الجزء التاسع - ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة

 ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة

فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم، ففتحا حصوناً وقتلا خلقاً من الروم وغنما وأسرا خلقاً كثيراً‏.‏

وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، وذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك‏.‏

وفيها عزل الوليد أخاه عبد الله بن عبد الملك عن إمرة مصر وولى عليها قرة بن شريك‏.‏

وفيها قتل محمد بن القاسم ملك السند داهر بن صصَّة، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج‏.‏

وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وهزم جميع العدو من الترك بها، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها، وقد تقصاها ابن جرير‏.‏

وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهناً عليه‏.‏ ‏‏ ‏‏

وفيها استنجد وردان خذاه بالترك فأتوه من جميع النواحي - وهو صاحب بخارى بعد أخذ قتيبة لها - وخرج وردان خذاه وحمل على المسلمين فحطموهم ثم عاد المسلمون عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وصالح قتيبة ملك الصغد، وفتح بخارى وحصونها، ورجع قتيبة بالجند إلى بلاده فأذن له الحجاج، فلما سار إلى بلاده بلغه أن صاحب الصغد قال لملوك الترك‏‏ إن العرب بمنزلة اللصوص فإن أعطوا شيئاً ذهبوا، وإن قتيبة هكذا يقصد الملوك، فإن أعطوه شيئاً أخذه ورجع عنهم، وإن قتيبة ليس بملك ولا يطلب ملكاً‏.‏ فبلغ قتيبة قوله فرجع إليهم فكاتب نيزك ملك الترك ملوك ما وراء النهر منهم ملك الطالقان، وكان قد صالح قتيبة فنقض الصلح الذي كان بينه وبين قتيبة، واستجاش عليه بالملوك كلها، فأتاه ملوك كثيرة كانوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح فنقضوا كلهم وصاروا يداً واحدةً على قتيبة، واتعدوا إلى الربيع وتعاهدوا وتعاقدوا على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلةً عظيمةً جداً لم يسمع بمثلها، وصلب منهم سماطين في مسافة أربعة فراسخ في نظام واحد، وذلك مما كسر جموعهم كلهم‏.‏

وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك وعاقبهم عقوبة عظيمة، وأخذ منهم ستة آلاف ألف، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب، كان لا يسمع له صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، وكان ذلك يغيظ الحجاج، قال قائل للحجاج‏‏ إن في ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه، وإنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ، فأمر الحجاج أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب - وكانت تحت الحجاج - صوته بكت وناحت عليه فطلقها الحجاج ثم أودعهم السجن، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشاً إلى الأكراد واستصحبهم معه، فخندق حولهم ووكل بهم الحرس، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد بن المهلب بطعام كثير فصنع للحرس، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين وجعل لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه رعض الحرس فقال‏‏ ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا، ثم تبعه يتحققه، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن وساروا نحو الشام، فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمره بالاستعداد لهم، وأن يرصدهم في كل مكان، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان، ‏‏ ‏‏ وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له، وتحقق عنده قول الراهب‏.‏

وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوة مروان بن المهلب لهذا اليوم، فركبها وسلك به دليل من بني كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد، فأخذ بهم على السماوة، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، وسار يزيد حتى نزل الأردن على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريماً على سليمان بن عبد الملك - فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك فقال له‏‏ إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي، قد جاؤوا مستعيذين بك من الحجاج، قال‏‏ فاذهب فأتني بهم فهم آمنون ما دمت حياً، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد‏‏ إن آل المهلب قد أمنتهم، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف، وهي عندي‏.‏ فكتب إليه الوليد‏‏ لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي‏.‏ فكتب إليه‏‏ لا والله لا أبعثه حتى أجيء معه، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري‏.‏ فكتب إليه‏‏ لا والله لا تجيء معه وابعث به إلي في وثاق‏.‏ فقال يزيد‏‏ ابعث بي إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحراباً، فابعثني إليه وابعث معي ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب، وقال لابنه‏‏ إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة، وادخلا عليه كذلك‏.‏ فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة، قال‏‏ والله لقد بلغنا من سليمان‏.‏ ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه وقال‏‏ يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك‏.‏ ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه‏‏ أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره، بل لم أجر إلا سامعاً مطيعاً، حسن البلاء والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تعد قطيعتي واخفار ذمتي والإبلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت، وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي، وترك برّي وإجابتي إلى ما سألتك، ووصلتي، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤدٍ، وعن مساءتي نازع فليفعل، ووالله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسر مني برضاك وسرورك، ‏‏ ‏‏ وإن رضاك وسرورك أحب إلي من رضائي وسروري، ومما ألتمس به رضوان الله عز وجل لصلتي ما بيني وبينك، وإن كنت يا أمير المؤمنين يوماً من الدهر تريد صلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو عليّ‏.‏

فلما قرأ الوليد كتابه قال‏‏ لقد أشفقنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلم يزيد بن المهلب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال‏‏ يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينسى ذلك فلسنا ننساه، ومن يكفره فلسنا بكافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب، ما أن المنة فيه علينا عظيمة‏.‏ فقال له‏‏ اجلس فجلس فأمنه وكف عنه ورده إلى سليمان، فكان عنده حسن الهيئة، ويصف له ألوان الأطعمة الشهية، وكان حظياً عنده لا يهدي إليه بهديه إلا أرسل له بنصفها، وتقرب يزيد بن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم، وكتب الوليد إلى الحجاج‏‏ إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وأهل بيته مع أخي سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلي فيهم‏.‏ فكف الحجاج عن آل المهلب وترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبي عيينة بن المهلب ألف ألف درهم، ولم يزل يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين، ثم ولي يزيد بلاد العراق بعد الحجاج كما أخبره الراهب‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏‏

 يتاذوق الطبيب

الحاذق، له مصنفات في فنه وكان حظياً عند الحجاج، مات في حدود سنة تسعين بواسط‏.‏

وفيها توفي ‏‏عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة‏‏ وأبو العالية الرياحي، وسنان بن سلمة بن المحبق أحد الشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح، وتولى غزو الهند، وطال عمره‏.‏

 وتوفي في هذه السنة محمد بن يوسف الثقفي

أخو الحجاج، وكان أميراً على اليمن، وكان يلعن علياً على المنابر، قيل‏‏ إنه أمر حجر المنذري أن يلعن علياً فقال‏‏ بل لعن الله من يلعن علياً، ولعنة الله على من لعنه الله‏.‏ وقيل‏‏ إنه وري في لعنه، فالله أعلم‏.‏

 خالد بن يزيد بن معاوية

أبو هاشم الأموي الدمشقي وكانت داره بدمشق تلي دار الحجاجرة، وكان عالماً شاعراً، وينسب إليه شيء من علم الكيمياء، وكان يعرف شيئاً من علوم الطبيعة، روى عن أبيه ودحية الكلبي وعنه الزهري وغيره‏.‏

قال الزهري‏‏ كان خالد يصوم الأعياد كلها الجمعة والسبت والأحد - يعني يوم الجمعة وهو عيد المسلمين، ويوم السبت وهو عيد اليهود، والأحد للنصارى -

وقال أبو زرعة الدمشقي‏‏ كان هو وأخوه معاوية من خيار القوم، وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد، وكان ولي العهد من بعد مروان فلم يلتئم له الأمر، وكان مروان زوج أمه، ومن كلامه‏‏ ‏‏ ‏‏ أقرب شيء الأجل، وأبعد شيء الأمل، وأرجى شيء العمل، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال‏‏

سألت الندا والجود حران أنتما * فردا وقالا إننا لعبيد

فقلت ومن مولاكما فتطاولا * علي وقالا خالد بن يزيد

قال‏‏ فأمر له بمائة ألف‏.‏ قلت‏‏ وقد رأيتهما قد أنشدا في خالد بن الوليد رضي الله عنه‏.‏ فقال‏‏ وقالا خالد بن وليد‏.‏ والله أعلم‏.‏

وخالد بن يزيد هذا كان أميراً على حمص، وهو الذي بنى جامع حمص وكان له فيه أربعمائة عبد يعملون، فلما فرغ منه أعتقهم‏.‏

وكان خالد يبغض الحجاج، وهو الذي أشار على عبد الملك لما تزوج الحجاج بنت جعفر أن يرسل إليه فيطلقها ففعل‏.‏ ولما مات مشى الوليد في جنازته وصلى عليه، وكان قد تجدد على خالد اصفرار وضعف، فسأله عبد الملك عن هذا فلم يخبره فما زال حتى أخبره أنه من حب رملة أخت مصعب بن الزبير فأرسل عبد الملك يخطبها لخالد فقالت‏‏ حتى يطلق نساءه فطلقهن وتزوجها وأنشد فيها الشعر‏.‏

وكانت وفاته في هذا العام، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك، والصحيح الأول‏.‏

 عبد الله بن الزبير

ابن سليم الأسدي الشاعر أبو كثير، ويقال أبو، سعيد وهو مشهور، وفد على عبد الله بن الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئاً، فقال‏‏ لعن الله ناقة حملتني إليك فقال ابن الزبير إن وصاحبها، يقال‏‏ إنه مات في زمن الحجاج‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وتسعين

فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد‏.‏

وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح مدائن وحصوناً كثيرةً أيضاً، وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك‏.‏ وفها غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدناً كثيرة ودخل في تلك البلاد وولج فيها حتى دخل أراضي غابرةً قاصيةً فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارَّة سائغة، فبادوا جميعاً فلا مخبر بها‏.‏

وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة، وذلك بعد قتال شديد وحرب يشيب لها الوليد، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدوا في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا ويقاتلوا قتيبة، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم فاجتمعوا اجتماعاً هائلاً لم يجتمعوا مثله في موقف، فكسرهم قتيبة وقتل منهم أمماً كثيرة ورد الأمور إلى ما كانت عليه، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض المواضع من جملة من أخذه منهم سماطين طولهما أربعة فراسخ من ههنا وههنا، عن يمينه وشماله صلب الرجل منهم بجنب الرجل، وهذا شيء كثير وقتل في الكفار قتلاً ذريعاً، ‏‏ ‏‏ ثم لا يزال يتتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم، من إقليم إلى إقليم، ومن كورة إلى كورة، ومن رستاق إلى رستاق، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه حتى حصره في قلعة هنالك شهرين متتابعين حتى نفد ما عند نيزك خان من الأطعمة، وأشرف هو ومن معه على الهلاك، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمناً مذموماً مخذولاً، فسجنه عنده ثم كتب إلى الحجاج في أمره فجاء الكتاب بعد أربعين يوماً بقتله فجمع قتيبة الأمراء فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه فقائل يقول‏‏ اقتله‏.‏ وقائل يقول‏‏ لا تقتله‏.‏ فقال له بعض الأمراء‏‏ إنك أعطيت الله عهداً أنك إن ظفرت به لتقتلنه، وقد أمكنك الله منه، فقال قتيبة‏‏ والله إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته، ثم قال‏‏ اقتلوه اقتلوه اقتلوه، فقتل هو وسبعمائة من أصحابه من أمرائه في غداة واحدة وأخذ قتيبة من أموالهم وخيولهم وثيابهم وأبنائهم ونسائهم شيئاً كثيراً‏.‏

وفتح في هذا العام مدناً كثيرةً، وقرر ممالك كثيرةً وأخذ حصوناً كثيرةً مشحونةً بالأموال والنساء، ومن آنية الذهب والفضة شيئاً كثيراً، ثم سار قتيبة إلى الطالقان -- وهي مدينة كبيرة وبها حصون وأقاليم - فأخذها واستعمل عليها، ثم سار إلى الفارياب وبها مدن ورساتيق، فخرج إليه ملكها سامعاً مطيعاً، فاستعمل عليها رجلاً من أصحابه، ثم سار إلى الجوزجان فأخذها من ملكها واستعمل عليها، ثم أتى بلخ فدخلها وأقام بها نهاراً واحداً، ثم خرج منه وقصد نيزك خان ببغلان، وقد نزل نيزك خان معسكراً على فم الشعب الذي منه يدخل إلى بلاده، وفي فم الشعب قلعة عظيمة تسمى شمسية، لعلوها وارتفاعها واتساعها‏.‏ فقدم على قتيبة الرؤب خان ملك الرؤب وسمنجان، فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة، فأمنه وبعث معه رجالاً إلى القلعة فأتوها ليلاً ففتحوها وقتلوا خلقاً من أهلها وهرب الباقي، ودخل قتيبة الشعب وأتى سمنجان - وهي مدينة كبيرة - فأقام بها وأرسل أخاه عبد الرحمن خلف ملك تلك المدن والبلاد نيزك خان في جيش هائل، فسار خلفه إلى بغلان فحصره بها، وأقام بحصاره شهرين حتى نفد ما عنده من الأقوات، فأرسل قتيبة من عنده ترجماناً يسمى الناصح فقال له‏‏ اذهب فائتني بنيزك خان ولئن عدت إلي وليس هو معك ضربت عنقك‏.‏ وأرسل قتيبة معه هدايا وأطعمة فاخرة، فسار الترجمان إلى نيزك حتى أتاه وقدم إليه الأطعمة فوقع عليها أصحابه يتخاطفونها - وكانوا قد أجهدهم الجوع - ثم أعطاه الناصح الأمان وحلف له فقدم به على قتيبة ومعه سبعمائة أمير من أصحابه ومن أهل بيته جماعة‏.‏ ‏‏ ‏‏ وكذلك استأمن قتيبة جماعة من الملوك فأمنهم وولى على بلادهم، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

قال الواقدي وغيره‏‏ وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فلما قرب من المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم، ودخل المدينة النبوية فأخلى له المسجد النبوي، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه، وإنما عليه ثياب لا تساوي خمسة دراهم، فقالوا له‏‏ تنح عن المسجد أيها الشيخ فإن أمير المؤمنين قادم‏.‏

فقال‏‏ والله لا أخرج منه فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلي ههنا وههنا ويدعو الله عز وجل، قال عمر بن عبد العزيز‏‏ وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه، فحانت منه التفاتة فقال‏‏ من هذا هو سعيد بن المسيب‏؟‏

فقلت‏‏ نعم يا أمير المؤمنين ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك‏.‏

