوم كريهةٍ * ونضربُ عن أحجارِها من يرومها

بنا انتعشَ العودُ الذواء وإنما * بأكنافنا تندَى وتنمى أرومها

 فصل اعتراض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعنتهم له في الأسئلة‏.‏

فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعاً من الآيات، وخرق العادات على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدي والرشاد‏.‏

فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا، ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردون‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 109- 111‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 96-97‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/66‏)‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 59‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏‏{‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 90- 93‏]‏‏.‏

وقد تكلمنا على هذه الآيات، وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد‏.‏

وقد روى يونس، وزياد، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم - وهو شيخ من أهل مصر، يقال له‏:‏ محمد بن أبي محمد - عن سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ اجتمع عليه من أشراف قريش - وعدّد أسماءهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض‏:‏ ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه‏:‏ إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم‏.‏

فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدء، وكان حريصاً يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم‏.‏

فقالوا‏:‏ يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك‏.‏

فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكان يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك؛ بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك‏؟‏

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً نذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم‏)‏‏)‏‏.‏

- أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقالوا‏:‏ يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً، ولا أقل مالاً، ولا أشد عيشاً منا‏.‏

فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال، التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم‏:‏ قصي بن كلاب، فإنه كان شيخاً صدوقاً، فنسألهم عما تقول‏:‏ أحق هو أم باطل‏؟‏ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول‏.‏

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم‏.‏

فقال لهم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك‏)‏‏)‏

فقالوا‏:‏ يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به‏؟‏ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له‏:‏ الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا‏.‏

وقال قائلهم‏:‏ نحن نعبد الملائكة، وهي‏:‏ بنات الله‏.‏

وقال قائلهم‏:‏ لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً‏.‏

فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم - وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب - فقال له‏:‏ يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله، فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب‏.‏

فوالله لا أؤمن لك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى منه، وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك‏.‏

ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته بما طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه‏.‏

وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم وعدوان وعناد، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية، والرحمة الربانية، ألا يجابوا لي ما سألوا لأن الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب‏.‏

كما قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا

فقيل له‏:‏ إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا بل أستأني بهم‏)‏‏)‏، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 59‏]‏ الآية‏.‏

وهكذا رواه النسائي من حديث جرير‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن حكيم، عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن بك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وتفعلون‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فدعا فأتاه جبريل فقال‏:‏ إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك‏:‏ إن شئت أصبح الصفا لهم ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل التوبة والرحمة‏)‏‏)‏‏.‏

وهذان إسنادان جيدان، وقد جاء مرسلاً، عن جماعة من التابعين منهم‏:‏ سعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج، وغير واحد‏.‏

وروى الإمام أحمد، والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏عرض عليَّ ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت‏:‏ لا يا رب أشبع يوماً وأجوع يوماً، - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك‏)‏‏)‏ لفظ أحمد‏.‏

وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني شيخ من أهل مصر - قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة - عن عكرمة، عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة‏.‏

فقالوا لهما‏:‏ سلوهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله‏:‏ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء‏.‏

فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره، وبعض قوله، وقالا‏:‏ إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا‏.‏

قال‏:‏ فقالت لهم أحبار يهود‏:‏ سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم‏؟‏ فإنه قد كان لهم حديث عجيب‏.‏

وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي‏؟‏ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم‏.‏

فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا‏:‏ يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبراهم بها، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به‏.‏

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أخبركم غداً بما سألتم عنه‏)‏‏)‏ ولم يستثن‏.‏

فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا‏:‏ وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشقَّ عليه ما يتكلم به أهل مكة‏.‏

ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف‏.‏

وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏ وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولاً فمن أراده فعليه بكشفه من هناك‏.‏

ونزل قوله‏:‏ ‏{‏أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً‏}‏‏.‏

ثم شرع في تفصيل أمرهم، واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقاً لا تعليقاً في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت‏}‏‏.‏

ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر، ثم ذي القرنين، ثم قال‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا‏}‏ ثم شرح أمره وحكى خبره‏.‏

وقال في سورة سبحان‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي‏}‏ أي‏:‏ خلق عجيب من خلقه، وأمر من أمره، قال لها‏:‏ كوني فكانت‏.‏

وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير حقيقته في نفس الأمر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏‏.‏

وقد ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏‏:‏ أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فتلا عليهم هذه الآية - فإما أنها نزلت مرة ثانية أو ذكرها جواباً - وإن كان نزولها متقدماً، ومن قال‏:‏ إنها إنما نزلت بالمدينة، واستثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر، والله أعلم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ولما خشي أبو طالب دهم العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانها منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تاركه لشيء أبداً حتى يهلك دونه، فقال‏:‏

ولما رأيت القوم لاودَّ فيهم * وقد قطعوا كلَّ العُرى والوسائل

وقد صارَحُونا بالعداوةِ والأذى * وقد طاوعوا أمر العدوِّ المزايل

وقد حالفوا قوماً علينا أظنّةً * يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحةٍ * وأبيضٍ غضبٍ من تراث المقاول

وأحضرت عند البيت رهطي وأخوتي * وأمسكت من أثوابه بالوصائل

قياماً معاً مستقبلين رتاجه * لدى حيث يقضي حلفه كلَّ نافل

وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إسافٍ ونائل

موسمة الأعضاد أو قصراتها * مخيَّسة بين السديس وبازل

ترى الودْعَ فيها والرخامَ وزينةً * بأعناقها معقودةً كالعثاكل

أعوذ برب الناس من كلّ طاعنٍ * علينا بسوءٍ أو ملحٍ بباطل

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبةٍ * ومن ملحقٍ في الدين مالم نحاول

وثورٍ ومن أرسى ثبيراً مكانه * وراقٍ ليرقى في حراءَ ونازل

وبالبيت حق البيت من بطن مكةٍ * وبالله إن الله ليس بغافل

وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

وموطئ إبراهيم في الصخر رطبةً * على قدميه حافياً غير ناعل

وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورةٍ وتماثل

ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذي نذرٍ ومن كل راجل

وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له * الإل إلى مفضي الشراج القوابل

وتوقافهم فوق الجبال عشيةً * يقيمون بالأيدي صدور الرواحل

وليلة جمعٍ والمنازل من منى * وهل فوقها من حرمةٍ ومنازل

وجمعٍ إذا ما المقربات أجزنه * سراعاً كما يخرجن من وقع وابل

وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفاً رأسها بالجنادل

وكندةَ إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم حجَّاجُ بكرِ بن وائل

حليفانِ شدَّا عقد ما احتلفا له * وردَّا عليه عاطفات الوسائل

وحطمهمُ سُمرَ الرماحِ وسرحه * وشبرقه وخدُ النعامِ الجوافل

فهل بعدَ هذا من معاذٍ لعائذ * وهل من معيذٍ يتقي الله عادل

يطاع بنا أمر العدا ودّ أننا * يسد بنا أبواب ترك وكابل

كذبتم وبيت الله نترك مكةً * ونظعن إلا أمركم في بلابل

كذبتم وبيت الله نبذي محمداً * ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرَّع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قومٌ بالحديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعن فعل الأنكب المتحامل

