الجزء الثالث - باب الكنى

باب الكنى

أبو أسيد مالك بن ربيعة تقدم، أبو الأعور بن الحارث بن ظالم النجاري، وقال ابن هشام‏:‏ أبو الأعور الحارث بن ظالم، وقال الواقدي‏:‏ أبو الأعور كعب بن الحارث بن جندب بن ظالم‏.‏

أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان تقدم‏.‏

أبو حبة بن عمرو بن ثابت أحد بني ثعلبة بن عمرو بن عوف الأنصاري‏.‏

أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من المهاجرين وقيل‏:‏ اسمه مهشم، أبو الحمراء مولى الحارث بن رفاعة بن عفراء، أبو خزيمة بن أوس بن أصرم النجاري، أبو سبرة مولى أبي رهم بن عبد العزى من المهاجرين، أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو عكاشة ومعه ابنه سنان من المهاجرين‏.‏

أبو الصياح بن النعمان وقيل‏:‏ عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة رجع من الطريق وقتل يوم خيبر رجع لجرح أصابه من حجر فضرب له بسهمه، أبو عرفجة من خلفاء بني جحجبي، أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو لبابة بشير بن عبد المنذر تقدم‏.‏

أبو مرثد الغنوي كناز بن حصين تقدم، أبو مسعود البدري عقبة بن عمرو تقدم، أبو مليل بن الأزعر بن زيد الأوسي‏.‏

 فصل عدد الذين شهدوا بدراً ثلثمائة وأربعة عشر رجلاً‏.‏

فكان جملة من شهد بدراً من المسلمين ثلثمائة وأربعة عشر رجلاً منهم‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال البخاري‏:‏ حدثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، سمعت البراء بن عازب يقول‏:‏ حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ممن شهد بدراً أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة‏.‏

قال البراء‏:‏ لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن‏.‏

ثم رواه البخاري من طريق إسرائيل، وسفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء نحوه‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وهذا قول عامة السلف‏:‏ إنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ حدثنا محمود، ثنا وهب، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال‏:‏ استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفاً على ستين والأنصار نيفاً وأربعين ومائتين هكذا وقع في هذه الرواية‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، ثنا أبو مالك الجبني، عن الحجاج - وهو ابن أرطأة - عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال‏:‏ كان المهاجرون يوم بدر سبع وسبعين رجلاً‏.‏

وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلاً‏.‏

وكان حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب‏.‏

وحامل راية الأنصار‏:‏ سعد بن عبادة‏.‏

وهذا يقتضي أنهم كانوا ثلثمائة وستة رجال‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وقيل‏:‏ كانوا ثلثمائة وسبعة رجال‏.‏

قلت‏:‏ وقد يكون هذا عد معهم النبي صلى الله عليه وسلم والأول عدهم بدونه فالله أعلم‏.‏

وقد تقدم عن ابن إسحاق‏:‏ أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلاً‏.‏

وأن الأوس أحد وستون رجلاً‏.‏

والخزرج مائة وسبعون رجلاً وسردهم‏.‏

وهذا مخالف لما ذكره البخاري ولما روى عن ابن عباس فالله أعلم‏.‏

وفي ‏(‏الصحيح‏)‏ عن أنس أنه قيل له‏:‏ شهدت بدراً‏؟‏

فقال‏:‏ وأين أغيب‏؟‏

وفي ‏(‏سنن أبي داود‏)‏ عن سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أنه قال‏:‏ كنت أميح لأصحابي الماء يوم بدر‏.‏

وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء فالله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببها وكانوا ثمانية أو تسعة وهم‏:‏

عثمان بن عفان تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره‏.‏

وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كان بالشام فضرب له بسهمه وأجره‏.‏

وطلحة بن عبيد الله كان بالشام أيضاً فضرب له بسهمه وأجره‏.‏

وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر ردَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره‏.‏

والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية ردَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً من الطريق وضرب له بسهمه وأجره‏.‏

والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فرجع فضرب له بسهمه زاد الواقدي وأجره‏.‏

وخوات بن جبير لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره‏.‏

وأبو الصياح بن ثابت خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب ساقه فصيل حجر فرجع وضرب له بسهمه وأجره‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وسعد أبو مالك تجهز ليخرج فمات، وقيل‏:‏ إنه مات بالروحاء فضرب له بسهمه وأجره‏.‏

وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذٍ أربعة عشر رجلاً من المهاجرين ستة وهم‏:‏

عبيدة بن الحارث بن المطلب قطعت رجله فمات بالصفراء رحمه الله، وعمير بن أبي الوقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهري قتله العاص بن سعيد وهو ابن ست عشرة سنة ويقال‏:‏ إنه كان قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع لصغره فبكى فأذن له في الذهاب فقتل رضي الله عنه‏.‏

وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي، وصفوان بن بيضاء، وعاقل بن البكير الليثي حليف بني عدي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذٍ‏.‏

ومن الأنصار ثمانية وهم‏:‏

حارثة بن سراقة رماه حبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فمات، ومعوذ وعوف ابنا عفراء، ويزيد بن الحارث - ويقال‏:‏ ابن قسحم -، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلى بن لوذان، وسعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر رضي الله عن جميعهم‏.‏

وكان مع المسلمين سبعون بعيراً كما تقدم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان معهم فرسان على أحدهما‏:‏ المقداد بن الأسود واسمها‏:‏ بغرجة - ويقال‏:‏ ستجة -، وعلى الأخرى‏:‏ الزبير بن العوام واسمها‏:‏ اليعسوب‏.‏

وكان معهم لواء يحمله‏:‏ مصعب بن عمير‏.‏

ورايتان يحمل أحداهما للمهاجرين‏:‏ علي بن أبي طالب، والتي للأنصار‏:‏ يحملها سعد بن عبادة‏.‏

وكان رأس مشورة المهاجرين‏:‏ أبو بكر الصديق، ورأس مشورة الأنصار‏:‏ سعد بن معاذ‏.‏

وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ كانوا تسعمائة وثلاثين رجلاً وهذا التحديد يحتاج إلى دليل وقد تقدم في بعض الأحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف فلعله عدد أتباعهم معهم والله أعلم‏.‏