فقال‏‏ قد علمت بغضه لنا‏.‏

فقلت‏‏ يا أمير المؤمنين إنه وإنه وشرعت أثني عليه، وشرع الوليد يثني عليه بالعلم والدين‏.‏

فقلت‏‏ يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر - وإنما قلت ذلك لأعتذر له - فقال‏‏ نحن أحق بالسعي إليه، فجاء فوقف عليه فسلم عليه فلم يقم له سعيد‏.‏

ثم قال الوليد‏‏ كيف الشيخ‏؟‏

فقال‏‏ بخير والحمد لله، كيف أمير المؤمنين‏؟‏

فقال الوليد‏‏ بخير والحمد لله وحده، ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز‏‏ هذا فقيه الناس‏.‏

فقال‏‏ أجل يا أمير المؤمنين‏.‏

قالوا‏‏ ثم خطب الوليد على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في الخطبة الأولى وانتصب في الثانية‏.‏

قال وقال‏‏ هكذا خطب عثمان، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهباً كثيراً وفضةً كثيرةً، ثم كسا المسجد النبوي كسوةً من كسوة الكعبة التي معه، وهي من ديباج غليظ‏.‏

 وتوفي في هذه السنة

 السائب بن يزيد بن سعد بن تمامة

وقد حج به أبوه مع رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وكان عمر السائب سبع سنين، رواه البخاري فلهذا قال الواقدي‏‏ إنه ولد سنة سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي سنة إحدى وتسعين‏.‏ وقال غيره‏‏ سنة ست وقيل ثمان وثمانين، فالله أعلم‏.‏

 سهل بن سعد الساعدي

صحابي مدني جليل توفي رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وله من العمر خمس عشرة سنة، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هو وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله في يده، ليذلهم كيلا يسمع الناس من رأيهم، قال الواقدي‏‏ توفي سنة إحدى وتسعين عن مائة سنة وهو آخر من مات في المدينة من الصحابة‏.‏ قال محمد بن سعد‏‏ ليس في هذا خلاف، وقد قال البخاري وغيره‏‏ توفي سنة ثمان وثمانين، فالله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين

فيها غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ففتحا حصوناً كثيرةً وغنما شيئاً كثيراً وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم‏.‏ ‏‏ ‏‏

وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس في اثني عشر ألفاً، فخرج إليه ملكها أدرينوق في جحافلة وعليه تاجه ومعه سرير ملكه، فقاتله طارق فهزمه وغنم ما في معسكره، فكان من جملة ذلك السرير، وتملك بلاد الأندلس بكمالها، قال الذهبي‏‏ كان طارق بن زياد أمير طنجة وهي أقصى بلاد المغرب، وكان نائباً لمولاه موسى بن نصير، فكتب إليه صاحب الجزيرة الخضراء يستنجد به على عدوه، فدخل طارق إلى جزيرة الأندلس من زقاق سبتة وانتهز الفرصة لكون الفرنج قد اقتتلوا فيما بينهم، وأمعن طارق في بلاد الأندلس فافتتح قرطبة وقتل ملكها أدرينوق، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، ثم سار إليه مسرعاً بجيوشه فدخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فأقام سنين يفتح في بلاد الأندلس ويأخذ المدن والأموال، ويقتل الرجال ويأسر النساء والأطفال، فغنم شيئاً لا يحد ولا يوصف ولا يعد، من الجواهر واليواقيت والذهب والفضة، ومن آنية الذهب والفضة والأثاث والخيول والبغال وغير ذلك شيئاً كثيراً، وفتح من الأقاليم الكبار والمدن شيئاً كثيراً‏.‏

وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة وبلغا إلى خليج القسطنطينية‏.‏

وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد، ‏‏ ‏‏ وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد، ‏‏ ‏‏ فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان أموالاً كثيرةً، وقدم على أخيه وهو ببخارى فرجع إلى مرو، ولما صالح طرخون عبد الرحمن ورجل عنه اجتمعت الصغد وقالوا لطرخون‏‏ إنك قد بؤت بالذل، وأديت الجزية، وأنت شيخٌ كبيرٌ، فلا حاجة لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك خان - أخا طرخون خان - ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد، وكان من أمرهم ما سيأتي‏.‏

وفيها غزا قتيبة سجستان يريد رتبيل ملك الترك الأعظم، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموالٍ عظيمةٍ، خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك، يحمل ذلك إليه، فصالحه‏.‏

حج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز نائب المدينة‏.‏

 وتوفي فيها من الأعيان‏‏

 مالك بن أوس

بن الحدثان النضري، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته، قال بعضهم‏‏ ركب الخيل في الجاهلية ورأى أبا بكر، وقال محمد بن سعد‏‏ رأى رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ ولم يحفظ منه شيئاً، وأنكر ذلك ابن معين والبخاري وأبو حاتم، وقالوا‏‏ لا تصح له صحبة، والله أعلم‏.‏

مات في هذه السنة وقيل في التي قبلها، فالله أعلم‏.‏

 طويس المغني

اسمه عيسى بن عبد الله أبو عبد المنعم المدني مولى بني مخزوم، كان بارعاً في صناعته وكان طويلاً مضطرباً أحول العين، وكان مشؤوماً لأنه ولد يوم مات رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏، وفطم يوم توفي الصديق، واحتلم يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمانٌ، وولدٌ له يوم قتل الحسين بن علي، وقيل‏‏ ولد له يوم قتل علي حكاه ابن خلكان وغيره‏.‏

وكانت وفاته في هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة بالسويد وهي على مرحلتين من المدينة‏.‏

 الأخطل

كان شاعراً مطبقاً فاق أقرانه في الشعر

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين

وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصوناً كثيرةً من بلاد الروم منها حصن الحديد وغزالة وماسة وغير ذلك‏.‏

وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سمسطية‏.‏

وفيها غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ حنجرة‏.‏

وفيها كتب خوارزم شاه إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح وأن يعطيه من بلاده مدائن، وأن يدفع إليه أموالاً ورقيقاً كثيراً على أن يقاتل أخاه ويسلمه إليه، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس وعسفهم، وكان أخوه هذا لا يسمع بشيء حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه، سواء كان مالاً أو نساءً أو صبياناً أو دواب أو غيره، فأقبل قتيبة نصره الله في الجيوش فسلم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه، وبعث قتيبة إلى بلاد أخي خوارزم شاه جيشاً فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم فدفع أخاه إليه، وأمر قتيبة بالأسارى فضربت أعناقهم بحضرته، قيل‏‏ ألفاً بين يديه، وألفاً عن يمينه، وألفاً عن شماله، وألفا من وراء ظهره، ليرهب بذلك الأعداء من الأتراك وغيرهم‏.‏ ‏‏ ‏‏

 فتح سمرقند

وذلك أن قتيبة لما فرغ من هذا كله وعزم على الرجوع إلى بلاده، قال له بعض الأمراء‏‏ إن أهل الصغد قد أمنوك عامك هذا، فإن رأيت أن تعدل إليهم وهم لا يشعرون، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يوماً من الدهر، فقال قتيبة لذلك الأمير‏‏ هل قلت هذا لأحد‏؟‏ قال‏‏ لا، قال‏‏ فلأن يسمعه منك أحدٌ أضرب عنقك‏.‏ ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفاً فسبقه إلى سمرقند، ولحقه قتيبة في بقية الجيش، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من ينهم كل شديد السطوة من أبناء الملوك والأمراء، وأمروهم أن يسيروا إلى قتيبة في الليل فيكبسوا جيش المسلمين، وجاءت الأخبار إلى قتيبة بذلك فجرد أخاه صالح في ستمائة فارس من الأبطال الذين لا يطاقون، وقال‏‏ خذوا عليهم الطريق فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق وتفرقوا ثلاث فرق، فلما اجتازوا بهم بالليل - وهم لا يشعرون بهم - نادوا عليهم فاقتتل المسلمون هم وإياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير واحتزوا رؤوسهم وغنموا ما كان معهم من الأسلحة المحلاة بالذهب، والأمتعة، وقال لهم بعض أولئك‏‏ تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك أو بطل من الأبطال المعدودين بمائة فارس أو بألف فارس، فنفلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب وسلاح، واقترب من المدينة العظمى التي بالصغد - وهي سمرقند - فنصب عليها المجانيق فرماها بها وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه عليها من بخارى وخوارزم، فقاتلوا أهل الصغد قتالاً شديداً، فأرسل إليه غورك ملك الصغد‏‏ إنما تقاتلني بإخواني وأهل بيتي، فأخرج إليَّ في العرب‏.‏ فغضب عند ذلك قتيبة وميز العرب من العجم وأمر العجم باعتزالهم، وقدم الشجعان من العرب وأعطاهم جيد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالأبطال على المدينة ورماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدها الترك بغرار الدخن، وقام رجل منهم فوقها فجعل يشتم قتيبة فرماه رجل من المسلمين بسهم فقلع عينه حتى خرجت من قفاه‏.‏ ‏‏  ‏‏ فلم يلبث أن مات قبحه الله فأعطى قتيبة الذي رماه عشرة آلاف، ثم دخل الليل، فلما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم أيضاً ثلمة وصعد المسلمون فوقها، وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لقتيبة‏‏ ارجع عنا يومك هذا ونحن نصالحك غداً، فرجع عنهم وصالحوه من الغد على ألفي ألفٍ ومائة ألفٍ يحملونها إليه في كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق ليس فيهم صغيرٌ ولا شيخٌ ولا عيبٌ، وفي روايةٍ مائة ألفٍ من رقيقٍ، وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجداً، ويوضع له فيه منبر يخطب عليه، ويتغدى ويخرج‏.‏ فأجابوه إلى ذلك، فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال - وذلك بعد أن بنى المسجد ووضع فيه المنبر - فصلى في المسجد وخطب وتغدى وأتى بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعضٍ، حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها فتصارخوا وتباكوا، وقال المجوس‏‏ إن فيها أصناماً قديمةً من أحرقها هلك، وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك، وقال لقتيبة‏‏ إني لك ناصح، فقام قتيبة وأخذ في يده شعلة نار، وقال‏‏ أنا أحرقها بيدي فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون، ثم قام إليها وهو يكبر الله عز وجل، وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسون ألف مثقال من ذهبٍ‏.‏ وكان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد، فأهداها إلى الوليد، فولدت له يزيد بن الوليد، ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند، فقال لهم‏‏ إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتكم عليه، ولكن لا بد من جند يقيمون عندكم من جهتنا‏.‏ فانتقل عنها ملكها غورك خان فتلا قتيبة‏‏ ‏{‏وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى‏}‏ الآيات ‏[‏النجم‏‏ -‏]‏ ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو، واستخلف على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم، وقال له‏‏ لا تدع مشركاً يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه، فإن جفت وهو بها فاقتله، ومن رأيت منهم ومعه حديدة أو سكينة فاقتله بها، وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحداً فاقتله، فقال في ذلك كعب الأشقري - ويقال هي لرجل من جعفي -‏‏

كل يوم يحوي قتيبة نهبا * ويزيد الأموال مالاً جديدا ‏‏ ‏‏

باهليٌّ قد ألبس التاج حتى * شاب منه مفارق كن سودا

دوخ الصغد بالكتائب حتى * ترك الصغد بالعراء قعودا

فوليد يبكي لفقد أبيه * وأب موجع يبكي الوليدا

كلما حل بلدة أو أتاها * تركت خيله بها أخدودا

وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقاً عن الأندلس، وكان قد بعثه إلى مدينة طليلطة ففتحها، فوجد فيها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام، وفيها من الذهب والجواهر شيءٌ كثيرٌ جداً، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك فما وصلت إليه حتى مات، وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فوصلت مائدة سليمان عليه السلام إلى سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه، وكان فيها ما يبهر العقول لم ير منظرٌ أحسن منها، واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير‏.‏

وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدناً كثيرةً من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطنجة، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شيء كثير، وكان لا يأتي مدينة فيبرح عنها حتى فتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غرباً وشرقاً وشمالاً، فجعلوا يفتتحون المغرب بلداً بلداً، وإقليماً إقليماً، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة‏.‏

وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدباً شديداً، فخرج بهم موسى بن نصير يستسقي بهم، فمازال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له‏‏ ألا تدعوا لأمير المؤمنين‏؟‏ قال‏‏ ليس هذا الموضع موضع ذاك، فلما قال هذه المقالة أرسل الله عليهم الغيث فأمطروا مطراً غزيراً وحسن حالهم، وأخصبت بلادهم‏.‏

وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطاً بأمر الوليد له في ذلك، وصب فوق رأسه قربة من ماءٍ باردٍ في يوم شتاءٍ باردٍ، وأقامه على باب المسجد يوم ذلك فمات رحمه الله‏.‏ وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بشر بشيء من أمر الآخرة يقول‏‏ وكيف وخبيب لي بالطريق‏؟‏ وفي رواية يقول هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق، ثم يصيح صياح المرأة الثكلى، وكان إذا أثني عليه يقول‏‏ خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير‏.‏ وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيباً فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه وزلة، ولكن حصل له بسببها خير كثير، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك‏.‏ ‏‏ ‏‏

وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف - مدينة الدبيل وغيرها من بلاد الهند، وكان قد ولاه الحجاج عزو الهند وعمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر وهو ملك الهند في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلاً منتخبةً، فاقتتلوا فهزمهم الله، وهرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلقٌ كثيرٌ جداً، فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل الملك داهر وغالب من معه، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه، ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها، ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة من الجواهر والذهب وغير ذلك‏.‏ فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعباً، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه‏.‏ فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك يقتل ويسبي ويغنم حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه فخاف منه، وأرسل له هداياً وتحفاً وأموالاً كثيرةً هديةً، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده بحيث أن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفاً منه ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر‏.‏

ثم إن قتيبة قتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين‏.‏

ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعاً يعبد الله فيه وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعباً‏.‏

ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم‏.‏

وموسى بن نضير يجاهد في بلاد العرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرها، وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان‏.‏ وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها بعد هذه الأقاليم الكبار مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل بلاد الترك، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند‏.‏ فكان سوق الجهاد قائماً في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده في بلاد الروم والترك والهند‏.‏ وقد فتح محمود سبكتكين وولده في أيام ملكهم بلاداً كثيرةً من بلاد الهند، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها‏.‏ ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلاداً كثيرةً، وضعف الإسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية، وضعف الإسلام وقل ناصروه، وجاء الفرنج فاخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من البلاد الشامية، فأقام الله سبحانه بني أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه، فلله الحمد والمنة وسيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏‏  ‏‏

وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، وكان سبب ذلك، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد‏‏ إن عمر ضعيفٌ عن إمرة المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولاية، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما‏.‏ فولي على المدينة عثمان بن حيان، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري، وفعل ما أمره به الحجاج‏.‏ فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة‏.‏

وحج بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك‏.‏

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان‏‏

 أنس بن مالك ابن النضر بن ضمضم

بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة ويقال أبو ثمامة الأنصاري النجاري، خادم رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وصاحبه، وأمه أم حرام مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري‏.‏

روى عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ أحاديث جمة، وأخبر بعلوم مهمة، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم‏.‏

وحدث عنه خلق من التابعين، قال أنس‏‏ قدم رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، وقال محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة، قال‏‏ قيل لأنس أشهدت بدراً‏؟‏ فقال‏‏ وأين أغيب عن بدر لا أم لك‏؟‏ قال الأنصاري‏‏ شهدها يخدم رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏‏.‏ قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي‏‏ لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي، قلت‏‏ الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المغازي، والله أعلم‏.‏

وقد ثبت أن أمه أتت به - وفي رواية عمه زوج أمه أبو طلحة إلى رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ فقالت‏‏ يا رسول الله هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، وسألته أن يدعو له فقال‏‏ ‏‏‏‏اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة‏‏‏‏‏.‏ وثبت عنه أنه قال‏‏ كنَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة كنت أجتنيها‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك، وقد انتقل بعد النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ فسكن البصرة، وكان له بها أربع دور، وقد ناله أذى من جهة الحجاج، وذلك في فتنة ابن الأشعث، توهم الججاج منه أنه له مداخلة في الأمر، وأنه أفتى فيه، فختمه الحجاج في عنقه، هذا عنق الحجاج، وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنساً‏.‏

وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل‏‏ في سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني جامع دمشق، قال مكحول‏‏ رأيت أنساً يمشي في مسجد دمشق، فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة، فقال‏‏ لا وضوء‏.‏

وقال الأوزاعي‏‏ حدثني إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، قال‏‏ قدم أنس على الوليد فقال له الوليد‏‏ ماذا سمعت من رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ يذكر به الساعة‏؟‏ فقال‏‏ سمعت رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ يقول‏‏ ‏‏‏‏أنتم والساعة كهاتين‏‏‏‏‏.‏

ورواه عبد الرزاق بن عمر، عن إسماعيل قال‏‏ قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين، فذكره‏.‏

وقال الزهري‏‏ دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت‏‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏‏ لا أعرف مما كان رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم‏.‏ وفي رواية‏‏ وهذه الصلاة قد ضيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته كما سيأتي‏.‏

وقال عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس‏.‏ قال‏‏ جاءت بي أمي إلى رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وأنا غلام، فقالت‏‏ يا رسول خويدمك أنيس فادع الله له‏.‏ فقال‏‏ ‏‏‏‏اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة‏‏‏‏‏.‏ قال‏‏ فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة، وفي رواية قال أنس‏‏ فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة، وفي رواية‏‏ وإن ولدي لصلبي مائة وستة‏.‏ ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جداً، وفي رواية قال أنس‏‏ وأخبرتني بنتي آمنة أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة، وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس، وقد أوردنا طرفاً من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد‏.‏

وقال ثابت لأنس‏‏ هل مست يدك كف رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏‏؟‏ قال‏‏ نعم ‏!‏ قال‏‏ فأعطنيها أقبلها‏.‏

وقال محمد بن سعد، عن مسلم بن إبراهيم، عن المثنى بن سعيد الذراع، قال‏‏ سمعت أنس بن مالك، يقول‏‏ ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ ثم يبكي‏.‏

وقال محمد بن سعد، عن أبي نعيم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، قال‏‏ كان أنس صاحب نعل رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وإداوته‏.‏

وقال أبو داود‏‏ ثنا الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس‏.‏ قال‏‏ إني لأرجو أن ألقي رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ فأقول‏‏ يا رسول الله خويدمك‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال الإمام أحمد‏‏ حدثنا يونس، ثنا حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس، قال‏‏ سألت رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ أن يشفع لي يوم القيامة‏‏ ‏‏‏‏قال أنا فاعل، قلت‏‏ فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله‏؟‏ قال‏‏ اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، قلت‏‏ فإذا لم ألقك‏؟‏ قال فأنا عند الميزان، قلت‏‏ فإن لم ألقك عند الميزان‏؟‏ قال‏‏ فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن يوم القيامة‏‏‏‏‏.‏

ورواه الترمذي وغيره من حديث حرب بن ميمون أبي الخطاب صاحب الأعمش الأنصاري به وقال‏‏ حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏.‏

وقال شعبة، عن ثابت، قال‏‏ قال أبو هريرة‏‏ ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ من ابن أم سليم - يعني أنس بن مالك -

وقال ابن سيرين‏‏ كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر‏.‏

وقال أنس‏‏ خذ مني فأنا أخذت من رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ عن الله عز وجل، ولست تجد أوثق مني‏.‏

وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه، سمعت أنساً يقول‏‏ ما بقي أحدٌ صلى إلى القبلتين غيري‏.‏

وقال محمد بن سعد‏‏ حدثنا عفان، حدثني شيخ لنا يكنى أبا جناب، سمعت الحريري، يقول‏‏ أحرم أنس من ذات عرق فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله عز وجل حتى أحل، فقال لي‏‏ يا ابن أخي هكذا الإحرام‏.‏

وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف‏‏ دخل علينا أنس يوم الجمعة ونحن في بعض أبيات أزواج النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ نتحدث فقال‏‏ مه، فلما أقيمت الصلاة قال‏‏ إني لأخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم‏‏ مه‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا‏‏ ثنا بشار بن موسى الخفاف، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، قال‏‏ كنت مع أنس فجاءت قهرمانة فقالت‏‏ يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال‏‏ فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية فصلى ركعتين ثم دعا فرأيت السحاب يلتئم ثم أمطرت حتى خيِّل إلينا أنها ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال‏‏ انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيراً‏.‏

وقال الإمام أحمد‏‏ حدثنا معاذ بن معاذ، ثنا ابن عون، عن محمد، قال‏‏ كان أنس إذا حدث عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ حديثاً ففرغ منه قال‏‏ أو كما قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏‏.‏

وقال الأنصاري، عن ابن عوف، عن محمد، قال‏‏ بعث أمير من الأمراء إلى أنس شيئاً من الفيء فقال‏‏ أخمس‏؟‏ قال‏‏ لا، فلم يقبله‏.‏

وقال النضر بن شداد، عن أبيه‏‏ مرض أنس، فقيل له‏‏ ألا ندعو لك الطبيب‏؟‏ فقال‏‏ الطبيب أمرضني‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال حنبل بن إسحاق‏‏ ثنا أبو عبد الله الرقاشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا علي بن يزيد، قال‏‏ كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك، فقال الحجاج‏‏ هي يا خبيث جوال في الفتن، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضـب‏.‏ قال‏‏ يقول أنس إياي يعني الأمير‏؟‏ قال‏‏ إياك أعني، أصم الله سمعك، قال‏‏ فاسترجع أنس، وشغل الحجاج، فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال‏‏ لولا أني ذكرت ولدي - وفي رواية لولا أني ذكرت أولادي الصغار - وخفته عليهم ما باليت أي قتل أقتل، ولكلمته بكلام في مقامي هذا لا يتسخفني بعده أبداً‏.‏

وقد ذكر أبو بكر بن عياش‏‏ أن أنساً بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول‏‏ والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خدمت رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ عشر سنين‏.‏

كتب عبد الملك إلى الحجاج كتاباً فيه كلام جد وفيه‏‏ إذا جاءك كتابي هذا فقم إلى أبي حمزة فترضّاه، وقبل يده ورجله، وإلا حل بك مني ما تستحقه‏.‏

فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة، همَّ أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة - وكان إسماعيل صديق الحجاج - فجاء أنس فقام إليه الحجاج يتلقاه، وقال‏‏ إنما مثلي ومثلك إياك أعني واسمعي يا جارة‏.‏ أردت أن لا يبقى لأحد علي منطق‏.‏

وقال ابن قتيبة‏‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج - لما قال لأنس ما قال -‏‏ يا ابن المستقرمة بعجم الزبيب لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنم، قاتلك الله أخيفش العينين، أفيتل الرجلين، أسود العاجزين - ومعنى قوله المستقرمة عجم الزبيب - أي‏‏ تضيق فرجها عند الجماع به، ومعنى أركلك أي‏‏ أرفسك برجلي، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين‏.‏

وقال أحمد بن صالح العجلي‏‏ لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين، معيقيب كان به الجذام، وأنس بن مالك كان به وضح‏.‏

وقال الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال‏‏ رأيت أنساً يأكل فرأيته يلقم لقماً عظاماً، رأيت به وضحاً شديداً‏.‏

وقال أبو يعلى‏‏ ثنا عبد الله بن معاذ بن يزيد، عن أيوب، قال‏‏ ضعف أنس عن الصوم فصنع طعاماً ودعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم‏.‏ وذكره البخاري تعليقاً‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال شعبة، عن موسى السنبلاوي، قلت لأنس‏‏ أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏‏؟‏ قال‏‏ قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي‏.‏

وقيل له في مرضه‏‏ ألا ندعو لك طبيباً‏؟‏ فقال‏‏ الطبيب أمرضني، وجعل يقول‏‏ لقِّنوني لا إله إلا الله وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض‏.‏

وكانت عنده عصية من رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ فأمر بها فدفنت معه‏.‏

قال عمر بن شبة وغير واحد‏‏ مات وله مائة وسبع سنين‏.‏

وقال الإمام أحمد في مسنده‏‏ ثنا معتمر بن سليمان، عن حميد‏‏ أن أنساً عمّر مائة سنة غير سنة‏.‏

قال الواقدي‏‏ وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد‏.‏

وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل‏‏ سنة تسعين، وقيل‏‏ إحدى وتسعين، وقيل‏‏ ثنتين وتسعين، وقيل‏‏ ثلاث وتسعين، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور، والله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏‏ حدثني أبو نعيم، قال‏‏ توفي أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة واحدة، سنة ثلاث وتسعين‏.‏

وقال قتادة‏‏ لما مات أنس قال مؤرق العجلي‏‏ ذهب اليوم نصف العلم، قيل له‏‏ وكيف ذاك يا أبا المعتمر‏؟‏ قال‏‏ كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ قلنا‏‏ لهم تعالوا إلى من سمعه منه‏.‏

عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة

ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الشاعر المشهور، يقال‏‏ إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب، وختن يوم مقتل عثمان، وتزوج يوم مقتل علي، فالله أعلم‏.‏

وكان مشهوراً بالتغزل المليح البليغ، كان يتغزل في امرأة يقال لها الثريا بنت علي بن عبد الله الأموية، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة‏‏

أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك الله كيف يلتقيان

هي شاميةٌ إذا ما استقلت * وسهيل إذا استقل يمان

ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خلكان‏‏

حيّ طيفاً من الأحبة زارا * بعد ما برح الكرى السمَّارا ‏‏ ‏‏

طارقاً في المنام بعد دجى * الليل خفيا بأن يزور نهارا

قلت‏‏ ما بالنا جفينا وكنّا * قبل ذاك الأسماع والأبصارا قال‏‏ إنا كما عهدت ولكن * شغل الحلي أهلهُ أن يعارا

 بلال بن أبي الدرداء

ولي إمرة دمشق، ثم ولي القضاء بها، ثم عزله عبد الملك بأبي إدريس الخولاني‏.‏

كان بلال حسن السيرة، كثير العبادة، والظاهر أن هذا القبر الذي بباب الصغير الذي يقال له قبر بلال إنما هو قبر بلال بن أبي الدرداء، لا قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ فإن بلالاً المؤذن دفن بداريا، والله أعلم‏.‏

 بشر بن سعيد المزني

السيد العابد الفقيه، كان من العباد المنقطعين الزهاد المعروفين، توفي بالمدينة‏.‏

 زرارة بن أوفى

ابن حاجب العامري، قاضي البصرة، كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها، له روايات كثيرة، قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر، فلما بلغ ‏{‏فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ‏}‏ ‏[‏المدثر‏‏‏]‏ خر ميتاً، توفي بالبصرة وعمره نحو سبعين سنة‏.‏

 خبيب بن عبد الله

ابن عبد الله بن الزبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد له في ذلك فمات، ثم عزل عمر بعده بأيام قليلة، فكان يتأسف على ضربه له ويبكي، مات بالمدينة‏.‏

 حفص بن عاصم

ابن عمر بن الخطاب المدني، له رواياتٌ كثيرةٌ وكان من الصالحين، توفي بالمدينة‏.‏

 سعيد بن عبد الرحمن

ابن عتاب بن أسيد الأموي، أحد الأشراف بالبصرة، كان جواداً ممدحاً، وهو أحد الموصوفين بالكرم، قيل إنه أعطى بعض الشعراء ثلاثين‏.‏

‏‏ ‏‏

 فروة بن مجاهد

قيل‏‏ إنه كان من الأبدال، أسر مرة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه، فقال لهم فروة‏‏ هل لكم في المضي إلى بلادنا‏؟‏ فقالوا‏‏ وما ترى ما نحن فيه من الضيق‏؟‏ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح، فخرجوا منه ومضوا، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد‏.‏

 أبو الشعثاء جابر بن زيد

كان لا يماكس في ثلاث‏‏ في الكرى إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها لتعتق، وفي الأضحية‏.‏

وقال‏‏ لا تماكس في شيء يتقرب به إلى الله‏.‏

وقال ابن سيرين‏‏ كان أبو الشعثاء مسلماً عند الدينار والدرهم، قلت‏‏ كما قيل‏‏

إني رأيت فلا تظنوا غيره * أن التورع عند هذا الدرهم

فإذا قدرت عليه ثم تركته * فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم

وقال أبو الشعثاء‏‏ لأن أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إلي من حجة بعد حجة الإسلام‏.‏

كان أبو الشعثاء من الذين أوتوا العلم، وكان يفتي في البصرة، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسألة يقول‏‏ كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء‏؟‏ وقال له جابر بن عبد الله‏‏ يا ابن زيد إنك من فقهاء البصرة، وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت‏.‏

وقال عمرو بن دينار‏‏ ما رأيت أحداً أعلم بفتيا من جابر ابن زيد‏.‏

وقال إياس بن معاوية‏‏ أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان‏.‏

وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد‏‏ اليوم دفن أعلم أهل الأرض‏.‏

وقال سفيان بن عيينة‏‏ عن عمرو بن دينار، قال أبو الشعثاء‏‏ كتب الحكم بن أيوب نفراً لقضاء أنا أحدهم - أي عمرو - فلو أني ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض‏.‏

وقال أبو الشعثاء‏‏ نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك‏.‏

وأخذ مرة قبضة تراب من حائط فلما أصبح رماها في الحائط، وكان الحائط لقوم، قالوا‏‏ لو كان كلما مر به أخذ منه قبضة لم يبق منه شيء‏.‏

وقال أبو الشعثاء‏‏ إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل‏‏ اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك ورغب إليك‏.‏

وقال سيار، حدثنا حماد بن زيد، ثنا الحجاج بن أبي عيينة، قال‏‏ كان جابر ابن زيد يأتينا في مصلانا، قال‏‏ فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان، فقال‏‏ مضى من عمري ستون سنة، نعلاي هاتان أحب إلي مما مضى منه إلا أن يكون خير قدمته‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال صالح الدهان‏‏ كان جابر ابن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم‏.‏ الستوق‏‏ الدرهم المغاير، أو الدغل، وقيل‏‏ هو المغشوش‏.‏

وروى الإمام أحمد، حدثنا أبو عبد الصمد العمى، حدثنا مالك بن دينار، قال‏‏ دخل علي جابر ابن زيد وأنا أكتب المصحف، فقلت له‏‏ كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء‏؟‏ قال‏‏ نعم الصنعة صنعتك تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به‏.‏

وقال مالك بن دينار‏‏ سألته عن قوله تعالى‏‏ ‏{‏إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏‏ ‏]‏ قال‏‏ ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، ‏{‏ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً‏} ‏[‏الإسراء‏‏ ‏]‏ وقال سفيان، حدثني أبو عمير الحارث بن عمير، قال‏‏ قالوا لجابر بن زيد عند الموت‏‏ ما تشتهي وما تريد‏؟‏ قال‏‏ نظرة إلى الحسن، وفي رواية عن ثابت، قال‏‏ لما ثقل على جابر بن زيد قيل له‏‏ ما تشتهي‏؟‏ قال‏‏ نظرة إلى الحسن، قال ثابت‏‏ فأتيت الحسن فأخبرته، فركب إليه فلما دخل عليه قال لأهله‏‏ أقعدوني، فجلس فما زال يقول‏‏ أعوذ بالله من النار وسوء الحساب‏.‏

وقال حماد بن زيد، حدثنا حجاج بن أبي عيينة، قال سمعت هنداً بنت المهلب بن أبي صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا‏‏ إنه كان إباضياً، فقالت‏‏ كان جابر بن زيد أشد الناس انقطاعاً إلي وإلى أمي، فما أعلم عنه شيئاً، وكان لا يعلم شيئاً يقربني إلى الله عز وجل إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عن الله إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية قط، ولا أمرني بها، وكان ليأمرني أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة -‏.‏

أسند عن جماعة من الصحابة، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وتسعين

فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل إنه فتح أنطاكية، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض سورية‏.‏

‏‏ ‏‏

وفيها كانت الرجفة بالشام‏.‏

وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سندرة من أرض الروم‏.‏

وفيها فتح الله على الإسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه حتى عاد الجهاد شبيهاً بأيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند وغنم أموالاً لا تعد ولا توصف، وقد ورد في غزو الهند حديث رواه الحافظ ابن عساكر وغيره‏.‏

وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة حتى بلغ خُجَنْدة، وكاشان مدينتي فرغانة، وذلك بعد فراغه من الصغد وفتح سمرقند، ثم خاض تلك البلاد يفتح فيها حتى وصل إلى كابل فحاصرها وافتتحها، وقد لقيه المشركون في جموع هائلة من الترك فقاتلهم قتيبة عند خجندة فكسرهم مراراً وظفر بهم، وأخذ البلاد منهم، وقتل منهم خلقاً وأسر آخرين، وغنم أموالاً كثيرةً جداً‏.‏

قال ابن جرير‏‏ وقد قال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة التي هي قريبة من بلاد الصين أبياتاً في ذلك‏‏

فسل الفوارس في خجنـ * ـدة تحت مرهفة العوالي

هل كنت أجمعهم إذا * هزموا وأقدم في قتالي

أم كنت أضرب هامة الـ * ـعاتي وأصبر للنزال

هذا وأنت قريع قيـ *ـس كله ضخم النوال

وفضلت قيساً في الندى * وأبوك في الحجج الخوالي

تمَّت مروءتكم ونا * غى عزكم غلب الجبال

ولقد تبين حكمك * فيهم في كل مال

هكذا ذكر ابن جرير هذا من شعر سحبان وائل في هذه الغزوة‏.‏ وقد ذكرنا ما أورده ابن الجوزي في منتظمه أن سحبان وائل مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد الخمسين، فالله أعلم‏.‏

 مقتل سعيد بن جبير رحمه الله

قال ابن جرير‏‏ وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وكان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها، ‏‏  ‏‏ ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها، فقال سعيد‏‏ والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره‏؟‏ وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلم منه خالد بن الوليد القسري، فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر وعمرو بن دينار وطلق ابن حبيب، ويقال إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواماً من أهل الشقاق، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد ابن جبير فلما أوقف بين يدي الحجاج قال له‏‏ يا سعيد ألم أشركك في أمانتي‏؟‏ ألم أستعملك‏؟‏ ألم أفعل‏؟‏ ألم أفعل‏؟‏ كل ذلك يقول‏‏ نعم حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله حتى قال له‏‏ فما حملك على الخروج علي وخلعت بيعة أمير المؤمنين، فقال سعيد‏‏ إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك وعزم علي، فغضب عند ذلك الحجاج غضباً شديداً، وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه، وقال له ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك‏؟‏ قال‏‏ بلى، قال‏‏ ثم قدمت الكوفة والياً على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية، قال‏‏ بلى ‏!‏ قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك‏؟‏ يا حرسي اضرب عنقه‏.‏ قال‏‏ فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لا طئة صغيرة بيضاء، وقد ذكر الواقدي نحو هذا، وقال له‏‏ أما أعطيتك مائة ألف‏؟‏ أما فعلت أما فعلت‏.‏

قال ابن جرير‏‏ فحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال‏‏ سمعت خلف بن خليفة، يذكر عن رجل قال لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثاً مرة يفصح بها، وفي الثنتين يقول‏‏ مثل ذلك لا يفصح بها‏.‏

وذكر أبو بكر الباهلي قال‏‏ سمعت أنس بن أبي شيخ يقول‏‏ لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال‏‏ لعن ابن النصرانية - يعني خالد القسري وكان هو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه، بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة، ثم أقبل عليه فقال‏‏ يا سعيد ما أخرجك علي‏؟‏ فقال‏‏ أصلح الله الأمير أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب أخرى، فطابت نفس الحجاج وانطلق وجهه، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره ثم عاوده في شيء، فقال سعيد‏‏ إنما كانت بيعة في عنقي، فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله‏.‏ ‏‏ ‏‏

وذكر عتاب بن بشر، عن سالم الأفطس، قال‏‏ أتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز، فقال‏‏ والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه‏.‏ قال‏‏ والتبس الحجاج في عقله مكانه فجعل يقول‏‏ قيودنا قيودنا فظنوا أنه يريد القيود التي على سعيد فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود‏.‏

وقال محمد بن أبي حاتم، ثنا عبد الملك بن عبد الله، عن هلال بن خباب، قال‏‏ جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال‏‏ كتبت إلى مصعب بن الزبير‏؟‏ فقال‏‏ بلى كتبت إلى مصعب، قال‏‏ لا والله لأقتلنك، قال‏‏ إني إذاً لسعيد كما سمتني أمي، قال‏‏ فقتله فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوماً، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول‏‏ يا عدو الله فيم قتلتني‏؟‏ فيقول الحجاج‏‏ مالي ولسعيد بن جبير، مالي ولسعيد بن جبير‏؟‏

قال ابن خلكان‏‏ كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة كوفيا أحد الأعلام من التابعين، وكان أسود اللون، وكان لا يكتب على الفتيا فلما عمي ابن عباس كتب، فغضب ابن عباس من ذلك وذكر مقتله كنحو ما تقدم، وذكر أنه كان في شعبان، وأن الحجاج مات بعده في رمضان، وقيل قبل بستة أشهر، وذكر عن الإمام أحمد أنه قال‏‏ قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه ويقال‏‏ إن الحجاج لم يسلط بعده على أحد، وسيأتي في ترجمة الحجاج أيضاً شيء من هذا، قال ابن جرير‏‏ وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة، مات في أولها علي بن الحسين بن زين العابدين، ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن جبير من أهل مكة، وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا التكميل، وسنذكر طرفاً صالحاً هاهنا إن شاء الله تعالى‏.‏

قال ابن جرير‏‏ واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن صرد، وحج بالناس فيها العباس بن الوليد، ويقال‏‏ مسلمة بن عبد الملك، وكان على نيابة مكة خالد القسري، وعلى المدينة عثمان بن حيان، وعلى المشرق بكماله الحجاج، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير، وعلى فضائها أبو بكر بن أبي موسى، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى قضائها عبد الله بن أذينة، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ ‏‏ ‏‏

 ذكر من توفي فيها من المشاهير والأعيان

 سعيد بن جبير الأسدي

الوالي مولاهم أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، الكوفي المكي من أكابر أصحاب ابن عباس، كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم وكثرة العمل الصالح، رحمه الله، وقد رأى خلقاً من الصحابة، وروى عن جماعة منهم، وعنه خلق من التابعين، يقال إنه كان يقرأ القرآن في الصلاة فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة، وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة، وروي عنه أنه ختم القرآن مرتين ونصفاً في الصلاة في ليلة في الكعبة، وقال سفيان الثوري‏‏ عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال‏‏ لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه‏.‏

وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فلما ظفر الحجاج هرب سعيد إلى أصبهان ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين مرة للعمرة ومرة للحج، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها، وكان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك، وكان يقول‏‏ إن مما يهمني ما عندي من العلم وددت أن الناس أخذوه، واستمر في هذا الحال مختفياً من الحجاج قريباً من ثنتي عشرة سنة، ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج، وكان مخاطبته له ما ذكرناه قريباً‏.‏

وقال أبو نعيم في كتابه الحلية، ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن أحمد ابن أبي خلف، ثنا شعبان، عن سالم بن أبي حفصة، قال‏‏ لما أتى بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له‏‏ أنت الشقي بن كسير‏؟‏ قال‏‏ لا ‏!‏إنما أنا سعيد بن جبير، قال‏‏ لأقتلنك، قال‏‏ أنا إذا كما سمتني أمي سعيداً ‏!‏ قال‏‏ شقيت وشقيت أمك، قال‏‏ الأمر ليس إليك، ثم قال‏‏ اضربوا عنقه، فقال‏‏ دعوني أصلي ركعتين، قال‏‏ وجهوه إلى قبلة النصارى، قال‏‏ ‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏‏ ‏]‏ قال‏‏ إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم، قال‏‏ وما عاذت به‏؟‏ قال‏‏ قالت‏‏ ‏{‏إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏‏ ‏]‏ قال سفيان‏‏ لم يقتل بعده إلا واحداً، وفي رواية أنه قال له‏‏ لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال‏‏ لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً‏.‏ وفي رواية‏‏ أنه لما أراد قتله قال‏‏ وجهوه إلى قبلة النصارى، فقال‏‏ ‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏}‏ فقال‏‏ اجلدوا به الأرض، فقال‏‏ ‏{‏مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى‏} ‏[‏طه‏‏ ‏]‏ فقال‏‏ اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم‏.‏ فقال‏‏ اللهم لا تسلطه على أحد بعدي‏.‏ وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاماً كثيراً في مقتل سعيد ابن جبير أحسنه هذا، والله أعلم‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقد ذكرنا صفة مقتله إياه، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله، أكثرها لا يصح، وقد عوقب الحجاج بعده وعوجل بالعقوبة، فلم يلبث بعد إلا قليلاً، ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية، فقيل‏‏ إنه مكث بعده خمسة عشر يوماً، وقيل أربعين يوماً، وقيل‏‏ ستة أشهر، والله أعلم‏.‏

واختلفوا في عمر سعيد بن جبير رحمه الله حين قتل، فقيل‏‏ تسعاً وأربعين سنة، وقيل‏‏ سبعاً وخمسين فالله أعلم، قال أبو القاسم اللالكائي‏‏ كان مقتله في سنة خمس وتسعين، وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة، سنة أربع وتسعين، فالله أعلم‏.‏

قلت هاهنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها‏.‏ قال‏‏ إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة‏.‏ والذكر‏‏ طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر له وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن‏.‏ قيل له‏‏ من أعبد الناس‏؟‏ قال‏‏ رجل اقترف من الذنوب فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله‏.‏ وقال له الحجاج‏‏ ويلك ‏!‏ فقال‏‏ الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، فقال‏‏ اضربوا عنقه، فقال‏‏ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ رسول الله أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا خصمك عند الله، فذبح من قفاه فبلغ ذلك الحسن، فقال‏‏ اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه، فمات، وقال سعيد للحجاج لما أمر بقتله وضحك فقال له‏‏ ما أضحكك‏؟‏ فقال‏‏ أضحك من غيراتك عليَّ وحلم الله عنك‏.‏