وإنا لعمر الله إن جدَّ ما أرى * لتلتبسن أسيافنا بالأماثل

بكفي فتى مثل الشهاب سميْدعٍ * أخي ثقةً حامي الحقيقة باسل

شهوراً وأياماً وحولاً محرماً * علينا وتأتي حجة بعد قابل

وما تركُ قوم -لا أبالك - سيداً * يحوط الذمار غير ذرب مواكل

وأبيضُ يستسقي الغمام بوجهه * تمالِ اليتامى عصمةٍ للأرامل

يلوذُ به الهلاك من آل هاشمٍ * فهم عنده في رحمةٍ وفواضل

لعمري لقد أجرى أسيد وتكره * إلى بغضنا وجزآنا لآكل

وعثمانُ لم يربَع علينا وقنفذٌ * ولكن أطاعا أمرَ تلك القبائل

أطاعا أبيّاً وابن عبدِ يغوثِهم * ولم يرقبا فينا مقالةَ قائل

كما قد لقينا من سبينع ونوفلٍ * وكل تولى معرضاً لم يجامل

فإن يلفيا أو يمكِن الله منهما * نكل لهما صاعاً بصاع المكايل

وذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا * ليظعننا في أهل شاءٍ وجامل

يناجي بنا في كل ممسى ومصبحٍ * فناجِ أبا عمرٍو بنا ثم خاتل

ويؤلي لنا بالله ما أن يغشنا * بلى قد تراه جهرةً غير خائل

أضاق عليه بغضنا كل تلعةٍ * من الأرض بين أخشبٍ فمجادل

وسائل، أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضاً كالمخاتل

وكنت امرءاً ممن يعاش برأيه * ورحمته فينا ولست بجاهل

فعتبة لا تسمع بنا قولَ كاشحٍ * حسودٍ كذوبٍ مبغض ذي دغاول

ومرَّ أبو سفيان عني معرضاً * كما مرَّ قيل من عظام المقاول

يفرُّ إلى نجدٍ وبرد مياهه * ويزعم أني لست عنكم بغافل

ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيقٌ ويخفي عارماتِ الدواخل

أمطعمُ لم أخذلك في يوم نجدةٍ * ولا معظمٍ عند الأمور الجلائل

ولا يومَ خصمٍ إذ أتوك ألدة * أولى جدلٍ من الخصومِ المساجل

أمطعم إن القوم ساموك خطةً * وإني متى أوكل فلست بوائل

جزى الله عنا عبدُ شمس ونوفلا * عقوبة شرٍ عاجلاً غير آجل

يميران قسطٍ لا يخيس شعيرةً * له شاهدَ من نفسهِ غيرُ عائل

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلفٍ قيضاً بنا والغياطل

ونحن الصميمُ من ذؤابةِ هاشم * وآل قصي في الخطوب الأوائل

وسهمٍ ومخزوم تمالوا وألَّبوا * علينا العِدى من كل طملٍ وخامل

فعبدُ منافٍ أنتم خيرُ قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل

لعمري لقد وهنتم وعجزتم * وجئتم بأمرٍ مخطئٍ للمفاصل

وكنتم حديثاً حَطبَ قدْرٍ وأنتم * الآن أحطابُ أقدرٍ ومراجل

ليهن بني عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل

فإن نك قوماً نتَّئر ما صنعتم * وتحتلبوها لقحة غير باهل

فأبلغ قصياً أن سينشرَ أمرُنا * وبشِّر قصياً بعدنا بالتخاذل

ولو طرقتُ ليلاً قصياً عظيمةٌ * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل

ولو صدقوا ضرباً خلال بيوتهم * لكنَّا أسىً عند النساء المطافل

فكل صديقٍ وابن أختٍ نعدَّه * لعمري وجدنا غُبَّةً غير طائل

سوى أن رهطاً من كلاب بن مرة * براء إلينا من معقَّةِ خاذل

ونعم ابن أختِ القوم غير مكذب * زهير حساماً مفرداً من حمائل

أشمَّ من الشمِّ البهاليلِ ينتمي * إلى حسب في حومةِ المجد فاضل

لعمري لقد كلفِّتُ وجداً بأحمد * وإخوته دأب المحبِّ المواصل

فمن مثلُه في الناس أي مؤمَّل * إذا قاسه الحكَّام عند التفاضل

حليمٌ رشيد عادل غير طائش * يوالي إلهاً ليس عنه بغافل

كريمُ المساعي ماجدٌ وابن ماجد * له إرثُ مجدٍ ثابتٍ غير ناصل

وأيَّده ربُّ العباد بنصره * وأظهر ديناً حقه غير زائل

فوالله لولا أن أجيء بسُبَّةٍ * تجرُّ على أشياخِنا في المحافل

لكنّا تبعناه على كل حالةٍ * من الدهر جداً غير قول التهازل

لقد علموا أن ابننا لا مكذبٌ * لدينا ولا يعنى بقولِ الأباطل

فأصبح فينا أحمدٌ في أرومةٍ * يقصر عنها سورةُ المتطاول

حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذَّرى والكلاكل

قال ابن هشام‏:‏ هذا ما صح لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها‏.‏

قلت‏:‏ هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم‏.‏

 فصل تعذيب قريش للمسلمين لأتباعهم النبي عليه الصلاة والسلام‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم‏.‏

فكان بلال‏:‏ مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولداً من مولديهم، وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية ابن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، يطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له‏:‏ لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتعبد اللات والعزى‏.‏

فيقول‏:‏ -وهو في ذلك -أحدٌ أحد‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال‏:‏ كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك، وهو يقول‏:‏ أحدٌ أحد، فيقول‏:‏ أحدٌ أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بني جمح فيقول‏:‏ أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً‏.‏ ‏

قلت‏:‏ قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي، وإسلام من أسلم إنما كان عد نزول ‏{‏يا أيها المدثر‏}‏ فكيف يمر ورقة ببلال، وهو يعذب وفيه نظر‏.‏

ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبي بكر ببلال وهو يعذب، فاشتراه من أمية بعبد له أسود، فأعتقه وأراحه من العذاب، وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والإماء، منهم‏:‏ بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عميس التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها، والنهدية، وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما‏:‏ والله لا أعتقكما أبداً‏.‏

فقال أبو بكر‏:‏ حل يا أم فلان‏.‏

فقالت‏:‏ حل أنت أفسدتهما فأعتقهما‏.‏

قال‏:‏ فبكم هما‏؟‏

قالت‏:‏ بكذا وكذا‏.‏

قال‏:‏ قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها‏.‏

قالتا‏:‏ أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها‏؟‏

قال‏:‏ أو ذلك إن شئتما‏.‏

واشترى جارية بني مؤمل - حي من بني عدي - كان عمر يضربها على الإسلام‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض أهله‏.‏

قال‏:‏ قال أبو قحافة لابنه أبي بكر‏:‏ يا بني إني أراك تعتق ضعافاً، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداء يمنعونك ويقومون دونك‏؟‏

قال‏:‏ فقال أبو بكر‏:‏ يا أبة إني إنما أريد ما أريد‏.‏

قال‏:‏ فتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه ‏{‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏

وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود‏.‏

قال‏:‏ أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد‏.‏

فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً، فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول‏:‏ أحدٌ أحد‏.‏

ورواه الثوري عن منصور، عن مجاهد مرسلاً‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار ابن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول - فيما بلغني -‏:‏ ‏(‏‏(‏صبراً آل ياسر موعدكم الجنة‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روى البيهقي عن الحاكم، عن إبراهيم بن عصمة العدل، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبي عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بعمار وأهله وهم يعذبون فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبشروا آل عمار، وآل ياسر فإن موعدكم الجنة‏)‏‏)‏‏.‏

فأما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الإسلام‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد‏.‏

قال‏:‏ أول شهيد كان في الإسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها‏.‏

وهذا مرسل‏.‏

قال محمد بن إسحاق‏:‏ وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزَّاه وقال‏:‏ تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفلين رأيك، ولنضعن شرفك‏.‏

وإن كان تاجراً قال‏:‏ والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك‏.‏

وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به، لعنه الله وقبحه‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قلت لعبد الله بن عباس‏:‏ أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم‏؟‏

قال‏:‏ نعم والله‏!‏ إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه، ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له، اللات والعزى إلهآن من دون الله‏.‏

