الجزء السابع - سنة أربع عشرة من الهجرة

سنة أربع عشرة من الهجرة

استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانتظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزدجر الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم‏.‏

وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد‏.‏

قال ابن جرير رحمه الله‏:‏ وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له‏:‏ صرار، فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب عثمان بن عفان وسادات الصحابة‏.‏

ثم عقد مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم القيام به، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له‏:‏ إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة، فارثا عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف‏.‏

فقال عمر‏:‏ فمن ترى أن نبعث إلى العراق، فقال‏:‏ قد وجدته‏.‏

قال‏:‏ من هو‏؟‏

قال‏:‏ الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري‏.‏

فاستجاد قوله، وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال‏:‏

يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم، وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه أمر‏.‏

هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين‏.‏

ولما أراد فراقه قال له‏:‏ إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك، تجمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين‏:‏ في طاعته، واجتناب معصيته، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة‏.‏ ‏

وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها‏:‏ للسر، ومنها‏:‏ العلانية، فأما العلانية‏:‏ فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء، وأما السر‏:‏ فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس‏.‏

ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبداً حببه، وإذا أبغض عبداً بغضه، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس‏.‏

قالوا‏:‏ فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، وألف من سائر الناس‏.‏

وقيل‏:‏ في ستة آلاف، وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص، وقام عمر في الناس خطيباً هنالك، فقال‏:‏ إن الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول لتحيي القلوب، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحيها الله، من علم شيئاً فلينفع به، فإن للعدل أمارات وتباشير‏.‏

فأما الأمارات‏:‏ فالحياء، والسخاء، والهين، واللين‏.‏

وأما التباشير‏:‏ فالرحمة‏.‏

وقد جعل الله لكل أمر باباً، ويسر لكل باب مفتاحاً، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد والاعتبار، ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال‏.‏

والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء‏.‏

إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها، نأخذ له الحق غير متعتع‏.‏

ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة، ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضي الله عنه‏.‏

واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية، ولما بلغ سعداً موته ترحم عليه، وتزوج زوجته سلمى، ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بأمداد أخر، حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفاً، وقيل‏:‏ ستة وثلاثون‏.‏

وقال عمر‏:‏ والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب‏.‏

وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفاً على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع والمقدمات، والمجنبات، والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر‏.‏

قال سيف بإسناده عن مشايخه قالوا‏:‏ وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون، وجعل إليه الإقباض وقسمة الفيء، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان الفارسي، وجعل الكاتب زياد بن أبي سفيان‏.‏

قالوا‏:‏ وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة وبضعة عشر صحابياً، منهم بضعة وسبعون بدرياً، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم‏.‏

وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس، وأن يبدروهم بالضرب والشدة، ولا يهولنك كثرة عَدَدِهم وعُدَدِهم فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الأمانة رجوت أن تُنْصَرُوا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبداً إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم‏.‏

وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر، فإنكم عليه أجرأ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل، حتى يأتي الله بالفتح عليهم، ويرد لكم الكرة‏.‏

وأمره بمحاسبة نفسه، وموعظة جيشه، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر، فإن النصر يأتي من الله على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وسلوا الله العافية، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

واكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون، وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وأرجه، ولا تدل بشيء‏.‏

واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم‏.‏

فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القدر في عافية‏.‏

وكتب إليه عمر‏:‏ قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله‏.‏

وجعل عمر يدعو لسعد خاصة، وله وللمسلمين عامة‏.‏

ولما بلغ سعد العُذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن أراذويه، فغنموا مما معه شيئاً كثيراً، ووقع منهم موقعاً كبيراً، فخمسها سعد، وقسم أربعة أخماسها في الناس، واستبشر الناس بذلك، وفرحوا، وتفاءلوا، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية‏:‏ غالب بن عبد الله الليثي‏.‏