 سعيد بن المسيب

ابن حزن بن أبي وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدنف، سيد التابعين على الإطلاق، ولد لسنتين مضتا وقيل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل لأربع مضين منها، وقول الحاكم أبي عبد الله أنه أدرك العشرة وهم منه، والله أعلم‏.‏ ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيراً عن النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وروى عن عمر كثيراً، فقيل سمع منه، وعن عثمان وعلي وسعيد وأبي هريرة، وكان زوج ابنته، وأعلم الناس بحديثه، وروى عن جماعة من الصحابة، وحدث عن جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم، قال ابن عمر‏‏ كان سعيد أحد المتقنين، وقال الزهري‏‏ جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علماً غيره، وقال محمد بن إسحاق، عن مكحول، قال‏‏ طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب، وقال الأوزاعي‏‏ سئل الزهري ومكحول من أفقه من لقيتما‏؟‏ قالا‏‏ سعيد بن المسيب، وقال غيره‏‏ كان يقال له فقيه الفقهاء‏.‏ ‏‏ ‏‏ وقال مالك، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب، كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، قال مالك‏‏ وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه، وقال الربيع، عن الشافعي، أنه قال‏‏ إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن‏.‏ وقال الإمام أحمد بن حنبل‏‏ هي صحاح، قال‏‏ وسعيد بن المسيب أفضل التابعين‏.‏ قال علي بن المديني‏‏ لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به، وهو عندي أجل التابعين‏.‏ وقال أحمد بن عبد الله العجلي‏‏ كان سعيد رجلاً صالحاً فقيهاً، كان لا يأخذ العطاء وكانت له بضاعة أربعمائة دينار، وكان يتجر في الزيت، وكان أعور، وقال أبو زرعة‏‏ كان مدنياً ثقةً إماماً، وقال أبو حاتم‏‏ ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة، قال الواقدي‏‏ توفي في سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين عن خمس وسبعين سنة رحمه الله‏.‏

وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا والكلام فيما لا يعني، ومن أكثر الناس أدباً في الحديث، جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع، فقال الرجل‏‏ وددت أنك لم تتعن، فقال‏‏ إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع، وقال برد مولاه‏‏ ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد، وقال ابن إدريس‏‏ صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة، وقال سعيد‏‏ لا تملؤا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة، وقال‏‏ ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل الناس، وقال‏‏ ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى‏.‏ وقال‏‏ كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله‏.‏ وقال‏‏ من استغنى بالله افتقر الناس إليه، وقال‏‏ الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها، وقال‏‏ إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه‏.‏ وقال‏‏ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله‏.‏

وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين لكثير بن أبي وداعة، وكانت من أحسن النساء، وأكثرهم أدباً، وأعلمهم بكتاب الله، وسنة رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيراً، فأرسل إليه بخمسة آلاف، وقيل‏‏ بعشرين ألفا، وقال‏‏ استنفق هذه‏.‏ وقصته في ذلك مشهورة، ‏‏ ‏‏ وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبى سعيد أن يزوجه بها، فاحتال عليه حتى ضربه بالسياط كما تقدم، لما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك، ضربه نائبه على المدينة هشام بن إسماعيل وأطافه المدينة، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت‏‏ ما هذا الخزي يا سعيد‏؟‏ فقال‏‏ من الخزي فررنا إلى ما ترين، أي لو أحببناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة، وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة، وكان له مال يتجر فيه ويقول‏‏ اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلاً ولا حرصاً عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم فيَّ وفيهم، وأصل منه رحمي، وأؤدي منه الحقوق التي فيه، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 

 طلق بن حبيب العنزي

تابعي جليل روى عن أنس وجابر وابن الزبير وابن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس، وهو من أقرانه وأثنى عليه عمرو بن دينار، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة، ولكن تكلموا فيه من جهة أنه كان يقول بالأرجاء، وقد كان ممن خرج مع ابن الأشعث، وكان يقول تقووا بالتقوى، فقيل له‏‏ صف لنا التقوى، فقال‏‏ التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله يرجو رحمة الله، وترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله‏.‏ وقال أيضاً‏‏ إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، أو يقوم بشكرها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين، وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شيء يتصدق به، وإن لم يجد إلا بصلاً، ويقول‏‏ قال الله تعالى‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً‏}‏ ‏[‏المجادلة‏‏ ‏]‏ فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم‏.‏ قال مالك‏‏ قتله الحجاج وجماعة من القراء منهم سعيد بن جبير، وقد ذكر ابن جرير فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج، وهم مجاهد، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد، وكان من أمر سعيد ما كان والله أعلم‏.‏

 عروة بن الزبير بن العوام

القرشي الأسدي أبو عبد الله المدني، تابعي جليل روى عن أبيه وعن العبادلة ومعاوية والمغيرة وأبي هريرة، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وأم سلمة، وعنه جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم‏.‏ قال محمد بن سعد‏‏ كان عروة ثقة كثير الحديث عالماً مأموناً ثبتاً‏.‏ وقال العجلي‏‏ مدني تابعي رجل صالح لم يدخل في شيء من الفتن‏.‏ وقال الواقدي‏‏ كان فقيهاً عالماً حافظاً ثبتاً حجةً عالماً بالسير، وهو أول من صنف المغازي، وكان من فقهاء المدينة المعدودين، ولقد كان أصحاب رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ يسألونه، وكان أروى الناس للشعر، وقال ابنه هشام‏‏ العلم لواحد من ثلاثة، لذي حسب يزين به حسبه، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بنعمه ويتخلص منه بالعلم، فلا يقع في هلكه، ‏‏ ‏‏ وقال‏‏ ولا أعلم أحداً اشترطه لهذه الثلاثة إلا عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في الليل، وكان أيام الرطب يثلم حائطة للناس فيدخلون ويأكلون، فإذا ذهب الرطب أعاده، وقال الزهري‏‏ كان عروة بحراً لا ينزف ولا تكدره الدلاء، وقال عمر بن عبد العزيز‏‏ ما أحد أعلم من عروة، وما أعلمه يعلم شيئاً أجهله، وقد ذكره غير واحد في فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهي إلى قولهم، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة، وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق، فلما رجع أصابته في رجله الأكلة، فأرادوا قطعها فعرضوا عليه أن يشرب شيئاً يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها، فقال‏‏ ما ظننت أن أحداً يؤمن بالله يشرب شيئاً يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أنَّ، وروي أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة، فالله أعلم‏.‏ ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله ولد له يسمى محمداً كان أحب أولاده من سطح فمات، فدخلوا عليه فعزوه فيه، فقال‏‏ اللهم لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحداً وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت‏.‏ قلت‏‏ قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكله في رجله في واد قرب المدينة، وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه‏.‏ وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له‏‏ ألا نسقيك مرقداً حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر‏؟‏ فقال‏‏ لا ‏!‏ والله ما كنت أظن أن أحداً يشرب شراباً أو يأكل شيئاً يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة، فإني لا أحس بذلك ولا أشعر به، قال‏‏ فنشروا رجله من فوق الأكلة، من المكان الحي، احتياطاً أنه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تصور ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال‏‏ اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً، فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت، قال‏‏ وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعروه فيه، فقال‏‏ الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحداً وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت‏.‏ فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال‏‏ فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال‏‏ ‏{‏لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً‏}‏ ‏[‏الكهف‏‏ ‏]‏ فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال‏‏ إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه‏.‏ ‏‏ ‏‏

فأنشد عروة في ذلك والأبيات لمعن بن أوس‏‏

لعمرك ما أهويت كفى لريبة * ولا حملتني نحو فاحشة رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها * ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

ولست بماش ما حييت لمنكر * من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي

ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة * وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي

وأعلم أني لم تصبني مصيبة * من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي

وفي رواية‏‏ اللهم إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة‏.‏ كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام‏.‏ وقال مسلمة بن محارب‏‏ وقعت في رجل عروة الأكلة فقطعت ولم يمسكه أحد، ولم يدع في تلك الليلة ورده، وقال الأوزاعي‏‏ لما نشرت رجل عروة قال‏‏ اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى سوء قط‏.‏ وأنشد البيتين المتقدمين‏.‏ رأى عروة رجلاً يصلي صلاة خفيفة فدعاه فقال‏‏ يا أخي أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك‏؟‏ إني لأسأل الله في صلاتي حتى أسأله الملح‏.‏ قال عروة‏‏ رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزاً طويلاً‏.‏ وقال لبنيه‏‏ إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها‏.‏ وكان عروة إذا دخل حائطة ردد هذه الآية ‏{‏وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏}‏ ‏[‏الكهف‏‏ ‏]‏ حتى يخرج منه والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

قيل إنه ولد في حياة عمر، والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور، وقيل سنة تسعين، وقيل سنة مائة، وقيل إحدى وتسعين، وقيل إحدى ومائة، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، وقيل تسع وتسعين فالله أعلم‏.‏

 علي بن الحسين

ابن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدبن، وأمه أم ولد أسمها سلامة، وكان له أخ أكبر منه يقال له علي أيضاً، قتل مع أبيه، روى على هذا الحديث عن أبيه وعمه الحسن بن علي، وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين‏.‏ وعنه جماعة منهم بنوه زيد وعبد الله وعمر، وأبو جعفر محمد بن علي بن قر، وزيد بن أسلم، وطاووس وهو من أقرانه، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة وهو من أقرانه، وخلق‏.‏ ‏‏ ‏‏

قال ابن خلكان‏‏ كانت أم سلمة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالماً، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم، والأخرى للحسين بن علي فأولدها علياً زين العابدين، هذا فكلهم بنو خالة، قال ابن خلكان‏‏ ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز ابن يزدجرد بعث يا بنتيه إلى الحجاج فأخذ إحداهما وبعث بالأخرى إلى الوليد، فأولدها الوليد يزيد الناقص‏.‏ وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية، يقال لها، سلامة ويقال عزالة، وكان مع أبيه بكربلاء، فاستبقى لصغره، وقيل لمرضه فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وقد هم بقتله عبيد الله بن زياد، ثم صرفه الله عنه، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضاً فمنعه الله منه، ثم كان يزيد بعد ذلك يكرمه ويعظمه ويجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو عنده، ثم بعثهم إلى المدينة، وكان على بالمدينة محترماً معظماً، قال ابن عساكر‏‏ ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف‏.‏ قلت‏‏ وهو مشهد علي بالناحية الشرقية من جامع دمشق، وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكة وطراز القراطيس، قال الزهري‏‏ ما رأيت قرشياً أورع منه ولا أفضل‏.‏ وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة وهو مريض، فقال عمر ابن سعد‏‏ لا تعرضوا لهذا المريض‏.‏ وقال الواقدي‏‏ كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله عز وجل، وكان إذا مشى لا يخطر بيده، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه، وكان كنيته أبا الحسن، وقيل أبا محمد، وقيل أبا عبد الله‏.‏ وقال محمد بن سعد‏‏ كان ثقةً مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً، وأمه عزالة خلف عليها بعد الحسين مولاه زبيد فولدت له عبد الله بن زبيد، وهو عليِّ الأصغر، فأما الأكبر فقتل مع أبيه‏.‏ وكذا قال غير واحد، وقال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وأبو حازم‏‏ لم يكن في أهل البيت مثله، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري‏‏ سمعت علي ابن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول‏‏ يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً‏.‏ وفي رواية حتى بغضتمونا إلى الناس‏.‏ وقال الأصمعي‏‏ لم يكن للحسين عقب إلا من علي بن الحسين، ولم يكن لعلي بن الحسين نسل إلا من ابن عمه الحسن، فقال له مروان بن الحكم‏‏ لو اتخدت الساراري يكثر أولادك، فقال‏‏ ليس لي ما أتسرى به، فأقرضه مائة ألف فاشترى له الساراري فولدت له وكثر نسله، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من علي بن الحسين شيء مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله رحمه الله‏.‏ وقال أبو بكر بن أبي شيبة‏‏ أصح الأسانيد كلها الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، وذكروا أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي، فلما انصرف قالوا له‏‏ مالك لم تنصرف‏؟‏ ‏‏ ‏‏ فقال‏‏ إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى، وكان إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك، فقال‏‏ ألا تدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي‏؟‏

ولما حج أراد أن يلبي فارتعد وقال‏‏ أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقال لي‏‏ لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة‏.‏

وكان يصلي في كل يوم و ليلة ألف ركعة‏.‏

وقال طاووس‏‏ سمعته وهو ساجد عند الحجر يقول‏‏ عبيدك بفنائك‏.‏ سائلك بفنائك‏.‏ فقيرك بفنائك، قال طاووس‏‏ فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني‏.‏

وذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل، وكان يقول‏‏ صدقة الليل تطفئ غضب الرب، وتنور القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة، وقاسم الله تعالى ماله مرتين‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏‏ كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به‏.‏

ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل‏.‏

وقيل‏‏ إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات‏.‏

ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له‏‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏‏ عليَّ دين، قال‏‏ وكم هو‏؟‏ قال‏‏ خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال‏‏ هي عليَّ‏.‏

وقال علي بن الحسين‏‏ كان أبو بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته‏.‏

ونال منه رجل يوماً فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل‏‏ إياك أعني، فقال له علي‏‏ وعنك أغضي‏.‏

وخرج يوماً من المسجد فسبه رجل، فانتدب الناس إليه، فقال‏‏ دعوه، ثم أقبل عليه فقال‏‏ ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها‏؟‏ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول‏‏ إنك من أولاد الأنبياء‏.‏

قالوا‏‏ واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله، فقال‏‏ يا ابن عم إن كنت صادقاً يغفر الله لي، وإن كنت كاذباً يغفر الله لك والسلام عليك، ثم رجع، فلحقه فصالحه‏.‏

وقيل له‏‏ من أعظم الناس خطراً‏؟‏ فقال‏‏ من لم ير الدنيا لنفسه قدراً‏.‏

وقال أيضاً‏‏ الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته، وقال‏‏ فقد الأحبة غربة‏.‏

وكان يقول‏‏ إن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكراً، فتلك عبادة الأحرار الأخيار‏.‏