فيقول‏:‏ نعم، افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم‏.‏

قلت‏:‏ وفي مثل هذا أنزل الله تعالى ‏{‏مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 106‏]‏ الآية‏.‏

فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الأرت، قال‏:‏ كنت رجلاً قيناً وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال‏:‏ لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد‏.‏

فقلت‏:‏ لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث‏.‏

قال‏:‏ فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك‏؟‏

فأنزل الله تعالى ‏{‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَيَأْتِينَا فَرْداً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 77-80‏]‏‏.‏

أخرجاه في ‏(‏الصحيحين‏)‏ وغيرهما من طرق عن الأعمش به‏.‏

وفي لفظ البخاري‏:‏ كنت قيناً بمكة، فعملت للعاص ابن وائل سيفاً فجئت أتقاضاه فذكر الحديث‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا بيان وإسماعيل‏.‏

قالا‏:‏ سمعنا قيساً يقول‏:‏ سمعت خباباً يقول‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت‏:‏ يا رسول الله ألا تدعو الله لنا‏؟‏

فقعد وهو محمر الوجه‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل‏)‏‏)‏، زاد بيان ‏(‏‏(‏والذئب على غنمه‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏ولكنكم تستعجلون‏)‏‏)‏ انفرد به البخاري دون مسلم‏.‏

وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا والله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وابن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب‏.‏

قال‏:‏ شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فما أشكانا - يعني‏:‏ في الصلاة - وقال ابن جعفر‏:‏ فلم يشكنا‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال‏:‏ سمعت سعيد بن وهب يقول‏:‏ سمعت خباباً يقول‏:‏ شكونا إلى رسول صلى الله عليه وسلم الرمضاء فلم يشكنا، قال شعبة يعني‏:‏ في الظهيرة‏.‏

ورواه مسلم، والنسائي، والبيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن وهب، عن خباب‏.‏

قال‏:‏ شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء - زاد البيهقي - في وجوهنا وأكفنا - فلم يشكنا‏.‏

وفي رواية‏:‏ شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا‏.‏

ورووا ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العبدي، عن خباب‏.‏

قال‏:‏ شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا‏.‏

والذي يقع لي - والله أعلم - أن هذا الحديث مختصر من الأول وهو أنهم شكوا إليه صلى الله عليه وسلم ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره‏.‏

وسألوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم على المشركين، أو يستنصر عليهم، فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة، وأخبرهم عمن كان قبلهم أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم، ولا يصرفهم ذلك عن دينهم، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الأمر، ويظهره، ويعلنه، وينشره، وينصره في الأقاليم والآفاق حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون‏.‏

ولهذا قال‏:‏ شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا فلم يشكنا، أي‏:‏ لم يدع لنا في الساعة الراهنة، فمن استدل بهذا الحديث على عدم الإبراد، أو على وجوب مباشرة المصلى بالكف كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر والله أعلم‏.‏

 

 باب‏:‏ مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عناداً وحسداً وبغياً وجحوداً‏.‏

قال إسحاق بن راهوايه‏:‏ حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة عن ابن عباس‏.‏

أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال‏:‏ يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً‏.‏

قال‏:‏ لِمَ‏؟‏

قال‏:‏ ليعطوكه فإنك أتيت محمداً لتعرض ما قبله‏.‏

قال‏:‏ قد علمت قريش أني أكثرها مالاً‏.‏

قال‏:‏ فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له‏.‏

قال‏:‏ وماذا أقول‏؟‏ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله أن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته‏.‏

قال‏:‏ لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه‏.‏

قال‏:‏ قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكر‏.‏

قال‏:‏ إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت ‏{‏ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً‏} ‏[‏المدثر‏:‏ 11-13‏]‏ الآيات‏.‏

هكذا رواه البيهقي، عن الحاكم، عن عبد الله بن محمد بن علي الصنعاني بمكة عن إسحاق به‏.‏

وقد رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلاً‏.‏ ‏

فيه أنه قرأ عليه‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏} ‏[‏النحل‏:‏ 90‏]‏‏.‏

وقال البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد ابن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير - أو عكرمة، عن ابن عباس - أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر المواسم فقال‏:‏ إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قول بعضكم بعضاً‏.‏

فقيل‏:‏ يا أبا عبد شمس، فقل، وأقم لنا رأياً نقوم به‏.‏

فقال‏:‏ بل أنتم فقولوا وأنا أسمع‏.‏

فقالوا‏:‏ نقول كاهن‏؟‏

فقال‏:‏ ما هو بكاهن رأيت الكهان‏.‏

فما هو بزمزمة الكهان‏.‏

فقالوا‏:‏ نقول مجنون‏؟‏

فقال‏:‏ ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته‏.‏

فقال‏:‏ نقول شاعر‏؟‏

فقال‏:‏ ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر برجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بالشعر‏.‏

قالوا‏:‏ فنقول هو ساحر‏؟‏

قال‏:‏ ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده‏.‏

قالوا‏:‏ فما نقول يا أبا عبد شمس‏؟‏

قال‏:‏ والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجنىً فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرِّق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك‏.‏

فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره وأنزل الله في الوليد‏:‏ ‏{‏ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً‏} ‏[‏المدثر‏:‏ 11-13‏]‏ الآيات‏.‏

وفي أولئك النفر‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 91-93‏]‏‏.‏

قلت‏:‏ وفي ذلك قال الله تعالى إخباراً عن جهلهم وقلة عقلهم‏:‏ ‏{‏بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 5‏]‏ فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شيء يقولونه باطل، لأن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً‏} ‏[‏الإسراء‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وقال الإمام عبد بن حميد في ‏(‏مسنده‏)‏‏:‏ حدثني أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا علي ابن مسهر عن الأجلح - هو ابن عبد الله الكندي - عن الذيال بن حرملة الأسدي، عن جابر بن عبد الله‏.‏

قال‏:‏ اجتمع قريش يوماً فقالوا‏:‏ أنظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه‏؟‏

فقالوا‏:‏ ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة‏.‏

فقالوا‏:‏ أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال‏:‏ يا محمد أنت خير أم عبد الله‏؟‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال‏:‏ أنت خير أم عبد المطلب‏؟‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً‏.‏

والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى‏:‏ أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏فرغت ‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ ‏{‏حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ إلى أن بلغ ‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ‏} ‏[‏فصلت‏:‏ 2-13‏]‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عتبة‏:‏ حسبك ما عندك غير هذا‏؟‏

قال‏:‏ لا‏.‏

فرجع إلى قريش فقالوا‏:‏ ما وراءك‏؟‏

قال‏:‏ ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته‏.‏

قالوا‏:‏ فهل أجابك‏؟‏

فقال‏:‏ نعم ‏!‏

ثم قال‏:‏ لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‏.‏

قالوا‏:‏ ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال‏؟‏

قال‏:‏ لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة‏.‏

وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن يحيى بن معين، عن محمد بن فضيل، عن الأجلح به‏.‏

وفيه كلام، وزاد‏:‏ وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأساً ما بقيت وعنده أنه لما قال‏:‏ ‏{‏فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‏}‏ أمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم‏.‏

فقال أبو جهل‏:‏ والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة إصابته، انطلقوا بنا إليه فأتوه‏.‏

فقال أبو جهل‏:‏ والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد‏.‏

فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً‏.‏

وقال‏:‏ لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته - وقص عليهم القصة - فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة، قرأ‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ ‏{‏حم * تنزيل من الرحمن الرحيم‏}‏ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‏}‏‏.‏

فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب‏.‏

ثم قال البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ حدثني يزيد بن زياد مولى بني هاشم، عن محمد بن كعب قال‏:‏ حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً حليماً‏.‏

قال - ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد -‏:‏ يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها ويكف عنا‏.‏