وقد تقدم الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنه قتل منهم سبعون وأسر سبعون وهذا قول الجمهور، ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له‏:‏

فأقام بالعطن المعطَّن منهم * سبعون عتبة منهم والأسود

وقد حكى الواقدي الإجماع على ذلك وفيما قاله نظر، فإن موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا خلاف ذلك وهما من أئمة هذا الشأن فلا يمكن حكاية الإتفاق بدون قولهما وإن كان قولهما مرجوحاً بالنسبة إلى الحديث الصحيح والله أعلم‏.‏

وقد سرد أسماء القتلى والأسارى ابن إسحاق وغيره وحرر ذلك الحافظ الضياء في أحكامه جيداً وقد تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم وهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وأول من فرَّ وهو خالد بن الأعلم الخزاعي - أو العقيلي - حليف بني مخزوم وما أفاده ذلك فإنه أسر وهو القائل في شعره‏:‏

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدم

فما صدق في ذلك، وأول من أسروا‏:‏ عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلا صبراً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسارى، وقد اختلف في أيهما قتل أولاً على قولين وأنه عليه السلام أطلق جماعة من الأسارى مجاناً بلا فداء منهم‏:‏

أبو العاص بن الربيع الأموي والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، وصيفي بن أبي رفاعة كما تقدم، وأبو عزة الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي كما تقدم‏.‏

وفادى بقيتهم حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الأسرى لئلا يحابيه لكونه عمه مع أنه قد سأله الذين أسروه من الأنصار أن يتركوا له فداءه فأبى عليهم ذلك، وقال‏:‏ لا تتركوا منه درهماً‏.‏

وقد كان فداؤهم متفاوتاً فأقل ما أخذ أربعمائة، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب‏.‏

قال موسى بن عقبة‏:‏ وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه كما قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عاصم قال‏:‏ قال داود‏:‏ ثنا عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة‏.‏

قال‏:‏ فجاء غلام يوماً يبكي إلى أمه فقالت‏:‏ ما شأنك‏؟‏

فقال‏:‏ ضربني معلمي‏.‏

فقالت‏:‏ الخبيث يطلب بدخل بدر والله لا تأتيه أبداً‏.‏

انفرد به أحمد وهو على شرط ‏(‏السنن‏)‏ وتقدم بسط ذلك كله ولله الحمد والمنة‏.‏

 فصل في فضل من شهد بدراً من المسلمين‏.‏

قال البخاري في هذا الباب‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق، عن حميد سمعت أنساً يقول‏:‏ أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وأن تكن الأخرى فترى ما أصنع‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ويحك أوهبلت أو جنة واحدة هي‏؟‏ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به البخاري من هذا الوجه‏.‏

وقد روى من غير هذا الوجه من حديث ثابت وقتادة عن أنس وأن حارثة كان في النظارة وفيه‏:‏ ‏(‏‏(‏أن ابنك أصاب الفردوس الأعلى‏)‏‏)‏‏.‏

وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر فإن هذا الذي لم يكن في بحيحة القتال ولا في حومة الوغى بل كان من النظارة من بعيد وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التي هي أعلى الجنان وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها فإذا كان هذا حال هذا فما ظنك بمن كان واقفاً في نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عدداً وعدداً‏.‏

ثم روى البخاري ومسلم جميعاً‏:‏ عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الله بن أدريس، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قصة حاطب بن أبي بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح، وأن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏)‏‏)‏‏.‏

ولفظ البخاري‏:‏ ‏(‏‏(‏أليس من أهل بدر ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو قد غفرت لكم -‏)‏‏)‏‏.‏

فدمعت عينا عمر وقال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

وروى مسلم عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عن جابر أن عبداً لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً

قال‏:‏ يا رسول الله ليدخلن حاطب النار‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏كذبت لا يدخلها إنه شهد بدراً والحديبية‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد حدثنا سليمان بن داود حدثنا أبو بكر بن عياش حدثني الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لن يدخل النار رجل شهد بدراً أو الحديبية‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به أحمد وهو على شرط مسلم‏.‏

وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد أنبأنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه أبو داود، عن أحمد بن سنان وموسى بن إسماعيل كلاهما عن يزيد بن هارون به‏.‏ ‏

وروى البزار في ‏(‏مسنده‏)‏ ثنا محمد بن مرزوق، ثنا أبو حذيفة، ثنا عكرمة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إني لأرجو أن لا يدخل النار من شهد بدراً إن شاء الله‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال‏:‏ لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه‏.‏

قلت‏:‏ وقد تفرد البزار بهذا الحديث ولم يخرجوه وهو على شرط ‏(‏الصحيح‏)‏ والله أعلم‏.‏

وقال البخاري في باب شهود الملائكة بدراً‏:‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ ابن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال‏:‏ جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما تعدون أهل بدر فيكم ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها -‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وكذلك من شهد بدراً من الملائكة‏.‏

انفرد به البخاري‏.‏

 قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة

قال ابن إسحاق‏:‏ ولما رجع أبو العاص إلى مكة، وقد خلى سبيله - يعني‏:‏ كما تقدم - بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار مكانه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصاحباها فتأتياني بها‏)‏‏)‏‏.‏

فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر - أو شيعه - فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز‏.‏

قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر قال‏:‏ حدثت عن زينب أنها قالت‏:‏ بينا أنا أتجهز لقيتني هند بنت عتبة فقالت‏:‏ يا ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك‏؟‏

قالت‏:‏ فقلت‏:‏ ما أردت ذلك‏.‏

فقالت‏:‏ أي ابنة عم لا تفعلي، إن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطبني مني فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال‏.‏

قالت‏:‏ والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل‏.‏

قالت‏:‏ ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فتجهزت فلما فرغت من جهازها قدم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيراً فركبته وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بها وهي في هودج لها، وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى الفهري فروعها هبار بالرمح وهي في الهودج، وكانت حاملاً فيما يزعمون فطرحت وبرك حموها كنانة ونثر كنانته‏.‏