وقال لابنه‏‏ يا بني لا تصحب فاسقاً فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا بخيلاً فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، ولا كذاباً فإنه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب، ولا أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله، قال تعالى‏‏ ‏{‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏‏ -‏]‏ ‏‏ ‏‏

وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم‏‏ غفر الله لك، أنت سيد الناس تأتي تخطي حلق أهل العلم وقريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود‏؟‏ فقال له علي بن الحسين‏‏ إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، وإن العلم يطلب حيث كان‏.‏

وقال الأعمش، عن مسعود بن مالك، قال‏‏ قال لي علي بن الحسين‏‏ أتستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير‏؟‏ فقلت‏‏ ما تصنع به‏؟‏ قال‏‏ أريد أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء - وأشار بيده إلى العراق -‏.‏

وقال الإمام أحمد‏‏ حدثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زر بن عبيد، قال‏‏ كنت عند ابن عباس، فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس‏‏ مرحباً بالحبيب ابن الحبيب‏.‏

وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي‏‏ ثنا العلاء، ثنا إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، قال‏‏ كنا عند جابر بن عبد الله، فدخل عليه علي بن الحسين فقال‏‏ كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه الحسين بن علي فضمه إليه وقبله وأقعده إلى جنبه، ثم قال‏‏ ‏‏‏‏يولد لابني هذا ابنُ يقال له‏‏ علي، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم سيد العابدين فيقوم هو هذا‏‏‏‏‏.‏ حديث غريب جداً أورده ابن عساكر‏.‏

وقال الزهري‏‏ كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أفقه منه، وكان قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته، وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك، وكان يسمى زين العابدين‏.‏

وقال جويرية بن أسماء‏‏ ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم درهماً قط‏.‏ رحمه الله ورضي عنه‏.‏

وقال محمد بن سعد‏‏ أنبأ علي بن محمد، عن سعيد بن خالد، عن المقبري، قال‏‏ بعث المختار إلى علي بن الحسين بمائة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها، فاحتبسها عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان‏‏ إن المختار بعث إلى بمائة ألف فكرهت أن أقبلها وكرهت أن أردها، فابعث من يقبضها‏.‏ فكتب إليه عبد الملك‏‏ يا ابن عم ‏!‏ خذها فقد طيبتها لك، فقبلها‏.‏

وقال علي بن الحسين‏‏ سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، وفي الآخرة أهل الدين وأهل الفضل والعلم الأتقياء، لأن العلماء ورثة الأنبياء‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال أيضاً‏‏ إني لأستحي من الله عز وجل أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنة، وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لي‏‏ فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل، وأبخل وأبخل‏.‏

وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له‏‏ في ذلك فقال‏‏ إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبداً‏؟‏

وقال عبد الرزاق‏‏ سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها، فقالت الجارية‏‏ إن الله يقول‏‏ ‏{‏وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏‏ ‏]‏‏.‏

فقال‏‏ و قد كظمت غيظي‏.‏

قالت‏‏ ‏{‏وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ‏}‏‏.‏

فقال‏‏ عفا الله عنك‏.‏

فقالت‏‏ ‏{‏وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏‏.‏

قال‏‏ أنت حرة لوجه الله تعالى‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏‏ ثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة اللخمي، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي، عن أبيه، قال‏‏ جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدأوا في عثمان فقال لهم‏‏ أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين ‏{‏أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏} ‏[‏الحشر‏‏ ‏]‏‏.‏

قالوا‏‏ لا، قال‏‏ فأنتم من الذين ‏{‏تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ‏} ‏[‏الحشر‏‏ ‏]‏‏.‏

قالوا‏‏ لا ‏!‏ فقال لهم‏‏ أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله عز وجل فيهم‏‏ ‏{‏وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏‏ ‏]‏الآية، فقوموا عني لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام ولستم من أهله‏.‏

وجاء رجل فسأله متى يبعث علي‏؟‏ فقال‏‏ يبعث والله يوم القيامة و تهمُّه نفسه‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا‏‏ حدثت عن سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم، عن أبي حمزة الثمالي‏‏ أن علي بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال‏‏ اللهم إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله‏.‏

وروى ابن أبي الدنيا‏‏ أن غلاماً سقط من يده سفود وهو يشوي شيئاً في التنور على رأس صبي لعلي بن الحسين فقتله، فنهض علي بن الحسين مسرعاً، فلما نظر إليه قال للغلام‏‏ إنك لم تتعمد، أنت حر، ثم شرع في جهاز ابنه‏.‏

وقال المدائني‏‏ سمعت سفيان، يقول‏‏ كان علي بن الحسين يقول‏‏ ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم‏.‏ ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه‏.‏

ومات لرجل ولد مسرف على نفسه، فجزع عليه من أجل إسرافه، فقال له علي بن الحسين‏‏ إن من وراء ابنك خلالاً ثلاثاً‏‏ شهادة أن لا إله إلا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله عز وجل‏.‏

وقال المدائني‏‏ قارف الزهري ذنباً فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله‏.‏ فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له‏‏ يا زهري قنوطك من رحمه الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك، فقال الزهري‏‏ ‏{‏اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏‏ ‏]‏‏.‏

وفي رواية‏‏ أنه كان أصاب دماً حراماً خطأ، فأمره علي بالتوبة والاستغفار، وأن يبعث الدية إلى أهله، ففعل ذلك‏.‏

وكان الزهري يقول‏‏ علي بن الحسين أعظم الناس علي منَّة‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال سفيان بن عيينة‏‏ كان علي بن الحسين يقول‏‏ لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، وما أصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة‏.‏

وذكروا أنه زوج أمه من مولى له، وأعتق أمة فتزوجها، فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك، فكتب إليه‏‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏‏ ‏]‏ وقد أعتق صفية فتزوجها، وزوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمه زينب بنت جحش‏.‏

قالوا‏‏ وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين ديناراً، فإذا جاء الصيف تصدق بها، ويلبس في الصيف الثياب المرقعة ودونها، ويتلو قوله تعالى‏‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏‏ ‏]‏‏.‏

وقد روي من طرق ذكرها الصولي والجريري وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالاً له وهيبةً واحتراماً، وهو في بزة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشام لهشام‏‏ من هذا‏؟‏ فقال‏‏ لا أعرفه - استنقاصاً به واحتقاراً لئلا يرغب فيه أهل الشام -فقال الفرزدق‏‏ - وكان حاضراً - أنا أعرفه، فقالوا‏‏ ومن هو‏؟‏ فأشار الفرزدق يقول‏‏

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر

العلم

إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

يغضي حياءً ويغضى من مهابته * فما يكلَّم إلا حين يبتسم

بكفه خيزران ريحها عبق * من كف أروع في عرنينه شمم

مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصرها والخيم الشيم ‏‏ ‏‏

ينجاب نور الهدى من نور غرته * كالشمس ينجاب عن إشراقها الغيم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا * حلو الشمائل تحلو عنده نعم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا

من جده دان فضل الأنبياء له * وفضل أمته دانت لها الأمم

عم البرية بالإحسان فانقشعت * عنها الغواية والإملاق والظلم

كلتا يديه غياث عم نفعهما * يستوكفان ولا يعروهما العدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه اثنتان الحلم والكرم

لا يخلف الوعد ميمون بغيبته * رحب الفناء أريب حين يعتزم

من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر و قربهم منجى ومعتصم

يستدفع السوء والبلوى بحبهم * ويستزاد به الإحسان والنعم

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل حكم ومختوم به الكلم

إن عدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد أسد الشرى والبأس محتدم

يأبى لهم أن يحلّ الذم ساحتهم * خيم كرام وأيد بالندى هضم

لا ينقص العدم بسطاً من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

أي الخلائق ليست في رقابهم * لأولية هذا أوله نعم

فليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم

من يعرف الله يعرف أولية ذا * فالدين من بيت هذا ناله الأمم ‏‏ ‏‏

قال‏‏ فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، فلما بلغ ذلك علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، فلم يقبلها، وقال‏‏ إنما قلت ما قلت لله عز وجل ونصرة للحق، وقياماً بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذريته، ولست أعتاض عن ذلك بشيء‏.‏ فأرسل إليه علي بن الحسين يقول‏‏ قد علم الله صدق نيتك في ذلك، وأقسمت عليك بالله لتقبلنها فتقبلها منه، ثم جعل يهجو هشاماً وكان مما قال فيه‏‏

تحبسني بين المدينة و التي إليها * قلوب الناس تهوي منيبها

يقلِّب رأساً لم يكن رأس سيد * وعينين حولاوين باد عيوبها

وقد روينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين‏‏

نراع إذا الجنائز قابلتنا * ونلهو حين تمضي ذاهبات

كروعة ثلة لمغار سبع * فلما غاب عادت راتعات

وروى الحافظ ابن عساكر، من طريق محمد بن عبد الله المقري‏‏ حدثني سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال‏‏ سمعت علي بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه‏‏

يا نفس حتام إلى الدنيا سكونك، وإلى عمارتها ركونك، ما اعتبرت بمن مضى من أسلافك، ومن وارته الأرض من ألَّافك‏؟‏ ومن فجعت به من إخوانك، ونقل إلى الثرى من أقرانك‏؟‏ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها، محاسنهم فيها بوال دواثر‏.‏

خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم * وساقتهم نحو المنايا المقادر

وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمهم تحت التراب الحفائر

كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت الأرض ببلائها، وغيبت في ترابها، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس، ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الإفلاس‏‏

وأنت على الدنيا مكب منافس * لخطابها فيها حريص مكاثر

على خطر تمشي وتصبح لاهياً * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر

وإن امرءاً يسعى لدنياه دائباً * ويذهل عن أخراه لاشك خاسر ‏‏ ‏‏

فحتام على الدنيا إقبالك‏؟‏ وبشهواتك اشتغالك‏؟‏ وقد وخطك القتير، وأتاك النذير، وأنت عما يراد بك ساه وبلذة يومك وغدك لاه، وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات‏‏

وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللهو واللذات للمرء زاجر

أبعد اقتراب الأربعين تربص * وشيب قذال منذر للكابر

كأنك معنى بما هو ضائر * لنفسك عمداً وعن الرشد حائر

انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية، كيف اختطفتهم عقبان الأيام، ووافاهم الحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم، وأضحوا رمماً في التراب، إلى يوم الحشر والمآب‏‏

أمسحوا رميماً في التراب وعطلت * مجالسهم منهم وأخلى مقاصر

وحلوا بدار لا تزاور بينهم * وأنىَّ لسكان القبور التزاور

فما أن ترى إلا قبوراً قد ثووا بها * مسطحة تسفى عليها الأعاصر

كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال فيها ما تمناه، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأموال والذخائر، وملح السراري والحرائر‏.‏

فما صرفت كف المنية إذ أتت * مبادرة تهوي إليه الذخائر

ولا دفعت عنه الحصون التي بنى * وحف بها أنهاره والدساكر

ولا قارعت عنه المنية حيلة * ولا طمعت في الذب عنه العساكر

أتاه من الله ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى الله الملك الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، ومبيد المتكبرين، الذي ذل لعزه كل سلطان‏.‏

وأباد بقوته كل ديان‏.‏

مليك عزيز لا يرد قضاؤه * حكيم عليم نافذ الأمر قاهر

عنى كل عز لعزة وجهه * فكم من عزيز للمهيمن صاغر

لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر

فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لك من مصايدها، وتحلت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها، وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها‏‏ ‏‏ ‏‏

وفي دون ما عاينت من فجعاتها * إلى دفعها داع وبالزهد آمر

فجد ولا تغفل وكن متيقظاً * فعما قليل يترك الدار عامر

فشمر ولا تفتر فعمرك زائل * وأنت إلى دار الإقامة صائر

ولا تطلب الدنيا فإن نعيمها * وإن نلت منها غبهُ لك ضائر

فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب‏؟‏ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات‏‏

ألا لا ولكنا نغرُّ نفوسنا * وتشغلنا اللذات عمَّا نحاذر

وكيف يلذ العيش من هو موقفٌ * بموقف عدل يوم تبلى السرائر

كأنا نرى أن لا نشور وأننا * سدىً مالنا بعد الممات مصادر

وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة عذابه في مصابها وفي طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها‏.‏

أما قد نرى في كل يوم وليلة * يروح علينا صرفها ويباكر

تعاورنا آفاتها وهمومها * وكم قد ترى يبقى لها المتعاوِرُ

فلا هو مغبوط بدنياه آمن * ولا هو عن تَطلابها النفس قاصر

كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه، ولم تخلصه من وصمه‏.‏

بل أوردته بعد عز ومنعة * موارد سوء مالهنَّ مصادر

فلما رأى أن لا نجاة وأنه * هو الموت لا ينجيه منه التحاذر

تندم إذ لم تغن عنه ندامة * عليه وأبكته الذنوب الكبائر

إذ بكى على ما سلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه، واستغفر حتى لا ينفعه الاستغفار ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزل البلية‏.‏

أحاطت به أحزانه وهمومه * وأبلس لما أعجزته المقادر

فليس له من كربة الموت فارج * وليس له مما يحاذر ناصر

وقد جشأت خوف المنية نفسه * ترددها منه اللها والحناجر

هنالك خف عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت البرية بالعويل، وقد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه، وتخلى عنه الصديق، والصاحب الشفيق‏.‏

‏‏ ‏‏ فكم موجع يبكي عليه مفجعٌ * ومستنجد صبراً وما هو صابر

ومسترجع داع له الله مخلصاً * يعدد منه كل ما هو ذاكر

وكم شامتٍ مستبشر بوفاته * وعما قليل للذي صار صائر

فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمروا لإبرازه‏.‏ كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدى‏.‏

وحل أحبَّ القوم كان بقربه * يحثُّ على تجهيزه ويبادر

وشمرَّ من قد أحضروه لغسله * ووجه لما فاض للقبر حافر

وكفن في ثوبين واجتمعت له * مشيعة إخوانه والعشائر

فلو رأيت الأصغر من أولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، ويخشى من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول‏‏ يا ويلاه واحرباه‏‏

لعاينت من قبح المنية منظراً * يهال لمرآه ويرتاع ناظر

أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * إذا ما تناساه البنون الأصاغر