قالوا‏:‏ بلى يا أبا الوليد ‏!‏

فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما له عتبة وفيما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال والملك وغير ذلك‏.‏

وقال بن إسحاق‏:‏ فقال عتبة‏:‏ يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمور لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون‏.‏

فقالوا‏:‏ بلى يا أبا الوليد ‏!‏ فقم إليه وكلمه‏.‏

فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم‏.‏

فاسمع مني حتى أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها‏.‏

قال‏:‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أبا الوليد اسمع‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة‏.‏

قال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أفرغت يا أبا الوليد ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ نعم‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اسمع مني‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ أفعل ‏!‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون‏}‏‏.‏

فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها فلما سمع بها عتبة انصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمداً عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجدها ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏سمعت يا أبا الوليد‏؟‏‏)‏‏)‏

قال سمعت‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فأنت وذاك‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض‏:‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‏.‏

فلما جلسوا إليه قالوا‏:‏ ما وراءك يا أبا الوليد‏؟‏

قال‏:‏ ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به‏.‏

قالوا‏:‏ سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه‏.‏

قال‏:‏ هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم‏.‏

ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعراً قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الأدمي بمكة، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي، حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا المثنى بن زرعة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر‏.‏

قال‏:‏ لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة‏:‏ ‏(‏‏(‏حم * تنزيل من الرحمن الرحيم‏)‏‏)‏ أتى أصحابه فقال لهم‏:‏ يا قوم أطيعوني في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً ما سمعت أذناي كلاماً مثله، وما دريت ما أرد عليه‏.‏

وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه‏.‏

ثم روى البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، عن ابن إسحاق حدثني الزهري‏.‏

قال‏:‏ حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان، والأخنس بن شريق خرجوا ليلةً ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجلٍ منهم مجلساً ليستمع منه، وكلٍ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً‏.‏

ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجلٍ منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقالوا‏:‏ لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود‏.‏

فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال‏:‏ أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد‏؟‏

فقال‏:‏ يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها‏.‏

فقال الأخنس‏:‏ وأنا والذي حلفت به‏.‏

ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال‏:‏ يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد‏؟‏ ‏

فقال‏:‏ ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا‏:‏ منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه‏؟‏ والله لا نسمع به أبداً ولا نصدقه‏.‏

فقام عنه الأخنس بن شريق ثم قال البيهقي‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، حدثنا أحمد، حدثنا يونس، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة‏.‏

قال‏:‏ إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أبا الحكم، هلمَّ إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله‏)‏‏)‏‏.‏

فقال أبو جهل‏:‏ يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا‏؟‏ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت‏؟‏ فنحن نشهد أن قد بلغت‏؟‏ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك‏.‏

فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأقبل علي فقال‏:‏ والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء إن بني قصي قالوا‏:‏ فينا الحجابة‏.‏

فقلنا‏:‏ نعم‏.‏

ثم قالوا‏:‏ فينا السقاية‏.‏

فقلنا‏:‏ نعم‏.‏

ثم قالوا‏:‏ فينا الندوة‏.‏

فقلنا‏:‏ نعم‏.‏

ثم قالوا‏:‏ فينا اللواء‏.‏

فقلنا‏:‏ نعم‏.‏

ثم أطعموا وأطعمنا‏.‏

حتى إذا تحاكت الركب قالوا‏:‏ منا نبي، والله لا أفعل‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ؛ قال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا محمد ابن خالد، حدثنا أحمد بن خلف، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق‏.‏

قال‏:‏ مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل، وأبي سفيان، وهما جالسان‏.‏

فقال أبو جهل‏:‏ هذا نبيكم يا بني عبد شمس‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ وتعجب أن يكون منا نبي‏؟‏ فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل‏.‏

فقال أبو جهل‏:‏ أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبياً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع‏.‏

فأتاهما فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت ولكنك حميت للأصل، وأما أنت يا أبا الحكم فوالله لتضحكن قليلاً ولتبكين كثيراً‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك‏.‏

هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة‏.‏

وقول أبي جهل - لعنه الله - كما قال الله تعالى مخبراً عنه وعن أضرابه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 41-42‏]‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوارٍ بمكة‏:‏ ‏{‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ‏} ‏[‏الإسراء‏:‏ 110‏]‏ قال‏:‏ كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن‏.‏ ‏

فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به، قال‏:‏ فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ‏}‏أي‏:‏ بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ‏{‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً‏}‏ وهكذا رواه صاحبا ‏(‏الصحيح‏)‏ من حديث أبي بشر جعفر بن أبي حية به‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن - وهو يصلي - تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو، وهو يصلي استرق السمع، دونهم فَرَقاَ منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً‏.‏

فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ‏}‏ فيتفرقوا عنك، ‏{‏وَلَا تُخَافِتْ بِهَا‏}‏ فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به ‏{‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً‏}‏‏.‏

باب هجرة أصحاب رسول الله من مكة إلى أرض الحبشة

قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد‏.‏ والإهانة البالغة‏.‏

وكان الله عز وجل قد حجرهم عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنعه بعمه أبي طالب، كما تقدم تفصيله ولله الحمد والمنة‏.‏

وروى الواقدي‏:‏ أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة‏.‏

وهم‏:‏ عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ ‏

قال ابن جرير وقال آخرون‏:‏ بل كانوا اثنين وثمانين رجلاً، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر، نشكُّ، فإن كان فيهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلاً‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله عز وجل، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء‏.‏

قال لهم‏:‏ ‏(‏‏(‏لو خرجتم إلى أرض الحبشة‏؟‏ فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي - أرض صدق - حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه‏)‏‏)‏‏.‏

فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم‏.‏

فكانت أول هجرة كانت في الإسلام، فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وكذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان، عن عباس العنبري، عن بشر بن موسى، عن الحسن بن زياد البرجمي، حدثنا قتادة‏.‏

قال‏:‏ أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه سمعت النضر بن أنس يقول‏:‏ سمعت أبا حمزة - يعني‏:‏ أنس بن مالك - يقول‏:‏ خرج عثمان بن عفان، ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، فقدمت امرأة من قريش فقالت‏:‏ يا محمد، قد رأيت ختنك ومعه امرأته‏.‏

قال‏:‏ على أي حال رأيتهما‏؟‏

قالت‏:‏ رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذا الدبابة، وهو يسوقها

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام‏)‏‏)‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو، - وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة -، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وولدت له بها زينب، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب - وهو من بني عنز بن وائل - وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو - ويقال أبو حاطب ابن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر - وهو أول من قدمها فيما قيل - وسهيل بن بيضاء - فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر بعض أهل العلم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثم خرج جعفر بن أبي طالب، ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة‏.‏

وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب، ومن حالفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب، وفي هذا نظر والله أعلم‏.‏

وزعم‏:‏ أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها‏.‏

وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولاً، حين بلغهم أن المشركين أسلموا وصلوا، فلما قدموا مكة - وكان فيمن قدم‏:‏ عثمان بن مظعون - فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحاً، فرجع من رجع منهم، ومكث آخرون بمكة‏.‏

وخرج آخرون من المسلمين إلى - أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية - كما سيأتي بيانه‏.‏

قال موسى بن عقبة‏:‏ وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانياً‏.‏

وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الأول أظهر، كما سيأتي بيانه والله أعلم‏.‏

لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولاً، وهو المقدم عليهم، والمترجم عنهم عند النجاشي، وغيره كما سنورده مبسوطاً‏.‏

ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر رضي الله عنهم‏.‏

وهم‏:‏ عمرو بن سعيد بن العاص، وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن حمل بن شق الكناني‏.‏