ثم قال‏:‏ والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهماً فتكركر الناس عنه‏.‏

وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال‏:‏ يا أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك، فكفَّ فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال‏:‏ إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذ خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا إن ذلك عن ذل أصابنا وإن ذلك ضعف منا ووهن ولعمري ما لنا بحبسها من أبيها من حاجة وما لنا من نؤرة‏.‏

ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سراً وألحقها بأبيها، قال‏:‏ ففعل‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق‏:‏ أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك‏:‏

أفي السلم أعياراً جفاءً وغلظةً * وفي الحرب أشباه النساء العوارك

وقد قيل‏:‏ إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر بعد ما قتل منهم الذين قتلوا‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فأقامت ليال حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلاً حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها ليلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد روى البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ من طريق عمر بن عبد الله بن عروة ابن الزبير، عن عروة، عن عائشة فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه لتجيء معه فتلطف زيد فأعطاه راعياً من مكة فأعطى الخاتم لزينب فلما رأته عرفته فقالت‏:‏ من دفع إليك هذا‏؟‏

قال‏:‏ رجل في ظاهر مكة، فخرجت زينب ليلاً فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة‏.‏

قال‏:‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏هي أفضل بناتي أصيبت فيَّ‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فبلغ ذلك علي بن الحسين بن زين العابدين فأتى عروة فقال‏:‏ ما حديث بلغني أنك تحدثته‏؟‏

فقال عروة‏:‏ والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني انتقص فاطمة حقاً هو لها، وأما بعد ذلك فلك أن لا أحدث به أبداً‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو أبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ هي لأبي خيثمة‏:‏

أتاني الذي لا يقدر الناس قدره * لزينب فيهم من عقوق ومأثم

وأخراجها لم يخز فيها محمد * على مأقط وبيننا عطر منشم

وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم * ومن حربنا في رغم أنف ومندم

قرنا ابنه عمراً ومولى يمينه * بذي حلق جلد الصلاصل محكم

فأقسمت لا تنفك منا كتائب * سراة خميس من لهام مسوم

نزوع قريش الكفر حتى نعلها * بخاطمة فوق الأنوف بميسم

ننزلهم أكناف نجد ونخلة * وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم

يدى الدهر حتى لا يعوج سردنا * ونلحقهم آثار عاد وجرهم

ويندم قوم لم يطيعوا محمداً * على أمرهم وأي حين تندّم

فأبلغ أبا سفيان إما لقيته * لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم

فأبشر بخزي في الحياة معجل * وسربال قار خالداً في جهنم

قال ابن إسحاق‏:‏ ومولى يمين أبي سفيان الذي عناه الشاعر هو عامر بن الحضرمي‏.‏

وقال ابن هشام‏:‏ إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي، فأما عامر بن الحضرمي فإنه قتل يوم بدر‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقد حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي إسحاق الدوسي، عن أبي هريرة‏.‏

قال‏:‏ بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن ظفرتم بهبار بن الأسود والرجل الذي سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار‏)‏‏)‏‏.‏

فلما كان الغد بعث إلينا فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يحرق بالنار إلا الله عز وجل، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما‏)‏‏)‏‏.‏

تفرد به ابن إسحاق وهو على شرط ‏(‏السنن‏)‏ ولم يخرجوه‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا قتيبة، ثنا الليث، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال حين أردنا الخروج‏:‏ ‏(‏‏(‏إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وأن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموها فاقتلوهما‏)‏‏)‏‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره و استمرت زينب عند أبيها بالمدينة حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هرباً وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته‏.‏

فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس صرخت من صفة النساء‏:‏ أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص ابن الربيع، فلما سلًّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم وإنه بجير على المسلمين أدناهم‏)‏‏)‏‏.‏

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه فردوه بأسره لا يفقد منه شيئاً فأخذه أبو العاص، فرجع به إلى مكة فأعطى كل إنسان ما كان له ثم قال‏:‏ يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه‏؟‏

قالوا‏:‏ لا فجزاك الله خيراً فقد وجدناك وفياً كريماً‏.‏

قال‏:‏ فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت‏.‏

ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ ردَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول ولم يحدث شيئاً بعد ست سنين‏.‏

وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق‏.‏

وقال الترمذي‏:‏ ليس بإسناده بأس ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين‏.‏

وقال السهيلي‏:‏ لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت وفي لفظ ردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين، وفي رواية بعد سنتين بالنكاح الأول رواه ابن جرير، وفي رواية لم يحدث نكاحاً‏.‏

وهذا الحديث قد أشكل على كثير من العلماء فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر فإن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة فإن أسلم فيها استمر على نكاحها، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها‏.‏

وزينب رضي الله عنها أسلمت حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد بدر بشهر وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان، فمن قال ردَّها عليه بعد ست سنين، أي‏:‏ من حين هجرتها فهو صحيح، ومن قال بعد سنتين أي‏:‏ من حين حرمت المسلمات على المشركين فهو صحيح أيضاً‏.‏

وعلى كل تقدير فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها، فكيف ردَّها عليه بالنكاح الأول‏؟‏

فقال قائلون‏:‏ يحتمل أن عدتها لم تنقض وهذه قصة يمين يتطرق إليها الاحتمال، وعارض آخرون هذا الحديث بالحديث الأول الذي رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّ بنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ هذا حديث ضعيف واهٍ، ولم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئاً‏.‏

والحديث الصحيح الذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على النكاح الأول‏.‏

وهكذا قال الدارقطني‏:‏ لا يثبت هذا الحديث والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّها بالنكاح الأول‏.‏

وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث في إسناده مقال والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق‏.‏

وقال آخرون‏:‏ بل الظاهر انقضاء عدتها، ومن روى أنه جدد لها نكاحاً فضعيف ففي قضية زينب والحالة هذه دليل على أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك بل يبقى بالخيار إن شاءت تزوجت غيره وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي‏:‏ وقت كان وهي امرأته ما لم تتزوج، وهذا القول فيه قوة وله حظ من جهة الفقه والله أعلم‏.‏

ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال‏:‏ نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن‏:‏ حدثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس‏:‏ كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كانوا مشركي أهل الحرب يقاتلونهم ويقاتلونه ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه‏.‏

فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدَّت إليه وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين‏.‏

ثم ذكر أهل العهد مثل حديث مجاهد هذا لفظه بحروفه، فقوله‏:‏ فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر يقتضي أنها كانت تستبرئ بحيضة ولا تعتد بثلاثة قروء‏.‏

وقد ذهب قوم إلى هذا وقوله‏:‏ فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدَّت إليه يقتضي أنه وإن هاجر بعد انقضاء مدة الإستبراء والعدة أنها ترد إلى زوجها الأول ما لم تنكح زوجاً غيره كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء، والله أعلم‏.‏

 ما قيل من الأشعار في بدر العظمى

فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق عن حمزة بن عبد المطلب وأنكرها ابن هشام‏:‏

ألم تر أمراً كان من عجب الدهر * وللحين أسباب مبينة الأمر

وما ذاك إلا أن وقوماً أفادهم * فخافوا تواص بالعقوق وبالكفر

عشية راحوا نحو بدر بجمعهم * وكانوا رهوناً للركية من بدر

وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها * فساروا إلينا فالتقينا على قدر

فلما التقينا لم تكن مثنويةٌ * لنا غير طعن بالمثقفة السمر

وضرب ببيض يختلي إلهام حدٍّها * مشهرة الألوان بينة الأثر

ونحن تركنا عتبة الغي ثاوياً * وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر

وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم * فشقت جيوب النائحات على عمرو

جيوب نساء من لؤي بن غالب * كرام تفرعن الذوائب من فهر

أولئك قوم قتلوا في ضلالهم * وخلوا لواء غير محتضر النصر

لواء ضلال قاد إبليس أهله * فخاس بهم، إن الخبيث إلى غدر

وقال لهم، إذ عاين الأمر واضحاً * برئت إليكم ما بي اليوم من صبر

فإني أرى ما لا ترون وإنني * أخاف عقاب الله والله ذو قسر

فقدمهم للحين حتى تورطوا * وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر

فكانوا غداة البئر ألفاً وجمعنا * ثلاث مئين كالمسدمة الزهر

وفينا جنود الله حين يمدنا * بهم في مقام ثم مستوضح الذكر

فشدَّ بهم جبريل تحت لوائنا * لدى مأزقٍ فيه مناياهم تجري

وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشام تركناها عمداً‏.‏

وقال علي بن أبي طالب وأنكرها ابن هشام‏:‏

ألم تر أن الله أبلى رسوله * بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل

بما أنزل الكفار دار مذلة * فلاقوا هواناً من أسار ومن قتل

فأمسى رسول الله قد عز نصره * وكان رسول الله أرسل بالعدل

فجاء بفرقان من الله منزلٍ * مبينة آياته لذوي العقل

فآمن أقوام بذاك وأيقنوا * فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل

وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم ذو العرش خبلاً على خبل

وأمكن منهم يوم بدر رسوله * وقوماً غضاباً فعلهم أحسن الفعل

بأيديهم بيض خفاف عصوا بها * وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل

فكم تركوا من ناشئ ذي حميةٍ * صريعاً ومن ذي نجدة منهم كهل

تبيت عيون النائحات عليهم * تجود بأسبال الرشاش وبالوبل

نوائح تنعي عتبة الغي وابنه * وشيبة تنعاه وتنعي أبا جهل

وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم * مسلبة حرى مبينة الثكل

ثوى منهم في بئر بدر عصابةً * ذوو نجدات في الحروب وفي المحل

دعا الغي منهم من دعا فأجابه * وللغي أسباب مرمقة الوصل

فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزلٍ * عن الشغب والعدوان في أسفل السفل

وقد ذكر ابن إسحاق نقيضها من الحارث أيضاً تركناها قصداً‏.‏

وقال كعب بن مالك‏:‏

عجبت لأمر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقي معشراً * بغوا وسبيل البغي بالناس جائر

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم * من الناس حتى جمعهم متكاثر

وسارت إلينا لا تحاول غيرنا * بأجمعها كعب جميعاً وعامر

وفينا رسول الله والأوس حوله * له معقل منهم عزيز وناصر

وجمع بني النجار تحت لوائه * يمشون في الماذي والنقع ثائر

فلما لقيناهم وكل مجاهد * لأصحابه مستبسل النفس صابر

شهدنا بأن الله لا رب غيره * وأن رسول الله بالحق ظاهر

وقد عريت بيض خفاف كأنها * مقاييس يزهيها لعينيك شاهر

بهن أبدنا جمعهم فتبددوا * وكان يلاقي الحين من هو فاجر

فكبّ أبو جهل صريعاً لوجهه * وعتبة قد غادرته وهو عاثر

وشيبة والتيمي غادرت في الوغى * وما منهم إلا بذي العرش كافر

فأمسوا وقود النار في مستقرها * وكل كفور في جهنم صائر

تلظى عليهم وهي قد شب حميها * بزبر الحديد والحجارة ساجر

وكان رسول الله قد قال أقبلوا * فولوا وقالوا‏:‏ إنما أنت ساحر

لأمر أراد الله أن يهلكوا به * وليس لأمر حمه الله زاجر

وقال كعب في يوم بدر‏:‏

ألا هل أتى غسان في نأي دارها * وأخبر شيء بالأمور عليمها

بأن قد رمتنا عن قسي عداوة * معد معاً جهالها وحليمها

لأنا عبدنا الله لم نرجو غيره * رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها

نبي له في قومه إرث عزة * وأعراق صدق هذبتها أرومها

فساروا وسرنا فالتقينا كأننا * أسود لقاء لا يرجى كليمها

ضربناهم حتى هوى في مكرنا * لمنخر سوء من لؤي عظيمها

فولوا ودسناهم ببيض صوارم * سواء علينا حلفها وصميمها

وقال كعب أيضاً‏:‏

لعمر أبيكما يا ابني لؤي * على زهو لديكم وانتخاء

لما حامت فوارسكم ببدر * ولا صبروا به عند اللقاء

وردناه ونور الله يجلو * دجى الظلماء عنا والغطاء

رسول الله يقدمنا بأمر * من أمر الله أحكم بالقضاء

فما ظفرت فوارسكم ببدرٍ * وما رجعوا إليكم بالسواء

فلا تعجلّ أبا سفيان وارقب * جياد الخيل تطلع من كداء

بنصر الله روح القدس فيها * وميكال فياطيب الملاء

وقال حسان بن ثابت‏:‏

قال ابن هشام‏:‏ ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمي

مستشعري حلق الماذي يقدمهم * جلد النحيزة ماض غير رعديد

أعني رسول إله الخلق فضله * على البرية بالتقوى وبالجود

وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم * وماء بدر زعمتم غير مورود

مستعصمين بحبل غير منجذم * مستحكم من حبال الله ممدود

فينا الرسول وفينا الحق نتبعه * حتى الممات ونصر غير محدود

واف وماض شهاب يستضاء به * بدر أنار على كل الأماجيد

وقال حسان بن ثابت أيضاً‏:‏

ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة * إبادتنا الكفار في ساعة العسر

قتلنا سراة القوم عند مجالنا * فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر

قتلنا أبا جهل وعتبة قبله * وشيبة يكبو لليدين وللنحر

قتلنا سويداً ثم عتبة بعده * وطعمة أيضاً عند ثائرة القتر

فكم قد قتلنا من كريم مسوداً * له حسب في قومه نابه الذكر

تركناهموا للعاويات ينبنهم * ويصلون ناراً بعد حامية القعر

لعمرك ما حامت فوارس مالك * وأشياعهم يوم التقينا على بدر

وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في يوم بدر، في قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلى مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأنكرها ابن هشام‏:‏

ستبلغ عنا أهل مكة وقعة * يهب لها من كان عن ذاك نائياً

بعتبة إذ ولى وشيبة بعده * وما كان فيها بكر عتبة راضياً

فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم * أرتجي بها عيشاً من الله دانيا

مع الحور أمثال التماثيل أخلصت * من الجنة العليا لمن كان عاليا

وبعت بها عيشاً تعرفت صفوه * وعاجلته حتى فقدت الأدانيا

فأكرمني الرحمن من فضل منه * بثوب من الإسلام غطى المساويا

وما كان مكروهاً إليَّ قتالهم * غداة دعا الأكفاء من كان داعيا

ولم يبغي إذ سألوا النبي سواءنا * ثلاثتنا حتى حصرنا المناديا

لقيناهم كالأسد تخطر بالقنا * نقاتل في الرحمن من كان عاصيا

فما برحت أقدامنا من مقامنا * ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا

وقال ابن إسحاق‏:‏

وقال حسان بن ثابت أيضاً يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر وتركه قومه لا يقاتل دونهم‏:‏

تبلت فؤادك في المنام خريدة * تشفي الضجيع ببارد بسام

كالمسك تخلطه بماء سحابة * أو عاتق كدم الذبيح مدام

نفج الحقيبة يوصها متنضد * بلهاء غير وشيكة الأقسام

بنيت على قطن أجم كأنه * فضلاً إذا قعدت مداك رخام

وتكاد تكسل أن تجيء فراشها * في جسم خرعبة وحسن قوام

أما النهار فلا أفتر أذكرها * والليل توزعني بها أحلامي

أقسمت أنساها وأترك ذكرها * حتى تغيب في الضريح عظامي

بل من لعاذلة تلوم سفاهة * ولقد عصيت على الهوى لوامي

بكرت إلي بسحرة بعد الكرى * وتقارب من حادث الأيام

زعمت بأن المرء يكرب عمره * عدمٌ لمعتكر من الإصرام

إن كنت كاذبة الذي حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام

يذر العناجيج الجياد بقفرة * من الذمول بمحصد ورجام

ملأت به الفرجين فأرمدت به * وثوى أحبته بشر مقام

وبنو أبيه ورهطه في معرك * نصر الآله به ذوي الإسلام

طحنتهم والله ينفذ أمره * حرب يشب سعيرها بضرام

لولا الآله وجريها لتركنه * جزر السباع ودسنه بحوام

من بين مأسور يشد وثاقه * صقر إذا لاقى الأسنة حام

ومجدل لا يستجيب لدعوة * حتى تزول شوامخ الأعلام

بالعار والذل المبين إذ رأى * بيض السيوف تسوق كل همام

بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه * نسب القصار سميدع مقدام

بيض إذا لاقت حديداً صممت * كالبرق تحت ظلال كل غمام

قال ابن هشام‏:‏ تركنا في آخرها ثلاث أبيات أقذع فيها‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ فأجابه الحارث بن هشام أخو أبي جهل عمرو بن هشام فقال‏:‏

القوم أعلم ما تركت قتالهم * حتى رموا فرسي بأشقر مزبد

وعرفت أني أن أقاتل واحداً * أقتل ولا ينكى عدوي مشهدي

فصددت عنهم والأحبة فيهم * طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد

وقال حسان أيضاً‏:‏ ‏

يا حار قد عولت غير معول * عند الهياج وساعة الإحساب

إذ تمتطي سرح اليدين نجيبة * مرطى الجراء طويلة الأقراب

والقوم خلفك قد تركت قتالهم * ترجو النجاة وليس حين ذهاب

ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى * قعص الأسنة ضائع الأسلاب

عجل المليك له فأهلك جمعه * بشنار مخزية وسوء عذاب

وقال حسان أيضاً‏:‏

لقد علمت قريش يوم بدر * غداة الأسر والقتل الشديد

بأنا حين تشتجر العوالي * حماة الحرب يوم أبي الوليد

قتلنا ابني ربيعة يوم سارا * إلينا في مضاعفة الحديد

وفر بها حكيم يوم جالت * بنو النجار تخطر كالأسود

وولت عند ذاك جموع فهر * وأسلمها الحويرث من بعيد

لقد لاقيتموا ذلاً وقتلاً * جهيزاً نافذاً تحت الوريد

وكل القوم قد ولوا جميعاً * ولم يلووا على الحسب التليد

وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثي عبيدة بن الحارث ابن المطلب‏:‏

