الجزء الخامس - قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع

قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في رمضان من سنة تسع

تقدَّم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم، فدعا لهم بالهداية‏.‏

وقد تقدَّم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين أسلم مالك بن عوف النَّضري أنعم عليه وأعطاه وجعله أميراً على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتَّى ألجأهم إلى الدُّخول في الإسلام‏.‏

وتقدَّم أيضاً فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمسي، أنَّه لم يزل بثقيف حتَّى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَقبل بهم إلى المدينة النَّبوية بإذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم له في ذلك‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ وقدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشَّهر وفد من ثقيف، وكان من حديثهم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتَّى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام‏.‏

فقال له رسول الله - كما يتحدَّث قومه -‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّهم قاتلوك‏)‏‏)‏‏.‏

وعرف رسول الله أنَّ فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم‏.‏

فقال عروة‏:‏ يا رسول الله أنا أحبّ إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبباً مطاعاً، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلمَّا أشرف على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنُّبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنَّه قتله رجل منهم يقال له‏:‏ أوس بن عوف - أخو بني سالم بن مالك - ويزعم الأحلاف أنَّه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له‏:‏ وهب بن جابر‏.‏

فقيل لعروة‏:‏ ما ترى في دينك‏؟‏

قال‏:‏ كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فَّي إلا ما في الشُّهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم‏.‏

فزعموا أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال فيه‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/36‏)‏

وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة، ولكن زعم أنَّ ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصِّديق‏.‏

وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك، وهذا بعيد‏.‏

والصَّحيح أنَّ ذلك قبل حجة أبي بكر، كما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثمَّ أقامت ثقيف بعد قتل عروة شهراً، ثمَّ إنَّهم ائتمروا بينهم، رأوا أنَّه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم وذلك عن رأي عمرو بن أمية - أخي بني علاج - فائتمروا بينهم، ثمَّ أجمعوا على أن يرسلوا رجلاً منهم، فأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومعه اثنان من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك، وهم‏:‏ الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان ابن أبي العاص، وأوس بن عوف - أخو بني سالم -، ونمير بن خرشة بن ربيعة‏.‏

وقال موسى بن عقبة‏:‏ كانوا بضعة عشر رجلاً فيهم‏:‏ كنانة بن عبد ياليل - وهو رئيسهم -، وفيهم‏:‏ عثمان ابن أبي العاص - وهو أصغر الوفد -‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فلمَّا دنوا من المدينة ونزلوا قناة؛ ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا رآهم ذهب يشتدّ ليبشِّر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصِّديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والإسلام إن شرط لهم رسول الله شروطاً، ويكتبوا كتاباً في قومهم‏.‏

فقال أبو بكر للمغيرة‏:‏ أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتَّى أكون أنا أحدِّثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقدومهم‏.‏

ثمَّ خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيُّون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يفعلوا إلا بتحيَّة الجاهلية‏.‏

ولما قدموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضربت عليهم قبّة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله، فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتَّى يأكل خال ابن سعيد قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابهم‏.‏

قال‏:‏ وكان مما اشترطوا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يدع لهم الطَّاغية ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتَّى سألوه شهراً واحداً بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمى، إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا، وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أمَّا كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصَّلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه‏)‏‏)‏‏.‏

فقالوا‏:‏ سنؤتيكها وإن كانت دناءة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/37‏)‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عفَّان، ثنا محمد بن مسلمة عن حميد، عن الحسن، عن عثمان ابن أبي العاص أنَّ وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأنزلهم المسجد ليكون أرقّ لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن لاتحشروا، ولا يعشروا، ولا يجبوا، ولا يستعمل عليهم غيرهم‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لكم أن لا تحشروا، ولا تجبوا، ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه‏)‏‏)‏‏.‏

وقال عثمان ابن أبي العاص‏:‏ يا رسول الله علِّمني القرآن، واجعلني إمام قومي‏.‏

وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطَّيالسيّ، عن حمَّاد بن سلمة، عن حميد به‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ حدَّثنا الحسن بن الصباح، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدَّثني إبراهيم بن عقيل بن منبه، عن وهب، سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت‏.‏

قال‏:‏ اشترطت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا صدقة عليها، ولا جهاد‏.‏

وأنَّه سمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول بعد ذلك‏:‏ ‏(‏‏(‏سيتصدَّقون، ويجاهدون إذا أسلموا‏)‏‏)‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فلمَّا أسلموا وكتب لهم كتابهم، أمَّرَ عليهم عثمان ابن أبي العاص وكان أحدثهم سنَّاً‏.‏

لأنَّ الصِّديق قال‏:‏ يا رسول الله إنِّي رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التَّفقه في الإسلام، وتعلُّم القرآن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/38‏)‏

وذكر موسى بن عقبة أنَّ وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلَّفوا عثمان ابن أبي العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وسط النَّهار جاء هو إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسأله عن العلم، فاستقرأه القرآن، فإن وجده نائماً ذهب إلى أبي بكر الصِّديق، فلم يزل دأبه حتَّى فقه في الإسلام، وأحبَّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حبَّاً شديداً‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ حدَّثني سعيد ابن أبي هند، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان ابن أبي العاص قال‏:‏ كان من آخر ما عهد إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين بعثني إلى ثقيف قال‏:‏

‏(‏‏(‏يا عثمان تجوَّز في الصَّلاة، وأقدر النَّاس بأضعفهم فإنَّ فيهم الكبير، والصَّغير، والضَّعيف، وذا الحاجة‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سعيد الجريري عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عثمان ابن أبي العاص قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله اجعلني إمام قومي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنت إمامهم، فاقتد بأضعفهم، واتَّخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً‏)‏‏)‏‏.‏

رواه أبو داود، والتِّرمذي من حديث حمَّاد بن سلمة به‏.‏

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية، عن محمد بن إسحاق كما تقدَّم‏.‏

وروى أحمد عن عفَّان، عن وهب، وعن معاوية بن عمرو، عن زائدة كلاهما، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن داود ابن أبي عاصم، عن عثمان ابن أبي العاص أنَّ آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطَّائف، أن قال‏:‏

‏(‏‏(‏إذا صلَّيت بقوم فخفِّف بهم‏)‏‏)‏‏.‏

حتَّى وقَّت لي‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏}‏ وأشباهها من القرآن‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت سعيد بن المسيب قال‏:‏ حدَّث عثمان ابن أبي العاص قال‏:‏ آخر ما عهد إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن قال‏:‏

‏(‏‏(‏إذا أممت قوماً فخفِّف بهم الصَّلاة‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم، عن محمد بن مثنى، وبندار كلاهما، عن محمد بن جعفر، عن عبد ربه‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدَّثنا أبو أحمد الزُّبيري، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطَّائفي عن عبد الله بن الحكم أنَّه سمع عثمان ابن أبي العاص يقول‏:‏

استعملني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الطَّائف، فكان آخر ما عهد إليَّ أن قال‏:‏

‏(‏‏(‏خفِّف عن النَّاس الصَّلاة‏)‏‏)‏‏.‏

تفرَّد به من هذا الوجه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/39‏)‏

وقال أحمد‏:‏ حدَّثنا يحيى بن سعيد، أخبرنا عمرو بن عثمان، حدَّثني موسى - هو‏:‏ ابن طلحة - أنَّ عثمان ابن أبي العاص حدَّثه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمره أن يؤمَّ قومه‏.‏

ثمَّ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من أمَّ قوماً فليخفِّف بهم، فإنَّ فيهم الضَّعيف، والكبير، وذا الحاجة، فإذا صلَّى وحده فليصلِّ كيف شاء‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن النُّعمان بن سالم، سمعت أَشياخاً من ثقيف قالوا‏:‏ حدَّثنا عثمان ابن أبي العاص أنَّه قال‏:‏

قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ‏(‏‏(‏وأمَّ قومك، وإذا أممت قوماً، فخفِّف بهم الصَّلاة، فإنَّه يقوم فيها الصَّغير، والكبير، والضَّعيف، والمريض، وذو الحاجة‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدَّثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن الجريريّ، عن أبي العلاء بن الشَّخير أنَّ عثمان قال‏:‏ يا رسول الله حال الشَّيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذاك شيطان يقال له‏:‏ خنرب، فإذا أنت حسَسْته فتعوَّذ بالله منه، وأتفل عن يسارك ثلاثاً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ففعلت ذلك، فأذهبه الله عنِّي‏.‏

ورواه مسلم من حديث سعيد الجريريّ به‏.‏

وروى مالك، وأحمد، ومسلم، وأهل السُّنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان ابن أبي العاص أنَّه شكى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجعاً يجده في جسده‏.‏

فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل‏:‏ بسم الله ثلاثاً، وقل‏:‏ سبع مرات أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر‏)‏‏)‏‏.‏

وفي بعض الرِّوايات ففعلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم‏.‏

وقال أبو عبد الله ابن ماجه‏:‏ حدَّثنا محمد بن يسار، ثنا محمد ابن عبد الله الأنصاري، حدَّثني عيينة بن عبد الرَّحمن وهو - ابن جوشن -، حدَّثني أبي عن عثمان ابن أبي العاص قال‏:‏ لمَّا استعملني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الطَّائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتَّى ما أدري ما أصلِّي، فلمَّا رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏

‏(‏‏(‏ابن أبي العاص‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما جاء بك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ يا رسول الله عرض لي شيءٌ في صلاتي، حتَّى ما أدري ما أصلِّي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذاك الشَّيطان، أُدن‏)‏‏)‏‏.‏

فدنوت منه، فجلست على صدور قدمي‏.‏

قال‏:‏ فضرب صدري بيده، وتفل في فمي‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أخرج عدوَّ الله‏)‏‏)‏ فعل ذلك ثلاث مرات‏.‏

ثمَّ قال ‏(‏‏(‏الحق بعملك‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فقال عثمان‏:‏ فلعمري ما أحسبه خالطني بعد‏.‏

تفرَّد به ابن ماجه‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدَّثني عيسى بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثَّقفي، عن بعض وفدهم‏.‏

قال‏:‏ كان بلال يأتينا حين أسلمنا، وصمنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما بقي من شهر رمضان بفطورنا، وسحورنا، فيأتينا بالسّحور‏.‏

فإنَّا لنقول‏:‏ إنَّا لنرى الفجر قد طلع‏؟‏

فيقول‏:‏ قد تركت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتسحَّر لتأخير السُّحور، ويأتينا بفطرنا وإنَّا لنقول‏:‏ ما نرى الشَّمس ذهبت كلها بعد‏.‏

فيقول‏:‏ ما جئتكم حتَّى أكل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ يضع يده في الجفنة فيلقم منها‏.‏‏(‏ج/ص‏:‏ 5/40‏)‏

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطَّائفيّ عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جدِّه أوس بن حذيفة قال‏:‏ قدمنا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وفد ثقيف قال‏:‏ فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بني مالك في قبّة له، كلّ ليلة يأتينا بعد العشاء يحدِّثنا قائماً على رجليه، حتَّى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدّثنا ما لقي من قومه من قريش ثمَّ يقول‏:‏

‏(‏‏(‏لا آسى وكنَّا مستضعفين مستذلّين بمكة، فلمَّا خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، ندال عليهم، ويدالون علينا‏)‏‏)‏‏.‏

فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا‏:‏ لقد أبطأت علينا الليلة‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّه طرئ علي جزئي من القرآن، فكرهت أن أجيء حتَّى أتمه‏)‏‏)‏‏.‏

قال أوس‏:‏ سألت أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كيف يجزئون القرآن‏؟‏

فقالوا‏:‏ ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشر، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده‏.‏

لفظ أبو داود، قال ابن إسحاق‏:‏ فلمَّا فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتَّى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدِّم أبا سفيان، فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال‏:‏ أدخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بني معتب دونه خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود‏.‏

قال‏:‏ وخرج نساء ثقيف حسراً يبكين عليها، ويقلن‏:‏

لِنَبْكِيَنَّ دُفَّاعْ * أَسْلَمَها الرِضَاعْ، لَمْ يُحْسِنُوا المَصَاعْ

قال ابن إسحاق‏:‏ ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفاس‏:‏ وآهاً لك، وآهاً لك، فلما هدمها المغيرة، وأخذ مالها، وحليها، أرسل إلى أبي سفيان فقال‏:‏ إنَّ رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود، وأخيه الأسود بن مسعود، والد قارب بن الأسود دَينهما من مال الطاغية، يقضي ذلك عنهما‏.‏

قلت‏:‏ كان الأسود قد مات مشركاً، ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفاً وإكراماً لولده قارب بن الأسود رضي الله عنه‏.‏

وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلاً، فلمَّا قدموا، أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا، والزنا، والخمر، فحرَّم عليهم ذلك كله‏.‏

فسألوه عن الربة ما هو صانع بها‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اهدموها‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها‏.‏

فقال عمر بن الخطاب‏:‏ ويحك يا ابن عبد ياليل ما أجهلك، إنَّما الربة حجر‏.‏

فقالوا‏:‏ إنَّا لم نأتك يا ابن الخطاب، ثم قالوا يا رسول الله‏:‏ تولَّ أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبداً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/41‏)‏

فقال‏:‏ سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها، فكاتبوه على ذلك، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلمَّا جاءوا قومهم، تلقوهم فسألوهم ما وراءكم، فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف بحكم ما يريد وقد دوخ العرب، قد حرَّم الربا، والزنا، والخمر، وأمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف وقالوا‏:‏ لا نطيع لهذا أبداً قال‏:‏ فتأهَّبوا للقتال، وأعدّوا السِّلاح، فمكثوا على ذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله في قلوبهم الرُّعب فرجعوا، وأنابوا، وقالوا‏:‏ ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك، وصالحوه عليه‏.‏

قالوا‏:‏ فإنَّا قد فعلنا ذلك، ووجدناه أتقى النَّاس، وأوفاهم وأرحمهم، وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، وفيما قاضيناه فافهموا القضية، واقبلوا عافية الله‏.‏

قالوا‏:‏ فلم كتمتمونا هذا أولاً‏؟‏

قالوا‏:‏ أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشَّيطان فأسلموا مكانهم، ومكثوا أياماً، ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد أمَّر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات، وقد استكفت ثقيف رجالها، ونساءها، والصبيان، حتَّى خرج العواتق من الحجال، ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين يعني المعول وقال لأصحابه‏:‏ والله لأضحكنَّكم من ثقيف، فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض برجله، فارتجَّ أهل الطائف بصيحة واحدة، وفرحوا‏.‏

وقالوا‏:‏ أبعد الله المغيرة قتلته الربة، وقالوا لأولئك‏:‏ من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال‏:‏ والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجراً حجراً، حتَّى سووها بالأرض، وجعل سادنها يقول‏:‏ ليغضبنَّ الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد‏:‏ دعني أحفر أساسها، فحفروه حتَّى أخرجوا ترابها، وجمعوا ماءها، وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقسَّم أموالها من يومه، وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه، ونصرة رسوله‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي كتب لهم‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النَّبيّ رسول الله إلى المؤمنين‏:‏ إن عضاه وج وصيده لا يعضده من وجد يفعل شيئاً من ذلك فإنَّه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك فإنَّه يؤخذ فيبلغ به النَّبيّ محمداً وإنَّ هذا أمر النَّبيّ محمد‏.‏

وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/42‏)‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الله بن الحارث من أهل مكة مخزومي - حدثني محمد ابن عبد الله بن إنسان -وأثنى عليه خيراً - عن أبيه، عن عروة بن الزبير قال‏:‏ أقبلنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ليَّة، حتَّى إذا كنا عند السدرة، وقف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في طرف القرن حذوها فاستقبل محبساً ببصره يعني‏:‏ وادياً ووقف حتَّى اتفق النَّاس كلهم، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ صيد وج وعضاهه حرم محرم لله‏)‏‏)‏‏.‏

وذلك قبل نزوله الطائف، وحصاره ثقيفاً‏.‏

وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي‏.‏

وقد ذكره ابن حبان في ثقاته‏.‏

وقال ابن معين‏:‏ ليس به بأس، تكلم فيه بعضهم‏.‏

وقد ضعَّف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصحَّحه الشَّافعي وقال بمقتضاه، والله أعلم‏.‏

موت عبد الله بن أُبي قبَّحه الله

قال محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني الزُّهري عن عروة، عن أسامة بن زيد قال‏:‏ دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات فيه، فلمَّا عرف فيه الموت قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ‏(‏‏(‏أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه‏؟‏

وقال الواقدي‏:‏ مرض عبد الله بن أُبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يجود بنفسه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد نهيتك عن حب يهود‏)‏‏)‏‏.‏
فقال‏:‏ قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه‏؟‏

ثم قال‏:‏ يا رسول الله ليس هذا الحين عتاب هو الموت، فاحضر غسلي، وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفنيّ فيه، وصلِّ علي، واستغفر لي، ففعل ذلك به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

وروى البيهقيّ من حديث سالم بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس نحواً مما ذكره الواقدي، فالله أعلم‏.‏

وقد قال إسحاق بن راهويه‏:‏ قلت لأبي أسامة‏:‏ أحدَّثكم عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال‏:‏ لمَّا توفي عبد الله بن أبي ابن سلول، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسأله أن يعطيه قميصه ليكفِّنه فيه، فأعطاه ثم سأله أن يصلِّي عليه، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال‏:‏ يا رسول الله تصلِّي عليه وقد نهاك الله عنه‏؟‏

فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ ربي خيرني فقال‏:‏ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ إنَّه منافق أتصلي عليه‏؟‏

فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏‏.‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 84‏]‏‏.‏

فأقرَّ به أبو أسامة وقال‏:‏ نعم‏!‏

وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبي أسامة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/43‏)‏

وفي رواية للبخاري وغيره، قال عمر‏:‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله تصلي عليه وقد قال في يوم كذا وكذا، وقال في يوم كذا كذا وكذا‏!‏‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏دعني يا عمر فإني بين خيرتين ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت‏)‏‏)‏‏.‏

ثم صلَّى عليه، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ‏}‏ الآية‏.‏

قال عمر‏:‏ فعجبت من جرأتي على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والله ورسوله أعلم‏.‏

وقال سفيان بن عيينة‏:‏ عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول‏:‏ أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبر عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأُخرج، فوضعه على ركبتيه، أو فخذيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم‏.‏

وفي صحيح البخاري بهذا الإسناد مثله، وعنده أنَّه إنمَّا ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العبَّاس قميصاً حين قدم المدينة، فلم يجدوا قميصاً يصلح له إلا قميص عبد الله بن أُبي‏.‏

وقد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال، ومنعه الصدقة، وقد حررَّنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 75‏]‏ الآية‏.‏

فصل غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله عليه السلام‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يعدد أيَّام الأنصار مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه، قال ابن هشام‏:‏ وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان‏:‏

أَلَسْتَ خَيرَ مُعِدٍّ كُلِّهَا نَفَراً * وَمَعْشَراً إن همُوُا عُمَّوا وإن حُصِلُوا

قَوْمٌ همُوُا شَهدُوا بَدْراً بِأَجمَعِهِمْ * مَعَ الرسولِ فَمَا أَلوّا وَمَا خَذَلوا

وبَايَعُوهُ فَلَمْ يَنَكُث بِهِ أَحَد * مِنْهُمْ وَلمَ يك في إِيمَانِهِ دَخَلُ

وَيَوْمَ صَبَّحَهُمْ في الشِعْبِ مَنِ أُحُدٍ * ضَرْبٌ رَصِينْ كَحَرِّ النَّارِ مُشْتَعِلُ

وَيَومَ ذِي قَردٍ يَوْمَ استَثارَ بِهِم * عَلى الجِيَادِ فَما خَانُوا وَمَا نَكَلُوا