وأخوه خالد، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي‏.‏

وولدت له بها سعيداً، وأمة التي تزوجها بعد ذلك الزبير، فولدت له عمراً وخالداً‏.‏

قال‏:‏ وعبد الله بن جحش بن رئاب، وأخوه عبيد الله، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة، وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وهو من موالي سعيد بن العاص، قال ابن هشام‏:‏ وهو من دوس‏.‏

قال‏:‏ وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة‏.‏

وسنتكلم معه في هذا‏.‏

وعتبة بن غزوان ويزيد بن زمعة بن الأسود، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، وطليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير بن عبد بن قصي، وسويبط بن سعد بن حرملة، وجهم بن قيس العبدوي، ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن خذيمة، وولداه عمرو بن جهم، وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار‏.‏

وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة‏.‏

وولدت بها عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة، والمقداد بن الأسود، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة، وولدت له بها موسى، وعائشة، وزينب، وفاطمة، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة‏.‏ ‏

وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي - قال‏:‏ وإنما سمي شماساً لحسنه، وأصل اسمه عثمان بن عثمان - وهبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبي حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة ابن المغيرة‏.‏

ومعتب بن عوف بن عامر - ويقال له‏:‏ عيهامة - وهو من حلفاء بني مخزوم‏.‏

قال‏:‏ وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل، وابناه منها محمد، والحارث، وأخوه خطاب، وامرأته فكيهه بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب، وامرأته حسنة، وابناه منها جابر، وجنادة، وابنها من غيره، وهو شرحبيل بن عبد الله - أحد الغوث بن مزاحم بن تميم - وهو الذي يقال له‏:‏ شرحبيل ابن حسنة، وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح‏.‏

وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم، وهشام بن العاص بن وائل بن سعيد، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله، وأبو قيس ابن الحارث بن قيس بن عدي، وإخوته الحارث، ومعمر، والسائب، وبشر، وسعيد أبناء الحارث‏.‏

وسعيد بن قيس بن عدي لأمه وهو سعيد بن عمرو التميمي، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم، وحليف لبني سهم‏:‏ وهو محمية بن جزء الزبيدي، ومعمر بن عبد الله العدوي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة بن عبد العزى، وابنه النعمان، وعبد الله بن مخرمة العامري‏.‏

وعبد الله ابن سهيل بن عمرو، وسليط بن عمرو، وأخوه السكران، ومعه زوجته سؤدة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة، وامرأته عمرة بنت السعدى، وأبو حاطب بن عمرو العامري، وحليفهم سعد بن خولة - وهو من اليمن وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وسهيل بن بيضاء - وهي أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن ضبة بن الحارث، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث‏.‏

وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة، وعمرو بن الحارث بن زهير ابن أبي شداد بن ربيعة، وعثمان بن عبد غنم بن زهير أخوات، وسعيد بن عبد قيس بن لقيط، وأخوه الحارث الفهريون‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم، الذين خرجوا بهم صغاراً وولدوا بها ثلاثة وثمانون رجلاً، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشكُّ فيه‏.‏ ‏

قلت‏:‏ وذكر ابن إسحاق أبا موسى الأشعري فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريب جداً‏.‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن بن موسى، سمعت خديجاً أخا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود‏.‏

قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ونحن نحواً من ثمانين رجلاً، فيهم‏:‏ عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى فأتوا النجاشي‏.‏

وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه، وعن شماله ثم قالا له‏:‏ إن نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا‏.‏

قال‏:‏ فأين هم‏؟‏

قالا‏:‏ في أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم

فقال جعفر‏:‏ أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلَّم ولم يسجد‏.‏

فقالوا له‏:‏ مالك لا تسجد للملك‏؟‏

قال‏:‏ إنا لا نسجد إلا لله عز وجل‏.‏

قال‏:‏ وما ذاك‏؟‏

قال‏:‏ إن الله بعث إلينا رسولاً، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة‏.‏

قال عمرو‏:‏ فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم‏.‏

قال‏:‏ فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه‏؟‏

قال‏:‏ نقول كما قال الله‏:‏ هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد‏.‏

قال‏:‏ فرفع عوداً من الأرض ثم قال‏:‏ يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأنه الذي نجد في الإنجيل‏.‏

وأنه الرسول الذي بشَّر به عيسى بن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه‏.‏

وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجَّل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدراً‏.‏

وزعم‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته‏.‏

وهذا إسناد جيد قوي، وسياق حسن‏.‏

وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، إن لم يكن ذكره مدرجاً من بعض الرواة والله أعلم‏.‏

وقد روى عن أبي إسحاق السبيعي من وجه آخر‏.‏

فقال الحافظ أبو نعيم في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل‏.‏

وحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا الحسن بن علوية القطان، حدثنا عباد بن موسى الختلي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا إسرائيل‏.‏

وحدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، حدثنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى‏.‏

قال‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً، فبعثوا عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية، وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاص‏:‏ إن ناساً من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك‏.‏

قال لهم النجاشي‏:‏ في أرضي‏؟‏

قالا‏:‏ نعم ‏!‏

فبعث إلينا، فقال لنا جعفر‏:‏ لا يتكلم منكم أحد‏.‏

أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون جلوس سماطين‏.‏

وقد قال له عمرو وعمارة‏:‏ إنهم لا يسجدون لك‏.‏

فلما انتهينا، بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان‏:‏ اسجدوا للملك‏.‏

فقال جعفر‏:‏ لا نسجد إلا لله عز وجل‏.‏

فلما انتهينا إلى النجاشي‏.‏

قال‏:‏ ما منعك أن تسجد‏؟‏

قال‏:‏ لا نسجد إلا لله‏.‏

فقال له النجاشي‏:‏ وما ذاك‏؟‏

قال‏:‏ إن الله بعث فينا رسولاً - وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من بعده، اسمه أحمد - فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر‏.‏

فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال‏:‏ أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم‏.‏

فقال النجاشي لجعفر‏:‏ ما يقول صاحبكم في ابن مريم‏.‏

قال‏:‏ يقول فيه قول الله‏:‏ هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول، التي لم يقربها بشر، ولم يفرضها ولد‏.‏

فتناول النجاشي عوداً من الأرض فرفعه فقال‏:‏ يا معشر القسيسين، والرهبان، ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم، ولا وزن هذه‏.‏

مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشَّر به عيسى‏.‏

ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة‏.‏

وقال‏:‏ ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو بن العاص رجلاً قصيراً، وكان عمارة رجلاً جميلاً، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأته، فلما شربا

قال عمارة لعمرو‏:‏ مر امرأتك فلتقبلني‏.‏

فقال له عمرو‏:‏ ألا تستحي ‏؟‏

فأخذ عمارة عمراً فرمى به في البحر، فجعل عمرو يناشد عمارة؛ حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو في ذلك‏.‏ ‏‏

فقال عمرو للنجاشي‏:‏ إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك، فدعا النجاشي بعمارة، فنفخ في إحليله فطار مع الوحش‏.‏

وهكذا رواه الحافظ البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏ من طريق أبي علي الحسن بن سلام السواق، عن عبيد الله بن موسى فذكر بإسناده مثله إلى قوله‏:‏ فأمر لنا بطعام وكسوة‏.‏

قال‏:‏ وهذا إسناد صحيح، وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة‏.‏

والصحيح‏:‏ عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى‏:‏ أنهم بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن، فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلاً في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب، وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر‏.‏

قال‏:‏ وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه‏.‏

قال‏:‏ ولعل الراوي وهم في قوله‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق والله أعلم‏.‏

وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة‏.‏

حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يزيد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى‏.‏

قال‏:‏ بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر‏.‏

فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لكم أنتم أهل السفينة هجرتان‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب، وأبي عامر عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى كلاهما عن أبي أسامة به، وروياه في مواضع أُخر مطولاً والله أعلم‏.‏

وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من ‏(‏تاريخه‏)‏ من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص‏.‏

وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم‏.‏

وأم سلمة كما سيأتي‏.‏

فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جداً‏.‏

رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي، عن أبي الحسين بن النقور، عن أبي طاهر المخلص، عن أبي القاسم البغوي‏.‏

قال‏:‏ حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي، عن عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا أسد بن عمرو البجلي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه‏.‏

قال‏:‏ بعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي‏.‏

فقالوا له - ونحن عنده -‏:‏ قد صار إليك ناس من سفلتنا، وسفهائنا، فادفعهم إلينا‏.‏

قال‏:‏ لا حتى اسمع كلامهم‏.‏

قال‏:‏ فبعث إلينا، فقال‏:‏ ما يقول هؤلاء‏؟

قال‏:‏ قلنا هؤلاء قوم يعبدون الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولاً فآمنا به وصدقناه‏.‏

فقال لهم النجاشي‏:‏ أعبيد هم لكم‏؟‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

فقال‏:‏ فلكم عليهم دين‏؟‏‏.‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فخلوا سبيلهم‏.‏

قال فخرجنا من عنده‏.‏

فقال عمرو بن العاص‏:‏ إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول‏.‏

قال‏:‏ إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار‏.‏

فأرسل إلينا، فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الأولى

قال‏:‏ ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم‏.‏

قلنا‏:‏ يقول هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول

قال‏:‏ فأرسل‏.‏

فقال‏:‏ ادعوا لي فلان القس، وفلان الراهب، فأتاه ناس منهم‏.‏

فقال‏:‏ ما تقولون في عيسى بن مريم‏؟‏

فقالوا‏:‏ أنت أعلمنا ‏!‏ فما تقول‏؟‏

قال النجاشي‏:‏ - وأخذ شيئاً من الأرض - قال‏:‏ ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال‏:‏ أيؤذيكم أحداً‏؟‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏

فنادى مناد‏:‏ من آذى أحداً منهم فاغرموه أربعة دراهم

ثم قال‏:‏ أيكفيكم‏؟‏

قلنا‏:‏ لا، فأضعفها‏.‏

قال‏:‏ فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وظهر بها لنا له‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر، وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فردنا‏.‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏

فحملنا، وزودنا‏.‏

ثم قال‏:‏ أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وقل له‏:‏ يستغفر لي‏.‏

قال جعفر‏:‏ فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتنقني، ثم قال‏:‏

‏(‏‏(‏ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر‏؟‏‏)‏‏)‏

ووافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس فقال رسول النجاشي‏:‏ هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا‏؟‏

فقال‏:‏ نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله‏.‏

وقال لي‏:‏ قل له يستغفر لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات ‏(‏‏(‏اللهم اغفر للنجاشي‏)‏‏)‏‏.‏

فقال المسلمون‏:‏ آمين‏.‏

ثم قال جعفر للرسول‏:‏ انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم قال ابن عساكر‏:‏ حسن غريب‏.‏

وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏

لما ضاقت مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه، ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره، ومما ينال أصحابه

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده فألحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه‏)‏‏)‏‏.‏

فخرجنا إليها إرسالاً حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلماً، فلما رأت قريش أنا قد أصبنا داراً وأمناً، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده، وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلاً إلا هيئوا له هدية على حدة‏.‏

وقالوا لهما‏:‏ ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا‏.‏

فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه فقالوا له‏:‏ إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم‏.‏

فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا‏:‏ نفعل، ثم قدَّموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الأدم - وذكر موسى بن عقبة‏:‏ أنهم أهدوا إليه فرساً، وجبة ديباج - فلما أدخلوا عليه هداياه‏.‏

قالوا له‏:‏ أيها الملك إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجئوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلا بهم عيناً، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك‏.‏

فغضب ثم قال‏:‏ لا لعمر الله ‏!‏ لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجئوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم أدخل بينهم وبينهم، ولم أنعم عيناً وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم‏.‏

فقال‏:‏ لا والله ‏!‏حتى أسمع كلامهم وأعلم على أي شيء هم عليه‏؟‏

فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له‏.‏

فقال‏:‏ أيها الرهط ألا تحدثوني ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم ‏؟‏‏.‏

فأخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم ‏؟‏أنصارى أنتم‏؟‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفيهود أنتم‏؟‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فعلى دين قومكم ‏؟‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فما دينكم‏؟‏

قالوا‏:‏ الإسلام‏.‏

قال‏:‏ وما الإسلام‏؟‏

قالوا‏:‏ نعبد الله لا نشرك به شيئاً‏.‏

قال‏:‏ من جاءكم بهذا‏؟‏ ‏

قالوا‏:‏ جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه، وعرفنا كلام الله، وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا‏.‏

قال‏:‏ والله إن هذا لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى‏.‏

قال جعفر‏:‏ وأما التحية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا‏.‏

وأما عيسى بن مريم‏:‏ فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول‏.‏

فأخذ عوداً وقال‏:‏ والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود‏.‏

فقال عظماء الحبشة‏:‏ والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك‏.‏

فقال‏:‏ والله لا أقول في عيسى غير هذا أبداً، وما أطاع الله الناس في حين ردَّ علي ملكي فأطع الناس في دين الله‏.‏ معاذ الله من ذلك‏.‏

وقال يونس عن ابن إسحاق‏:‏ فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم‏.‏

فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا‏:‏ ماذا تقولون‏؟‏

فقالوا‏:‏ وماذا نقول، نقول والله ما نعرف‏.‏

وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏

فقال له النجاشي‏:‏ ما هذا الدين الذي أنتم عليه‏؟‏ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية‏.‏

فقال له جعفر‏:‏ أيها الملك كنا قوماً على الشرك ونعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسيء الجوار يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئاً ولا نحرمه‏.‏

فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الأرحام ونحمى الجوار ونصلي لله عز وجل ونصوم له، ولا نعبد غيره‏.‏

وقال زياد عن ابن إسحاق‏:‏ فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة، والزكاة والصيام‏.‏

قال‏:‏ فعدوا عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك‏.‏

قالت‏:‏ فقال له النجاشي‏:‏ هل معك شي مما جاء به عن الله‏؟‏ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله‏.‏

فقال له جعفر‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ هلم فاتل علي مما جاء به، فقرأ عليه صدراً من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم‏.‏

ثم قال لهم‏:‏ إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عيناً‏.‏

فخرجنا من عنده وكان أتقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة‏.‏

فقال عمرو بن العاص‏:‏ والله لآتينه غداً بما استأصل به خضراءهم، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد‏.‏

فقال له عبد الله بن أبي ربيعة‏:‏ لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن له رحماً ولهم حقاً‏.‏

فقال‏:‏ والله لأفعلن ‏!‏ فلما كان الغد دخل عليه فقال‏:‏ أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عنه فبعث والله إليهم ولم ينزل بنا مثلها‏.‏

فقال بعضنا لبعض‏:‏ ماذا تقولون له في عيسى إن هو يسألكم عنه‏؟‏

فقالوا‏:‏ نقول والله الذي قاله الله فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال‏:‏ ما تقولون في عيسى بن مريم‏؟‏

فقال له جعفر‏:‏ نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول‏.‏

فدلى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عوداً بين أصبعيه فقال‏:‏ ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد‏.‏

فتناخرت بطارقته‏.‏

فقال‏:‏ وإن تناخرتم والله ‏!‏ اذهبوا فأنتم سيوم في الأرض - السيوم الآمنون في الأرض ومن سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثاً ما أحب أن لي دبراً وإني آذيت رجلاً منكم - والدبر بلسانهم‏:‏ الذهب‏.‏