لقد ضمن الصفراء مجداً وسؤدداً * وحلماً أصيلاً وافر اللب والعقل

عبيدة فابكيه لأضياف غربة * وأرملة تهوي لأشعث كالجذل

وبكيه للأقوام في كل شتوة * إذا احمرَّ آفاق السماء من المحل

وبكيه للأيتام والريح زفرف * وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي

فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها * فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل

لطارق ليل أو لملتمس القرى * ومستنبح أضحى لديه على رسل

وقال الأموي في ‏(‏مغازيه‏)‏‏:‏ حدثني سعيد بن قطن قال‏:‏ قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدراً‏:‏ ‏

ألما تكن رؤياي حقاً ويأتكم * بتأويلها فل من القوم هارب

رأى فأتاكم باليقين الذي رأى * بعينيه ما تفري السيوف القواضب

فقلتم ولم أكذب عليكم وإنما * يكذبني بالصدق من هو كاذب

وما جاء إلا رهبة الموت هارباً * حكيم وقد أعيت عليه المذاهب

أقامت سيوف الهند دون رءوسكم * وخطية فيها الشبا والتغالب

كأن حريق النار لمع ظباتها * إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب

ألا بأبي يوم اللقاء محمداً * إذا عض من عون الحروب الغوارب

مرى بالسيوف المرهفات نفوسكم * كفاحاً كما تمري السحاب الجنائب

فكم بردت أسيافه من مليكة * وزعزع وردَّ بعد ذلك صالب

فما بال قتلى في القليب ومثلهم * لدى ابن أخي أسرى له ما يضارب

فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم * من الله حين ساق والحين حالب

فكيف رأى عند اللقاء محمداً * بنو عمه والحرب فيها التجارب

ألم يغشكم ضرباً يحار لوقعه الـ * ـجبان وتبدو بالنهار الكواكب

حلفت لئن عادوا لنصطلينهم * بحاراً تردى تجر فيها المقانب

كأن ضياء الشمس لمع ظباتها * لها من شعاع النور قرن وحاجب

وقالت عاتكة أيضاً فيما نقله الأموي‏:‏

هلا صبرتم للنبي محمد * ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر

ولم ترجعوا عن المرهفات كأنها * حريق بأيدي المؤمنين بواتر

ولم تصبروا للبيض حتى أخذتموا * قليلاً بأيدي المؤمنين المشاعر

ووليتموا نفراً وما البطل الذي * يقاتل من وقع السلاح بنافر

أتاكم بما جاء النبيون قبله * وما ابن أخي البر الصدوق بشاعر

سيكفي الذي ضيعتموا من نبيكم * وينصره الحيان‏:‏ عمرو وعامر

وقال طالب بن أبي طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرثي أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا يومئذٍ من قومه وهو بعد على دين قومه إذ ذاك‏:‏

ألا إن عيني أنفذت دمعها سكباً * تبكي على كعب وما إن ترى كعبا

ألا إن كعباً في الحروب تخاذلوا * وأرداهموا إذا الدهر واجترحوا ذنبا

وعامر تبكي للملمات غدوةً * فيا ليت شعري هل أرى لهم قربا

فيا أخوينا عبد شمس ونوفل * فداً لكما لا تبعثوا بيننا حربا

ولا تصبحوا من بعد ودٍّ وإلفة * أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * وحرب أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا

فلولا دفاع الله لا شيء غيره * لأصبحتموا لا تمنعون لكم سربا

فما إن جنينا في قريش عظيمة * سوى أن حمينا خير من وطيء التربا

أخا ثقة في النائبات مرزَّءاً * كريماً ثناه لا بخيلاً ولا ذربا

يطيف به العافون يغشون بابه * يؤمون نهراً لا نزوراً ولا صربا

فوالله لا تنفك نفسي حزينة * تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا

 فصل رثاء المشركين قتلاهم يوم بدر‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق أشعاراً من جهة المشركين قوية الصنعة يرثون بها قتلاهم يوم بدر فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخب بني محارب بن فهر وقد أسلم بعد ذلك، والسهيلي في روضه يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك‏:‏

عجبت لفخر الأوس والحين دائر * عليهم غداً والدهر فيه بصائر

وفخر بني النجار إن كان معشر * أصيبوا ببدر كلهم ثمَّ صائر

فأن تك قتلى غودرت من رجالنا * فإنا رجالاً بعدهم سنغادر

وتردى بنا الجرد العناجيج وسطكم * بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر

ووسط بني النجار سوف نكرها * لها بالقنا والدارعين زوافر

فنترك صرعى تعصب الطير حولهم * وليس لهم إلا الأماني ناصر

وتبكيهم من أرض يثرب نسوةٌ * لهن بها ليل عن النوم ساهر

وذلك أنا لا تزال سيوفنا * بهن دم ممن يحاربن ماثر

فإن تظفروا في يوم بدر فإنما * بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر

وبالنفر الأخيار هم أولياؤه * يحامون في اللأواء والموت حاضر

يعد أبو بكر وحمزة فيهم * ويدعى علي وسط من أنت ذاكر

أولئك لا من نتجت من ديارها * بنو الأوس والنجار حين تفاخر

ولكن أبوهم من لؤي بن غالب * إذا عدت الأنساب كعب وعامر

هم الطاعنون السيل في كل معرك * غداة الهياج الأطيبون الأكابر

فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التي أسلفناها وهي قوله‏:‏

عجبت لأمر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال أبو بكر‏:‏ واسمه شداد بن الأسود بن شعوب‏.‏

قلت‏:‏ وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبي بكر الصديق حين طلقها الصديق وذلك حرم الله المشركات على المسلمين واسمها أم بكر‏:‏