وَذا العشيرة جَاسُوها بخيلِهِم * مَع الرَّسول عليها البيض والأسلُ

وَيوم ودان أَجلوا أهلَهُ رَقصاً * بالخيلِ حتَّى نهَانا الحُزْنُ والجَبل

‏(‏ج/ص‏:‏ 5/44‏)‏

وَليلةٌ طلبوا فيها عدوهُمُ * لله والله يجْزيهمْ بما عَملوا

وَليلة بحنينٍ جَالدوا معه * فيها يعلّهِم في الحَرْبِ إذ نهِلُوا

وَغزوَةُ يومَ نجْدٍ ثم كان لهم * مع الرَّسولِ بها الأسلاب والنفلُ

وغَزوة القاعِ فرَّقنا العدو به * كما يفرق دون المشْرَبِ الرُّسل

وَيومَ بويعَ كانوا أهل بيعتِهِ * على الجلاد فآسُوة وما عدَلُوا

وَغزوَةُ الفَتْحِ كانوا في سريتِهِ * مرابطينَ فما طاشُوا وما عَجَلوا

وَيومَ خَيْبرَ كانوا في كتيبتِهِ * يمشون كلهم مستبسِلٌ بَطَلُ

بالبيض نَرْعَشُ في الإيمانِ عَاريةُ * تَعوجُ بالضَّرب أحياناً وَتعتدِلُ

وَيومَ سارَ رَسول اللهِ محتَسِباً * إلى تَبوك وهم راياتُهُ الأول

وسَاسة الحَربِ إِنْ حَرب بدتْ لهم * حتَّى بَدا لهم الإقبالُ والقَفْلُ

أولئِكَ القَوم أنصارُ النَّبيّ وَهم * قومي أصير إليهم حين أتَّصِل

مَاتُوا كِراماً وَلم تنكث عهودهُم * وقتلهم في سبيلِ اللهِ إذْ قتلُوا

ذكر بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر الصديق أميراً على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة

قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في رمضان، كما تقدم بيانه مبسوطاً قال‏:‏ أقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقية شهر رمضان، وشوالا، وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميراً على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت، أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة‏:‏ ‏{‏بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ‏}‏ إلى آخر القصة‏.‏

ثم شرع ابن إسحاق يتكلَّم على هذه الآيات، وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة‏.‏

والمقصود أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث علياً رضي الله عنه بعد أبي بكر الصديق ليكون معه، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لكونه ابن عمه من عصبته‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال‏:‏ لما نزلت براءة على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج، قيل له‏:‏ يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر‏.‏

فقال ‏(‏‏(‏لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي‏)‏‏)‏، ثم دعا علي ابن أبي طالب فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذِّن في النَّاس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته‏)‏‏)‏‏.‏

فخرج علي ابن أبي طالب على ناقة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم العضباء حتَّى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال‏:‏ أمير أو مأمور‏؟‏

فقال‏:‏ بل مأمور‏.‏

ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتَّى إذا كان يوم النحر قام علي ابن أبي طالب فأذَّن في النَّاس بالذي أمره به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أجل أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عهد فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

وهذا مرسل من هذا الوجه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/45‏)‏

وقد قال البخاري باب حج أبي بكر رضي الله عنه بالنَّاس سنة تسع‏:‏ حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح عن الزُّهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمَّره عليها النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في النَّاس أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوفن في البيت عريان‏.‏

وقال البخاري في موضع آخر‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال‏:‏ بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان‏.‏

قال حميد‏:‏ ثم أردف النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعلي فأمره أن يؤذن ببراءة‏.‏

قال أبو هريرة‏:‏ فأذَّن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان‏.‏

وقال البخاري في كتاب الجهاد‏:‏ حدَّثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب عن الزُّهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال‏:‏ بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى؛ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل‏:‏ الأكبر من أجل قول النَّاس العمرة الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى النَّاس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مشرك‏.‏

ورواه مسلم من طريق الزُّهري به نحوه‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا محمد بن جعفر، حدًثنا شعبة عن مغيرة، عن الشعبي، عن محرز ابن أبي هريرة، عن أبيه قال‏:‏ كنت مع علي ابن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ ما كنتم تنادون‏؟‏

قالوا‏:‏ كنا ننادي أنه لا يدخل الجنَّة إلا مؤمن، ولا يطوف في البيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عهد فإنَّ أجله أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر فإنَّ الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحجّ هذا البيت بعد العام مشرك‏.‏

قال‏:‏ فكنت أنادي حتَّى صحل صوتي‏.‏

وهذا إسناد جيد، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي‏:‏ إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر‏.‏

وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصَّحيح‏:‏ أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/46‏)‏

بقي قسم ثالث، وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول فيكون أجله إلى مدَّته وإن قل، ويحتمل أن يقال‏:‏ إنه يؤجَّل إلى أربعة أشهر، لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية، والله تعالى أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عفَّان، ثنا حماد عن سماك، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث براءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي‏)‏‏)‏‏.‏

فبعث بها مع علي ابن أبي طالب‏.‏

وقد رواه التِّرمذي من حديث حماد بن سلمة وقال‏:‏ حسن غريب من حديث أنس‏.‏

وقد روى عبد الله بن أحمد عن لوين، عن محمد بن جابر، عن سماك، عن حلس، عن علي أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة، رجع أبو بكر فقال‏:‏ يا رسول الله نزل فيَّ شيء‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا، ولكنَّ جبريل جاءني فقال‏:‏ لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا ضعيف الإسناد، ومتنه فيه نكارة، والله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن زيد بن بثيع رجل من همدان قال‏:‏ سألنا علياً بأي شيء بعثت يوم بعثه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع أبي بكر في الحجة‏؟‏

قال‏:‏ بأربع‏:‏ لا يدخل الجنَّة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحجّ المشركون بعد عامهم هذا‏.‏

وهكذا رواه التِّرمذي من حديث سفيان - هو‏:‏ ابن عيينة - عن أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن بثيع، عن علي به‏.‏

وقال‏:‏ حسن صحيح‏.‏

ثم قال‏:‏ وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال‏:‏ عن زيد بن أثيل‏.‏

ورواه الثوري عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه عن علي‏.‏

قلت‏:‏ ورواه ابن جرير من حديث معمر عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدَّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول‏:‏ سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول‏:‏ سألت علي ابن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر‏.‏

فقال‏:‏ إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث أبا بكر ابن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتَّى أتى عرفة فخطب النَّاس يوم عرفة فلما قضى خطبته، التفت إلي فقال‏:‏ قم يا علي فأدِّ رسالة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة، ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضوراً كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم‏.‏

قال علي‏:‏ فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة‏.‏

وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير وذكرنا أسانيد الأحاديث، والآثار في ذلك مبسوطاً بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/47‏)‏

قال الواقدي‏:‏ وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلثمائة من الصحابة، منهم‏:‏ عبد الرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعشرين بدنة، ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ببراءة أمام الموسم‏.‏
فصل موت النجاشي سنة تسع وموت أم كلثوم بنت رسول الله‏.‏

كان في هذه السنة - أعني في سنة تسع - من الأمور الحادثة غزوة تبوك في رجب كما تقدَّم بيانه‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة، ونعاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى النَّاس‏.‏

وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فغسَّلتها أسماء بنت عميس، وصفية بنت عبد المطلب، وقيل‏:‏ غسَّلها نسوة من الأنصار، فيهم‏:‏ أم عطية‏.‏

قلت‏:‏ وهذا ثابت في الصحيحين، وثبت في الحديث أيضاً أنه عليه السلام لما صلَّى عليها وأراد دفنها قال‏:‏ لا يدخله أحد قارف الليلة أهله، فامتنع زوجها عثمان لذلك، ودفنها أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة، كأبي عبيدة، وأبي طلحة ومن شابهم، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء‏)‏‏)‏‏.‏

إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذا بعيد، والله أعلم‏.‏

وفيها‏:‏ صالح ملك أيلة، وأهل جرباء، وأذرح، وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه‏.‏

وفيها‏:‏ هدم مسجد الضِّرار الذي بناه جماعة من المنافقين صورة مسجد وهو دار حرب في الباطن، فأمر به عليه السلام فحرق‏.‏

وفي رمضان منها‏:‏ قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم، ورجعوا إليهم بالأمان، وكسرت اللات كما تقدَّم‏.‏

وفيها‏:‏ توفي عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، لعنه الله‏.‏

في أواخرها وقبله بأشهر‏:‏ توفي معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الذي صلى عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ حجَّ أبو بكر رضي الله عنه بالنَّاس عن إذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم له في ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/48‏)‏

وفيها‏:‏ كان قدوم عامة وفود أحياء العرب، ولذلك تسمَّى‏:‏ سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتاباً برأسه اقتداء بالبخاري وغيره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/49‏)‏

كتاب الوفود الواردين إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال محمد بن إسحاق‏:‏ لما افتتح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكة وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمى‏:‏ سنة الوفود‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش، لأن قريشاً كانوا إمام النَّاس وهاديتهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وخلافه، فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش ودوخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كما قال عز وجل أفواجاً، يضربون إليه من كل وجه‏.‏

يقول الله تعالى لنبيه صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً‏}‏ ‏[‏النصر‏:‏ 1-3‏]‏‏.‏

أي‏:‏ فاحمد الله على ما ظهر من دينك، واستغفره إنه كان تواباً‏.‏

وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال‏:‏ كانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون‏:‏ اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر- أي قومي - بإسلامهم، فلما قدم قال‏:‏ جئتكم والله من عند النَّبيّ حقا، قال‏:‏ صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا، وذكر تمام الحديث، وهو في صحيح البخاري‏.‏

قلت‏:‏ وقد ذكر محمد بن إسحاق، ثم الواقدي والبخاري، ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى‏}‏‏[‏الحديد‏:‏ 10‏]‏‏.‏

وتقدم قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏يوم الفتح لا هجرة، ولكن جهاد ونية‏)‏‏)‏‏.‏

فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيراً وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق في الزمان والفضيلة، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/50‏)‏

على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها، ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه، وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان‏.‏

وقد قال محمد بن عمر الواقدي‏:‏ حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه، عن جده قال‏:‏ كان أول من وفد على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مضر أربعمائة من مزينة، وذاك في رجب سنة خمس، فجعل لهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الهجرة في دارهم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنتم مهاجرون حيث كنتم، فارجعوا إلى أموالكم‏)‏‏)‏‏.‏

فرجعوا إلى بلادهم‏.‏

ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي بإسناده‏:‏ أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه، فبايع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على إسلام قومه، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظنَّ فيهم فتأخرَّوا عنه، فأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتاً، فلما بلغت خزاعياً شكى ذلك إلى قومه، فجمعوا له، وأسلموا معه، وقدم بهم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفاً - إلى خزاعي هذا، قال‏:‏ وهو أخو عبد الله ذو البجادين‏.‏

وقال البخاري رحمه الله ‏(‏باب وفد بني تميم‏)‏‏:‏ حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي صخرة، عن صفوان بن محرز المازني، عن عمران بن حصين قال‏:‏ أتى نفر من بني تميم إلى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اقبلوا البشرى يا بني تميم‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا، فرؤي ذلك في وجهه‏.‏

ثم جاء نفر من اليمن فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ قبلنا يا رسول الله‏.‏

ثم قال البخاري‏:‏ حدَّثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال أبو بكر‏:‏ أمِّر القعقاع بن معبد بن زرارة‏.‏

فقال عمر‏:‏ بل أمِّر الأقرع بن حابس‏.‏

فقال أبو بكر‏:‏ ما أردت إلا خلافي‏.‏

فقال عمر‏:‏ ما أردت خلافك، فتماريا حتَّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت ‏{‏يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 1‏]‏ حتَّى انقضت‏.‏

ورواه البخاري أيضاً من غير وجه، عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخرى، قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ‏)‏‏)‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 2‏]‏ الآية‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ ولما قدمت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفود العرب، قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التَّميمي في أشراف بني تميم منهم‏:‏ الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التَّميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الأهتم، والحتحات بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/51‏)‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الأقرع بن حابس، وعيينة شهدا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فتح مكة وحنين والطَّائف، فلمَّا قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من صياحهم، فخرج إليهم‏.‏

فقالوا‏:‏ يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد أذنت لخطيبكم، فليقل‏)‏‏)‏‏.‏

فقام عطارد بن حاجب فقال‏:‏ الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنّ وهو أهله، الذي جعلنا ملوكاً، ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق، وأكثره عدداً، وأيسره عُدَّة، فمن مثلنا في النَّاس، ألسنا برؤس النَّاس، وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنَّا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكن نخشى من الإكثار فيما أعطانا، وإنَّا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمرٍ أفضل من أمرنا‏.‏

ثمَّ جلس‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج‏:‏ ‏(‏‏(‏قم فأجب الرَّجل في خطبته‏)‏‏)‏‏.‏

فقام ثابت فقال‏:‏ الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثمَّ كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً، واصطفى من خيرته رسولاً، أكرمه نسباً، وأصدقه حديثاً، وأفضله حسباً، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثمَّ دعا النَّاس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه، وذوي رحمه، أكرم النَّاس أحساباً، وأحسن النَّاس وجوهاً، وخير النَّاس فعالاً، ثمَّ كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحن، فنحن أنصار الله وزراء رسوله، نقاتل النَّاس حتَّى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبداً وكان قتله علينا يسيراً، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم‏.‏

فقام الزبرقان بن بدر فقال‏:‏

نحن الكِرام فلا حي يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع

وكم قسرنا من الأحياء كلهم * عند النِّهاب وفضل العز يُتَّبع

ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنسِ القَزعُ

بما ترى النَّاس تأتينا سُرَاتُهم * من كل أرض هوياً ثم نُصطنِعُ

فننحر الكوم غبطاً في أرومتنا * للنازلين إذا ما أُنزلوا شَبعوا

فما ترانا إلى حيٍ نُفاخرهم * إلا استفادوا وكانوا الرَّأس تُقتطعُ

فمن يُفاخرنا في ذاك نعرفَه * فيرجع القوم والأخبار تُستمعُ

إنَّا أبينا ولم يأبى لنا أحدٌ * إنَّا كذلك عند الفخرِ نرتفعُ ‏(‏ج/ص‏:‏5/52‏)‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان حسان بن ثابت غائباً فبعث إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال‏:‏ فلمَّا انتهيت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقام شاعر القوم فقال‏:‏ ما قال أعرضت في قوله، وقلت على نحو ما قال، فلمَّا فرغ الزبرقان قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحسان بن ثابت‏:‏ ‏(‏‏(‏قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال‏)‏‏)‏‏.‏

فقال حسان‏:‏

إنَّ الذَّوائب من فَهرٍ وأخوتهم * قد بيَّنوا سنةً للنَّاس تتبعُ

يرضى بها كل من كانت سريرتُهُ * تقْوى الإله وكلَّ الخير يصطنعُ

قومٌ إذا حاربوا ضرَّوا عدوهم * أو حاولوا النَّفع في أشياعهم نفعوا

سجيةُ تلك منهم غير محْدثةٍ * إنَّ الخلائق فاعلم شرها البدعُ

إنْ كان في النَّاس سبَّاقون بعدهمُ * فكل سبْقٍ لأدنى سبْقهم تبعُ

لا يرفع النَّاس ما أوهت أكفُّهمُ * عند الدِّفاع ولا يوهون ما رقعوا

إنْ سابقوا النَّاس يوماً فاز سبْقهمُ * أو وازنوا أهل مجدٍ بالنَّدى مَنعوا

أعفةٌ ذكرت في الوحي عفَّتهم * لا يَطمعون ولا يُردِيهمُ طمعُ

لا يبخلون على جارٍ بفضلهمُ * ولا يمسُّهم من مطمعٍ طبعُ

إذا نصبنا لحيٍّ لم ندّب لهم * كما يدّب إلى الوحشية الذرعُ

نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزَّعانف من أظفارها خشعوا

لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلعُ

كأنهم في الوغى والموت مكتَنِع * أُسدٌ بحلية في أرساعها فدعُ

خذْ منهم ما أتوا عفواً إذا غضبوا * ولا يكن همُّك الأمر الذي منعوا

فإن في حربهم فاترك عداوتهم * شرَّاً يخاض عليه السُّمُّ والسلعُ

أكْرم بقوم رسول الله شيعتهمْ * إذا تفاوتت الأهواء والشّيعُ

أهدى لهم مدحتي قلبٌ يؤازره * فيما أحب لسان حائكٍ صنع

فإنهم أفضل الأحياء كلِّهمُ * إن جدَّ في النَّاس جدُّ القول أو شمعوا ‏(‏ج/ص‏:‏5/53‏)‏

وقال ابن هشام‏:‏ أخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وفد بني تميم قام فقال‏:‏

أتيناك كيمَا يعلم النَّاس فضلنا * إذا اختلفوا عند احتضار المواسم

بأنَّا فروع النَّاس في كل موطنٍ * وأن ليس في أرض الحجاز كدارمِ

وأنَّا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأسَ الأصيد المتفاقمِ

وإنَّ لنا المِرْباعُ في كل غارة * تغيَّر بنجد أو بأرضِ الأعَاجم

قال‏:‏ فقام حسان فأجابه فقال‏:‏

هل المجد إلا السُّؤدد العود والنَّدى * وجاهُ الملوكِ واحتمال العظائم

نصرنا وآوينا النَّبيّ محمداً * على أنف راضٍ من معدٍ وراغم

بحي حريد أصله وثراؤه * بجَابية الجولان وسط الأعاجمِ

نصرناه لما حلَّ بين بيوتنا * بأسيافنا من كل باغٍ وظالمِ

جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطِبْنا له نفساً بفيءِ المغانمِ

ونحن ضربنا النَّاس حتَّى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصَّوارم

ونحن وَلدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبي الخير من آل هاشمِ

بني دارمٍ لا تفخروا إنَّ فخركم * يعود وبالاً عند ذكر المكارمِ

هَبِلْتُم علينا تفخرون وأنتمُ * لنا خول من بين ظِئْرٍ وخادمِ

فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم * أموالكم أن تُقسموا في المقاسم

فلا تجعلوا لله ندَّاً وأسلموا * ولا تلبسوا زيَّاً كزيِّ الأعاجم

قال ابن إسحاق‏:‏ فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس‏:‏ وأبي إنَّ هذا لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلا من أصواتنا‏.‏

قال‏:‏ فلما فرغ القوم أسلموا، وجوَّزهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سناً‏.‏

فقال قيس بن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الأهتم -‏:‏ يا رسول الله إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ما أعطى القوم‏.‏

قال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيساً قال ذلك يهجوه‏:‏

ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرَّسول فلم تصدقْ ولم تُصبِ

سدناكم سؤدداً رَهْوَاً وسؤددكم * بادٍ نواجذه مَقْعٍ على الذنب ‏(‏ج/ص‏:‏5/54‏)‏

وقد روى الحافظ البيهقي‏:‏ من طريق يعقوب بن سفيان، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظلي قال‏:‏ قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم، فقال لعمرو بن الاهتم‏:‏ ‏(‏‏(‏أخبرني عن الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه‏)‏‏)‏ وأراه كان قد عرف قيساً‏.‏

قال‏:‏ فقال‏:‏ مطاع في أذنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره‏.‏

فقال الزبرقان‏:‏ قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال‏.‏

قال‏:‏ فقال عمرو‏:‏ والله ما علمتك إلا زبر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال‏.‏

ثمَّ قال‏:‏ يا رسول الله قد صدقت فيها جميعاً أرضاني، فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم‏.‏

قال‏:‏ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ من البيان سحراً‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا مرسل من هذا الوجه‏.‏

قال البيهقي‏:‏ وقد روي من وجه آخر موصولاً‏.‏

أنبأنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، ثنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن العلاف ببغداد، حدَّثنا علي بن حرب الطَّائي، أنبأنا أبو سعد ابن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ جلس إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم التَّميميون، ففخر الزبرقان، فقال‏:‏ يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك - يعني‏:‏ عمرو بن الأهتم -‏

قال عمرو بن الأهتم‏:‏ إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه‏.‏

فقال الزبرقان‏:‏ والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد‏.‏

فقال عمرو بن الأهتم‏:‏ أنا أحسدك، فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولاً، وما كذبت فيما قلت آخراً، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى، والأخرى جميعاً‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن من البيان لسحراً‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا إسناد غريب جداً‏.‏

وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد جهَّزوا السلاح على خزاعة، فبعث إليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلاً، وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبياً، فقدم رؤساءهم بسبب أسراهم‏.‏