وقال زياد‏:‏ عن ابن إسحاق‏:‏ ما أحب أن لي دبراً من ذهب‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ ويقال زبراً وهو الجبل بلغتهم‏.‏

ثم قال النجاشي‏:‏ فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردَّ علي ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه‏.‏

ردُّوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها‏.‏

واخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به‏.‏

قالت‏:‏ فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه‏.‏ ‏.‏

فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط هو أشد منه، فرقاً من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائراً فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض‏:‏ من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون‏؟‏

وقال الزبير - وكان من أحدثهم سناً - أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه‏.‏

فجائا الزبير فجعل يليح لنا بردائه ويقول‏:‏ ألا فأبشروا، فقد أظهر الله النجاشي‏.‏

قلت‏:‏ فوالله ما علمنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي، ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة وأقام من أقام‏.‏

قال الزهري‏:‏ فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة‏.‏

فقال عروة‏:‏ أتدري ما قوله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه‏؟‏

فقلت‏:‏ لا ‏!‏ ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة‏.‏

فقال عروة‏:‏ فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلاً ولم يكن لأب النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها، فقالوا‏:‏ لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثنا عشر رجلاً من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهراً طويلاً لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملَّكوا أخاه‏.‏

فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيباً حازماً من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا‏:‏ قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفاً إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا إلى عمه فقالوا‏:‏ قد رأينا مكان هذا الفتى منك وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فأما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا‏.‏

قال‏:‏ ويحكم قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم، بل أخرجه من بلادكم‏.‏

فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به، فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير فمرج على الحبشة أمرهم‏.

فقال بعضهم لبعض‏:‏ تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر‏:‏ ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا‏:‏ لا نعطيك‏.‏

فقال‏:‏ إذاً والله لأكلمنه، فمشى إليه فكلمه فقال‏:‏ أيها الملك، إني ابتعت غلاماً فقبض مني الذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال‏:‏ لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء‏.‏

فقالوا‏:‏ بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول‏:‏ ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين ردَّ علي ملكي، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه‏.‏

وقال موسى بن عقبة‏:‏ كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشي غلام صغير، فأوصى إلى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك، فرغب أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التجار، فمات عمه من ليلته وقضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه، هكذا ذكره مختصراً، وسياق ابن إسحاق أحسن وأبسط فالله أعلم‏.‏

والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة‏.‏

وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري‏.‏

والمقصود‏:‏ أنهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شاباً حسناً فاصطحبا في السفينة وكان عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص، فألقى عمراً في البحر ليهلكه فسبح حتى رجع إليها‏.‏

فقال له عمارة‏:‏ لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك، فحقد عمرو عليه فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله وساح في البرية مع الوحوش‏.‏

وقد ذكر الأموي - قصة مطولة جداً - وأنه عاش إلى زمن أمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه فجعل يقول‏:‏ أرسلني أرسلني وإلا مت، فلما لم يرسله مات من ساعته فالله أعلم‏.‏

وقد قيل‏:‏ أن قريشاً بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين‏:‏

الأول‏:‏ مع عمرو بن العاص وعمارة‏.‏

والثانية‏:‏ مع عمرو وعبد الله بن أبي ربيعة‏.‏

نص عليه أبو نعيم في ‏(‏الدلائل‏)‏ والله أعلم‏.‏ ‏

وقد قيل‏:‏ إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله الزهري، لينالوا ممن هناك ثأراً فلم يجبهم النجاشي رضي الله عنه وأرضاه إلى شيء مما سألوا فالله أعلم‏.‏

وقد ذكر زياد، عن ابن إسحاق‏:‏ أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشي أبياتاً يحضه فيها على العدل وعلى الإحسان إلى من نزل عنده من قومه‏:‏

ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر * وعمرو وأعداء العدو الأقارب

وما نالت أفعال النجاشي جعفراً * وأصحابه أو عاق ذلك شاغب

ونعلم، أبيت اللعن أنك ماجد * كريم فلا يشقى إليك المجانب

ونعلم بأن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب

وقال يونس‏:‏ عن ابن إسحاق‏:‏ حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال‏:‏ إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه، والمشهور‏:‏ أن جعفراً هو المترجم رضي الله عنهم‏.‏

وقال زياد البكائي‏:‏ عن ابن إسحاق‏:‏ حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور‏.‏

ورواه أبو داود، عن محمد بن عمرو الرازي، عن سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به‏:‏ لما مات النجاشي رضي الله عنه كنا نتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور‏.‏

وقال زياد‏:‏ عن محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه‏.‏

قال‏:‏ اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي‏:‏ إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفناً‏.‏

وقال‏:‏ اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا‏.‏

ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه‏:‏ هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له‏.‏

فقال‏:‏ يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم‏؟‏

قالوا‏:‏ بلى ‏!‏

قال‏:‏ فكيف أنتم بسيرتي فيكم‏؟‏

قالوا‏:‏ خير سيرة‏.‏

قال‏:‏ فما بكم‏؟‏

قالوا‏:‏ فارقت ديننا، وزعمت‏:‏ أن عيسى عبده ورسوله‏.‏

قال‏:‏ فما تقولون أنتم في عيسى‏؟‏

قالوا‏:‏ نقول‏:‏ هو ابن الله‏.‏

فقال النجاشي - ووضع يده على صدره على قبائه -‏:‏ وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كتب فرضوا وانصرفوا‏.‏

فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له‏.‏

وقد ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكـَّبر أربع تكبيرات‏.‏

وقال البخاري‏:‏ موت النجاشي‏:‏ حدثنا أبو الربيع، حدثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين مات النجاشي -‏:‏ ‏(‏‏(‏مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة‏)‏‏)‏‏.‏

وروى ذلك من حديث أنس بن مالك، وابن مسعود وغير واحد، وفي بعض الروايات تسميته أصحمة، وفي رواية مصحمة وهو أصحمة بن بحر، وكان عبداً صالحاً لبيباً زكياً، وكان عادلاً عالماً رضي الله عنه وأرضاه‏.‏

وقال يونس عن ابن إسحاق‏:‏ اسم النجاشي مصحمة وفي نسخة صححها البيهقي‏:‏ أصحم - وهو بالعربية -‏:‏ عطية‏.‏

قال‏:‏ وإنما النجاشي اسم الملك‏:‏ كقولك‏:‏ كسرى، هرقل‏.‏

قلت‏:‏ كذا ولعله يريد به قيصر، فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن ملك مصر كافة، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية وتبع لمن ملك اليمن والشحر، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك اليونان وقيل‏:‏ الهند وخاقان لمن ملك الترك‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إنما صلى عليه لأنه كان يكتم إيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه فلهذا صلى عليه صلى الله عليه وسلم‏.‏

قالوا‏:‏ فالغايب إن كان قد صلي عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى، ولهذا لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم، وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم ينقل أنه صلى على أحد منهم في غير البلدة التي صلى عليه فيها، فالله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ وشهود أبي هريرة رضي الله عنه الصلاة على النجاشي، دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم فتح خيبر، ولهذا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبي طالب‏)‏‏)‏‏.‏

وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبي موسى الأشعري وقومه من الأشعريين رضي الله عنهم، ومع جعفر وهدايا النجاشي ابن أخي النجاشي‏:‏ ذونخترا أو ذومخمرا أرسله ليخدم النبي صلى الله عليه وسلم عوضاً عن عمه رضي الله عنهما وأرضاهما‏.‏ ‏

وقال السهيلي‏:‏ توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة، وفي هذا نظر والله أعلم‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقي، حدثنا أبي العلاء بن مدرك، حدثنا أبو هلال بن العلاء، عن أبيه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال‏:‏ قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم، فقال أصحابه‏:‏ نحن نكفيك يا رسول الله‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وإني أحب أن أكافيهم‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏يتبع‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏

‏(‏تابع‏.‏‏.‏‏.‏ 1‏)‏‏:‏ قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏

ثم قال‏:‏ وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني‏:‏ أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي، حدثنا هلال بن العلاء، حدثنا أبي، حدثنا طلحة بن زيد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة قال‏:‏ قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمهم، فقال أصحابه‏:‏ نحن نكفيك يا رسول الله‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافيهم‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به طلحة بن زيد عن الأوزاعي‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ حدثنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال‏:‏ لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم، فقالوا‏:‏ ما شأنه ماله لا يخرج‏؟‏

فقال عمرو‏:‏ إن أصحمة يزعم أن صاحبكم نبي‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردَّهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلاً ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى غاظوا قريشاً، فكان عبد الله بن مسعود يقول‏:‏

ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه‏.‏

قلت‏:‏ وثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب‏.‏

وقال زياد البكائي‏:‏ حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم قال‏:‏ قال ابن مسعود‏:‏ إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت‏:‏ والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف علي وهو على شركه، فقالت‏:‏ وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا، قالت‏:‏ فقال‏:‏ إنه الانطلاق يا أم عبد الله‏؟‏

قلت‏:‏ نعم ‏!‏ والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا‏؟‏ حتى يجعل الله لنا مخرجاً‏.‏

قالت‏:‏ فقال‏:‏ صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى -خروجنا‏.‏

قالت‏:‏ فجاء عامر بحاجتنا تلك، فقلت له‏:‏ يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا‏.‏

قال‏:‏ أطمعت في إسلامه‏؟‏

قالت‏:‏ قلت‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب‏.‏

قالت‏:‏ يأساً منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام‏.‏

قلت‏:‏ هذا يردُّ قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين؛ فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين اللهم إلا أن يقال‏:‏ إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين‏.‏

ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق ههنا في قصة إسلام عمر وحده رضي الله عنه، وسياقها فإنه قال‏:‏ وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت، وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر‏.‏

وكان نعيم بن عبد الله النحام رجل من بني عدي قد أسلم أيضاً، مستخفياً بإسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه فذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة‏.‏

فلقيه نعيم بن عبد الله فقال‏:‏ أين تريد يا عمر‏؟‏

قال‏:‏ أريد محمداً هذا الصابي الذي فرق أمر قريش، وسفَّه أحلامها، وعاب دينها، وسبَّ آلهتها فأقتله‏.‏

فقال له نعيم‏:‏ والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً‏؟‏ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم‏.‏

قال‏:‏ وأي أهل بيتي ‏؟‏

قال‏:‏ ختنك وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمداً صلى الله عليه وسلم على دينه، فعليك بهما، فرجع عمر عائداً إلى أخته فاطمة وعندها خباب بن الأرت معه صحيفة فيها ‏(‏طه‏)‏ يقريها إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم - أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها، فلما دخل قال‏:‏ ما هذه الهينمة التي سمعت‏؟‏

قالا له‏:‏ ما سمعت شيئاً‏.‏

قال‏:‏ بلى، والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد‏.‏

فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه‏:‏ نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى، وقال لأخته‏:‏ أعطيني هذه الصحيفة التي كنتم تقرؤن آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمداً‏؟‏ وكان عمر كاتباً، فلما قال ذلك قالت له أخته‏:‏ إنا نخشاك عليها‏.‏

قال‏:‏ لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت‏:‏ يا أخي إنك نجْس، على شركك، وإنه لا يمسَّه إلا المطهرون‏.‏

فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها ‏(‏طه‏)‏ فقرأها فلما قرأ منها صدراً قال‏:‏ ما أحسن هذا الكلام وأكرمه‏.‏

فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه فقال له‏:‏ والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإني سمعته أمس وهو يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب‏)‏‏)‏ فالله الله يا عمر‏.‏

فقال له عند ذلك‏:‏ فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم‏.‏

فقال له خباب‏:‏ هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فضرب عليهم الباب فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب؛ فإذا هو بعمر متوشح بالسيف، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال‏:‏ يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحاً بالسيف‏.‏

فقال حمزة‏:‏ فائذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه، وإن كان يريد شراً قتلناه بسيفه‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ايذن له‏)‏‏)‏‏.‏ فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما جاء بك يا ابن الخطاب‏؟‏ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله‏.‏

قال‏:‏ فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم رضي الله عنه‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن أصحابه‏:‏ عطاء، ومجاهد، وعمن روى ذلك أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول‏:‏ كنت للإسلام مباعداً، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها‏.‏

وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة، فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحداً، فقلت‏:‏ لو أني جئت فلاناً الخمار لعلي أجد عنده خمراً فأشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده قال‏:‏ فقلت‏:‏ لو أني جئت الكعبة فطفت سبعاً أو سبعين‏.‏

قال‏:‏ فجئت المسجد؛ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين الأسود واليماني‏.‏

قال‏:‏ فقلت حين رأيته‏:‏ والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت‏:‏ لئن دنوت منه لأستمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويداً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة‏.‏

قال‏:‏ فلما سمعت القرآن رق له قلبي وبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل في مكاني قائماً حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين - وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية -‏.‏

قال عمر‏:‏ فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس، ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسي عرفني فظن أني إنما اتبعته لأوذيه، فنهمني ثم قال‏:‏ ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة ‏؟‏

قال‏:‏ قلت جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله‏.‏

قال‏:‏ فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد هداك الله يا عمر‏)‏‏)‏ ثم مسح صدري، ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فالله أعلم أي ذلك كان‏.‏

قلت‏:‏ وقد استقصيت كيفية إسلام عمر رضي الله عنه وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطولاً في أول سيرته التي أفردتها على حدة، ولله الحمد والمنة‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر قال‏:‏ لما أسلم عمر قال‏:‏ أي قريش أنقل للحديث‏؟‏

فقيل له‏:‏ جميل بن معمر الجمحي فغدا عليه‏.‏

قال عبد الله بن عمر‏:‏ وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل - وأنا غلام أعقل كما رأيت - حتى جاءه فقال له‏:‏ أعلمت يا جميل أني أسلمت، ودخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم ‏؟‏

قال‏:‏ فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته‏:‏ يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبا‏.‏

قال‏:‏ يقول عمر من خلفه‏:‏ كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم‏.‏

قال‏:‏ وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول‏:‏ افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا‏.‏

قال‏:‏ فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم، فقال‏:‏ ما شأنكم‏؟‏

فقالوا‏:‏ صبأ عمر‏.‏

قال‏:‏ فمه‏؟‏ رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون‏؟‏ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا‏؟‏ خلوا عن الرجل‏.‏

قال‏:‏ فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه‏.‏

قال‏:‏ فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة‏:‏ يا أبة من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك‏؟‏

قال‏:‏ ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي‏.‏

وهذا إسناد جيد قوي، وهو يدل على تأخر إسلام عمر؛ لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة، وقد كان مميزاً يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ حدثنا الحاكم، أخبرنا الأصم، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق قال‏:‏ ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلاً وهو بمكة - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة، فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة‏.‏

فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره‏.‏

فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال‏:‏ خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركباً أحمق منكم - أو كما قال -‏:‏ قالوا لهم‏:‏ لا نجاهلكم سلام عليكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألون أنفسنا خيراً‏.‏

فيقال‏:‏ إن النفر من نصارى نجران، والله أعلم أي ذلك كان‏.‏

ويقال‏:‏ والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون * وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين‏}‏‏.‏

فصل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي

قال البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