تحيي بالسلامة أم بكرٍ * وهل لي بعد قومي من سلام

فماذا بالقليب قليب بدرٍ * من القينات والشرب الكرام

وماذا بالقليب قليب بدرٍ * من الشيزى تكلل بالسنام

وكم لك بالطوي طوي بدرٍ * من الحومات والنعم المسام

وكم لك بالطوى طوى بدرٍ * من الغايات والدسع العظام

وأصحاب الكريم أبي علي * أخي الكأس الكريمة والندام

وانك لو رأيت أبا عقيلٍ * وأصحاب الثنية من نعام

إذا لظللت من وجد عليهم * كأم السقب جائلة المرام

يخبرنا الرسول لسوف نحيا * وكيف حياة أصداء وهام

قلت‏:‏ وقد أورد البخاري بعضها في ‏(‏صحيحه‏)‏ ليعرف به حال قائلها‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال أمية بن أبي الصلت يرثي من قتل من قريش يوم بدر‏:‏

ألا بكيت على الكرا * م بني الكرام أولي الممادح

كبكاء الحمام على فرو * ع الأيك في الغصن الجوانح

يبكين حراً مستكيـ * ـنات يرحن مع الروائح

أمثالهن الباكيا * ت المعولات من النوائح

من يبكهم يبكي على * حزن ويصدق كل مادح

ماذا ببدر والعقنـ * ـقل من مرازبة جحاجح

فمدافع البرقين فالـ * ـحنان من طرف الأواشح

شمط وشبان بها * ليل مغاوير وحاوح

ألا ترون لما أرى * ولقد أبان لكل لامح

أن قد تغير بطن مكـ * ـة فهي موحشة الأباطح

من كل بطريق لبطـ * ـريق نقي الود واضح

دعموص أبواب الملو * ك وجائب للخرق فاتح

ومن السراطمة الخلا * جمة الملاوثة المناجح

القائلين الفاعلـ * ـين الآمرين بكل صالح

المطعمين الشحم فو * ق الخبز شحماً كالأنافح

نقل الجفان مع الجفا * ن إلى جفانٍ كالمناضح

ليست بأصفار لمن * يعفو ولا رح رحارح

للضيف ثم الضيف بعد * الضيف والبسط السلاطح

وهب المئين من المئـ * ـين إلى المئين من اللواقح

سوق المؤبل للمؤبــ * ـل صادرات عن بلادح

لكرامهم فوق الكرا * م مزية وزن الرواجح

كمثاقل الأرطال بالـ * ـقسطاس بالأيدي الموائح

خذلتهموا فئة وهم * يحمون عورات الفضائح

الضاربين التقدميـ * ـَّـة بالمنهدة الصفائح

ولقد عناني صوتهم * من بين مستسق وصائح

لله در بني عــ * ـلي أيمٍ منهم وناكح

إن لم يغيروا غارة * شعواء تحجر كل نابح

بالمقربات المبعدا * ت الطامحات مع الطوامح

مرداً على جرد إلى * أسد مكالبة كوالح

ويلاق قرن قرنه * مشي المصافح للمصافح

بزهاء ألفٍ ثم ألــ * ـفٍ بين ذي بدن ورامح

قال ابن هشام‏:‏ تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قلت‏:‏ هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس الذي حمله كثرة جهله وقلة عقله على أن مدح المشركين وذم المؤمنين واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشام وأضرابه من الكفرة اللئام والجهلة الطغام ولم يستوحش بها من عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله فخر البشر ومن وجهه أنور من القمر ذي العلم الأكمل والعقل الأشمل ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق والسابق إلى الخيرات وفعل المكرمات وبذل الألوف والمئات في طاعة رب الأرض والسموات‏.‏

وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والإسلام رضي الله عن جميعهم ما اختلط الضياء والظلام، وما تعاقبت الليالي والأيام‏.‏

وقد تركنا أشعاراً كثيرة أوردها ابن إسحاق رحمه الله خوف الإطالة وخشية الملالة وفيما أوردنا كفاية ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏

وقد قال الأموي في ‏(‏مغازيه‏)‏‏:‏ سمعت أبي حدثنا سليمان بن أرقم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن شعر الجاهلية‏.‏

قال سليمان فذكر ذلك الزهري فقال‏:‏ عفا عنه إلا قصيدتين؛ كلمة أمية التى ذكر فيها أهل بدر، وكلمة الأعشى التي يذكر فيها الأخوص، وهذا حديث غريب وسليمان بن أرقم هذا متروك والله أعلم‏.‏

 غزوة بني سليم في سنة ثنتين من الهجرة

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان - أو في شوال - ولما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، قال ابن هشام‏:‏ واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري - أو ابن أم مكتوم الأعمى -‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فبلغ ماء من مياههم يقال له‏:‏ الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش‏.‏

قال السهيلي‏:‏ والقرقرة الأرض الملساء، والكدر طير في ألوانها كدرة‏.‏

 فصل في غزوة السويق

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان أبو سفيان كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار - حين رجع إلى مكة‏.‏ ‏

ورجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً، فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له‏:‏ نيب من المدينة على بريد أو نحوه‏.‏

ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس‏.‏

ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالاً من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها‏:‏ العريض، فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما وانصرفوا راجعين، فنذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فبلغ قرقرة الكندر ثم انصرف راجعاً وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواداً كثيرة قد ألقاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق، فسميت غزوة السويق‏.‏

قال المسلمون‏:‏ يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏)‏‏)‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا ويمدح سلام بن مشكم اليهودي‏:‏

وإني تخيرت المدينة واحداً * لحلف فلم أندم ولم أتلوم

سقاني فرواني كميتاً مدامة * على عجل مني سلام بن مشكم

ولما تولى الجيش قلت ولم أكن * لافرحه‏:‏ أبشر بعز ومغنم

تأمل فإن القوم سر وإنهم * صريح لؤي لاشماطيط جرهم

وما كان إلا بعض ليلة راكب * أتى ساعياً من غير خلة معدم

 فصل في دخول علي بن أبي طالب على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب‏.‏