ويقال‏:‏ قدم منهم تسعين - أو ثمانين - رجلاً في ذلك منهم‏:‏ عطارد والزبرقان، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورباح بن الحارث، وعمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد وقد أذَّن بلال الظهر والنَّاس ينتظرون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليخرج إليهم فجعل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات فنزل فيهم ما نزل‏.‏

ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم وأنه عليه الصلاة والسلام أجازهم على كل رجل اثني عشر أوقية ونشاً، إلا عمرو بن الأهتم، فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/55‏)‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏‏.‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 4-5‏]‏‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ حدَّثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدَّثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء، في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ‏}‏‏.‏

قال‏:‏ جاء رجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ يا محمد إن حمدي زين وذمي شين‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذاك الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا إسناد جيد متصل‏.‏

وقد روى عن الحسن البصري وقتادة مرسلاً عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل‏.‏

فقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفَّان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس أنَّه نادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ يا محمد يا محمد‏.‏

وفي رواية‏:‏ يا رسول الله فلم يجبه‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله إن حمدي لزين وإن ذمي لشين‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذاك الله عز وجل‏)‏‏)‏

حديث في فضل بني تميم

قال البخاري‏:‏ حدَّثنا زهير بن حرب، حدَّثنا جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال‏:‏ لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقولها فيهم‏:‏ ‏(‏‏(‏هم أشدّ أمتي على الدَّجال‏)‏‏)‏ وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل‏)‏‏)‏ وجاءت صدقاتهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هذه صدقات قوم - أو قومي -‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به‏.‏

وهذا الحديث يردُّ على قتادة ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول‏:‏

تميمٌ بطرق اللؤم أهدى من القَطَا * ولو سلكتْ طرق الرَّشاد لضلَّتِ

ولو أنَّ بوغوثاً على ظهر قملةٍ * رأته تميم من بعيد لولَّتِ ‏(‏ج/ص‏:‏5/56‏)‏

وفد بني عبد القيس

ثمَّ قال البخاري‏:‏ بعد وفد بني تميم، باب وفد عبد القيس، حدَّثنا أبو إسحاق، حدَّثنا أبو عامر العقدي، حدَّثنا قرة عن أبي حمزة قال‏:‏ قلت لابن عبَّاس‏:‏ إن لي جرة ينتبذ لي فيها فأشربه حلواً في جر، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح‏؟‏‏.‏

فقال‏:‏ قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏مرحباً بالقوم غير خزايا ولا الندامى‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مُضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فحدِّثنا بجميل من الأمر أن عملنا به دخلنا الجنة، وندعوا به من وراءنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع‏:‏ الإيمان بالله هل تدرون ما الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع‏:‏ ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا وراه مسلم من حديث قرة بن خالد عن أبي حمزة، وله طرق في الصحيحين عن أبي جمرة‏.‏

وقال أبوداود الطيالسي في مسنده‏:‏ حدثنا شعبة عن أبي حمزة سمعت ابن عبَّاس يقول‏:‏ إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ممن القوم‏؟‏‏)‏‏)‏

قالوا‏:‏ من ربيعة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى‏)‏‏)‏‏.‏

فقالوا‏:‏ يا رسول الله إنَّا حيّ من ربيعة، وإنَّا نأتيك شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضر، وإنَّا لا نصل إليك إلا في شهر الحرام، فمُرنا بأمر فصلْ ندعوا إليه من وراءنا وندخل به الجنَّة‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، آمركم‏:‏ بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع‏:‏ عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت‏)‏‏)‏ - وربما قال‏:‏ ‏(‏‏(‏والمقير‏)‏‏)‏ - فاحفظوهن، وادعوا إليهن من وراءكم‏)‏‏)‏‏.‏

وقد أخرجاه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه‏.‏

وقد رواه مسلم من حديث سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق، وعنده أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأشج عبد القيس‏:‏ ‏(‏‏(‏إن فيك لخلتين يحبهما الله عز وجل، الحلم، والأناة‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية ‏(‏‏(‏يحبهما الله ورسوله‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله تخلقتهما أم جبلني الله عليهما‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏جبلك الله عليهما‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/57‏)‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا مطر بن عبد الرحمن سمعت هند بنت الوزاع أنها سمعت الوزاع يقول‏:‏ أتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والأشج المنذر بن عامر - أو عامر بن المنذر - ومعهم رجل مصاب، فانتهوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلما رأوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وثبوا من رواحلهم، فأتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقبَّلوا يده، ثم نزل الأشج فعقل راحلته، وأخرج عيبته ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله عز وجل ورسوله‏:‏ الحلم والأناة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله أنا تخلقتهما، أو جبلني الله عليهما‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل جبلك الله عليهما‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله عز وجل ورسوله‏.‏

فقال الوازع‏:‏ يا رسول الله إنَّ معي خالا لي مصاباً، فادع الله له‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أين هو، آتيني به‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فصنعت مثل ما صنع الأشج ألبسته ثوبيه، وأتيته، فأخذ من ورائه يرفعها حتَّى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أخرج عدو الله‏)‏‏)‏، فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح‏.‏

وروى الحافظ البيهقي من طريق هود بن عبد الله بن سعد أنه سمع جده مزيدة العبدي قال‏:‏ بينما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحدِّث أصحابه إذ قال لهم‏:‏ سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق، فقام عمر فتوجه نحوهم، فتلقى ثلاثة عشر راكباً فقال‏:‏ من القوم‏؟‏

فقالوا‏:‏ من بني عبد القيس‏.‏

قال‏:‏ فما أقدمكم هذه البلاد التجارة‏؟‏

قالوا‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أما إنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد ذكركم آنفاً، فقال خيراً، ثم مشوا معه حتَّى أتوا النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال عمر للقوم‏:‏ وهذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم، فمنهم من مشى، ومنهم من هرول، ومنهم من سعى، حتَّى أتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخذوا بيده فقبَّلوها، وتخلف الأشج في الركاب حتَّى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتَّى أخذ بيد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقبَّلها‏.‏

فقال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ فيك خلتين يحبهما الله ورسوله‏)‏‏)‏ قال‏:‏ جبل جبلت، أم تخلقاً مني‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل جبل‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/58‏)‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ وهو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانياً‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدَّثني من لا أتهم عن الحسن قال‏:‏ فلما انتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّمه، فعرض عليه الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال‏:‏ يا محمد إني كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني‏؟‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأسلم، وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الحملان‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏والله ما عندي ما أحملكم عليه‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوالاً من ضوال النَّاس أفنتبلغ عليها إلى بلادنا‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا إياك وإياها، فإنما تلك حرق النَّار‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فخرج الجارود راجعاً إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صلباً على دينه حتَّى هلك، وقد أدرك الردَّة، فلمَّا رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود، فتشهَّد شهادة الحق، ودعا إلى الإسلام فقال‏:‏ أيها النَّاس إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأكفِّر من لم يشهد‏.‏

وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي فأسلم، فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميراً لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على البحرين‏.‏
ولهذا روى البخاري من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبي جمرة، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في مسجد عبد القيس بجوَّانا من البحرين‏.‏

وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أخَّر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتَّى صلاهما بعد العصر في بيتها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/59‏)‏

قلت‏:‏ لكن في سياق ابن عبَّاس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة، لقولهم‏:‏ وبيننا وبينك هذا الحي من مُضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام، والله أعلم‏.‏

قصة ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب

قال البخاري‏:‏ باب وفد بني حنيفة‏:‏ وقصة ثمامة بن أثال، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدَّثنا اللَّيث بن سعد، حدَّثني سعيد ابن أبي سعيد، سمع أبا هريرة قال‏:‏ بعث النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له‏:‏ ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما عندك يا ثمامة‏)‏‏)‏‏؟‏

قال‏:‏ عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه حتَّى كان الغد‏.‏

ثم قال له‏:‏ ‏(‏‏(‏ما عندك يا ثمامة‏؟‏‏)‏‏)‏

فقال‏:‏ عندي ما قلت لك‏.‏

فقال‏:‏ أطلقوا ثمامة‏.‏

فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ، وإنَّ خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى‏؟‏

فبشره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل‏:‏ أصبوت‏؟‏

قال‏:‏ لا‏!‏ولكن أسلمت مع محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتَّى يأذن فيها النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏
وقد رواه البخاري في موضع آخر، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، كلهم عن قتيبة، عن الليث به‏.‏

وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر، وذلك أنَّ ثمامة لم يفد بنفسه، وإنما أسر وقدم به في الوثاق، فربط بسارية من سواري المسجد‏.‏

ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر، وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح، لأن أهل مكة عيَّروه بالإسلام، وقالوا‏:‏ أصبوت، فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتَّى يأذن فيها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فدلَّ على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب، لم يسلم أهلها بعد، والله أعلم‏.‏

ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة، وهو أشبه، ولكن ذكرناه ها هنا إتباعاً للبخاري رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/60‏)‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن عبد الله ابن أبي الحسين، ثنا نافع بن جبير عن ابن عبَّاس قال‏:‏ قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فجعل يقول‏:‏ إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدم في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قطعة جريد حتَّى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي رأيت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عني‏)‏‏)‏ ثم انصرف عنه‏.‏

قال ابن عبَّاس‏:‏ فسألت عن قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ‏(‏‏(‏إنك الذي رأيت فيه ما أريت‏)‏‏)‏ فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إليَّ في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا، فأوَّلتهما كذابين يخرجان بعدي، أحدهما‏:‏ الأسود العنسي، والآخر‏:‏ مسيلمة‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ قال البخاري‏:‏ حدَّثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر عن هشام بن أمية أنَّه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا عليّ، فأوحي إليَّ أن أنفخهما، فنفختهما فذهبا فأوَّلتهما الكذَّابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ قال البخاري‏:‏ ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن صالح، عن ابن عبيدة، عن نشيط - وكان في موضع آخر اسمه عبد الله - أنَّ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال‏:‏ بلغنا أنَّ مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث، وكان تحته الحارث بن كريز وهي‏:‏ أم عبد الله بن الحارث بن كريز، فأتاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذي يقال له‏:‏ خطيب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفي يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قضيب فوقف عليه فكلَّمه، فقال له مسيلمة‏:‏ إن شئت خليت بينك وبين الأمر، ثمَّ جعلته لنا بعدك‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه، وإني لأراك الذي رأيت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عني‏)‏‏)‏‏.‏

فانصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال عبيد الله بن عبد الله‏:‏ سألت ابن عبَّاس عن رؤيا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي ذكر‏.‏

فقال ابن عبَّاس‏:‏ ذكر لي أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بينا أنا نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما، فأذن لي فنفختهما فطارا فأوَّلتهما كذابين يخرجان‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عبيد الله‏:‏ أحدهما‏:‏ العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر‏:‏ مسيلمة الكذاب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/61‏)‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفد بني حنيفة فيهم‏:‏ مسيلمة بن ثمامة ابن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزول بن حنيفة، ويكنى‏:‏ أبا ثمامة، وقيل‏:‏ أبا هارون، وكان قد تسمى بالرحمان فكان يقال له‏:‏ رحمان اليمامة، وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبواباً من النيرجات فكان يدخل البيضة إلى القارورة وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثمَّ يصله ويدَّعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها‏.‏

قلت‏:‏ وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله لعنه الله‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار ثمَّ من بني النجار فحدَّثني بعض علمائنا من أهل المدينة أنَّ بني حنيفة أتت به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تستره بالثياب ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه‏)‏‏)‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدَّثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة أنَّ حديثه كان على غير هذا، وزعم أنَّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا‏:‏ يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحباً لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا‏.‏

قال‏:‏ فأمر له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمثل ما أمر به للقوم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما أنه ليس بشركم مكاناً‏)‏‏)‏ أي‏:‏ لحفظه ضيعة أصحابه، ذلك الذي يريد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ثمَّ انصرفوا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجاؤا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلما انتهوا إلى اليمامة ارتدَّ عدو الله وتنبَّأ وتكذب لهم‏.‏

وقال‏:‏ إني قد أشركت في الأمر معه وقال لوفده الذين كانوا معه‏:‏ ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما إنه ليس بشركم مكاناً ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه؛ ثمَّ جعل يسجع لهم السجعات ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن‏:‏ لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة‏.‏

وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأنه نبي فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/62‏)‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فالله أعلم أي ذلك كان‏.‏

وذكر السهيلي وغيره‏:‏ أن الرحال بن عنفوة - واسمه نهار بن عنفوة - وكان قد أسلم وتعلم شيئاً من القرآن وصحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مدة وقد مرَّ عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو جالس مع أبي هريرة وفرات بن حيان فقال لهم‏:‏ ‏(‏‏(‏أحدكم ضرسه في النَّار مثل أُحد‏)‏‏)‏

فلم يزالا خائفين حتَّى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زوراً أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أشركه في الأمر معه وألقى إليه شيئاً مما كان يحفظه يوم اليمامة من القرآن فادَّعاه مسيلمة لنفسه، فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة، وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي‏.‏

قال السهيلي‏:‏ وكان مؤذن مسيلمة يقال له‏:‏ حجير وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل، وأضيف إليهم سجاح، وكانت تكنى‏:‏ أم صادر تزوَّجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها‏:‏ زهير بن عمرو، وقيل‏:‏ جنبة بن طارق ويقال‏:‏ إن شبث بن ربعي أذَّن لها أيضاً ثمَّ أسلم، وقد أسلمت هي أيضاً أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها‏.‏

وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق‏:‏ وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏

من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله؛ سلام عليك أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك فإن لنا نصف الأمر ولقريش نصف الأمر، ولكن قريشاً قوم لا يعتدون‏.‏

فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب‏.‏

فكتب إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعني‏:‏ ورود هذا الكتاب‏.‏

قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق‏:‏ فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين جاءه رسولاً مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما‏:‏ ‏(‏‏(‏وأنتما تقولان مثل ما يقول‏)‏‏)‏‏.‏

قالا‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدَّثنا المسعودي عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله ابن مسعود قال‏:‏ جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال لهما‏:‏ ‏(‏‏(‏أتشهدان أني رسول الله‏)‏‏)‏‏.‏

فقالا‏:‏ نشهد أن مسيلمة رسول الله‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏آمنت بالله ورسله ولو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما‏)‏‏)‏‏.‏

قال عبد الله بن مسعود‏:‏ فمضت السُّنة بأن الرسل لا تقتل‏.‏

قال عبد الله‏:‏ فأما ابن أثال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتَّى أمكن الله منه‏.‏

قال الحافظ البيهقي‏:‏ أما أسامة بن أثال فإنه أسلم، وقد مضى الحديث في إسلامه‏.‏

وأما ابن النواحة فإن ابن مسعود قتله بالكوفة حين أمكن الله منه‏.‏

فأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل ابن أبي خالد عن قيس ابن أبي حازم قال‏:‏ جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال‏:‏ إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرؤن قراءة ما أنزلها الله على محمد صلَّى الله عليه وسلَّم والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً‏.‏

قال‏:‏ فأرسل إليهم عبد الله فأتي بهم وهم سبعون رجلاً ورأسهم عبد الله بن النواحة‏.‏

قال‏:‏ فأمر به عبد الله فقتل ثم قال‏:‏ ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء، ولكن نحوزهم إلى الشام لعلَّ الله أن يكفيناهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/63‏)‏

وقال الواقدي‏:‏ كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلاً عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم الرحال ابن عنفوة، وطلق بن علي، وعلي بن سنان، ومسيلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزاً ولحماً، ومرة خبزاً ولبناً، ومرة خبزاً، ومرة خبزاً وسمناً، ومرة تمراً ينزلهم، فلما قدموا المسجد أسلموا، وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، لما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم لما ذكروا أنه في رحالهم‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما إنه ليس بشركم مكاناً‏)‏‏)‏‏.‏

فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال‏:‏ إنما قال ذلك لأنه عرف أن الأمر لي من بعده وبهذه الكلمة تشبث قبَّحه الله حتَّى ادَّعى النبوة‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وقد كان رسول الله بعث معهم بأدواة فيها فضل طهوره وأمرهم أن يهدموا بيعتهم، وينضحوا هذا الماء مكانه، ويتخذوه مسجداً، ففعلوا‏.‏

وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق، وما كان من أمر بني حنيفة إن شاء الله تعالى‏.‏

وفد أهل نجران

قال البخاري‏:‏ حدَّثنا عبَّاس بن الحسين ثنا يحيى بن آدم عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال‏:‏ جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يريدان أن يلاعناه قال‏:‏ فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ لا تفعل فوالله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا‏.‏

قالا‏:‏ إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا رجلاً أميناً‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين‏)‏‏)‏‏.‏

فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال‏:‏ قم يا أبا عبيدة بن الجراح‏.‏

فلما قام قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏هذا أمين هذه الأمة‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه البخاري أيضاً ومسلم من حديث شعبة عن أبي إسحاق به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/64‏)‏

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي‏:‏ أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا‏:‏ ثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن سلمة بن يشوع، عن أبيه، عن جده قال يونس‏:‏ وكان نصرانياً فأسلم - أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان؛ ‏(‏‏(‏باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النَّبيّ رسول الله إلى أسقف نجران أسلم أنتم، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام‏)‏‏)‏‏.‏

فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه قطع به وذعر به ذعراً شديداً وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له‏:‏ شرحبيل بن وداعة - وكان من همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الأتهم، ولا السيد ولا العاقب - فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى شرحبيل فقرأه‏.‏

فقال الأسقف‏:‏ يا أبا مريم ما رأيك‏؟‏

فقال شرحبيل‏:‏ قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي، وجهدت لك‏.‏

فقال له الأسقف‏:‏ تنح فاجلس‏.‏

فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له‏:‏ عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي‏.‏

فقال له مثل قول شرحبيل‏.‏

فقال له الأسقف‏:‏ تنح فاجلس‏.‏

فتنحى فجلس ناحيته وبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له‏:‏ جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه‏.‏

فقال له مثل قول شرحبيل، وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحيته، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعاً أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران و المسموح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلوا إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي، فيأتوهم بخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/65‏)‏

قال‏:‏ فانطلق الوفد حتَّى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللاً لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتَّى أتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسلَّموا فلم يرد عليهم السلام، وتصدُّوا لكلامه نهاراً طويلاً فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانوا يعرفونهما فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس‏.‏

فقالوا‏:‏ يا عثمان ويا عبد الرحمن‏!‏إنَّ نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلَّمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهاراً طويلاً فأعيانا أن يكلّمنا فما الرأي منكما، أترون أن نرجع‏؟‏

فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم‏:‏ ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم‏؟‏

فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن‏:‏ أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودوا إليه‏.‏

ففعلوا فسلَّموا فردَّ سلامهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم‏)‏‏)‏‏.‏

ثم ساءلهم وسائلوه فلم تزل به وبهم المسألة حتَّى قالوا‏:‏ ما تقول في عيسى‏؟‏ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إن كنت نبياً أن نسمع ما تقول فيه‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتَّى أخبركم بما يقول الله في عيسى‏)‏‏)‏‏.‏

فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ‏}‏‏.‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59-61‏]‏‏.‏

فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة‏.‏

فقال شرحبيل لصاحبيه‏:‏ قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا، ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمراً ثقيلاً والله لئن كان هذا الرجل ملكاً متقوياً فكنا أول العرب طعن في عيبته، ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتَّى يصيبونا بحائجة، وإنا أدنى العرب منهم جواراً ولئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك‏.‏

فقال له صاحباه‏:‏ فما الرأي يا أبا مريم‏؟‏‏.‏

فقال‏:‏ رأيي أن أحكِّمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً‏.‏

فقالا له‏:‏ أنت وذاك‏.‏

قال‏:‏ فتلقى شرحبيل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏وما هو‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فما حكمك فينا فهو جائز‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لعل وراءك أحد يثرب عليك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال شرحبيل‏:‏ سل صاحبي‏.‏

فقالا‏:‏ ما ترد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏كافر‏)‏‏)‏ أو قال‏:‏ ‏(‏‏(‏جاحد موفق‏)‏‏)‏‏.‏

فرجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يلاعنهم حتَّى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب‏:‏

‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النَّبيّ الأمي رسول الله لنجران أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم، وترك ذلك كله على ألفي حلة من حلل الأواقي، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة‏)‏‏)‏‏.‏

وذكر تمام الشروط إلى أن شهد أبو سفيان ابن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة، وكتب حتَّى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له‏:‏ بشر بن معاوية، وكنيته‏:‏ أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الأسقف، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر، غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقال له الأسقف عند ذلك‏:‏ قد والله تعست نبياً مرسلاً‏.‏

فقال له بشر‏:‏ لا جرم والله لا أحل عنها عقداً حتَّى آتي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فضرب وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له‏:‏ افهم عني إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه، أو رضينا بصوته، أو نجعنا لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب، ونحن أعزهم وأجمعهم داراً‏.‏

فقال له بشر‏:‏ لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبداً، فضرب بشر ناقته وهو مولي الأسقف ظهره وارتجز يقول‏:‏

إليك تغدو وضينُها * مُعترضاً في بطنها جنينها

مخالفاً دين النصارى دينها ‏(‏ج/ص‏:‏5/67‏)‏

حتَّى أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلم ولم يزل معه حتَّى قتل بعد ذلك، قال‏:‏ ودخل الوفد نجران، فأتى الراهب ابن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته فقال له‏:‏ إنَّ نبياً بعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا، وأن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم‏.‏

فقال الراهب‏:‏ أنزلوني، وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة‏.‏

قال‏:‏ فأنزلوه، فأخذ معه هدية وذهب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء، وقعب، وعصا‏.‏

فأقام مدة عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسمع الوحي، ثم رجع إلى قومه ولم يقدر له الإسلام، ووعد أنه سيعود، فلم يقدر له حتَّى توفي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه السيد والعاقب، ووجوه قومه، فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه، وكتب للأسقف هذا الكتاب، ولأساقفة نجران بعده‏:‏

‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النَّبيّ للأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم، ورهبانهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير، جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبداً، ما أصلحوا ونصحوا، عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين‏)‏‏)‏‏.‏

وكتب المغيرة بن شعبة‏.‏

وذكر محمد بن إسحاق أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكباً، يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، وهم العاقب واسمه‏:‏ عبد المسيح، والسيد‏:‏ وهو الأتهم، وأبو حارثة بن علقمة، وأوس بن الحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنس، وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤل إلى ثلاثة منهم، وهم العاقب وكان أمير القوم، وذا رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان ثمالهم، وصاحب رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم، وخيرهم، وكان رجل من العرب من بكر بن وائل، ولكن دخل في دين النصرانية، فعظَّمته الرُّوم، وشرفوه، وبنوا له الكنائس، ومولوه، وخدموه، لما يعرفون من صلابته في دينهم، وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولكن صده الشرف والجاه من اتباع الحق‏.‏

وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق‏:‏ حدثني بريدة بن سفيان عن ابن البيلماني، عن كرز بن علقمة قال‏:‏ قدم وفد نصارى نجران ستون راكباً، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم‏:‏ العاقب، والسيد، وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل أسقفهم، وصاحب مدارستهم، وكانوا قد شرَّفوه فيهم، وموَّلوه، وأكرموه، وبسطوا عليه الكرامات، وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له وإلى جنبه أخ له يقال له‏:‏ كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة‏.‏

فقال كرز‏:‏ تعس الأبعد - يريد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقال له أبو حارثة‏:‏ بل أنت تعست‏.‏

فقال له كرز‏:‏ ولم يا أخي‏.‏

فقال‏:‏ والله إنَّه للنبي الذي كنا ننتظره‏.‏

فقال له كرز‏:‏ وما يمنعك وأنت تعلم هذا‏.‏

فقال له‏:‏ ما صنع بنا هؤلاء القوم شرَّفونا، وموَّلونا، وأخدمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى‏.‏

قال‏:‏ فأضمر عليها منه أخوه كرز حتَّى أسلم بعد ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/68‏)‏

وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمل وثياب حسان، وقد حانت صلاة العصر، فقاموا يصلون إلى المشرق‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏دعوهم‏)‏‏)‏‏.‏

فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة، والسيد، والعاقب، حتَّى نزل فيهم صدر من سورة آل عمران، والمباهلة، فأبوا ذلك، وسألوا أن يرسل معهم أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، كما تقدم في رواية البخاري، وقد ذكرنا ذلك مستقصىً في تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة‏.‏

وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن مقيس

قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفد بني عامر بن الطفيل، وأربد بن مقيس بن جزء بن جعفر بن خالد، وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم، وقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه‏:‏ يا أبا عامر إنَّ النَّاس قد أسلموا فأسلم‏.‏

قال‏:‏ والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتَّى تتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش‏؟‏

ثم قال لأربد‏:‏ إن قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك، فأعله بالسيف، فلما قدموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال عامر بن الطفيل‏:‏ يا محمد خالني‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا والله حتَّى تؤمن بالله وحده‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يا محمد خالني‏.‏

قال‏:‏ وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئاً، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال‏:‏ يا محمد خالني‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا حتَّى تؤمن بالله وحده لا شريك له‏)‏‏)‏‏.‏

فلما أبى عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال‏:‏ أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً‏.‏

فلما ولى قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اكفني عامر بن الطفيل‏)‏‏)‏‏.‏

فلما خرجوا من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال عامر بن الطفيل لأربد‏:‏ أين ما كنت أمرتك به‏؟‏ والله ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً‏.‏

قال‏:‏ لا أبالك، لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دَخَلْتَ بيني وبين الرجل، حتَّى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف‏؟‏

وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتَّى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول‏:‏ يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/69‏)‏

قال ابن هشام‏:‏ ويقال‏:‏ أغدة كغدة الإبل، وموت في بيت سلولية‏.‏

وروى الحافظ البيهقي من طريق الزبير بن بكار حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن موءلة عن أبيها، عن جدها موءلة بن جميل قال‏:‏ أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عامر أسلم‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ أسلم على أن لي الوبر ولك المدر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أسلم‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ أسلم على أن لي الوبر، ولك المدر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏‏.‏

فولى وهو يقول‏:‏ والله يا محمد لأملأنها عليك خيلاً جرداً، ورجالاً مرداً، ولأربطن بكل نخلة فرساً‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اكفني عامراً، واهد قومه‏)‏‏.‏

فخرج حتَّى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها‏:‏ سلولية فنزل عن فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه، فوثب على فرسه، وأخذ رمحه، وأقبل يجول وهو يقول‏:‏ غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، فلم تزل تلك حاله حتَّى سقط عن فرسه ميتاً‏.‏

وذكر الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في ‏(‏الإستيعاب في أسماء الصحابة‏)‏ موءلة هذا فقال‏:‏ هو موءلة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بني عامر بن صعصعة، أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو ابن عشرين سنة، فأسلم وعاش في الإسلام مائة سنة، وكان يدعى ذا اللِّسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز، وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل‏:‏ غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية‏.‏

قال الزبير بن بكار‏:‏ حدثتني ظميا بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن جميل بن خالد بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قالت‏:‏ حدثني أبي عن أبيه، عن موءلة أنه أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومسح يمينه، وساق إبله إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فصدقها بنت لبون، ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعاش في الإسلام مائة سنة، وكان يسمى ذا اللِّسانين من فصاحته‏.‏

قلت‏:‏ والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي، قد ذكراها بعد الفتح، وذلك لما رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعيّ، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس في قصة بئر معونة، وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك وغدره بأصحاب بئر معونة، حتَّى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم‏.‏

قال الأوزاعيّ‏:‏ قال يحيى‏:‏ فمكث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحاً‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت، وابعث عليه ما يقتله‏)‏‏)‏‏.‏

فبعث الله عليه الطاعون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/70‏)‏

وروي عن همام، عن إسحاق ابن عبد الله، عن أنس في قصة ابن ملحان قال‏:‏ وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ أخيرك بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ويكون لي أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر، وألف شقراء‏.‏

قال‏:‏ فطعن في بيت امرأة‏.‏

فقال‏:‏ غدة كغدة البعير، وموت في بيت امرأة من بني فلان، إئتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثم خرج أصحابه حين رأوه، حتَّى قدموا أرض بني عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا‏:‏ وما وراءك يا أربد‏؟‏

قال‏:‏ لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتَّى أقتله الآن، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه، فقال لبيد يبكي أربد‏:‏

ما أنْ تعدِّي المنون من أَحَدٍ * لا والدٍ مُشْفِقٍ ولا ولدِ

أَخْشى على أَرْبدِ الحتوفِ وَلا * أَرهبُ نوءَ السماكِ والأسَدِ

فَعْينَ هلاّ بَكيتِ أَربد إذْ * قُمْنَا وَقام النِساءُ في كَبِدِ

إنْ يَشْغَبُوا لا يُبَالُ شغْبَهُمُ * أَو يَقْصِدُوا في الحكومِ يَقْتَصِدِ

حُلْوٌ أَريبٌ وَفي حَلاوَتِهِ * مُرٌ لصيقُ الأَحْشاءِ والكَبِدِ

وَعينُ هَلاَ بَكَيْتِ أَربَدَ إذْ * أَلْوَتْ رياحُ الشِّتاءِ بالعَضُدِ

وَأَصْبَحَتْ لاقحاً مصرمةً * حتَّى تجلَّت غوابرُ المددِ

أَشْجَعُ مِن ليثِ غابةٍ لحمٍ * ذُو نهمةٍ في العُلا ومنتقدِ

لا تَبلُغ العَينْ كُلَّ نهمتِها * ليلةَ تمُسى الجيادُ كالقِدَدِ

الباعِث النَوْحَ في مآتمِهِ * مِثْلَ الظِبَاءِ الأبكارِ بالجُرَدِ

فَجَعَني البرق والصواعِقُ بالفا * رِسِ يومَ الكريهَةِ النَجُدِ

والحاربِ الجابرِ الحريبِ إذا * جاء نكيباً وإن يعدْ يعدِ

يَعْفُو على الجُهْدِ والسُّؤالِ كَما * ينبتُ غيثُ الرَّبيعِ ذو الرَّصَدِ

كُلُّ بني حرَّةٍ مصيرهُمُ * قَلَّ وإن كثروا من العدَدِ

إنْ يغبِطُوا يهبِطُوا وإن أمِروا *يوماً فهم للهلاكِ والنفدِ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/71‏)‏

وقد روى ابن إسحاق‏:‏ عن لبيد أشعاراً كثيرة في رثاء أخيه لأمه أربد بن قيس، تركناها إختصاراً واكتفاءً بما أوردناه، والله الموفق للصواب‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ وذكر زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ فأنزل الله عز وجل في عامر وأربد‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏}‏‏[‏الرعد‏:‏ 8-11‏]‏‏.‏

يعني‏:‏ محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم ثم ذكر أربد وقتله‏.‏

فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ‏}‏‏.‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 11-13‏]‏‏.‏

قلت‏:‏ وقد تكلَّمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد، ولله الحمد والمنة‏.‏

وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام رحمه الله فروينا من طريق الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال‏:‏ حدَّثنا مسعدة بن سعد العطار، حدَّثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدَّثني عبد العزيز بن عمران، حدَّثني عبد الرحمن، وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبَّاس أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فانتهيا إليه، وهو جالس فجلسا بين يديه‏.‏

فقال عامر بن الطفيل‏:‏ يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏مالك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم‏)‏‏)‏‏.‏

قال عامر‏:‏ أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ أنا الآن في أعنة خيل نجد، إجعل لي الوبر ولك المدر‏.‏

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏‏.‏

فلما قفا من عنده قال عامر‏:‏ أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏يمنعك الله‏)‏‏)‏‏.‏

فلما خرج أربد وعامر‏.‏

قال عامر‏:‏ يا أربد أنا أشغل محمداً بالحديث فاضربه بالسيف، فإنَّ النَّاس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدِّية، ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدِّية‏.‏

قال أربد‏:‏ أفعل، فأقبلا راجعين إليه‏.‏

فقال عامر‏:‏ يا محمد قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فخليا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله يكلمه، وسلَّ أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سلَّ السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى إذا كانا بالحرة، حرة واقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير‏.‏

فقالا‏:‏ اشخصا يا عدوا الله لعنكما الله‏.‏

فقال عامر‏:‏ من هذا يا سعد‏؟‏

قال‏:‏ أسيد بن حضير الكتائب، فخرجا حتَّى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتَّى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول‏:‏ غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، يرغب عن أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضرها حتَّى مات عليه راجعاً‏.‏

فأنزل الله فيهما ‏{‏اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ‏}‏ إلى قوله له‏:‏ ‏{‏لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

ثم ذكر أربد وما قتله به فقال‏:‏ ‏{‏وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ‏}‏ الآية‏.‏

وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم من قصة عامر، وأربد، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج /ص‏:‏ 5/72‏)‏

وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسي رضي الله عنه على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمكة وإسلامه، وكيف جعل الله له نوراً بين عينيه، ثم سأل الله فحوله له إلى طرف سوطه، وبسطنا ذلك هنالك، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا كما صنع البيهقي وغيره‏.‏

قدوم ضمام بن ثعلبة وافداً على قومه

قال ابن إسحاق‏:‏ حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقدم إليه، وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتَّى وقف على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أصحابه، فقال‏:‏ أيكم ابن عبد المطلب‏؟‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ‏(‏‏(‏أنا ابن عبد المطلب‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا محمد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ أنشدك إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولاً‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأنشدك الله، إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئاً، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأنشدك الله، إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة، فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها، كما يشهده في التي قبلها، حتَّى إذا فرغ قال‏:‏ فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعاً‏.‏

قال‏:‏ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتَّى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم أن قال‏:‏ بئست اللات والعزى‏.‏

فقالوا‏:‏ مه يا ضمام، اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون‏.‏

فقال‏:‏ ويلكم إنهما والله لا يضران، ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً، استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما أمسى من ذلك اليوم، وفي حاضره رجلٌ ولا امرأةٌ إلاّ مسلماً‏.‏

قال‏:‏ يقول ابن عبَّاس‏:‏ فما سمعنا بوافد كان أفضل من ضمام بن ثعلبة‏.‏

وهكذا رواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزُّهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق فذكره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/73‏)‏

وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن سلمة بن كهيل، ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ابن عبَّاس بنحوه‏.‏

وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح، لأن العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح‏.‏

وقد قال الواقدي‏:‏ حدَّثني أبو بكر ابن عبد الله ابن أبي سبرة عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة، وكان جلداً أشعر ذا غديرتين وافداً إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأقبل حتَّى وقف على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسأله فأغلظ في المسئلة، سأله عمن أرسله، وبما أرسله‏؟‏ وسأله عن شرائع الإسلام، فأجابه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك كله، فرجع إلى قومه مسلماً، قد خلع الأنداد، فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً، وبنو المساجد وأذَّنوا بالصلاة‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا هاشم بن القاسم، ثنا سليمان - يعني‏:‏ ابن المغيرة - عن ثابت، عن أنس ابن مالك قال‏:‏ كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال‏:‏ يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فمن خلق السموات‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فمن خلق الأرض‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فبالذي خلق السماء وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وزعم رسولك أن علينا زكاة أموالنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ثم ولى، فقال‏:‏ والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئاً، ولا أنقص عليهن شيئاً‏.‏

فقال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن صدق ليدخلنَّ الجنَّة‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ ص‏:‏ 5/74‏)‏

وهذا الحديث مخرَّج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه‏.‏

وقد رواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة‏.‏

وعلَّقه البخاري من طريقه، وأخرجه من وجه آخر بنحوه‏.‏

فقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا حجَّاج، ثنا ليث، حدَّثني سعيد ابن أبي سعيد عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول‏:‏ بينا نحن عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال‏:‏ أيكم محمد‏؟‏‏.‏

ورسول الله متكئ بين ظهرانيهم‏.‏

قال‏:‏ فقلنا‏:‏ هذا الرجل الأبيض المتكئ‏.‏

فقال الرجل‏:‏ يا ابن عبد المطلب‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏قد أجبتك‏)‏‏)‏‏.‏

فقال الرجل‏:‏ يا محمد إني سائلك فمشتد عليك المسألة، فلا تجد علي في نفسك‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏سل ما بدا لك‏)‏‏)‏‏.‏

فقال الرجل‏:‏ أسألك بربك، ورب من كان قبلك، آلله أرسلك إلى النَّاس كلهم‏؟‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأنشدك الله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة‏؟‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا‏؟‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال الرجل‏:‏ آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني يعد بن بكر‏.‏

وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري به‏.‏

وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن الليث به‏.‏

والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث، قال‏:‏ حدَّثني ابن عجلان، وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري، عن شريك، عن أنس بن مالك فذكره‏.‏

وقد رواه النسائي أيضاً من حديث عبيد الله العمري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعاً‏.‏

فصل إسلام ضماد الأزديّ وقومه‏.‏

وقد قدمنا ما وراه الإمام أحمد عن يحيى بن آدم، عن حفص بن غياث، عن داود ابن ابي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس في قدوم ضماد الأزديّ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمكة قبل الهجرة وإسلامه، وإسلام قومه، كما ذكرنا مبسوطاً بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ ص‏:‏ 5/75‏)‏

وفد طيء مع زيد الخيل رضي الله عنه‏.‏

وهو زيد بن مهلل بن زيد بن منهب، أبو مكنف الطائي، وكان من أحسن العرب وأطولهم رجلاً وسمي زيد الخيل لخمسة أفراس كن له‏.‏

وقال السهيلي‏:‏ ولهن أسماء لا يحضرني الآن حفظها‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفد طيء، وفيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلَّموه وعرض عليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الإسلام، فأسلموا فحسن إسلامهم‏.‏

وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما‏:‏ ‏(‏‏(‏حدَّثني من لا أتهم من رجال طيء، ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل فإنَّه لم يبلغ الذي فيه‏)‏‏)‏، ثم سماه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم زيد الخير، وقطع له فيد وأرضين معه، وكتب له بذلك، فخرج من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم راجعاً إلى قومه‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن ينج زيد من حمى المدينة فإنَّه قالٍ‏)‏‏)‏‏.‏

وقد سماها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم باسم غير الحمى، وغير أم ملدم - لم يثبته - قال‏:‏ فلمَّا انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له‏:‏ فردة أصابته الحمى فمات بها، ولما أحس بالموت قال‏:‏

أمرتحِلُ قَومِي المشَارِقَ غَدْوَةٌ * وأتركُ في بيت بفردةِ مُنْجِدِ

ألا رُبَّ يَومٍ لَو مَرِضْتُ لعادَني * عَوائِد من لم يَبر منهنَّ يجهَدِ

قال‏:‏ ولما مات عمدت امرأته بجهلها، وقلة عقلها، ودينها، إلى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار‏.‏

قلت‏:‏ وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد أن علي ابن أبي طالب بعث إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من اليمن بذهبية في تربتها، فقسمها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بين أربعة، زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، والأقرع بن حابس، وعتبة بن بدر‏.‏ الحديث‏.‏

وسيأتي ذكره في بعث علي إلى اليمن، إن شاء الله تعالى‏.‏
قصة عدي بن حاتم الطائي

قال البخاري في ‏(‏الصحيح‏)‏‏:‏ وفد طيء وحديث عدي بن حاتم‏:‏ حدَّثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، ثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث، عن عدي بن حاتم قال‏:‏ أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلاً رجلاً يسميهم، فقلت‏:‏ أما تعرفني يا أمير المؤمنين‏؟‏

قال‏:‏ بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا‏.‏

فقال عدي‏:‏ لا أبالي إذاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/76‏)‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ وأما عدي بن حاتم فكان يقول‏:‏ فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرءا شريفاً، وكنت نصرانياً، وكنت أسير في قومي بالمرباع، وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكاً في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لإبلي‏:‏ لا أبالك، أعدد لي من إبلي أجمالاً ذللاً سماناً، فاحتبسها قريباً مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني، ففعل، ثم أنه أتاني ذات غداة فقال‏:‏ يا عدي ما كنت صانعاً إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها فقالوا‏:‏ هذه جيوش محمد‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ فقرب إلي أجمالي، فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت‏:‏ ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، فسلكت الحوشية، وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فتصيبت ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سبايا من طيء، وقد بلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هربي إلى الشام‏.‏