غزوة القادسية

ثم سار سعد فنزل القادسية، وبث سراياه، وأقام بها شهراً لم ير أحداً من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان، فعجت رعايا الفرس أطراف بلادهم إلى يزدجرد من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي‏.‏

وقالوا‏:‏ إن لم تنجدونا وإلا أعطينا ما بأيدينا وسلمنا إليهم الحصون‏.‏

واجتمع رأي الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك وقال‏:‏ إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشاً كثيفاً مرة واحدة‏.‏

فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج، ثم بعث سعد كاشفاً إلى الحيرة إلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الأرمني، وأمده بالعساكر‏.‏

فكتب سعد إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر‏:‏ لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالاً من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعائهم توهيناً لهم، وفلجاً عليهم، واكتب إلي في كل يوم‏.‏

ولما اقترب رستم بجيوشه، وعسكر بساباط، كتب سعد إلى عمر يقول‏:‏ إن رستم قد عسكر بساباط، وجر الخيول والفيول، وزحف علينا بها، وليس شيء أهم عندي، ولا أكثر ذكراً مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة والتوكل‏.‏

وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفاً الجالنوس، وعلى الميمنة الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام، وذلك ستون ألفاً، وعلى الساقة البندران في عشرين ألفاً، فالجيش كله ثمانون ألفاً، فيما ذكره سيف وغيره‏.‏

وفي رواية‏:‏ كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفاً، يتبعها ثمانون ألفاً، وكان معه ثلاث وثلاثون فيلاً، منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه‏.‏

ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم‏:‏ النعمان بن مقرن، وفرات بن حبان، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب، يدعون رستم إلى الله عز وجل‏.‏

فقال لهم رستم‏:‏ ما أقدمكم‏؟‏

فقالوا‏:‏ جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم، وسبي نسائكم وأبنائكم، وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كأن ملكاً نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر‏.‏

وذكر سيف بن عمر‏:‏ أن رستم طاول سعداً في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعداً بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعداً ومن معه ليرجعوا، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم، لما رأى في منامه، ولما يتوسمه، ولما سمع منهم، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن

ولما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلاً سرية لتأتيه برجل من الفرس، وكان في السرية طليحة الأسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب، وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا، فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف، وتخطى الألوف، وقتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئاً، فسأله سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال‏:‏ دعنا من هذا، وأخبرنا عن رستم‏؟‏

فقال‏:‏ هو في مائة ألف وعشرين ألفاً، ويتبعها مثلها، وأسلم الرجل من فوره رحمه الله‏.‏

قال سيف عن شيوخه‏:‏ ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه، فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه‏.‏

فلما قدم عليه جعل رستم يقول له‏:‏ إنكم جيراننا، وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا‏.‏

فقال له المغيرة‏:‏ إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً، قال له‏:‏ إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم، واجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز‏.‏

فقال له رستم‏:‏ فما هو‏؟‏

فقال‏:‏ أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله‏.‏

فقال‏:‏ ما أحسن هذا ‏؟‏‏!‏ وأي شيء أيضاً‏؟‏

قال‏:‏ وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله‏.‏

قال‏:‏ وحسن أيضاً، وأي شيء أيضاً‏؟‏

قال‏:‏ والناس بنو آدم وحواء فهم أخوة لأب وأم‏.‏

وقال‏:‏ وحسن أيضاً‏.‏

ثم قال رستم‏:‏ أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا‏؟‏

قال‏:‏ أي والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة‏.‏

قال‏:‏ وحسن أيضاً‏.‏

قال‏:‏ ولما خرج المغيرة من عنده ذكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فانفوا ذلك، وأبوا أن يدخلوا فيه قبحهم الله وأخزاهم وقد فعل‏.‏

قالوا‏:‏ ثم بعث إليه سعد رسولاً آخر بطلبه، وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت، واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه‏.‏

فقالوا له‏:‏ ضع سلاحك‏.‏

فقال‏:‏ إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت‏.‏

فقال رستم‏:‏ ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فحرق عامتها‏.‏

فقالوا له‏:‏ ما جاء بكم‏؟‏

فقال‏:‏ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لتدعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله‏.‏