قال‏:‏ كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفاً مما أفاء الله من الخمس يومئذٍ فلما أردت ابتني فاطمة بنت النبى صلى الله عليه وسلم واعدت رجلاً صواغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بأذخر فأردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشارفي قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأت المنظر فقلت‏:‏ من فعل هذا‏؟‏

قالوا‏:‏ فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت وهو في شرب من الأنصار وعنده قينته وأصحابه، فقالت في غنائها‏:‏

ألا يا حمز للشرف النواء *

فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما‏.‏

قال علي‏:‏ فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏مالك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت يا رسول الله‏:‏ ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في البيت معه شرب‏.‏

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه‏.‏

ثم قال حمزة‏:‏ وهل أنتم إلا عبيداً لأبي فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه‏.‏

هذا لفظ البخاري في كتاب ‏(‏المغازي‏)‏‏.‏

وقد رواه في أماكن أخر من ‏(‏صحيحه‏)‏ بألفاظ كثيرة وفي هذا دليل على ما قدمنا من أن غنائم بدر قد خمست لا كما زعمه أبو عبيد القاسم ابن سلام في كتاب ‏(‏الأموال‏)‏ من أن الخمس إنما نزل بعد قسمتها وقد خالفه في ذلك جماعة منهم‏:‏ البخاري وابن جرير وبينا غلطه في ذلك في التفسير وفيما تقدم والله أعلم‏.‏

وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه رضي الله عنهم قبل أن تحرم الخمر بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي وذلك قبل تحريم الخمر والله أعلم‏.‏

وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبادة السكران مسلوبة لا تأثير لها لا في طلاق ولا إقرار ولا غير ذلك كما ذهب إليه من ذهب من العلماء كما هو مقرر في كتاب ‏(‏الأحكام‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل سمع علياً يقول‏:‏ أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فقلت‏:‏ مالي من شيء ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها إليه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هل لك من شيء‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فأين درعك الخطيمة التي أعطيتك يوم كذا وكذا‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ هي عندي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فأعطنيها‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأعطيتها إياه‏.‏

هكذا رواه أحمد في ‏(‏مسنده‏)‏ وفيه رجل مبهم‏.‏

وقد قال أبو داود‏:‏ حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ثنا عبدة، ثنا سعيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ لما تزوج علي فاطمة رضي الله عنهما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أعطها شيئاً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ما عندي شيء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أين درعك الخطيمة‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه النسائي عن هارون بن إسحاق، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب السختياني به‏.‏

وقال أبو داود حدثنا كثير بن عبيد الحمصي، ثنا أبو حيوة، عن شهيب بن أبي حمزة، حدثني غيلان بن أنس من أهل حمص، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن علياً لما تزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئاً فقال‏:‏ يا رسول الله ليس لي شيء‏.‏

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أعطها درعك‏)‏‏)‏‏.‏

فأعطاها درعه ثم دخل بها‏.‏

وقال البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي‏.‏

قال‏:‏ خطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت مولاة لي‏:‏ هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قلت‏:‏ لا‏.‏

قالت‏:‏ فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك‏.‏

فقلت‏:‏ وعندي شيء أتزوج به‏؟‏

فقالت‏:‏ إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أن قعدت بين يديه أفحمت فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما جاء بك ألك حاجة‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فسكتّ، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لعلك جئت تخطب فاطمة‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ نعم ‏!‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هل عندك من شيء تستحلها به‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ لا والله يا رسول الله ‏!‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما فعلت درع سلحتكها‏)‏‏)‏‏.‏

فوالذي نفس علي بيده أنها لخطيمة ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت‏:‏ عندي‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها‏)‏‏)‏، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فولدت فاطمة لعلي حسناً وحسيناً ومحسناً - مات صغيراً - وأم كلثوم وزينب‏.‏

ثم روى البيهقي‏:‏ من طريق عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي قال‏:‏ جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها أذخر‏.‏

ونقل البيهقي من كتاب ‏(‏المعرفة‏)‏ لأبي عبد الله بن منده أن علياً تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة وابتنى بها بعد ذلك بسنة أخرى‏.‏

قلت‏:‏ فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة فظاهر سياق حديث الشارفين يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية والله أعلم‏.‏

 فصل جمل من الحوادث سنة ثنتين من الهجرة

تقدم ما ذكرناه من تزويجه عليه السلام بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها‏.‏

وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة وقد تضمن ذلك وفيات أعيان من المشاهير من المؤمنين والمشركين، فكان ممن توفي فيها من الشهداء يوم بدر، ومنهم أربعة عشر ما بين مهاجري وأنصاري تقدم تسميتهم، والرؤساء من مشركي قريش وقد كانوا سبعين رجلاً على المشهور‏.‏

وتوفي بعد الوقعة بيسير أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب لعنه الله كما تقدم‏.‏

ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة بما أحل الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين وجدوا رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفيت وساووا عليها التراب‏.‏

وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرضها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك‏.‏

ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة، ثم زوجه بأختها الأخرى أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان‏:‏ ذو النورين، ويقال‏:‏ إنه لم يغلق أحد على ابنتي نبي واحدة بعد الأخرى غيره رضي الله عنه وأرضاه‏.‏

وفيها‏:‏ حولت القبلة كما تقدم وزيد في صلاة الحضر على ما سلف‏.‏

وفيها‏:‏ فرض الصيام صيام رمضان كما تقدم‏.‏

وفيها‏:‏ فرضت الزكاة ذات النصب، وفرضت زكاة الفطر‏.‏

وفيها‏:‏ خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ويهود بني حارثة، وصانعوا المسلمين وأظهر الإسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون منهم من هو على ما كان عليه، ومنهم من أنحل بالكلية فبقي مذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في كتابه‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفيها‏:‏ كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل وكانت معلقة بسيفه‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وقيل أن الحسن بن علي ولد فيها، قال‏:‏ وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر أن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة منها‏.‏

قال‏:‏ فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الأول باطل‏.‏

تمَّ الجزء الثالث من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الرابع وأوله سنة ثلاث من الهجرة‏.‏