قال‏:‏ فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها، فمرَّ بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة‏.‏

فقالت‏:‏ يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منَّ الله عليك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ومن وافدك‏؟‏‏)‏‏)‏

قالت‏:‏ عدي بن حاتم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الفار من الله ورسوله‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ ثم مضى وتركني، حتَّى إذا كان الغد مرَّ بي فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس‏.‏

قالت‏:‏ حتَّى إذا كان بعد الغد مرَّ بي، وقد يئست فأشار إلي رجل خلفه أن قومي فكلِّميه‏.‏

قالت‏:‏ فقمت إليه فقلت‏:‏ يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك‏.‏

فقال صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتَّى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتَّى يبلغك إلى بلادك ثمَّ آذنيني‏)‏‏)‏

فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن كلميه فقيل لي‏:‏ علي ابن أبي طالب‏.‏

قالت‏:‏ فقمت حتَّى قدم من بلي أو قضاعة قالت‏:‏ وإنما أريد أن آتي أخي بالشام، فجئت فقلت‏:‏ يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ، قالت‏:‏ فكساني وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتَّى قدمت الشام‏.‏

قال عدي‏:‏ فوالله إني لقاعد في أهلي فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا، قال‏:‏ فقلت‏:‏ ابنة حاتم قال‏:‏ فإذا هي هي، فلما وقفت علي استحلت تقول‏:‏ القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ أي أخية لا تقولي إلا خيراً فوالله مالي من عذر لقد صنعت ما ذكرت‏.‏

قال‏:‏ ثمَّ نزلت فأقامت عندي‏.‏

فقلت لها وكانت امرأة حازمة‏:‏ ماذا ترين في أمر هذا الرجل‏؟‏

قالت‏:‏ أرى والله أن تلحق به سريعاً فإن يكن الرجل نبياً فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/77‏)‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ والله إن هذا الرأي‏.‏

قال‏:‏ فخرجت حتَّى أقدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من الرجل‏؟‏‏)‏‏)‏

فقلت‏:‏ عدي بن حاتم فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته فوقف لها طويلاً تكلِّمه في حاجتها‏.‏

قال‏:‏ قلت في نفسي‏:‏ والله ما هذا بملك‏.‏

قال‏:‏ ثم مضى بي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إليَّ‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اجلس على هذه‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ بل أنت فاجلس عليها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل أنت‏)‏‏)‏‏.‏

فجلست وجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالأرض‏.‏

قال‏:‏ قلت في نفسي‏:‏ والله ما هذا بأمر ملك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسياً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ بلى‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أولم تكن تسير في قومك بالمرباع ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ أجل‏!‏والله‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتَّى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتَّى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأسلمت‏.‏

قال‏:‏ فكان عدي يقول‏:‏ مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتَّى هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتَّى لا يوجد من يأخذه‏.‏

هكذا أورد ابن إسحاق رحمه الله هذا السياق بلا إسناد، وله شواهد من وجوه أخر‏.‏

فقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، سمعت سماك بن حرب، سمعت عباد بن حبيش يحدِّث عن عدي بن حاتم قال‏:‏ جاءت خيل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنا بعقرب فأخذوا عمتي وناساً، فلما أتوا بهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال‏:‏ فصفوا له‏.‏

قالت‏:‏ يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمنَّ علي منَّ الله عليك‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ومن وافدك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ عدي بن حاتم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الذي فرَّ من الله ورسوله‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ فمنَّ علي، فلما رجع ورجل إلى جنبه - ترى أنه علي -‏.‏

قال‏:‏ سليه حملاناً قال‏:‏ فسألته، فأمر لها‏.‏

قال عدي‏:‏ فأتتني، فقالت‏:‏ لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، وقالت‏:‏ إيته راغباً أو راهباً، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه‏.‏

قال‏:‏ فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان، أو صبي، فذكر قربهم منه فعرفت أنه ليس ملك كسرى، ولا قيصر‏.‏

فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عدي بن حاتم ما أفرك‏؟‏ أفرك أن يقال‏:‏ لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله، ما أفرك‏؟‏ أفرك أن يقال‏:‏ الله أكبر فهل شيء هو أكبر من الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏

فأسلمت فرأيت وجهه استبشر‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ المغضوب عليهم اليهود، وإن الضَّالِّين النصارى‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ثم سألوه، فحمد الله أثنى عليه، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما بعد فلكم أيها النَّاس أن ترضخوا من الفضل ارتضخ امرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/78‏)‏‏.‏

قال شعبة‏:‏ وأكثر علمي أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بتمرة، بشق تمرة وإن أحدكم لاقى الله فقائل، ما أقول ألم أجعلك سميعاً بصيراً، ألم أجعل لك مالاً وولداً، فماذا قدمت‏؟‏ فينظر من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئاً فما يتقي النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوه فبكلمة لينة إني لا أخشى عليكم الفاقة، لينصرنكم الله وليعطينكم أو ليفتحن عليكم حتَّى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما يخاف السرق على ظعينتها‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه التِّرمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبي قيس، كلاهما عن سماك ثم قال‏:‏ حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك‏.‏

وقال الإمام أحمد أيضاً‏:‏ حدَّثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل قال‏:‏ قلت لعدي بن حاتم‏:‏ حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك‏.‏

قال‏:‏ نعم‏!‏لما بلغني خروج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كرهت خروجه كراهية شديدة، فخرجت حتَّى وقعت ناحية الرُّوم - وفي رواية‏:‏ حتَّى قدمت على قيصر -‏.‏

قال‏:‏ فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهيتي لخروجه‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ والله لو أتيت هذا الرجل فإن كان كاذباً لم يضرني، وإن كان صادقاً علمت‏.‏

قال‏:‏ فقدمت فأتيته فلما قدمت قال النَّاس‏:‏ عدي بن حاتم‏؟‏ فدخلت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقال لي‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثاً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ إني علي دين‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنا أعلم بدينك منك‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ أنت تعلم بديني مني‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ بلى ‏!‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏هذا لا يحل لك في دينك‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ نعم‏!‏فلم يعد أن قالها فتواضعت لها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما أني أعلم الذي يمنعك من الإسلام تقول‏:‏ إنما اتبعه ضعفة النَّاس، ومن لا قوة لهم، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ لم أرها وقد سمعت بها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فوالذي نفسي بيده ليتمنَّ الله هذا الأمر حتَّى تخرج الظعينة من الحيرة حتَّى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ كنوز ابن هرمز‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏!‏كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتَّى لا يقبله أحد‏)‏‏)‏‏.‏

قال عدي بن حاتم‏:‏ فهذه الظعينة تخرج‏!‏من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله قد قالها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/79‏)‏

ثم قال أحمد‏:‏ حدَّثنا يونس بن محمد، حدَّثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن رجل، وقال حماد وهشام عن محمد ابن أبي عبيدة، ولم يذكر عن رجل‏.‏

قال‏:‏ كنت أسأل النَّاس عن حديث عدي بن حاتم، وهو إلى جنبي ولا أسأله‏.‏

قال‏:‏ فأتيته فسألته‏.‏

فقال‏:‏ نعم‏!‏فذكر الحديث‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي‏:‏ أنبانا أبو عمرو الأديب أنبانا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شميل، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا سعد الطَّائي، أنبأنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم قال‏:‏ بينا أنا عند النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ لم أرها وقد أنبئت عنها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتَّى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت في نفسي‏:‏ فإن ذعار طيء - الذين سعروا البلاد -‏.‏

‏(‏‏(‏ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ كسرى بن هرمز‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بيه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم‏)‏‏)‏‏.‏

قال عدي‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة‏)‏‏)‏‏.‏

قال عدي‏:‏ فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتَّى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم عن النَّضر بن شميل به بطوله‏.‏

وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر، عن سعد أبي مجاهد الطائي، عن محل بن خليفة، عن عدي به‏.‏

ورواه الإمام أحمد والنسائي من حديث شعبة عن سعد أبي مجاهد الطَّائي به‏.‏

وممن روى هذه القصة عن عدي عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه‏.‏

وقال‏:‏ لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها‏.‏

وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة‏.‏

وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عن عدي بن حاتم قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اتقوا النار ولو بشق تمرة‏)‏‏)‏‏.‏

ولفظ مسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل‏)‏‏)‏‏.‏

طريق أخرى فيها شاهد لما تقدَّم‏.‏

وقد قال الحافظ البيهقي‏:‏ أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدَّثني أبو بكر ابن محمد بن عبد الله بن يوسف، ثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي، ثنا ضرار بن صرد، ثنا عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد النخعي قال‏:‏ قال علي ابن أبي طالب‏:‏ يا سبحان الله‏!‏ما أزهد كثيراً من النَّاس في خير، عجباً لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلاً، فلو كان لا يرجو ثواباً ولا يخشى عقاباً لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبيل النجاح‏.‏

فقام إليه رجل فقال‏:‏ فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال‏:‏ نعم‏!‏وما هو خير منه لما أتى بسبايا طيء وقفت جارية حمراء لعساء، ذلفاء، عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة، والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين‏.‏

قال‏:‏ فلما رأيتها أعجبت بها، وقلت‏:‏ لأطلبنَّ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها‏.‏

فقالت‏:‏ يا محمد إن رأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضَّيف، ويطعم الطَّعام، ويفشي السَّلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيء‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإنَّ أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق‏)‏‏)‏‏.‏

فقام أبو بردة ابن نيار فقال‏:‏ يا رسول الله تحب مكارم الأخلاق‏؟‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏والذي نفسي بيده لا يدخل أحد الجَّنة إلاّ بحسن الخلق‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/80‏)‏

هذا حديث حسن المتن، غريب الإسناد جداً، عزيز المخرج‏.‏

وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيء أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها، وما كان يسديه حاتم إلى النَّاس من المكارم، والإحسان، إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق بالإيمان، وهو ممن لم يقل يوماً من الدهر، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين‏.‏

وقد زعم الواقدي أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث علي ابن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيء، فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدي بن حاتم، وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم، يقال لأحدهما‏:‏ الرسوب، والآخر‏:‏ المخذم، كان الحارث ابن أبي سمر قد نذرهما لذلك الصنم‏.‏

قال البخاري رحمه الله‏:‏

قصة دوس والطفيل بن عمرو

حدَّثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن ابن ذكوان هو - عبد الله بن زياد - عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال‏:‏ جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ إنَّ دوساً قد هلكت، وعصت، وأبت، فادع الله عليهم‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم أهد دوسا، وأت بهم‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/81‏)‏

انفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن العلاء حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا إسماعيل عن قيس، عن أبي هريرة قال‏:‏ لما قدمت على النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قلت في الطريق‏:‏

يا لَيلَة مِنْ طُولهَا وَعَنَائِها * على أَنَّها مِن دارَةِ الكُفرِ نجَتْ

وأبق لي غلام في الطريق، فلما قدمت على النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أبا هريرة هذا غلامك‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ هو حرٌّ لوجه الله عز وجل، فأعتقته‏.‏

انفرد به البخاري من حديث إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم، وهذا الذي ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو، فقد كان قبل الهجرة، ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح، لأن دوساً قدموا ومعهم أبو هريرة، وكان قدوم أبي هريرة ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم محاصر خيبر، ثم ارتحل أبو هريرة حتَّى قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيبر بعد الفتح، فرضخ لهم شيئاً من الغنيمة، وقد قدَّمنا ذلك كله مطولاً في مواضعه‏.‏

قال البخاري رحمه الله‏:‏

قدوم االأشعريين وأهل اليمن

ثم روى من حديث شعبة عن سليمان بن مهران الأعمش، عن ذكوان أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم من حديث شعبة‏.‏

ثم رواه البخاري‏:‏ عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتاكم أهل اليمن أضعف قلوباً، وأرق أفئدةً، الفقة يمان، والحكمة يمانية‏)‏‏)‏‏.‏

ثم روى عن إسماعيل، عن سليمان، عن ثور، عن أبي المغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الإيمان يمان، والفتنة هاهنا، ها هنا يطلع قرن الشَّيطان‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم عن شعيب، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة‏.‏

ثم روى البخاري من حديث شعبة عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الإيمان هاهنا‏)‏‏)‏، وأشار بيده إلى اليمن ‏(‏‏(‏والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشَّيطان، ربيعة، ومضر‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا رواه البخاري أيضاً ومسلم، من حديث إسماعيل ابن ابي خالد، عن قيس ابن ابي حازم، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/82‏)‏

ثم روى من حديث سفيان الثوري، عن أبي صخرة جامع بن شداد، ثنا صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين قال‏:‏ جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبشروا يا بني تميم‏)‏‏)‏‏.‏

فقالوا‏:‏ أما إذ بشرتنا، فأعطنا، فتغير وجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاء ناس من أهل اليمن فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اقبلوا البشرى، إذ لم يقبلها بنو تميم‏)‏‏)‏‏.‏

فقالوا‏:‏ قبلنا يا رسول الله‏.‏

وقد رواه التِّرمذي، والنسائي من حديث الثوري به‏.‏

وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن، وليس فيه تعرض لوقت وفودهم، ووفد بني تميم وإن كان متأخراً قدومهم، لا يلزم من هذا أن يكون مقارناً لقدوم الأشعريين، بل الأشعريين متقدم وفدهم على هذا، فإنهم قدموا صحبة أبي موسى الأشعريّ، في صحبة جعفر ابن أبي طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيبر، كما قدمناه مبسوطا في موضعه‏.‏

وتقدم قوله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏والله ما أدري بأيهما أسر، أبقدوم جعفر، أو بفتح خيبر‏)‏‏)‏‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

قال البخاري‏:‏

قصة عمان والبحرين

حدَّثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان، سمع محمد بن المنكدر، سمع جابر بن عبد الله يقول‏:‏ قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا، وهكذا، وهكذا‏)‏‏)‏ ثلاثاً‏.‏

فلم يقدم مال البحرين حتَّى قبض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلما قدم على أبي بكر أمر منادياً فنادى من كان له عند النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم دين، أو عدة، فليأتني، قال جابر‏:‏ فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا، وهكذا ثلاثاً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأعرض عني، قال جابر‏:‏ فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني، ثم أتيته فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة فلم يعطني‏.‏

فقلت له‏:‏ قد أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، فأما أن تعطني، وإما أن تبخل عني‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ تبخل عني‏؟‏

قال‏:‏ وأي داء أدوأ من البخل‏؟‏

قالها‏:‏ ثلاثاً، ما منعتك من مرة، إلا وأنا أريد أن أعطيك‏.‏

وهكذا رواه البخاري هاهنا، وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة به‏.‏

ثم قال البخاري بعده‏:‏ وعن عمرو، عن محمد بن علي سمعت جابر بن عبد لله يقول‏:‏ جئته فقال لي أبو بكر‏:‏ عدَّها، فعددتها، فوجدتها خمسمائة، فقال‏:‏ خذ مثلها مرتين‏.‏

وقد رواه البخاري أيضاً، عن علي بن المديني، عن سفيان هو - ابن عيينة -، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر، عن جابر، كروايته له، عن قتيبة‏.‏

ورواه أيضاً هو ومسلم من طرق أخر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر بنحوه‏.‏

وفي رواية أخرى له‏:‏ أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدها، فإذا هي خمسمائة، فأضعفها له مرتين - يعني‏:‏ فكان جملة ما أعطاه ألفاً وخمسمائة درهم -‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/83‏)‏

وفود فروة بن مسيك المرادي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم فروة بن مسيك المرادي مفارقاً لملوك كندة، ومباعداً لهم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الإسلام، أصابت همدان من قومه حتَّى أثخنوهم، وكان ذلك في يوم يقال له‏:‏ الردم، وكان الذي قاد همدان إليهم الأجدع بن مالك‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ ويقال مالك بن خريم الهمداني‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم‏:‏

مررْن على لفاتٍ وهنَّ خُوصٌ * ينازعن الأعنة ينتحينا

فإنّ نغلب فغلابون قِدماً * وإنّ نغلب فغير مغلبينا

وما إنّ طبنا جبنَّ ولكنْ * منايانا وطعمة آخرينا

كذاك الدهر دَولته سجال * تكزَّ صروفه حينا فحينا

فبينا ما نسّر به ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا

إذا انقلبت به كرّات دهر * فألفى في الأولى غُبطوا طحيناً

فمن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خؤنا

فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقي الكرام إذاً بقينا

فأفنى ذلكم سرَوات قومي * كما أفنى القرون الأولينا

قال ابن إسحاق‏:‏ ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مفارقاً ملوك كندة قال‏:‏

لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرَّجل خان الرجل عرق نسائها

قرَّبت راحلتي أؤم محمَّداً * أرجو فواضلها وحُسن ثرائها

قال‏:‏ فلمَّا انتهى فروة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال له - فيما بلغني -‏:‏ ‏(‏‏(‏يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك‏؟‏

فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيراً‏)‏‏)‏‏.‏

واستعمله على مراد وزُبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتَّى توفي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/84‏)‏

قدوم عمرو بن معد يكرب في أناس من زبيد

قال ابن إسحاق‏:‏ وقد كان عمرو بن معدي كرب قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ يا قيس إنك سيد قومك، وقد ذُكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له‏:‏ محمد قد خرج بالحجاز يقال‏:‏ إنه نبي، فانطلق بنا إليه حتَّى نعلم علمه فإن كان نبياً كما يقول، فإنه لن يخفى علينا إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتَّى قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلم وصدقه وآمن به‏.‏

فلمَّا بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمراً وقال‏:‏ خالفني وترك أمري ورأيي‏.‏

فقال عمرو بن معدي كرب في ذلك‏:‏

أمرتُك يوم ذي صن * عاء أمراً بادياً رُشدهُ

أمرتك باتِّقاء الله وال * معروف تتعدُهً

خرجت من المنى مثل ال * حُميِّر غرَّه وتدهُ

تمنَّاني على فرسٍ * عليه جالساً أسدُهُ

عليّ مفاضةٌ كالنن * هي أخلص ماءه جددُهُ

تردَّ الرَّمح منثني ال * سِّنان عوائراً قصدهُ

فلو لاقيتني للقي * تَ ليثاً فوقه لُبدَهُ

تلاقى شنبثاً شثن ال * براثن ناشراً كتدَهُ

يُسامي القرن إنْ قرْن * تيمَّمه فيعتضدهُ

فيأخذهُ فيرفعه * فيخفضه فيقتصدهُ

فيدمغُهُ فيحطمه * فيمخضُهُ فيزدرِدُهُ

ظلومُ الشرك فيما أح * رزتْ أنيابه ويده

قال ابن إسحاق‏:‏ فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد، وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ارتدَّ عمرو بن معدي كرب فيمن ارتد وهجا فروة بن مسيك فقال‏:‏

وجدنا مُلك فروة شرَّ ملكٍ * حمارٌ ساف منخرهُ بثَفرٍ

وكنت إذا رأيت أبا عميرٍ * ترى الحولاء من خبثٍ وغدرِ ‏(‏ج/ص‏:‏5/85‏)‏

قلت‏:‏ ثمَّ رجع إلى الإسلام، وحسن إسلامه، وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما، وكان من الشجعان المذكورين والأبطال المشهورين، والشعراء المجيدين، توفي سنة إحدى وعشرين بعد ما شهد فتح نهاوند‏.‏

وقيل‏:‏ بل شهد القادسية وقتل يومئذ‏.‏

قال أبو عمر ابن عبد البر‏:‏ وكان وفوده إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سنة تسع، وقيل‏:‏ سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي‏.‏

قلت‏:‏ وفي كلام الشافعي ما يدل عليه، فالله أعلم‏.‏

قال يونس عن ابن إسحاق‏:‏ وقد قيل‏:‏ إن عمرو بن معدي كرب لم يأت النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقد قال في ذلك‏:‏