قالوا‏:‏ وما موعود الله‏؟‏

قال‏:‏ الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي‏.‏

فقال رستم‏:‏ قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏كم أحب إليكم‏؟‏ يوماً أو يومين‏؟‏

قال‏:‏ لا بل حتى نكاتب أهل رأينا رؤساء قومنا‏.‏

فقال‏:‏ ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل‏.‏

فقال‏:‏ أسيدهم أنت‏؟‏

قال‏:‏ لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم‏.‏

فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال‏:‏ هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل‏؟‏

فقالوا‏:‏ معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا، تدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه‏؟‏

فقال‏:‏ ويلكم لا تنظرون إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي، والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب‏.‏

ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلاً، فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي‏.‏

وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة، فتكلم بكلام حسن طويل‏.‏

قال فيه رستم للمغيرة‏:‏ إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل‏.‏

فقال‏:‏ من يوصلني إليه وله درهمان‏؟‏

فلما سقط عليه غرق فيه فجعل يطلب الخلاص فلا يجده‏.‏

وجعل يقول‏:‏ من يخلصني وله أربعة دراهم‏؟‏

ومثلكم كمثل الثعلب ضعيف دخل جحراً في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفاً رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئاً كثيراً، فجاء بجيشه واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا‏.‏

ثم استشاط غضباً وأقسم بالشمس‏:‏ لأقتلنكم غداً‏.‏

فقال المغيرة‏:‏ ستعلم‏.‏

ثم قال رستم للمغيرة‏:‏ قد أمرت لكم بكسوة، ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا‏.‏

فقال المغيرة‏:‏ أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيداً على رغمكم ‏؟‏‏!‏

فلما قال ذلك استشاط غضباً‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، ثنا أمية بن خالد، ثنا أبو عوانة، عن حصيب بن عبد الرحمن قال‏:‏ قال أبو وائل‏:‏ جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس‏.‏

قال‏:‏ لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمان آلاف بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفاً ونحو ذلك، فقالوا‏:‏ لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم‏؟‏ ارجعوا‏.‏

قال‏:‏ قلنا‏:‏ ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون‏:‏ دوك دوك، وشبهونا بالمغازل‏.‏

فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا‏:‏ ابعثوا إلينا رجلاً من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم‏؟‏

فقال المغيرة بن شعبة‏:‏ أنا‏.‏

فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا‏.‏

فقال‏:‏ إن هذا لم يزدني رفعة، ولم ينقص صاحبكم

فقال رستم‏:‏ صدق ما جاء بكم‏.‏

فقال‏:‏ إنا كنا قوماً في شر وضلالة فبعث الله إلينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا‏:‏ لا صبر لنا عنها أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة‏.‏

فقال رستم‏:‏ إذا نقتلكم‏.‏

قال‏:‏ إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية‏.‏

قال‏:‏ فلما قال‏:‏ وأديتم الجزية نخروا وصاحوا، وقالوا‏:‏ لا صلح بيننا وبينكم‏.‏

فقال المغيرة‏:‏ تعبرون إلينا أو نعبر إليكم‏؟‏

فقال رستم‏:‏ بل نعبر إليكم فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم‏.‏

وذكر سيف‏:‏ أن سعداً كان به عرق النسا يومئذ، وأنه خطب الناس وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وصلى بالناس الظهر، ثم كبر أربعاً وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله في طردهم إياهم، وقتلهم إياهم، وقعودهم لهم كل مرصد، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير‏.‏

وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، ولجأ أكثرهم إلى المدائن، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها‏.‏

وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها، وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب، كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عَدَدِها وعُدَدِها‏.‏

ولما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم، وأجلسهم بين يديه، وكان متكبراً قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها‏؟‏ عن الأردية، والنعال، والسياط ثم كلما قالوا شيئاً من ذلك تفاءل، فرد الله فأله على رأسه‏.‏