إنني بالنَّبيّ موقنةٌ نف * سي وإن لم أر النَّبيّ عيانا

سيد العالمين طُرَّاً وأدنا * هم إلى الله حين بان مكانا

جاء بالناموس من لدُنِ الله و * كان الأمين فيه المعانا

حكمة بعد حكمة وضياءٌ * فاهتدينا بنورها من عمانا

وركبنا السبيل حين ركبن * اه جديداً بكرهنا ورضانا

وعبدنا الإله حقاً وكنا * للجهالات نعبد الأوثانا

وائتلفنا به وكنَّا عدواً * فرجعنا به معاً إخواناً

فعليه السلام والسلام منَّا * حيث كنَّا من البلاد وكانا

إن نكن لم نر النَّبيّ فإنا * قد تبعنا سبيله إيمانا

قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة

قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأشعث بن قيس في وفد كندة، فحدَّثني الزُّهري أنَّه قدم في ثمانين راكباً من كندة فدخلوا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لهم‏:‏ ‏(‏‏(‏ألم تسلموا‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ بلى‏!‏

قال‏:‏ فما بال هذا الحرير في أعناقكم‏؟‏

قال‏:‏ فشقَّوه منها فألقوه‏.‏

ثم قال له الأشعث بن قيس‏:‏ يا رسول الله نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار‏.‏

قال‏:‏ فتبسم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ناسبوا بهذا النسب العبَّاس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث‏)‏‏)‏‏.‏

وكانا تاجرين، إذ شاعا في العرب فسئلا ممن أنتما‏؟‏

قالا‏:‏ نحن بنو آكل المرار - يعني‏:‏ ينسبان إلى كندة - ليعزا في تلك البلاد، لأن كندة كانوا ملوكاً، فاعتقدت كندة أن قريشاً منهم لقول عبَّاس وربيعة نحن بنو آكل المرار، وهو الحارث بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندي - ويقال ابن كندة - ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لهم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمناً، ولا ننتفي من أبينا‏)‏‏)‏‏.‏

فقال لهم الأشعث بن قيس‏:‏ والله يا معشر كندة لا أسمع رجلاً يقولها إلا ضربته بثمانين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/86‏)‏

وقد روي هذا الحديث متصلاً من وجه آخر، فقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا بهز وعفان قالا‏:‏ حدَّثنا حماد بن سلمة، حدَّثني عقيل بن طلحة، وقال عفَّان في حديثه، أنبأنا عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن هيضم، عن الأشعث بن قيس أنه قال‏:‏ أتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وفد كندة - قال عفان -‏:‏ لا يروني أفضلهم، قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله أنا ابن عم إنكم منا، قال‏:‏ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏نحن بنو النضر بن كنانة لا نفقوا أمناً، ولا ننتفي من أبينا‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وقال الأشعث‏:‏ فوالله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحدّ‏.‏

وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى، عن سليمان بن حرب، وعن هارون بن حيان، عن عبد العزيز بن المغيرة، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال‏:‏ قدمت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وفد كندة، فقال لي‏:‏ ‏(‏‏(‏هل لك من ولد‏)‏‏)‏‏؟‏

قلت‏:‏ غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن مكانه شبع القوم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين، وأجراً إذا قبضوا، ثم لئن قلت ذاك إنهم لمجبنه محزنة، إنهم لمجنبة محزنة‏)‏‏)‏‏.‏

تفرَّد به أحمد، وهو حديث حسن جيد الإسناد‏.‏

قدوم أعشى بن مازن على النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال عبد الله بن الإمام أحمد‏:‏ حدَّثني العبَّاس بن عبد العظيم العنبري، ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي قال‏:‏ حدَّثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن نهصل الحرمازي، حدَّثني أبي أمين، عن أبيه ذروة، عن أبيه نضلة أن رجلاً منهم يقال له‏:‏ الأعشى واسمه عبد الله الأعور، كانت عنده امرأة يقال لها‏:‏ معاذة، خرج في رجل يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزاً عليه فعاذت برجل منهم يقال له‏:‏ مطرف بن نهشل بن كعب بن قميثع بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز فجعلها خلف ظهره، فلما قدم لم يجدها في بيته، وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف بن نهشل، فأتاه فقال‏:‏ يا ابن عم أعندك امرأتي فادفعها إلي‏.‏

قال ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك‏.‏

قال‏:‏ وكان مطرف أعز منه‏.‏

قال‏:‏ فخرج الأعشى حتَّى أتى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فعاذ به فأنشأ يقول‏:‏

يا سَيدَ النَّاسِ وَديَانَ العربِ * إِليكَ أَشكو ذُرْبَةً مِنَ الذُرَبِ

كَالذِئْبَةِ العنساءِ في ظِلِّ السربْ * خَرَجتُ أَبْغيها الطَّعامَ في رَجَبْ

فَخَلَّفتني بِنزاع وَهَربْ * أَخَلَفتِ الوَعدَ وَلَطَّتْ بالذَنَبْ

وَقَد فَتني بين عَصرٍ مُؤتَشَبْ * وَهُنَّ شَرُّ غالبٍ لمن غلبْ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/87‏)‏

فقال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عند ذلك‏:‏ ‏(‏‏(‏وهن شر غالب لمن غلب‏)‏‏)‏، فشكى إليه امرأته وما صنعت به، وإنها عند رجل منهم يقال له‏:‏ مطرف بن نهشل‏.‏

فكتب له النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إلى مطرف انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه‏)‏‏)‏‏.‏

فأتاه كتاب النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقرئ عليه، فقال لها‏:‏ يا معاذة هذا كتاب النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيك فأنا دافعك إليه‏.‏

فقالت‏:‏ خذ لي عليه العهد والميثاق، وذمة نبيه أن لا يعاقبني فيما صنعت‏.‏

فأخذ لها ذلك عليه، ودفعها مطرف إليه، فأنشأ يقول‏:‏

لَعَمرُكَ ما حبي مُعاذةَ بالذي * يُغيرهُ الواشِي ولا قِدم العهدِ

وَلا سوءَ ما جاءتْ بِه إذْ أَزالها * غُواةُ الرِجالِ إذْ يُناجونها بَعدِي

قدوم صرد بن عبد الله الأزديّ في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم

قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم صرد بن عبد الله الأزديّ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وفد من الأزد فأسلم وحسن إسلامه، وأمَّره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فذهب فحاصر جرش وبها قبائل من اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم حين سمعوا بمسيره إليهم فأقام عليهم قريباً من شهر، فامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم حتَّى إذا كان قريباً من جبل يقال له‏:‏ شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما، فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلاً شديداً، وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة فبينما هم عنده بعد العصر، إذ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بأي بلاد الله شكر‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقام الجرشيان فقالا‏:‏ يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له‏:‏ كشر، وكذلك تسميه أهل جرش‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه ليس بكشر، ولكنه شكر‏)‏‏)‏‏.‏

قالا‏:‏ فما شأنه يا رسول الله‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن بدن الله لتنحر عنده الآن‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فجلس الرجلان إلى أبي بكر، أو إلى عثمان فقال لهما‏:‏ ويحكما إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الآن لينعى إليكما قومكما، فقوما إليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ارفع عنهم‏)‏‏)‏‏.‏

فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم حتَّى قدموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلموا وحسن إسلامهم، وحمى لهم حول قريتهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/88‏)‏

قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وكان ذلك في رمضان سنة تسع‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقدمه من تبوك‏.‏

وهم‏:‏ الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان، قيل‏:‏ ذي رعين، ومعافر، وهمدان، وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب إليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏

‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النَّبيّ إلى الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل‏:‏ ذي رعين، ومعافر، وهمدان؛ أما بعد ذلكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو فإنه قد وقع نبأ رسولكم منقلبنا من أرض الرُّوم فلقينا بالمدينة، فبلَّغ ما أرسلتم به وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، وأنَّ الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغاني خمس الله، وسهم النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصفيه وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وعلى ما سقي الغرب نصف العشر، وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيراً فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى، حر أو عبد دينار واف، من قيمة المعافري أو عرضه ثياباً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/89‏)‏

فمن أدَّى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فانه عدو لله ولرسوله، أما بعد فإن رسول الله محمداً النَّبيّ أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذ أتاك رسلي فأوصيكم بهم خيراً‏:‏

معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم، وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضياً، أما بعد فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم أن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير وآمرك بحمير خيراً ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكاً قد بلّغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيراً، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم فآمركم بهم خيراً، فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏)‏‏)‏‏.‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن، حدثنا عمارة عن ثابت، عن أنس بن مالك‏:‏ أن مالك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً وثلاثة وثلاثين ناقة‏.‏

ورواه أبو داود عن عمرو بن عون الواسطي، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني، عن ثابت البناني، عن أنس به‏.‏

وقد رواه الحافظ البيهقي ها هنا - حديث كتاب عمرو بن حزم - فقال‏:‏ أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العبَّاس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله ابن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال‏:‏ هذا كتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقِّه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعهداً وأمره فيه أمره، فكتب‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهداً من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره‏:‏ بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر النَّاس بالخير ويأمرهم به، ويعلم النَّاس القرآن ويفقِّههم في الدين، وأن ينهى النَّاس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر النَّاس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله حرَّم الظلم ونهى عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/90‏)‏

فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏‏[‏هود‏:‏ 18-19‏]‏‏.‏

وأن يبشر النَّاس بالجنة وبعملها، وينذر النَّاس النار وعملها، ويستألف النَّاس حتَّى يتفقَّهوا في الدين، ويعلم النَّاس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمره الله به، والحج الأكبر الحج والحج الأصغر العمرة، وأن ينهى النَّاس أن يصلِّي الرجل في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعاً فيخالف بين طرفيه عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلى السماء، ولا ينقض شعر رأسه إذا عفى في قفاه، وينهى النَّاس إن كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعى إلى العشائر والقبائل فليعطفوا فيه بالسيف حتَّى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر النَّاس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله عز وجل، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلس الصبح وأن يهجر بالهاجرة حتَّى تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مبدرة، والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتَّى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقى المغل، وفيما سقت السماء العشر، وما سقى الغرب فنصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي عشرين أربع شياه، وفي أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد فهو خير له، ومن أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه فدان دين الإسلام، فإنه من المؤمنين له مالهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها، وعلى كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه من الثياب، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعاً، صلوات الله على محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏)‏‏)‏‏.‏

قال الحافظ البيهقي‏:‏ وقد روى سليمان بن داود عن الزُّهري، عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده هذا الحديث موصولاً بزيادات كثيرة، ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة، والدِّيات وغير ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/91‏)‏

قلت‏:‏ ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولاً‏.‏

وأبو داود في كتاب المراسيل، وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السنن ولله الحمد والمنة‏.‏

وسنذكر بعد الوفود بعث النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأمراء إلى اليمن لتعليم النَّاس، وأخذ صدقاتهم وأخماسهم معاذ بن جبل، وأبو موسى، وخالد بن الوليد، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه

قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا أبو قطن، حدَّثني يونس عن المغيرة بن شبل قال‏:‏ قال جرير‏:‏ لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حلتي، ثم دخلت فإذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب فرماني النَّاس بالحدق‏.‏

فقلت لجليسي‏:‏ يا عبد الله هل ذكرني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال‏:‏ نعم‏!‏ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن إلا أن على وجهه مسحة ملك‏)‏‏)‏

قال جرير‏:‏ فحمدت الله عز وجل على ما أبلاني‏.‏

قال أبو قطن‏:‏ فقلت له‏:‏ سمعته منه أو سمعته من المغيرة بن شبل‏.‏

قال‏:‏ نعم‏!‏

ثم رواه الإمام أحمد عن أبي نعيم وإسحاق بن يوسف‏.‏

وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس، عن أبي إسحاق السبيعي، عن المغيرة بن شبل، - ويقال‏:‏ ابن شبيل - عن عوف البجلي الكوفي، عن جرير بن عبد الله وليس له عنه غيره‏.‏

وقد رواه النسائي عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم، عن جرير بقصته ‏(‏‏(‏يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك‏)‏‏)‏ الحديث‏.‏

وهذا على شرط الصحيحين‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل عن قيس، عن جرير قال‏:‏ ما حجبني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي‏.‏

وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم عنه‏.‏

وفي الصحيحين زيادة‏:‏ وشكوت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده على صدري‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ثبته، واجعله هادياً مهدياً‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه النسائي عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل، عن قيس عنه، وزاد فيه - ‏(‏‏(‏يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك‏)‏‏)‏ - فذكر نحو ما تقدم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/92‏)‏

قال الحافظ البيهقي‏:‏ أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدَّثنا أبو عمر وعثمان بن أحمد السماك، حدَّثنا الحسن بن سلام السواق، حدَّثنا محمد بن مقاتل الخراساني، حدَّثنا حصين بن عمر الأحمسي، حدَّثنا إسماعيل ابن أبي خالد - أو قيس ابن أبي حازم - عن جرير بن عبد الله قال‏:‏ بعث إلي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأتيته فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا جرير لأي شيء جئت‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ أسلم على يديك يا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ فألقى علي كساء ثم أقبل علي أصحابه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا جرير أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وتصلي الصَّلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة‏)‏‏)‏‏.‏

ففعلت ذلك، فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي‏.‏

هذا حديث غريب من هذا الوجه‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، حدَّثنا إسماعيل ابن أبي خالد عن قيس ابن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال‏:‏ بايعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم‏.‏

وأخرجاه في الصحيحين من حديث إسماعيل ابن أبي خالد به‏.‏

وهو في الصحيحين من حديث زياد بن علاثة، عن جرير به‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا أبو سعيد، حدَّثنا زائدة، ثنا عاصم عن سفيان - يعني‏:‏ أبا وائل - عن جرير قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله اشترط علي فأنت أعلم بالشرط‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه النسائي من حديث شعبة عن الأعمش، عن أبي وائل، عن جرير‏.‏

وفي طريق أخرى عن الأعمش، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي نخيلة، عن جرير به، فالله أعلم‏.‏

ورواه أيضاً عن محمد بن قدامة، عن جرير، عن مغيرة، عن أبي وائل، والشعبي، عن جرير به‏.‏

ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة‏.‏

رواه أحمد منفرداً به، وابنه عبيد الله بن جرير، أحمد أيضاً منفرداً به، وأبو جميلة، وصوابه ‏(‏نخيلة‏)‏‏.‏

ورواه أحمد والنسائي‏.‏

ورواه أحمد أيضاً عن غندر، عن شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن رجل، عن جرير فذكره‏.‏

والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي، والله أعلم‏.‏

وقد ذكرنا بعث النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم له حين أسلم إلى ذي الخلصة، بيت كان يعبده خثعم وبجيلة، وكان يقال له‏:‏ الكعبة اليمانية يضاهون به الكعبة التي بمكة، ويقولون للتي ببكة‏:‏ الكعبة الشامية، ولبيتهم الكعبة اليمانية، فقال له‏:‏ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏ألا تريحني من ذي الخلصة‏)‏‏)‏‏.‏

فحينئذ شكى إلى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه لا يثبت على الخيل، فضرب بيده الكريمة على صدره حتَّى أثرت فيه، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً‏)‏‏)‏‏.‏

فلم يسقط بعد ذلك عن فرس، ونفر إلى ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس، فخرب ذلك البيت وحرقه، حتَّى تركه مثل الجمل الأجرب، وبعث إلى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بشيراً يقال له‏:‏ أبو أرطاة، فبشره بذلك، فبرك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات‏.‏

والحديث مبسوط في الصحيحين، وغيرهما كما قدمناه بعد الفتح استطراداً بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن الوليد رضي الله عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/93‏)‏

والظاهر أن إسلام جرير رضي الله عنه كان متأخراً عن الفتح بمقدار جيد، فإن الإمام أحمد قال‏:‏ حدَّثنا هشام بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة بن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي قال‏:‏ إنما أسلمت بعد ما أنزلت المائدة، وأنا رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يمسح بعد ما أسلمت‏.‏

تفرد به أحمد وهو إسناد جيد، اللهم إلا أن يكون منقطعاً بين مجاهد وبينه‏.‏

وثبت في الصحيحين أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف، لأن إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة، وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال له‏:‏ ‏(‏‏(‏استنصت النَّاس يا جرير‏)‏‏)‏ وإنما أمره بذلك لأنه كان صبياً وكان ذا شكل عظيم، كانت نعله طولها ذراع، وكان من أحسن النَّاس وجهاً، وكان مع هذا من أغض النَّاس طرفاً، ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن نظر الفجأة‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أطرق بصرك‏)‏‏)‏‏.‏

وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي ابن هنيد أحد ملوك اليمن على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال أبو عمر ابن عبد البر‏:‏ كان أحد أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم، ويقال‏:‏ أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بشر أصحابه قبل قدومه به، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يأتيكم بقية أبناء الملوك‏)‏‏)‏‏.‏

فلما دخل رحب به وأدناه من نفسه، وقرب مجلسه، وبسط له رداءه، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده‏)‏‏)‏‏.‏

واستعمله على الأقيال من حضرموت، وكتب معه ثلاث كتب؛ منها كتاب إلى المهاجر ابن أبي أمية، وكتاب إلى الأقيال، والعياهلة، وأقطعه أرضاً، وأرسل معه معاوية ابن أبي سفيان فخرج معه راجلا فشكى إليه حر الرمضاء، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏انتعل ظل الناقة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ وما يغني عني ذلك لو جعلتني ردفاً‏.‏

فقال له وائل‏:‏ اسكت فلست من أرادف الملوك‏.‏

ثم عاش وائل بن حجر حتَّى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين فعرفه معاوية فرحب به، وقرَّبه وأدناه، وأذكره الحديث، وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها، وقال‏:‏ أعطها من هو أحوج إليها مني‏.‏

وأورد الحافظ البيهقي بعض هذا، وأشار إلى أن البخاري في ‏(‏التاريخ‏)‏ روى في ذلك شيئاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/94‏)‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا حجاج، أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أقطعه أرضاً، قال‏:‏ وأرسل معي معاوية أن أعطيها إياه - أو قال‏:‏ أعلمها إياه -، قال‏:‏ فقال معاوية‏:‏ أردفني خلفك‏.‏

فقلت‏:‏ لا تكون من أرداف الملوك‏.‏

قال‏:‏ فقال‏:‏ أعطني نعلك‏.‏

فقلت‏:‏ انتعل ظل الناقة‏.‏

قال‏:‏ فلما استخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على السرير، فذكرني الحديث - قال سماك -‏:‏ فقال‏:‏ وددت أني كنت حملته بين يدي‏.‏

وقد رواه أبو داود والتِّرمذي من حديث شعبة، وقال التِّرمذي‏:‏ صحيح‏.‏

وفادة لقيط بن عامر المنتفق أبي رزين العقيلي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال عبد الله بن الإمام أحمد‏:‏ كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري‏:‏ كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك، فحدِّث بذلك عني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/95‏)‏

قال‏:‏ حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، حدَّثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم‏:‏ وحدَّثنيه أبي الأسود عن عاصم بن لقيط أن لقيطاً خرج وافداً إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه صاحب له يقال له‏:‏ نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق‏.‏

قال لقيط‏:‏ فخرجت أنا وصاحبي حتَّى قدمنا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة، انسلاخ رجب فأتينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في النَّاس خطيباً فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أيها النَّاس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام، ألا لأسمعنكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه‏)‏‏)‏‏.‏

فقالوا‏:‏ اعلم لنا ما يقول رسول الله ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه، أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضلال ألا إني مسئول هل بلغت ألا فاسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا أجلسوا‏.‏

قال‏:‏ فجلس النَّاس، وقمت أنا وصاحبي حتَّى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت‏:‏ يا رسول الله ما عندك من علم الغيب‏؟‏

فضحك لعمر الله وهزَّ رأسه، وعلم أني أبتغي لسقطه‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله‏)‏‏)‏ وأشار بيده‏.‏

قلت‏:‏ وما هي‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمون، وعلم ما في غد وما أنت طاعم غداً ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مسنتين، فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب‏)‏‏)‏‏.‏

قال لقيط‏:‏ قلت‏:‏ لن نعدم من رب يضحك خيراً - وعلم يوم الساعة -‏.‏

قلنا‏:‏ يا رسول علِّمنا مما لا يعلم النَّاس ومما تعلم، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد، من مذحج التي تربوا علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات، والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك عز وجل يطوف بالأرض وقد خلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتَّى تخلقه من عند رأسه، فيستوي جالساً فيقول‏:‏ ربك عز وجل مهيم‏؟‏ لما كان فيه فيقول‏:‏ يا رب أمس اليوم - فلعهده بالحياة يتحسبه حديثاً بأهله‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ يا رسول الله كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح، والبلى، والسباع‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت‏:‏ لا تحي أبداً، ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياماً حتَّى أشرفت عليها وهي شرية واحدة، فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه، وينظر إليكم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله وكيف ونحن ملء الأرض، وهو عز وجل شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما، ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/96‏)‏

قلت‏:‏ يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تعرضون عليه بادية له صحائفكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح قلبكم بها، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع على وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود ألا ثم ينصرف نبيكم، وينصرف على أثره الصالحون فتسلكون جسراً من النار، فيطأ أحدكم الجمرة فيقول‏:‏ حس، فيقول ربك عز وجل‏:‏ أوانه فتطلعون على حوض الرسول على أطماء، والله ناهلة عليها ما رأيتها قط، فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول، والأذى وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحداً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله فيمَ نبصر‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏مثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله فيمَ نجزي من سيآتنا وحسناتنا‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله إما الجنة وإما النار‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً، وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ يا رسول الله فعلامَ نطلع من الجنة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس، ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن وفاكهة، لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ يا رسول الله ولنا فيها أزواج، أو منهن مصلحات‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم غير أن لا توالد‏)‏‏)‏‏.‏

قال لقيط‏:‏ قلت‏:‏ أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه، فلم يجبه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قلت‏:‏ يا رسول الله علام أبايعك‏.‏

فبسط النَّبيّ يده وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال الشرك، وأن لا تشرك بالله إلهاً غيره‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ وإن لنا ما بين المشرق والمغرب، فقبض النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يده وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئاً لا يعطينيه‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ تحل منها حيث شئناً ولا يجني منها امرؤ إلا على نفسه‏.‏

فبسط يده وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏وذلك لك تحل حيث شئت ولا تجني عليك إلا نفسك‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فانصرفنا عنه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن هذين من لعمر إلهك أتقى النَّاس في الأولى والآخرة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال له كعب بن الحدارية أحد بني كلاب منهم‏:‏ يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم‏؟‏

قال‏:‏ فانصرفنا وأقبلت عليه - وذكر تمام الحديث إلى أن قال - فقلت‏:‏ يا رسول الله هل لأحد ممن مضى خير في جاهليته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/97‏)‏

قال‏:‏ فقال رجل من عرض قريش‏:‏ والله إن أباك المنتفق لفي النار‏.‏

قال‏:‏ فلكأنه وقع حر بين جلدتي وجهي ولحمي مما قال، لأني على رؤس النَّاس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله، ثم إذا الأخرى أجمل‏.‏

فقلت‏:‏ يا رسول الله وأهلك‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وأهلي لعمر الله، ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل‏:‏ أرسلني إليك محمد، فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك، وبطنك في النار‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ما فعل بهم ذلك، وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه، وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ذلك بأن الله يبعث في آخر كل سبع أمم - يعني‏:‏ نبياً - فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين‏)‏‏)‏‏.‏

هذا حديث غريب جداً، وألفاظه في بعضها نكارة‏.‏

وقد أخرجه البيهقي في ‏(‏كتاب البعث والنشور‏)‏‏.‏

وعبد الحق الإشبيليّ في ‏(‏العاقبة‏)‏‏.‏

والقرطبي في كتاب ‏(‏التذكرة في أحوال الآخرة‏)‏‏.‏

وسيأتي في كتاب البعث والنشور إن شاء الله تعالى‏.‏

وفادة زياد بن الحارث رضي الله عنه‏.‏

قال الحافظ البيهقي‏:‏ أنبأنا أبو أحمد الأسداباذي بها، أنبأنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، حدثنا أبو علي بشر بن موسى، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، سمعت زياد بن الحارث الصدائي يحدِّث قال‏:‏ أتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فبايعته على الإسلام، فأخبرت أنه قد بعث جيشاً إلى قومي‏.‏

فقلت‏:‏ يا رسول الله أردد الجيش وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم‏.‏

فقال لي‏:‏ ‏(‏‏(‏اذهب فردهم‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏إن راحلتي قد كلَّت، فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً فردهم‏.‏

قال الصدائي‏:‏ وكتبت إليهم كتاباً فقدم وفدهم بإسلامهم‏.‏

فقال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أخا صداء‏!‏إنك لمطاع في قومك‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ بل هو الله هداهم للإسلام‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أفلا أومرك عليهم‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ فكتب لي كتاباً أمَّرني‏.‏

فقلت‏:‏ يا رسول الله مر لي بشيء من صدقاتهم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم ‏!‏‏)‏‏)‏‏.‏

فكتب لي كتاباً آخر‏.‏

قال الصدائي‏:‏ وكان ذلك في بعض أسفاره، فنزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منزلاً فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم، ويقولون‏:‏ أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية‏.‏

فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏أوفعل ذلك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏

فالتفت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أصحابه وأنا فيهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا خير في الإمارة لرجل مؤمن‏)‏‏)‏‏.‏

قال الصدائي‏:‏ فدخل قوله في نفسي ثم أتاه آخر فقال‏:‏ يا رسول الله أعطني‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏من سأل النَّاس عن ظهر غنىً فصداع في الرأس وداء في البطن‏)‏‏)‏‏.‏

فقال السائل‏:‏ أعطني من الصدقة‏.‏

فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الله لم يرضَ في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتَّى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/98‏)‏

قال الصدائي‏:‏ فدخل ذلك في نفسي أني غني، وإني سألته من الصدقة‏.‏

قال‏:‏ ثم إن رسول الله اعتشى من أول الليل فلزمته وكنت قريباً، فكان أصحابه ينقطعون عنه، ويستأخرون منه ولم يبق معه أحد غيري، فلما كان أوان صلاة الصبح أمرني فأذَّنت، فجعلت أقول‏:‏ أقيم يا رسول الله‏؟‏

فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر، ويقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏ حتَّى إذا طلع الفجر نزل فتبرز، ثم انصرف إليّ وهو متلاحق أصحابه، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هل من ماء يا أخا صُداءٍ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ لا إلا شيء قليل لا يكفيك‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اجعله في إناء ثم ائتني به‏)‏‏)‏‏.‏

ففعلت فوضع كفه في الماء قال‏:‏ فرأيت بين إصبعين من أصابعه عيناً تفور‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لولا أني أستحي من ربي عز وجل لسقينا واستقينا، ناد في أصحابي من له حاجة في الماء‏)‏‏)‏‏.‏

فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم شيئاً، ثم قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم‏.‏

فقال له رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏إن أخا صداء أذَّن ومن أذَّن فهو يقيم‏)‏‏)‏‏.‏

قال الصدائي‏:‏ فأقمت، فلما قضى رسول الله الصلاة أتيته بالكتابين، فقلت‏:‏ يا رسول الله أعفني من هذين‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما بدا لك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ سمعتك يا رسول الله تقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا خير في الإمارة لرجل مؤمن‏)‏‏)‏ وأنا أومن بالله وبرسوله‏.‏

وسمعتك تقول للسائل‏:‏ ‏(‏‏(‏من سأل النَّاس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن‏)‏‏)‏ وسألتك وأنا غني‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هو ذاك، فإن شئت فأقبل وإن شئت فدع‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ أدع‏.‏

فقال لي رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏فدلني على رجل أؤمره عليكم‏)‏‏)‏‏.‏

فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمَّره عليهم‏.‏

ثم قلنا‏:‏ يا رسول الله إن لنا بئراً إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا، فقد أسلمنا وكل من حولنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها، فنجتمع عليه ولا نتفرق‏!‏

فدعا سبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة، واذكروا الله‏)‏‏)‏‏.‏

قال الصدائي‏:‏ ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها - يعني‏:‏ البئر -‏.‏

وهذا الحديث له شواهد في سنن أبي داود، والتِّرمذي، وابن ماجه‏.‏

وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة إلى بلاد صداء فيوطئها، فبعثوا رجلاً منهم فقال‏:‏ جئتك لترد عن قومي الجيش وأنا لك بهم، ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلاً، ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل‏.‏

ثم روى الواقدي عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي قصته في الأذان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/99‏)‏




وفادة الحارث بن حسان البكري إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال‏:‏ خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها‏.‏

فقالت‏:‏ يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة، فهل أنت مبلغي إليه‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقلت‏:‏ ما شأن النَّاس‏؟‏

قالوا‏:‏ يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً‏.‏

قال‏:‏ فجلست فدخل منزله، أو قال‏:‏ رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت فسلمت‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هل كان بينكم وبين تميم شيء‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ نعم‏!‏وكانت الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت‏.‏

فقلت‏:‏ يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت‏.‏

وقالت‏:‏ يا رسول الله أين يضطر مضرك‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها حملت هذه، ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد‏.‏

قالت هي‏:‏ وما وافد عاد‏؟‏ وهي أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه‏.‏

قلت‏:‏ إن عاد قحطوا، فبعثوا وفداً لهم يقال له‏:‏ قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، يقال‏:‏ الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال‏:‏ اللهم إنك تعلم لم أجيء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً‏.‏

قال‏:‏ فلما بلغني أنه أرسل عليهم الريح إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتَّى هلكوا‏.‏

قال - أبو وائل وصدق -‏:‏ وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا‏:‏ لا يكن كوافد عاد‏.‏

وقد رواه التِّرمذي والنسائي من حديث أبي المنذر سلام بن سليمان به‏.‏

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم ابن أبي النجود، عن الحارث البكري، ولم يذكر أبا وائل‏.‏

وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث‏.‏

والصواب عن عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث كما تقدَّم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/100‏)‏


وفادة عبد الرحمن ابن أبي عقيل مع قومه

قال أبو بكر البيهقي‏:‏ أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، أنبانا علي بن الجعد عبد العزيز، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو خالد يزيد الأسديّ، ثنا عون ابن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن ابن أبي عقيل قال‏:‏ انطلقت في وفد إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأتيناه فأنخنا بالباب، فما في النَّاس رجل أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فلما دخلنا وخرجنا فما في النَّاس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه‏.‏ قال‏:‏ فقال قائل منا‏:‏ يا رسول الله ألا سألت ربك ملكاً كملك سليمان‏؟‏

قال‏:‏ فضحك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا، وإنَّ الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏

قدوم طارق بن عبيد الله وأصحابه

روى الحافظ البيهقي من طريق أبي خباب الكلبي عن جامع بن شداد المحاربي، حدثني رجل من قومي يقال له‏:‏ طارق بن عبد الله قال‏:‏ إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول‏:‏ يا أيها النَّاس قولوا‏:‏ لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة وهو يقول‏:‏ يا أيها النَّاس إنه كذاب‏.‏

فقلت‏:‏ من هذا‏؟‏

فقالوا‏:‏ هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ من هذا الذي يفعل به هذا‏؟‏

قالوا‏:‏ هذا عمه عبد العزى‏.‏

قال‏:‏ فلما أسلم النَّاس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلت‏:‏ لو نزلنا فلبسنا ثياباً غير هذه، إذا رجل في طمرين فسلم علينا وقال‏:‏ من أين أقبل القوم‏؟‏

قلنا‏:‏ من الربذة‏.‏

قال‏:‏ وأين تريدون‏؟‏

قلنا‏:‏ نريد هذه المدينة‏.‏

قال‏:‏ ما حاجتكم منها‏؟‏

قلنا‏:‏ نمتار من تمرها‏.‏

قال‏:‏ ومعنا ظعينة لنا، ومعنا جمل أحمر مخطوم‏.‏

فقال‏:‏ أتبيعوني جملكم هذا‏؟‏

قلنا‏:‏ نعم‏!‏بكذا وكذا صاعاً من تمر‏.‏

قال‏:‏ فما استوضعنا مما قلنا شيئاً، وأخذ بخطام الجمل وانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها‏.‏

قلنا‏:‏ ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن يعرف، ولا أخذنا له ثمناً‏.‏

قال‏:‏ تقول المرأة التي معنا‏:‏ والله لقد رأيت رجلاً كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم، إذ أقبل الرجل فقال‏:‏ أنا رسول الله إليكم، هذا تمركم فكلوا، واشبعوا، واكتالوا، واستوفوا، فأكلنا، وشبعنا، واكتلنا، واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فدخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب النَّاس، فأدركنا من خطبته وهو يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك أدناك‏)‏‏)‏‏.‏

إذ أقبل رجل من بني يربوع أو قال‏:‏ رجل من الأنصار، فقال‏:‏ يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ أباً لا يجني على ولد، ثلاث مرات‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ ص‏:‏5/ 101‏)‏

وقد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد ابن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي ببعضه‏.‏

ورواه الحافظ البيهقي أيضاً عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن يزيد بن زياد، عن جامع بن طارق بطوله، كما تقدم وقال فيه‏:‏ فقالت الظعينة‏:‏ لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه‏.‏

قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان

قال ابن إسحاق‏:‏ وبعث فروة بن عمرو النافرة الجذامي ثم النفاثي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رسولاً بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملاً للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الرُّوم ذلك من إسلامه طلبوه حتَّى أخذوه فحبسوه عندهم‏.‏

فقال في محبسه ذلك‏:‏

طَرِقَتْ سُليمى مَوهَنا أصحَابي * والرُّومُ بين البابِ وَالقَرَوانِ

صدَ الخَيالُ وساءهُ مَا قَدْ رَأَى * وَهممْتُ أَنْ أَغْفَى وَقَدْ أَبْكَاني

لا تَكْحَلَنَّ العين بعدي إثمداً * سلمى ولا تدينُ للإتيانِ

وَلقدْ عَلمتَ أَبا كبيشة أَنني * وَسط الأعزَة لا يحصَّ لِساني

فَلئِن هَلكتُ لتفقدنَّ أَخاكُمُ * ولئن بقيتُ ليعرفنَّ مَكاني

وَلقد جمعتُ أجلَّ ما جمعَ الفتى * من جودةٍ وشجاعةٍ وبيانِ

قال‏:‏ فلما أجمعت الرُّوم على صلبه على ماء لهم يقال له‏:‏ عفرى بفلسطين قال‏:‏

ألا هَل أتى سَلمى بأنَّ حَليلَها * على ماءِ عَفَّرى فوق إحدى الرواحلِ

على نَاقة لم يضربِ الفحلُ أُمها * مشذَّبه أطرافُها بالمناجلِ

قال‏:‏ وزعم الزُّهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال‏:‏

بَلّغ سَرَاة المسْلمين بأنني * سلَمٌ لربي أَعظمي ومَقامي

قال‏:‏ ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، رحمه الله، ورضي عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/102‏)‏


قدوم تميم الداري على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

في خروج النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وإيمان من آمن به

أخبرنا‏:‏ أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزي بنيسابور، أنبانا أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن القاضي، أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطان، حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبير، أنبأنا وهب بن جرير، حدثنا أبي سمعت غيلان بن جرير يحدِّث عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت‏:‏ قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تميم الداري، فأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه ركب البحر فتاهت به سفينته، فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا إليها يلتمسون الماء، فلقي إنسانا يجر شعره فقال له‏:‏ من أنت‏؟‏

قال‏:‏ أنا الجساسة‏.‏

قالوا‏:‏ فأخبرنا‏.‏

قال‏:‏ لا أخبركم، ولكن عليكم بهذه الجزيرة فدخلناها، فإذا رجل مقيد فقال‏:‏ من أنتم‏؟‏

قلنا‏:‏ ناس من العرب‏.‏

قال‏:‏ ما فعل هذا النَّبيّ الذي خرج فيكم‏؟‏

قلنا‏:‏ قد آمن به النَّاس واتبعوه وصدقوه‏.‏

قال‏:‏ ذلك خير لهم‏.‏

قال‏:‏ أفلا تخبروني عن عين زعر ما فعلت‏.‏

فأخبرناه عنها، فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار ثم قال‏:‏ ما فعل نخل بيسان هل أطعم بعد‏.‏

فأخبرناه‏:‏ أنه قد أطعم، فوثب مثلها، ثم قال‏:‏ أما لوقد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة‏.‏

قالت‏:‏ فأخرجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فحدَّث النَّاس فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هذه طيبة، وذاك الدجال‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن فاطمة بنت قيس‏.‏

وقد أورد له الإمام أحمد شاهداً من رواية أبي هريرة، وعائشة أم المؤمنين‏.‏

وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب الفتن‏.‏

وذكر الواقدي وفد الدارين من لخم وكانوا عشرة‏.‏

وفد بني أسد

وهكذا ذكر الواقدي‏:‏ أنَّه قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أول سنة تسع وفد بني أسد وكانوا عشرة؛ منهم‏:‏ ضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد ذلك، ثم أسلم وحسن إسلامه، ونفادة بن عبد الله بن خلف، فقال له رئيسهم حضرمي بن عامر‏:‏ يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثاً، فنزل فيهم‏:‏ ‏{‏يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وكان فيهم قبيلة يقال لهم‏:‏ بنو الرتية، فغير اسمهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنتم بنو الرشدة‏)‏‏)‏ وقد استهدى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من نفادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها، فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له فجاء بها، فأمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بحلبها فشرب منها وسقاه سؤره، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم بارك فيها وفيمن منحها‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله وفيمن جاء بها‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏وفيمن جاء بها‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ ص‏:‏5/103‏)‏

وفد بني عبس

ذكر الواقدي‏:‏ أنهم كانوا تسعة نفر وسماهم الواقدي‏.‏

فقال لهم النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏أنا عاشركم‏)‏‏)‏ وأمر طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء وجعل شعارهم‏:‏ يا عشرة، وذكر أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سألهم عن خالد بن سنان العبسي - الذي قدمنا ترجمته في أيام الجاهلية - فذكروا أنه لا عقب له، وذكر أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعثهم يرصدون عيراً لقريش قدمت من الشام، وهذا يقتضي تقدم وفادتهم على الفتح، والله أعلم‏.‏

وفد بني فزارة

قال الواقدي‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي، عن أبي وجزة السعدي قال‏:‏ لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسعة قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلاً؛ فيهم‏:‏ خارجة بن حصن، والحارث بن قيس بن حصن وهو أصغرهم، على ركاب عجاف فجاؤا مقرين بالإسلام‏.‏

وسألهم رسول الله عن بلادهم، فقال أحدهم‏:‏ يا رسول الله أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جناتنا، وغرث عيالنا، فادع الله لنا، فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مرياً مريعاً، طبقاً واسعاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فمطرت فما رأوا السماء سبتاً، فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر‏)‏‏)‏ فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب‏.‏ ‏(‏ج /ص‏:‏5/104‏)‏

وفد بني مرة

قال الواقدي‏:‏ إنهم قدموا سنة تسع عند مرجعه من تبوك، وكانوا ثلاثة عشر رجلاً؛ منهم‏:‏ الحارث بن عوف، فأجازهم عليه السلام بعشر أواق من فضة، وأعطى الحارث بن عوف اثنتي عشر أوقية، وذكروا بأن بلادهم مجدبة، فدعا لهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اسقهم الغيث‏)‏‏)‏‏.‏

فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

وفد بني ثعلبة

قال الواقدي‏:‏ حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن رجل من بني ثعلبة، عن أبيه قال‏:‏ لما قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الجعرانة سنة ثمان قدمنا عليه أربعة نفر، فقلنا‏:‏ نحن رسل من خلفنا من قومنا، وهم يقرون بالإسلام، فأمر لنا بضيافة، وأقمنا أياماً ثم جئناه لنودعه‏.‏

فقال لبلال‏:‏ ‏(‏‏(‏أجزهم كما تجيز للوفد‏)‏‏)‏ فجاء ببقر من فضة فأعطى كل رجل منا خمس أواق، وقال‏:‏ ليس عندنا دراهم، وانصرفنا إلى بلادنا‏.‏