ثم قال لهم‏:‏ ما الذي أقدمكم هذه البلاد‏؟‏ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا‏؟‏

فقال له النعمان بن مقرن‏:‏ إن الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة‏.‏

فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين‏:‏ فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب، ويبدأ بهم ففعل، فدخلوا معه جميعاً على وجهين‏:‏ مكروه عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد‏.‏

فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق‏.‏

وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين الإسلام، حسن الحسن وقبح القبيح كله‏.‏

فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة‏.‏

وإن أجبتم إلى ديننا، خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمنكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجزي قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم‏.‏

قال‏:‏ قتلكم يزدجرد‏.‏

فقال‏:‏ إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم‏.‏

فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم‏.‏ فأسكت القوم، فقام المغيرة بن شعبة فقال‏:‏ أيها الملك، إن هؤلاء رؤس العرب وجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم، الأشرافَ الأشرافُ، ويعظم حقوق الأشرافِ الأشرافَ، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا، ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك‏.‏ إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً‏.‏

فأما ما ذكرت من سوء الحال‏:‏ فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا‏:‏ فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا‏.‏ وأما المنازل‏:‏ فإنما هي ظهر الأرض‏.‏

ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم‏.‏

ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه‏.‏

وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا، وأحلمنا‏.‏

فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد‏.‏

أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله‏.‏

فقال لنا‏:‏ إن ربكم يقول‏:‏ أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلي يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام‏.‏

فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال‏:‏ من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه‏.‏
فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك ‏؟‏‏.‏

فقال يزدجرد‏:‏ أتستقبلني بمثل هذا‏؟‏

فقال‏:‏ ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به‏.‏

فقال‏:‏ لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي‏.‏

وقال‏:‏ ائتوني بوقر من تراب، فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن‏.‏ ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور‏.‏

ثم قال‏:‏ من أشرفكم‏؟‏

فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو‏:‏ وأفتات ليأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه‏.‏

فقال‏:‏ أكذلك‏؟‏

قالوا‏:‏ نعم، فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان، والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، ثم انجذب في السير ليأتوا به سعداً، وسبقهم عاصم فمر باب قديس فطواه، وقال‏:‏ بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى‏.‏

ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر، ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر‏.‏

فقال‏:‏ أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم، ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علواً وشرفاً ورفعة، وينحط أمر الفرس سفلاً وذلاً ووهناً‏.‏

ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حل من رأى من المسلمين‏؟‏ فذكر له عقلهم، وفصاحتهم وحدة جوابهم، وأنهم يرومون أمراً يوشك أن يدركوه‏.‏

وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب، وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره، وأنا لا أشعر‏.‏

فقال له رستم‏:‏ إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه، ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا، وكان رستم منجماً، ثم أرسل رجلاً وراءهم، وقال‏:‏ إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا‏.‏

قال‏:‏ فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب، وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشد الغضب واستهجنوا رأي الملك‏.‏

فصل وقعة القادسية‏.‏

كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، وذلك‏:‏ أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضي الله عنه قد أصابه عرق النسا، ودمامل في جسده فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مدداً من عند أبو عبيدة من الشام بعدما شهداً وقعة اليرموك‏.‏

وزعم ابن إسحاق‏:‏ أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستماً كان في ستين ألفاً، فصلى سعد بالناس الظهر، ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم، وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره‏.‏

ثم كبر سعداً أربعاً، ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفرقين بشرٌ كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم، فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا، ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك، وأمست هذه الليلة تسمى‏:‏ ليلة الهرير‏.‏

فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالاً شديداً، وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمراً بليغاً، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل‏:‏ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وضرار بن الخطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم‏.‏

فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم، ويسمى‏:‏ يوم القادسية، وكان يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا جالينوس مقدمة الطلائع القادسية، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم‏.‏