وفد بني محارب

قال الواقدي‏:‏ حدثني محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي قال‏:‏ قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر؛ فيهم‏:‏ سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء، وعشاء، فأسلموا وقالوا‏:‏ نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله منهم، وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ الحمد لله الذي أبقاني حتَّى صدقت بك‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن هذه القلوب بيد الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏ ومسح رسول الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى بلادهم‏.‏

وفد بني كلاب

ذكر الواقدي‏:‏ أنهم قدموا سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلاً؛ منهم‏:‏ لبيد بن ربيعة الشاعر، وجبار بن سلمى، وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة فرحب به وأكرمه وأهدى إليه، وجاؤا معه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسلَّموا عليه بسلام الإسلام، وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله، وسنة رسوله التي أمره الله بها، ودعاهم إلى الله فاستجابوا له، وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم، فصرفها على فقرائهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/105‏)‏

وفد بني رؤاس من كلاب

ثم ذكر الواقدي‏:‏ أن رجلاً يقال له‏:‏ عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلم، ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الله‏.‏

فقالوا‏:‏ حتَّى نصيب من بني عقيل مثل ما أصابوا منا، فذكر مقتلة كانت بينهم وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلاً من بني عقيل، قال‏:‏ فشددت يدي في غل، وأتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبلغه ما صنعت‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لئن أتاني لأضرب ما فوق الغل من يده‏)‏‏)‏‏.‏

فلما جئت سلمت، فلم يرد علي السلام، وأعرض فأتيته عن يمينه فأعرض عني، فأتيته عن يساره فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه فقلت‏:‏ يا رسول الله إن الرب عز وجل ليرتضي فيرضى، فارض عني، رضي الله عنك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد رضيت‏)‏‏)‏‏.‏

وفد بني عقيل بن كعب

ذكر الواقدي‏:‏ أنهم قدموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأقطعهم العقيق - عقيق بنى عقيل - وهي أرض فيها نخيل وعيون، وكتب بذلك كتاباً ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعاً ومطرفاً، وأنساً، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وسمعوا وطاعوا، ولم يعطهم حقاً لمسلم‏)‏‏)‏ فكان الكتاب في يد مطرف‏.‏

قال‏:‏ وقدم عليه أيضاً لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل - وهو أبو رزين - فأعطاه ماء يقال له‏:‏ النظيم، وبايعه على قومه، وقد قدمنا قدومه، وقصته، وحديثه بطوله، ولله الحمد والمنة‏.‏

وفد بني قشير بن كعب

وذلك قبل حجة الوداع، وقبل حنين، فذكر فيهم‏:‏ قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير فأسلم، فأعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وكساه برداً، وأمره أن يلي صدقات قومه، فقال قرة حين رجع‏:‏

حَباهَا رَسولُ اللهِ إذْ نَزَلت به * وأَمكنها من نائلٍ غير منفدِ

فأَضْحتْ بروضِ الخضرِ وهي حثيثةٌ * وَقد أنجحت حَاجَاتها من محمَّد

عَليها فتىً لا يردفُ الذم رحلُهُ * يُروى لأمر العاجز المتردِدِ ‏(‏ج/ ص‏:‏5/106‏)‏

وفد بني البكاء

ذكر أنهم قدموا سنة تسع، وأنهم كانوا ثلاثين رجلاً؛ فيهم‏:‏ معاوية بن ثور بن معاوية بن عبادة بن البكاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له‏:‏ بشر، فقال‏:‏ يا رسول الله إني أتبرك بمسك وقد كبرت، وابني هذا برٌّ بي، فامسح وجهه، فمسح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجهه، وأعطاه أعنزاً عفراً، وبرك عليهن فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة‏.‏

وقال محمد بن بشر بن معاوية في ذلك‏:‏

وأَبي الذي مَسَحَ الرَّسولُ برأسِهِ * وَدعا له بالخيرِ والبركاتِ

أَعطاهُ أَحمدُ إذْ أتاه أعنزاً * عَفراً نواحلَ لَسن باللحياتِ

يملأن وفد الحيِّ كل عشيةٍ * ويعود ذاك الملئ بالغدواتِ

بوركْنَ من منحٍ وبوركَ مَانحاً * وَعليهِ مني ما حييتُ صَلاتي

وفد كنانة

روى الواقدي بأسانيده‏:‏ أن واثلة بن الأسقع الليثي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك، فصلى معه الصبح، ثم رجع إلى قومه فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال أبوه‏:‏ والله لا أحملك أبداً، وسمعت أخته كلامه فأسلمت، وجهزته حتَّى سار مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تبوك، وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة، وبعثه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع خالد إلى أكيدر دومة، فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهم الغنيمة‏.‏

فقال له كعب‏:‏ إنما حملتك لله عز وجل‏.‏

وفد أشجع

ذكر الواقدي‏:‏ أنهم قدموا عام الخندق، وهم مائة رجل، ورئيسهم‏:‏ مسعود بن رخيلة، فنزلوا شعب سلع، فخرج إليهم رسول الله وأمر لهم بأحمال التمر‏.‏

ويقال‏:‏ بل قدموا بعد ما فرغ من بني قريظة، وكانوا سبع مائة رجل فوادعهم، ورجعوا ثم أسلموا بعد ذلك‏.‏

وفد باهلة

قدم رئيسهم‏:‏ مطرف بن الكاهن بعد الفتح فأسلم، وأخذ لقومه أماناً، وكتب له كتاباً فيه الفرائض، وشرائع الإسلام، كتبه عثمان بن عفَّان رضي الله عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/107‏)‏

وفد بني سليم

قال‏:‏ وقدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجل من بني سليم يقال له‏:‏ قيس بن نشبة، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الإسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سليم فقال‏:‏ سمعت ترجمة الرُّوم، وهيمنة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكهان، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئاً من كلامهم فأطيعوني، وخذوا بنصيبكم منه‏.‏

فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم فلقوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقديد، وهم سبع مائة، ويقال‏:‏ كانوا ألفاً، وفيهم‏:‏ العبَّاس بن مرداس، وجماعة من أعيانهم فأسلموا، وقالوا‏:‏ اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدماً، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح، والطائف، وحنيناً‏.‏

وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي يعبد صنماً، فرآه يوماً وثعلبان يبولان عليه فقال‏:‏

أربٌ يبولُ الثَّعلبان برأسهِ * لَقد زَلَّ من بالتْ عليه الثعَالِبُ

ثم شد عليه فكسره، ثم جاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلم‏.‏

وقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما اسمك‏)‏‏)‏‏؟‏

قال‏:‏ غاوي بن عبد العزى‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل أنت راشد بن عبد ربه‏)‏‏)‏، وأقطعه موضعاً يقال له‏:‏ رهاط، فيه عين تجري يقال لها‏:‏ عين الرسول، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هو خير بني سليم‏)‏‏)‏ وعقد له على قومه، وشهد الفتح وما بعدها‏.‏

وفد بني هلال بن عامر

وذكر في وفدهم‏:‏ عبد عوف بن أصرم فأسلم، وسماه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الله‏.‏

وقبيصة بن مخارق الذي له حديث في الصدقات، وذكر في وفد بني هلال‏:‏ زياد بن عبد الله بن مالك بن نجير بن الهدم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر، فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث، فدخل عليها، فلما دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منزله رآه فغضب ورجع، فقالت‏:‏ يا رسول الله إنَّه ابن أختي، فدخل ثم خرج إلى المسجد ومعه زياد فصلى الظهر، ثم أدنا زياداً فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثم حدرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول‏:‏ ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد‏.‏ ‏(‏ج/ ص‏:‏5/108‏)‏

وقال الشاعر لعلي بن زياد‏:‏

إنْ الذي مسح الرَّسول برأسهِ * وَدعا لهُ بالخير عند المسجد

أعْني زياداً لا أريد سواءه * من عابرٍ أو متهمٍ أو منجدِ

ما زال ذاك النُّور في عرنينه * حتَّى تبوَّأ بيته في مُلحدِ

وفد بني بكر بن وائل

ذكر الواقدي‏:‏ أنهم لما قدموا سألوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن قس بن ساعدة‏.‏

فقال‏:‏ ليس ذاك منكم، ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظ، والنَّاس مجتمعون فكلَّمهم بكلامه الذي حفظ عنه‏.‏

قال‏:‏ وكان في الوفد بشير بن الخصاصية، وعبد الله بن مرثد، وحسان بن خوط‏.‏

فقال رجل من ولد حسان‏:‏

أنَا وحسَّان بن خوط وأبي * رسول بكر كلَّها إلى النَّبيّ

وفد بني تغلب

ذكر أنهم كانوا ستة عشر رجلاً مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث فصالح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم النصارى على أن لا يضيعوا أولادهم في النصرانية، وأجاز المسلمين منهم‏.‏

وفادات أهل اليمن‏:‏ وفد تجيب

ذكر الواقدي‏:‏ أنهم قدموا سنة تسع، وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلاً، فأجازهم أكثر ما أجاز غيرهم، وأن غلاماً منهم قال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما حاجتك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله أدع الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائي في قلبي‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه‏)‏‏)‏‏.‏

فكان بعد ذلك من أزهد النَّاس‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/109‏)‏

وفد خولان

ذكر أنهم كانوا عشرة، وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر، وسألهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن صنمهم الذي كان يقال له‏:‏ عم أنس‏.‏

فقالوا‏:‏ أبدلناه خيراً منه، ولو قد رجعنا لهدمناه، وتعلموا القرآن والسنن فلمَّا رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله وحرَّموا ما حرَّم الله‏.‏

وفد جعفيّ

ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب، فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأكل القلب، وأمر به فشوي وناوله رئيسهم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يتم إيمانكم حتَّى تأكلوه‏)‏‏)‏ فأخذه ويده ترعد فأكله وقال‏:‏

على أني أكلتُ القلب كرّهاً * وترعد حين مسَّته بَناني

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم‏:‏ فصل في قدوم الأزد على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

ذكر أبو نعيم في كتاب ‏(‏معرفة الصحابة‏)‏ والحافظ أبو موسى المديني من حديث أحمد ابن أبي الحواري قال‏:‏ سمعت أبا سليمان الدَّاراني قال‏:‏ حدَّثني علقمة بن مرثد بن سويد الأزديّ قال‏:‏ حدَّثني أبي عن جدي، عن سويد بن الحارث قال‏:‏ وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلما دخلنا عليه وكلمناه فأعجبه ما رأى من سمتنا وزينا‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما أنتم‏)‏‏)‏‏؟‏

قلنا‏:‏ مؤمنون‏.‏

فتبسم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ خمس عشرة خصلة؛ خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئاً‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ أمرتنا أن نؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلنا‏:‏ أمرتنا أن نقول‏:‏ لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلاً‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏وما الخمسة الذي تخلَّقتم بها في الجاهلية‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ الشكر عند الرخاء، والصَّبر عند البلاء، والرِّضى بمر القضاء، والصدق في مواطن اللِّقاء، وترك الشماتة بالأعداء‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء‏)‏‏)‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وأنا أريدكم خمساً فيتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا مالاً تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غداً تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون‏)‏‏)‏‏.‏

فانصرف القوم من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وحفظوا وصيته، وعملوا بها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/110‏)‏

ثم ذكر‏:‏

وفد كندة

وأنهم كانوا بضعة عشر راكباً عليهم الأشعث بن قيس، وأنه أجازهم بعشر أواق، وأجاز الأشعث اثنتي عشرة أوقية، وقد تقدم‏.‏

وفد الصدف

قدموا في بضعة عشر راكباً فصادفوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب على المنبر، فجلسوا ولم يسلموا فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أمسلمون أنتم‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ نعم‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فهلا سلَّمتم‏)‏‏)‏‏.‏

فقاموا قياماً فقالوا‏:‏ السلام عليك أيها النَّبيّ ورحمة الله وبركاته‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏وعليكم السلام اجلسوا‏)‏‏)‏‏.‏

فجلسوا وسألوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن أوقات الصلوات‏.‏

وفد خشين

قال‏:‏ وقدم أبو ثعلبة الخشنيّ، ورسول الله يجهِّز إلى خيبر فشهد معه خيبر، ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلاً منهم فأسلموا‏.‏

وفد بني سعد

ثم ذكر وفد بني سعد هذيم، وبلي وبهراء، وبني عذرة، وسلامان، وجهينة، وبني كلب، والجرميين‏.‏

وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمي في صحيح البخاري‏.‏

وذكر‏:‏ وفد الأزد، وغسان، والحارث بن كعب، وهمدان، وسعد العشيرة، وقيس، ووفد الداريين، والرهاويين، وبني عامر، والمسجع، وبجيلة، وخثعم، وحضرموت‏.‏

وذكر فيهم‏:‏ وائل بن حجر، وذكر فيهم الملوك الأربعة‏:‏ حميداً، ومخوساً، ومشرجاً، وأبضعه‏.‏

وقد ورد في مسند أحمد‏:‏ لعنهم مع أختهم العمّردة‏.‏

وتكلم الواقدي كلاماً فيه طول‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/111‏)‏

وذكر وفد أزد عمان، وغافق، وبارق، وثمالة، والحدار، وأسلم، وجذام، ومهرة، وحمير، ونجران، وحيسان، وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جداً‏.‏

وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك وفيما أوردناه كفاية، والله أعلم‏.‏

ثم قال الواقدي‏:‏

وفد السباع

حدثني‏:‏ شعيب بن عُبادة عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنظب قال‏:‏ بينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب، فوقف بين يديه فعوى‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏هذا وافد السِّباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئاً لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحذَّرتم منه، فما أخذ فهو رزقه‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشيء، فأومأ إليه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأصابعه الثلاث أي‏:‏ خالسهم فولى وله عسلان‏.‏

وهذا مرسل من هذا الوجه‏.‏

ويشبه هذا الذئب الذئب الذي ذكر في الحديث الذي رواه الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبانا القاسم بن الفضل الحدَّاني عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ قال‏:‏ عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبها الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه‏.‏

فقال‏:‏ ألا تتقي الله تنزع مني رزقاً ساقه الله إليّ‏.‏

فقال‏:‏ يا عجباً، ذئب مقعٍ على ذنبه يكلمني كلام الإنس‏.‏

فقال الذئب‏:‏ ألا أخبرك بأعجب من ذلك‏؟‏ محمد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيثرب يخبر النَّاس بأنباء ما قد سبق‏.‏

قال‏:‏ فأقبل الراعي يسوق غنمه حتَّى دخل المدينة، فزاواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره، فأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنودي‏:‏ الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للأعرابي‏:‏ ‏(‏‏(‏أخبرهم‏)‏‏)‏، فأخبرهم‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتَّى تكلِّم السباع الإنس، وتكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه التِّرمذي‏:‏ عن سفيان بن وكيع بن الجراح، عن أبيه، عن القاسم بن الفضل به‏.‏

وقال‏:‏ حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث‏.‏

وثَّقه يحيى وابن مهدي‏.‏

قلت‏:‏ وقد رواه الإمام أحمد أيضاً‏:‏ حدَّثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب - هو ابن أبي حمزة - حدثني عبد الله ابن أبي الحسين، حدَّثني مهران، أنبأنا أبو سعيد الخدريّ حدَّثه، فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/112‏)‏

ثم رواه أحمد‏:‏ حدَّثنا أبو النضر، ثنا عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر قال‏:‏ وحدَّث أبو سعيد فذكره‏.‏

وهذا السِّياق أشبه، والله أعلم‏.‏

وهو إسناد على شرط أهل السُّنن، ولم يخرِّجوه‏.‏

فصل ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة‏.‏

وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة، وقد تقصينا الكلام في ذلك عند قوله تعالى في سورة الأحقاف‏:‏ ‏(‏وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن‏)‏‏)‏، فذكرنا ما ورد من الأحاديث في ذلك والآثار، وأوردنا حديث سواد بن قارب الذي كان كاهناً فأسلم، وما رواه عن رئيه الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم الرئي، حين قال له‏:‏

عجبتُ للجنِّ وأنجاسهَا * وشدِها العيسَ بأحلاسِهَا

تهوي إلى مكةَ تبغي الهُدى * ما مؤمنُ الجنّ كأرجاسِهَا

فانهضْ إلى الصَفوةِ من هاشمٍ * واسمُ بعينيكَ إلى راسِها

ثم قوله‏:‏

عجبتُ للجنّ وتَطلابهَا * وشدِهَا العيسَ بأقتابهَا

تهوي إلى مَكةَ تبغي الهدَى * ليسَ قدامَها كأذنابهَا

فانهضْ إلى الصَفوةِ منْ هاشمٍ * واسمُ بعينيكَ إلى بابها

ثم قوله‏:‏ عجبتُ للجنِّ وتخبارها * وشدَّها العيسَ بأكوارِها

تهوي إلى مكةَ تبغي الهُدى * ليسَ ذوو الشر كأخيارِهَا

فانهضْ إلى الصَفوةِ منْ هاشمٍ * ما مؤمنُوا الجنِّ كَكُفَّارِهَا

وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة، وقد قررنا ذلك هنالك بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5 /113‏)‏

وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي ها هنا حديثاً غريباً جداً، بل منكراً أو موضوعاً ولكن مخرجه عزيز، أحببنا أن نورده كما أورده، والعجب منه فإنه قال في ‏(‏دلائل النبوة‏)‏ باب ماروي في قدوم هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس على النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وإسلامه‏:‏

أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن داود العلوي رحمه الله، أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل القاري المروزي، ثنا عبد الله بن حماد الآملي، ثنا محمد ابن أبي معشر، أخبرني أبي عن نافع، عن ابن عمر قال‏:‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ بينا نحن قعود مع النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على جبل من جبال تهامة، إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فرد عليه السلام، ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نغمة جن وغمغمتهم، من أنت‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ أنا هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس‏.‏

فقال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏فما بينك وبين إبليس إلا أبوان، فكم أتى لك من الدهر‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ قد أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلاً ليال قتل قابيل هابيل كنت غلاماً ابن أعوام، أفهم الكلام وأمر بالآكام، وآمر بإفساد الطَّعام وقطيعة الأرحام‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏بئس عمل الشَّيخ المتوسم، والشَّاب المتلوم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ذرني من الترداد إني تائب إلى الله عز وجل، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتَّى بكى وأبكاني‏.‏

وقال‏:‏ لا جرم إني على ذلك من النَّادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السَّعيد الشَّهيد هابيل بن آدم، فهل تجد لي عندك توبة‏؟‏

قال‏:‏ يا هام همَّ بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة، إني قرأت فيما أنزل الله علي أنه ليس من عبد تاب إلى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه، قم فتوضأ واسجد لله سجدتين‏.‏

قال‏:‏ ففعلت من ساعتي ما أمرني به، فناداني ارفع رأسك، فقد نزلت توبتك من السَّماء، فخررت لله ساجداً‏.‏

قال‏:‏ وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتَّى بكى عليهم وأبكاني‏.‏

فقال‏:‏ لاجرم إني على ذلك من النَّادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏.‏

قال‏:‏ وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتَّى بكى وأبكاني‏.‏

وقال‏:‏ أنا على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏.‏

وكنت أزور يعقوب، وكنت مع يوسف في المكان الأمين، وكنت ألقى إلياس في الأودية وأنا ألقاه الآن، وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة‏.‏

وقال‏:‏ إن لقيت عيسى بن مريم فأقره مني السَّلام، وإني لقيت عيسى بن مريم فأقرأته عن موسى السَّلام‏.‏

وإن عيسى قال‏:‏ إن لقيت محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم فأقرئه مني السَّلام، فأرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عينيه فبكى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وعلى عيسى السَّلام ما دامت الدنيا، وعليك السلام يا هام بأدائك الأمانة‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يا رسول الله إفعل بي ما فعل بي موسى إنه علمني من التوراة‏.‏

قال‏:‏ فعلمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ‏(‏‏(‏إذا وقعت الواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد‏)‏‏)‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ارفع إلينا حاجتك يا هامة، ولا تدع زيارتنا‏)‏‏)‏‏.‏

قال عمر‏:‏ فقبض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يعد إلينا، فلا ندري الآن أحيّ هو أم ميت‏؟‏

ثم قال البيهقي‏:‏ ابن أبي معشر هذا قد روى عنه الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه، وقد روي هذا الحديث من وجه آخر هو أقوى منه، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏5/114‏)‏