ولحقهم المسلمون في أقفائهم، فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريباً من ذلك‏.‏

وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمائة رحمهم الله‏.‏

وساق المسلمون خلفهم المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك، وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه فكان منهم إليه ما قدمنا، وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الأموال والسلاح ما لا يحد ولا يوصف كثره، فحصلت الغنائم بعد صرف الأسلاب وخمست، وبعث بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

وقد كان عمر رضي الله عنه يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فينما هو ذات يوم من الأيام إذا هو براكب يلوح من بعد فاستقبله عمر فاستخبره‏.‏

فقال له‏:‏ فتح الله على المسلمين بالقادسية، وغنموا غنائم كثيرة، وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر، وعمر ماش تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالإمارة، فعرف الرجل عمر، فقال‏:‏ يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنك الخليفة‏؟‏

فقال‏:‏ لا حرج عليك يا أخي‏.‏

وقد تقدم أن سعداً رضي الله عنه كان به قروح وعرق النسا فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، ولو فر الناس لأخذته الفرس قبضاً باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأته سلمى بنت حفص التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت‏:‏ وامثنياه، ولا مثنى لي اليوم‏.‏ فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها‏.‏

فقالت‏:‏ أغيرة وجبناً‏؟‏ يعني‏:‏ أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها - فإنها أعلم الناس بعذره، وما هو فيه من المرض المانع من ذلك، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال‏:‏ سبع مرات، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر، وكان من الشجعان الأبطال، قال‏:‏

كفى حزناً أن تدحم الخيل بالفتى * واترك مشدوداً علي وثاقيا

إذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا

وقد كنت ذا مال كثير وأخوة * وقد تركوني مفرداً لا أخاليا

ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد، وخرج فقاتل قتالاً شديداً، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن، ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها، ونزل سعد فوجد فرسه يعرق، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏

فذكروا له قصة أبو محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما

وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه‏:‏

نقاتل حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم

فأُبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهم أيم

فيقال‏:‏ أن سعداً نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وإليتيه، فعذره الناس‏.‏

ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال‏:‏ اللهم إن كان كاذباً، أو قال‏:‏ الذي قال رياءً وسمعةً وكذباً فاقطع لسانه ويده، فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات‏.‏

رواه سيف‏:‏ عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر فذكره‏.‏

وقال سيف‏:‏ عن المقدام بن شريح الحارثي، عن أبيه قال‏:‏ قال جرير بن عبد الله البجلي‏:‏

أنا جرير وكنيتي أبو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر

فأشرف سعد من قصره وقال * وما أرجو بجيلة غير أني أومل أجرها يوم الحساب

وقد لقيت خيولهم خيولاً * وقد وقع الفوارس في الضراب

وقد دلفت بعرصتهم خيول * كان زهاءها إبل الجراب

فلولا جمع قعقاع بن عمرو * وحمال للجوا في الركاب

ولولا ذاك ألفيتم رعاعاً * تسيل جموعكم مثل الذباب

وقد روى محمد بن إسحاق‏:‏ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال‏:‏ كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتداً، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة‏.‏

قال‏:‏ وكنا ربع الناس، قال‏:‏ فوجهوا إلينا ستة عشر فيلاً، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا‏.‏

قال‏:‏ وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمر بنا فيقول‏:‏ يا معشر المهاجرين، كونوا أسوداً فإنما الفارسي تيس‏.‏

قال‏:‏ وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له النشاب‏.‏

فقلنا له‏:‏ يا أبا ثور، اتق ذاك الفارس فإنه لا يسقط له نشابة فوجه إليه الفارس، ورماه بنشابة فأصاب ترسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب، ويلمقا من ديباج‏.‏ :‏ 7/54‏)‏

قال‏:‏ وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل الله رستماً، وكان الذي قتله رجل يقال له‏:‏ هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابه فأصاب قدمه، وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه‏.‏

وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه وأطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل هنالك الجالينوس قتله زهرة بن حوية التميمي، ثم ساروا خلفهم، فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان، حتى إن منهم من يقول‏:‏ من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان، ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن، وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة‏.‏

وقال سيف بن عمرو‏:‏ عن سليمان بن بشير، عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت‏:‏ شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال‏.‏

وقال سيف بأسانيده‏:‏ عن شيوخه قالوا‏:‏ وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين‏.‏ وبعدة من قتل من المسلمين، بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري، وصورته‏:‏


أما بعد‏:‏ فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها، فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبوه، ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وصفوف الآجام، وفي الفجاج‏.‏

وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله فإنه بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم‏.‏

فيقال‏:‏ أن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضي الله عنهم‏.‏

ثم قال عمر للناس‏:‏ إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض علي الأمانة فإن أبيتها ورددتها عليكم، واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم‏.‏

وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب‏.‏

وقال سيف عن شيوخه قالوا‏:‏ وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة القادسية هذه يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصداً يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الإنس، فسمعت امرأة ليلاً بصنعاء على رأس جبل وهي تقول‏:‏

فحييت عنا عكرمَ ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصردِ

وحييت عني الشمس عند طلوعها * وحييت عني كل تاج مفردِ

وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد

أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند

إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكلٍ * من الموت مسود الغياطل أجرد

قالوا‏:‏ وسمع أهل اليمامة مجتازاً يغني بهذه الأبيات‏:‏

وجدنا الأكرمين بني تميم * غداة الروع أكثرهم رجالا

هموا ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب يرونهم رعالا

بحور للأكاسر من رجال * كأسد الغاب تحسبهم جبالا

تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياماً طوالا

مقطعة أكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا

قالوا‏:‏ وسمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكاملها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالداً، سوى أهل بانقيا وبرسما، وأهل أُليس الآخرة، ثم عاد الجميع بعد هذه الواقعة التي أوردناها، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، وأخذوا منهم الخراج، وغير ذلك‏.‏
فصدقوهم في ذلك تألفاً لقلوبهم، وسنذكر حكم أهل السواد في كتابنا‏:‏ ‏(‏الأحكام الكبير‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

وقد ذهب ابن إسحاق وغيره‏:‏ إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة‏.‏

وزعم الواقدي‏:‏ أنها كانت في سنة ستة عشرة‏.‏

وأما سيف بن عمرو وجماعة‏:‏ فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير‏.‏ فالله أعلم‏.‏

قال ابن جرير والواقدي‏:‏ في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أُبي بن كعب في التراويح، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وفيها‏:‏ بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها، منهم في قول المدائني، وروايته‏.‏

قال‏:‏ وزعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجهه إليها سعد بأمر من عمر رضي الله عنهم‏.‏

وقال أبو مخنف‏:‏ عن مجالد، عن الشعبي رضي الله عنهم‏:‏ أن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وسار إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى‏:‏ أرض الهند، فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلاً حتى جاؤا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفاً وقصب نابت، فنزلوا‏.‏

فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعدما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات، وقام عتبة خطيباً فقال في خطبته‏:‏

إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفاً ولتملأنه، أو عجبتم ‏؟‏‏!‏

ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا‏.‏

وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق‏.‏

وروى علي بن محمد المدائني‏:‏ أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة‏:‏

يا عتبة، إني استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي يمدك بعرفجة بن هرثمة‏.‏

فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فأقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة‏.‏

واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت بعد الذلة، وقويت بعد الضعف، حتى صرت أميراً مسلطاً، وملكاً مطاعاً، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيالها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك وتبطر على من دونك‏.‏

احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، وهي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك ويخدعك فتسقط سقط فتصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك أن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين‏.‏

وقد فتح عتبة الأبلة في رجب أو شعبان من هذه السنة‏.‏

ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمي بما رمي به عزله وولى عليها أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب هو وجماعة معه‏.‏

وفيها‏:‏ ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضاً سبع مرات، وضرب معه ربيعة بن أمية بن خلف‏.‏

وفيها‏:‏ نزل سعد بن أبي وقاص الكوفة‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، قال‏:‏ وكان بمكة‏:‏ عتاب بن أسيد، وبالشام‏:‏ أبو عبيدة، وبالبحرين‏:‏ عثمان بن أبي العاص‏.‏ وقيل‏:‏ العلاء بن الحضرمي، وعلى العراق‏:‏ سعد، وعلى عمان‏:‏ حذيفة بن محصن‏.‏

ذكرى من توفى في هذا العام من المشاهير

ففيها‏:‏ توفي سعد بن عبادة في قول، والصحيح في التي قبلها والله أعلم‏.‏

عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديما بعد سنة وهاجر إلى أرض الحبشة وهو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في امرأته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة خمس عشرة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة سبع عشرة‏.‏

وقيل سنة عشرين فالله أعلم‏.‏

وقد جاوز الخمسين، وقيل‏:‏ بلغ ستين سنة رضي الله عنه‏.‏

عمرو بن أم مكتوم الأعمى، ويقال‏:‏ اسمه عبد الله، صحابي مهاجر، هاجر بعد مصعب بن عمير قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرئ الناس القرآن، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة غير مرة، فيقال‏:‏ ثلاث عشرة مرة‏.‏

وشهد القادسية مع سعد زمن عمر، فيقال‏:‏ إنه قتل بها شهيداً‏.‏ ويقال‏:‏ إنه رجع المدينة وتوفي بها والله أعلم‏.‏

المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل شيبان الشيباني، نائب خالد على العراق‏.‏

وهو‏:‏ الذي صارت إليه الإمرة بعد أبي عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، وكان أحد الفرسان الأبطال وهو الذي ركب إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، ولما توفي تزوج سعد بن أبي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص رضي الله عنهما وأرضاهما‏.‏

وقد ذكره ابن الأثير في كتابه ‏(‏الغابة في أسماء الصحابة‏)‏‏:‏ أبو زيد الأنصاري النجاري أحد القراء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك

وهم‏:‏ معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد‏.‏

قال أنس‏:‏ أحد عمومتي‏.‏

قال الكلبي‏:‏ واسم أبي زيد هذا‏:‏ قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدراً‏.‏

قال موسى بن عقبة‏:‏ واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وهي عنده في سنة أربع عشرة‏.‏

وقال بعض الناس‏:‏ أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عبيد وردوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك، قال‏:‏

افتخرت الأوس والخزرج فقالت الأوس‏:‏ منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا الذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت‏.‏

فقالت الخزرج‏:‏ منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

أبو عبيد بن مسعود بن عمر الثقفي، والد المختار بن أبي عبيد أمير العراق، ووالد صفية امرأة عبد الله بن عمر‏.‏

أسلم أبو عبيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة‏.‏

قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي‏:‏ ولا يبعد أن يكون له رواية والله أعلم‏.‏

أبو قحافة والد الصديق، واسم أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن صخر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، أسلم أبو قحافة عام الفتح، فجاء به الصديق يقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏

‏(‏‏(‏هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه، تكرمة لأبي بكر رضي الله عنه، فقال‏:‏ بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول الله، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، ورأسه كالثغامة بياضاً ودعا له، وقال‏:‏ غيروا هذا الشيب بشيء وجنبوه السواد‏)‏‏)‏‏.‏

ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال‏:‏ أو أقرت بذلك بنو هاشم بنو مخزوم‏؟‏

قالوا‏:‏ نعم ‏!‏‏!‏‏.‏

قال‏:‏ ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء‏.‏

ثم أصيب ابنه الصديق رضي الله عنه‏.‏

ثم توفي أبو قحافة في محرم، وقيل‏:‏ في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين سنة رحمه الله وأكرم مثواه‏.‏

وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف‏:‏

أوس بن أوس بن عتيك، قتل يوم الجسر‏.‏

بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدي، وهو ابن عم قتادة بن النعمان، ويعرف‏:‏ بفارس الحواء، اسم فرسه‏.‏

ثابت بن عتيك من بني عمرو بن مبذول، صحابي قتل يوم الجسر‏.‏

ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري، بدري قتل يومئذ‏.‏
الحارث بن عتيك بن النعمان النجاري، شهد أحداً، قتل يومئذ‏.‏

الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري، قتل يومئذ‏.‏

الحارث بن عدي بن مالك، أنصاري أحدي، قتل يومئذ‏.‏

خالد بن سعيد بن العاص، قيل‏:‏ استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قول‏.‏

خزيمة بن أوس الأشهلي، قتل يوم الجسر‏.‏

ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع‏.‏

زيد بن سراقة، يوم الجسر‏.‏

سعد بن سلامة بن وقش الأشهلي‏.‏

سعد بن عبادة في قول سلمة بن أسلم بن حريش، يوم الجسر‏.‏

ضمرة بن غزية، يوم الجسر‏.‏

عباد وعبد الله وعبد الرحمن، بنو مريع بن قيظي، قتلوا يومئذ‏.‏

عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاري النجاري، شهدا أحداً وما بعدها‏.‏

قال ابن الأثير في ‏(‏الغابة‏)‏‏:‏ وقتل يوم الجسر‏.‏

عتبة بن غزوان تقدم‏.‏

عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ‏.‏

العلاء الحضرمي، توفي في هذه السنة في قول، وقيل‏:‏ بعدها وسيأتي‏.‏

عمرو بن أبي اليسر، قتل يوم الجسر‏.‏

قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري رضي الله عنه تقدم‏.‏

المثنى بن حارثة الشيباني، توفي في هذه السنة رحمه الله وقد تقدم‏.‏

نافع بن غيلان، قتل يومئذ‏.‏

نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسن من عمه العباس، قيل‏:‏ أنه توفي في هذه السنة، والمشهور قبلها كما تقدم‏.‏

واقد بن عبد الله، قتل يوم ‏.‏

يزيد بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري، شهد أحداً وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة، وكان أبوه شاعراً مشهوراً‏.‏

أبو عبيد بن مسعود الثقفي، أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله رضي الله عنه بعدما قطع خرطومه بسيفه خرطومه كما تقدم‏.‏
أبو قحافة التيمي، والد أبي بكر الصديق، توفي في هذه السنة رضي الله عنه‏.‏

هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية الأموية، والدة معاوية بن أبي سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش، ذات رأي ودهاء ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أحد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قتل حمزة مثّلت به وأخذت من كبده فلاكتها فلم تستطيع إساغتها، لأنه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة‏.‏

ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعه، استأذنت أبا سفيان فقال لها‏:‏ قد كنت بالأمس مكذبة بهذا الأمر، فقالت‏:‏ والله ما رأيت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه‏.‏

فقال لها‏:‏ إنك قد فعلت ما فعلت فلا تذهبي وحدك‏.‏

فذهبت إلى عثمان بن عفان، ويقال‏:‏ إلى أخيها أبي حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي متنقبة، فلما بايعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيرها من النساء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين‏)‏‏)‏

فقالت‏:‏ أو تزني الحرة‏؟‏

‏(‏‏(‏ولا تقتلن أولادكن‏)‏‏)‏

قالت‏:‏ قد ربيناهم صغاراً وتقتلهم كباراً ‏؟‏‏!‏

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك‏)‏‏)‏ فبادرت وقالت‏:‏ في معروف‏.‏

فقال‏:‏ في معروف، وهذا من فصاحتها وحزمها‏.‏

وقد قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد والله أصبح اليوم وما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك‏.‏

فقال‏:‏ وكذلك والذي نفسي بيده‏.‏

وشكت من شح أبي سفيان، فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف، وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها، وماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة، وهي‏:‏ أم معاوية بن أبي سفيان‏.‏