وربَّة نسوان عليه جوازع * مدامعهم فوق الخدود غوازر

ثم أخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللحد وهيئ عليه اللبن، احتوشته أعماله وأحطت به خطاياه، وضاق ذرعاً بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وأيسوا من النظر إليه، وتركوه هنا بما كسب وطلب‏.‏

فولوا عليه معولين وكلهم * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر

كشاءِ رتاع آمنين بدا لها * بمديته بادي الذراعين حاسر

فريعت ولم ترتع قليلاً وأجفلت * فلما نأى عنها الذي هو جازر

عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الأنعام اقتدينا‏؟‏ أم على عادتها جرينا‏؟‏ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى‏.‏

ثوى مفرداً في لحده وتوزعت * مواريثه أولاده والأصاهر

وأحنوا على أمواله يقسمونها * فلا حامد منهم عليها وشاكر

فيا عامر الدنيا ويا ساعياً لها * ويا آمناً من أن تدور الدوائر

كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة‏؟‏ أم كيف ضيعت حياتك وهي مطيتك إلى مماتك‏؟‏ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك‏؟‏ أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات‏.‏ ‏‏  ‏‏

ولم تتزود للرحيل وقد دنا * وأنت على حال وشيك مسافر

فيا لهف نفسي كم أسوف توبتي * وعمري فانٍ والردى لي ناظر

وكل الذي أسلفت في الصحف مثبتٌ * يجازي عليه عادل الحكم قادر

فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين، أبهذا أمرك الرحمن‏؟‏ أم على هذا نزل القرآن‏؟‏ أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب‏؟‏ أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بوراً، ومساكنهم قبوراً‏‏

تخرب ما يبقى وتعمر فانياً * فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر

وهل لك إن وافاك حتفك بغتة * ولم تكتسب خيراً لدى الله عاذر

أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي * ودينك منقوص ومالك وافر

وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين، زين العابدين، فالمشهور عن الجمهور أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة، وصلى عليه بالبقيع، ودفن به، قال الفلاس‏‏ مات علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، سنة أربع وتسعين‏.‏

وقال بعضهم‏‏ توفي سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين‏.‏

وأغرب المدائني في قوله‏‏ إنه توفي سنة تسع وتسعين، والله أعلم‏.‏ انتهى ما ذكره المؤلف من ترجمة علي بن الحسين

وقد رأيت له كلاماً متفرقاً وهو من جيد الحكمة، فأحببت أن أذكره لعل الله أن ينفع به من وقف عليه‏‏

قال حفص بن غياث‏‏ عن حجاج، عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين، قال‏‏ إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر‏.‏

وقال أبو بكر بن الأنباري‏‏ حدثنا أحمد بن الصلت، حدثنا قاسم بن إبراهيم العلوي، حدثنا أبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال‏‏ قال علي بن الحسين‏‏ فقد الأحبة غربة‏.‏

وكان يقول‏‏ اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح في خفيات الغيوب سريرتي، اللهم كما أسأت وأحسنت إليَّ، فإذا عدت فعد إليَّ‏.‏ اللهم ارزقني مواساة من قترت عليه رزقك بما وسعت علي من فضلك‏.‏

وقال لابنه‏‏ يا بني اتخذ ثوباً للغائط، فإني رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب‏.‏ ثم انتبه فقال‏‏ وما كان لرسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏ وأصحابه إلا ثوب واحد، فرفضه‏.‏ ‏‏ ‏‏

وعن حمزة الثمالي قال‏‏ أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على الباب حتى خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد علي السلام ودعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال‏‏ يا حمزة ترى هذا الحائط‏؟‏ قلت‏‏ نعم ‏!‏ قال‏‏ فإني اتكأت عليه يوماً وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال‏‏ يا علي بن الحسين ‏!‏ مالي أراك كئيباً حزيناً على الدنيا ‏!‏ فهي رزق حاضر يأخذ منها البر الفاجر‏.‏ فقلت‏‏ ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال‏‏ على الآخرة‏؟‏ فهي وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، فقلت‏‏ ما على هذا أحزن لأنه كما تقول‏.‏ فقال‏‏ فعلام حزنك‏؟‏ فقلت‏‏ ما أتخوف من الفتنة - يعني فتنة ابن الزبير - فقال لي‏‏ يا علي ‏!‏ هل رأيت أحداً سأل الله فلم يعطه‏؟‏ قلت‏‏ لا ‏!‏ قال‏‏ ويخاف الله فلم يكفه‏؟‏ قلت‏‏ لا ‏!‏ ثم غاب عني فقيل لي‏‏ يا علي إن هذا الخضر الذي جاءك، لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة‏.‏

وقال الطبراني‏‏ حدثنا محمد بن عبد الله الخضري، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عمر بن حارث‏.‏ قال‏‏ لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره‏.‏ فقالوا‏‏ ما هذا‏؟‏ فقيل‏‏ كان يحمل جُرُب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة‏.‏ وقال ابن عائشة‏‏ سمعت أهل المدينة يقولون‏‏ ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين‏.‏

وروى عبد الله بن حنبل، عن ابن اشكاب، عن محمد بن بشر، عن أبي المنهال الطائي، أن علي بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله‏.‏

وقال الطبري‏‏ حدثنا يحيى بن زكريا الغلابي، حدثنا العتبي، حدثني أبي، قال‏‏ قال علي بن الحسين - وكان من أفضل بني هاشم الأربعة -‏‏ يا بني اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تخيب أخاك إلا في الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك‏.‏

وروى الطبراني بإسناده عنه‏‏ أنه كان جالساً في جماعة فسمع داعية في بيته، فنهض فدخل منزله، ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له‏‏ أمن حدث كانت الداعية‏؟‏ قال‏‏ نعم ‏!‏ فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال‏‏ إنا أهل بيت نطيع الله عز وجل فيما نحبه، ونحمده على ما نكره‏.‏

وروى الطبراني، عنه، قال‏‏ إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم‏‏ انطلقوا إلى الجنة‏.‏ فتلقاهم الملائكة فيقولون‏‏ إلى أين‏؟‏ فيقولون‏‏ إلى الجنة‏.‏ فيقولون‏‏ قبل الحساب‏؟‏ قالوا‏‏ نعم، قالوا‏‏ من أنتم‏؟‏ قالوا‏‏ نحن أهل الفضل، قالوا‏‏ وما كان فضلكم‏؟‏ قالوا‏‏ كنا إذا جهل علينا حلمنا ، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا غفرنا، قالوا لهم‏‏ ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين‏.‏ ثم ينادي مناد ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم‏‏ انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون‏‏ نحن أهل الصبر، قالوا‏‏ فما كان صبركم‏؟‏ قالوا‏‏ صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله، وصبرناها على البلاء‏.‏ فقالوا لهم‏‏ ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين‏.‏ ثم ينادي المنادي‏‏ ليقم جيران الله في داره ‏!‏ فيقوم ناس من الناس و هم قليل، فيقال لهم‏‏ انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون‏‏ بم استحققتم مجاورة الله عز وجل في داره‏؟‏ فيقولون‏‏ كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله عز وجل‏.‏ فيقال لهم‏‏ ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال علي بن الحسين‏‏ إن الله يحب المؤمن المذنب التواب‏.‏

وقال‏‏ التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي منهم تقاة‏.‏ قالوا‏‏ وما تقاه‏؟‏ قال‏‏ يخاف جباراً عنيداً أن يسطو عليه، وأن يطغى‏.‏

وقال رجل لسعيد بن المسيب‏‏ ما رأيت أحداً أورع من فلان‏.‏ فقال له سعيد‏‏ هل رأيت علي بن الحسين‏؟‏ قال‏‏ لا ‏!‏ قال‏‏ ما رأيت أورع منه‏.‏

وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال‏‏ دخلت على علي بن الحسين، فقال‏‏ يا زهري فيم كنتم‏؟‏ قلت‏‏ كنا نتذاكر الصوم، فأجمع رأيي ورأي أصحابي على أنه ليس من الصوم شيء واجب، إلا شهر رمضان، فقال‏‏ يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهاً، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزهري‏‏ قلت‏‏ فسرهن يا ابن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏، قال‏‏ أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي، وصوم جزاء الصيد، يقوم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة‏.‏ وأما الذي صاحبه بالخيار‏‏ فصوم الاثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة، ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار‏.‏ فأما صوم الأذن‏‏ فالمرأة لا تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام‏‏ فصوم يوم الفطر، والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان‏.‏ وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعاً إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم‏‏‏‏ ‏‏‏‏من نزل على قوم فلا يصومنَّ تطوعاً إلا بإذنهم‏‏‏‏‏.‏ وأما صوم الإباحة‏‏ فمن أكل أو شرب ناسياً أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر، فقال قوم‏‏ يصوم، وقال قوم‏‏ لا يصوم، وقال قوم‏‏ إن شاء صام وإن شار أفطر، وأما نحن فنقول‏‏ يفطر في الحالين، فإن صام في السفر والمرض فعليه القضاء‏.‏

 أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث

ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة، قيل‏‏ اسمه محمد، وقيل‏‏ اسمه أبو بكر، وكنيته‏‏ أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وله من الأولاد والأخوة كثير‏.‏

وهو تابعي جليل، روى عن عمار، وأبي هريرة، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم‏.‏ ‏‏ ‏‏

وعنه جماعة منهم‏‏ بنوه سلمة، وعبد الله، وعبد الملك، وعمر، ومولاه سمي، وعامر الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، ومجاهد، والزهري‏.‏

ولد في خلافة عمر، وكان يقال له‏‏ راهب قريش، لكثرة صلاته، وكان مكفوفاً، وكان يصوم الدهر، وكان من الثقة والأمانة والفقه وصحة الرواية على جانب عظيم‏.‏

قال أبو داود‏‏ وكان قد كف وكان إذا سجد يضع يده في طست لعلة كان يجدها‏.‏

والصحيح أنه مات في هذه السنة، وقيل‏‏ في التي قبلها، وقيل‏‏ في التي بعدها، والله أعلم‏.‏

قلت‏‏ ونظم بعض الشعراء بيتين ذكر فيهما الفقهاء السبعة فقال‏‏

ألا كل من لا يقتدي بأئمة * فقسمته حبراً عن الحق خارجه

فخذهم عبيد الله عروة قاسم * سعيد أبو بكر سليمان خارجه

وفيها توفي الفضيل بن زيد الرقاشي، أحد زهاد أهل البصرة، وله مناقب وفضائل كثيرة جداً‏.‏

قال‏‏ لا يلهينك الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت‏.‏

وقال‏‏ لم أر شيئاً أحسن طلباً، ولا أسرع إدراكاً من حسنة حديثة لذنب قديم‏.‏

 أبو سلمة بن عبد الرحمن

ابن عوف الزهري، كان أحد فقهاء المدينة، وكان إماماً عالماً، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان واسع العلم‏.‏ توفي بالمدينة‏.‏

 عبد الرحمن بن عائذ

الأزدي، له روايات كثيرة، وكان عالماً، وخلف كتباً كثيرةً من علمه، روى عن جماعة من الصحابة، وأسر يوم وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج‏.‏

 عبد الرحمن بن معاوية بن خزيمة

قاضي مصر لعمر بن عبد العزيز بن مروان وصاحب شرطته، كان عالماً فاضلاً، روى الحديث، وعنه جماعة‏.‏

ثم دخلت سنة خمس وتسعين

فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم، وافتتح حصوناً كثيرةً‏.‏ ‏‏ ‏‏

وفيها فتح مسلمة بن عبد الملك مدينة في بلاد الروم، ثم حرقها ثم بناها بعد ذلك بعشر سنين‏.‏

وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولينا من بلاد الهند، وأخذ منها أموالاً جزيلةً‏.‏

وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ومعه الأموال على العجل تحمل من كثرتها، ومعه ثلاثون ألف رأس من السبي‏.‏

وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش، ففتح مدناً وأقاليم كثيرة، فلما كان هناك جاءه الخبر بموت الحجاج بن يوسف فقمعه ذلك، ورجع بالناس إلى مدينة مرو، وتمثل بقول بعض الشعراء‏‏

لعمري لنعم المرء من آل جعفر * بحوران أمسى أعلقته الحبائل

فإن تحي لا أملك حياتي * وإن تمت فما في حياتي بعد موتك طائل

وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء، ويعده على ذلك ويجزيه خيراً، ويثني عليه بما صنع من الجهاد، وفتح البلاد، وقتال أهل الكفر والعناد‏.‏

وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، فولى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين - الكوفة والبصرة - يزيد بن أبي كبشة، وولى خراجهما يزيد بن مسلم، وقيل‏‏ كان الحجاج يستخلفهما على ذلك فأقرهما الوليد، واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه‏.‏

وكانت وفاة الحجاج لخمس، وقيل‏‏ لثلاث بقين من رمضان، وقيل‏‏ مات في شوال من هذه السنة‏.‏

وحج بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو معشر والواقدي‏.‏

وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ومعه ألف من أصحابه‏.‏

وفي هذه السنة كان مولد أبي جعفر المنصور‏‏ عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس‏.‏

 وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته

هو الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوزان، أبو محمد الثقفي‏.‏

سمع ابن عباس، وروى عن أنس، وسمرة بن جندب، وعبد الملك بن مروان، وأبي بردة بن أبي موسى‏.‏

وروى عنه أنس بن مالك، وثابت البناني، وحميد الطويل، ومالك بن دينار، وجواد بن مجالد، وقتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبي عروبة‏.‏ قاله ابن عساكر، قال‏‏ وكانت له بدمشق دور منها‏‏ دار الرواية بقرب قصر ابن أبي الحديد‏.‏

وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير، ثم عزله عنها وولاه العراق‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقدم دمشق وافداً على عبد الملك، ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم، سمعت أبي يقول‏‏ خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر، فما زال يقول‏‏ إنه بيت الوحدة، وبيت الغربة، حتى بكى وأبكى من حوله، ثم قال‏‏ سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول‏‏ سمعت مروان يقول في خطبته‏‏ خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته‏‏ ‏‏‏‏ما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر أو ذكره إلا بكى‏‏‏‏‏.‏ وهذا الحديث له شاهد في سنن أبي داود وغيره‏.‏

وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار‏‏ ثنا يسار، عن جعفر، عن مالك بن دينار، قال‏‏ دخلت يوماً على الحجاج فقال لي‏‏ يا أبا يحيى، ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏!‏ فقلت‏‏ بلى ‏!‏ فقال‏‏ حدثني أبو بردة، عن أبي موسى‏.‏ قال‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة‏‏‏‏‏.‏ وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد، وغيره في السنن والمسانيد، والله أعلم‏.‏

قال الشافعي‏‏ سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تتخلل - أي‏‏ تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذى - وكان ذلك في أول النهار، فقال‏‏ والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينةٌ دنيَّةٌ، وإن كان الذي تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك لقذرةٌ، فطلقها فقالت‏‏ والله ما كان شيء مما ذكرت، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها‏.‏ فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج‏‏ تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتي برجل يسود، فتزوجها يوسف أبو الحجاج‏.‏ قال الشافعي‏‏ فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم‏‏ ما أسرع ما ألقحت بالمبير‏.‏

قال ابن خلكان‏‏ واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، وكان زوجها الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك‏.‏

وذكر صاحب العقد أن الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف، ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله، فقال روح‏‏ عندي رجل توليه ذلك، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل، حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوف بهم وأحرق الفسطاط، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك، فقال للحجاج‏‏ لم صنعت هذا‏؟‏ فقال‏‏ لم أفعله إنما فعله أنت، فإن يدي يدك، وسوطي سوطك، وما ضرك إذا أعطيت روحاً فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني‏؟‏ ففعل ذلك وتقدم الحجاج عنده‏.‏

قال‏‏ وبنى واسط في سنة أربع وثمانين، وفرغ منها في سنة ست وثمانين، وقيل‏‏ قبل ذلك‏.‏ ‏‏

قال‏‏ وفي أيامه نقّطت المصاحف‏.‏

وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولاً يسمى‏‏ كليباً، ثم سمى‏‏ الحجاج‏.‏

وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج، وأنه لم يرتضع أياماً حتى سقوه دم جدي ثم دم سالح، ولطّخ وجهه بدمه فارتضع، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطّخ به وجهه، ويقال‏‏ إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط، وقيل‏‏ إنها أم أبيه، والله أعلم‏.‏

وكانت فيه شهامة عظيمة، وفي سيفه رهق، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه، وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضاً، ولا سواء ولا قريب‏.‏

وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التجيبي قاضي مصر، وكان من كبار التابعين، وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها‏.‏

والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها فاجتاز بهما سليم بن عنز هذا فنهض إليه أبو الحجاج فسلم عليه، وقال له‏‏ إني ذاهب إلى أمير المؤمنين، فهل من حاجة لك عنده‏؟‏ قال‏‏ نعم ‏!‏ تسأله أن يعزلني عن القضاء‏.‏ فقال‏‏ سبحان الله ‏!‏‏!‏ والله لا أعلم قاضياً اليوم خيراً منك‏.‏ ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه‏‏ يا أبت أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي‏؟‏ فقال له‏‏ يا بني، والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله‏.‏ فقال‏‏ والله ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال‏‏ ولم يا بني‏؟‏ قال‏‏ لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم، فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين، ولا يرونها شيئاً عند سيرتهما، فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه، ولا يرون طاعته، والله لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله‏.‏ فقال له أبوه‏‏ يا بني والله إني لأظن أن الله عزَّ و جلَّ خلقك شقياً‏.‏ وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة، وأنه كان ذا فراسة صحيحة، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك‏.‏

قالوا‏‏ وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين، وقيل‏‏ في سنة أربعين، وقيل‏‏ في سنة إحدى وأربعين، ثم نشأ شاباً لبيباً فصيحاً بليغاً حافظاً للقرآن‏.‏

قال بعض السلف‏‏ كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة‏.‏

وقال أبو عمرو بن العلاء‏‏ ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري، وكان الحسن أفصح منه‏.‏

‏‏ ‏‏ وقال الدارقطني‏‏ ذكر سليمان بن أبي منيح، عن صالح بن سليمان، قال‏‏ قال عقبة بن عمرو‏‏ ما رأيت عقول الناس إلا قريباً بعضها من بعض، إلا الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس‏.‏

وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها، وأقام للناس الحج عامئذ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت، ولا تمكن ابن الزبير ومن عنده من الوقوف، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن، ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر، فدخل الكوفة كما ذكرنا، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلاً، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة‏.‏

وفتح فيها فتوحات كثيرة، هائلة منتشرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم، ووصلت خيوله أيضاً إلى قريب من بلاد الصين، وجرت له فصول قد ذكرناها‏.‏ ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والإقدام، والتهاون في الأمور العظام، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله، مما ساقه الحافظ ابن عساكر وغيره‏‏

فروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن كثير، ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني، ما معناه‏‏ أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب - وذلك قبل أن يلي شيئاً - فجعل يرفع قبل الإمام ويقع قبله في السجود، فلما سلَّم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد فقال له‏‏ يا سارق يا خائن، تصلي هذه الصلاة، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك‏.‏ فلم يرد عليه ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشام، ثم جاء نائباً على الحجاز‏.‏

فلما قتل ابن الزبير كرَّ راجعاً إلى المدينة نائباً عليها، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب، فقصده الحجاج فخشي الناس على سعيد منه، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له‏‏ أنت صاحب الكلمات‏؟‏ فضرب سعيد صدره بيده وقال‏‏ نعم ‏!‏ قال‏‏ فجزاك الله من معلم ومؤدب خيراً ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك‏.‏ ثم قام ومضى‏.‏

وروى الرياشي، عن الأصمعي وأبي زيد، عن معاذ بن العلاء، - أخي أبي عمرو بن العلاء - قال‏‏ لما قتل الحجاج ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه‏‏ يا أهل مكة ‏!‏ بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الله، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، واسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة، اذكروا الله يذكركم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏‏ حدثنا إسحاق بن يوسف، ثنا عون، عن أبي الصديق الناجي‏‏ أن الحجاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال‏‏ إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل‏.‏ فقالت‏‏ كذبت، كان براً بوالديه، صواماً قواماً، والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏أنه يخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما شرٌ من الأول، وهو مبير‏‏‏‏‏.‏ ‏‏ ‏‏

ورواه أبو يعلى، عن وهب بن بقية، عن خالد، عن عون، عن أبي الصديق‏.‏ قال‏‏ بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله‏.‏

وقال أبو يعلى‏‏ ثنا زهير، ثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن قيس بن الأحنف، عن أسماء بنت أبي بكر‏.‏ قالت‏‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة‏.‏ وسمعته يقول‏‏ ‏‏‏‏يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير‏‏‏‏‏.‏ قالت‏‏ فقلت للحجاج‏‏ أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو يا حجاج‏.‏

وقال عبيد بن حميد‏‏ أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، حدثني من سمع أسماء بنت أبي بكر الصديق، تقول للحجاج حين دخل عليها يعزيها في ابنها‏‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول‏‏ ‏‏‏‏يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب‏‏‏‏‏.‏ فأما الكذاب فابن أبي عبيد - تعني المختار - وأما المبير فأنت‏.‏

وتقدم في صحيح مسلم من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله، وقد رواه غير أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو يعلى‏‏ ثنا أحمد بن عمر الوكيعي، ثنا وكيع، حدثتنا أم عراب، عن امرأة يقال لها‏‏ عقيلة، عن سلامة بنت الحر، قالت‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏في ثقيف كذاب ومبير‏‏‏‏‏.‏ تفرد به أبو يعلى‏.‏

وقد روى الإمام أحمد‏‏ عن وكيع، عن أم عراب، - واسمها طلحة - عن عقيلة، عن سلامة، حديثاً آخر في الصلاة، وأخرجه أبو داود وابن ماجه‏.‏

وروى من حديث ابن عمر، فقال أبو يعلى‏‏ ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن ربيع، ثنا إسرائيل، ثنا عبد الله بن عصمة، قال‏‏ سمعت ابن عمر‏‏ ‏‏‏‏أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في ثقيف مبيراً وكذاباً‏‏‏‏ وأخرجه الترمذي من حديث شريك، عن عبد الله بن عاصم، ويقال عصمة‏.‏ وقال‏‏ حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك‏.‏

وقال الشافعي‏‏ ثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع‏‏ أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج بمنى، فكان لا يصلي مع الحجاج‏.‏

وقال الثوري‏‏ عن محمد بن المنكدر، عن جابر‏‏ أنه دخل على الحجاج فلم يسلم عليه، ولم يكن يصلي وراءه‏.‏

وقال إسحاق بن راهويه‏‏ أنبأ جرير، عن القعقاع بن الصلت، قال‏‏ خطب الحجاج فقال‏‏ إن ابن الزبير غيَّر كتاب الله، فقال ابن عمر‏‏ ما سلَّطه الله على ذلك، ولا أنت معه، ولو شئت أقول‏‏ كذبت لفعلت‏.‏

وروي عن شهر بن حوشب وغيره‏‏ أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول‏‏ الصلاة الصلاة مراراً، ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس، فصلى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر‏‏ ما حملك على ذلك‏؟‏ فقال‏‏ إنما نجيء للصلاة فصلِّ الصلاة لوقتها، ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه‏.‏

وقال الأصمعي‏‏ سمعت عمي يقول‏‏ بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم المدينة لقي شيخاً خارجاً من المدينة، فسأله عن حال أهل المدينة، فقال‏‏ بشرِّ حال، قتل ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الحجاج‏‏ ومن قتله‏؟‏ فقال‏‏ الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته، ‏‏ ‏‏ من قليل المراقبة لله، فغضب الحجاج غضباً شديداً، ثم قال‏‏ أيها الشيخ ‏!‏ أتعرف الحجاج إذا رأيته‏؟‏ قال‏‏ نعم ‏!‏ فلا عرفه الله خيراً ولا وقاه ضراً، فكشف الحجاج عن لثامه وقال‏‏ ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة‏.‏ فلما تحقق الشيخ الجد قال‏‏ والله إن هذا لهو العجب يا حجاج، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة، أنا العباس بن أبي داود، أصرع كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج‏‏ انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه‏.‏

وقال الإمام أحمد‏‏ حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد بن سلمة، عن ابن أبي رافع، عن عبد الله بن جعفر، قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك‏‏ أتمكنه من ذلك‏؟‏ فقال‏‏ وما بأس من ذلك‏.‏ قال‏‏ أشد الناس والله، قال‏‏ كيف‏؟‏ قال‏‏ والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير، قال‏‏ وكأنه كان نائماً فأيقظه، فكتب إلى الحجاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها‏.‏

وقال سعيد بن أبي عروبة‏‏ حج الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة، فأتي بغذائه، فقال لحاجبه‏‏

انظر من يأكل معي، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله، وقال‏‏ أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له‏‏ اغسل يديك ثم تغدَّ معي، فقال‏‏ إنه دعاني من هو خير منك، قال‏‏ ومن‏؟‏ قال‏‏ الله دعاني إلى الصوم فأجبته، قال‏‏ في هذا الحر الشديد‏؟‏ قال‏‏ نعم، صمت ليوم هو أشد حراً منه، قال‏‏ فأفطر وصم غداً، قال‏‏ إن ضمنت لي البقاء لغد‏.‏ قال‏‏ ليس ذلك لي، قال‏‏ فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه‏؟‏ قال‏‏ إن طعامنا طعام طيب، قال‏‏ لم تطيبه أنت ولا الطباخ، إنما طيبته العافية‏.‏ ‏‏ ‏‏

 فصل خطبة الحجاج لأهل العراق

قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة، وتهديده ووعيده إياهم، وأنهم خافوه مخافةً شديدةً، وأنه قتل عمير بن ضابئ، وكذلك قتل كُميل بن زياد صبراً، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا، ثم تسلط على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعباد والقراء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير‏.‏

قال القاضي المعافى زكريا‏‏ ثنا أحمد بن محمد بن سعد الكلبي، ثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس -، عن عطاء - يعني ابن مصعب -، عن عاصم، قال‏‏ خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال‏‏ يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف، ثم أفضى إلى الأسماخ والأمخاخ، والأشباح والأرواح، ثم ارتع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج، فحشاكم نفاقاً وشقاقاً، وأشعركم خلافاً، اتخذتموه دليلاً تتبعونه، وقائداً تطيعونه، ومؤتمناً تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان‏؟‏

ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر، واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا والله أرميكم بطرفي، وأنتم تتسللون لواذاً، وتنهزمون سراعاً‏.‏

ويوم الزاوية وما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ونخعتكم الرماح‏.‏

ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك والملاحم‏‏

بضرب يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله

يا أهل العراق، يا أهل الكفران بعد الفجران، والغدران بعد الخذلان، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، ‏‏ ‏‏ لا تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفاً، ما استخفكم ناكث، ولا استغواكم غاو، ولا استنقذكم عاصٍ، ولا استنصركم ظالم، ولا استعضدكم خالع، إلا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافاً وثقالاً، وفرساناً ورجالاً‏.‏

يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر، إلا كنتم أتباعه وأنصاره‏؟‏

يا أهل العراق، ألم تنفعكم المواعظ‏؟‏ ألم تزجركم الوقائع‏؟‏ ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذقكم حر سيفه، وأليم بأسه ومثلاته‏؟‏

ثم التفت إلى أهل الشام فقال‏‏ يا أهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنه القذر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذباب‏.‏

يا أهل الشام ‏!‏ أنتم الجنة والبرد، وأنتم الملاءة والجلد، أنتم الأولياء والأنصار، والشعار والدثار، بكم يذب عن البيضة والحوذة، وبكم ترمي كتائب الأعداء، ويهزم من عاند وتولى‏.‏

قال ابن أبي الدنيا‏‏ حدثني محمد بن الحسين، حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي‏‏ سمعت شيخاً من قريش يكنى أبا بكر التيمي، قال‏‏ كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لسناً -‏‏ إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها، وشربوا أنهارها، وهتكوها بالمساحي والمرور، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها، فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دمائهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور‏.‏

ومما رواه غير واحد، عن الحجاج، أنه قال في خطبته في المواعظ‏‏ الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرءاً رد نفسه، امرءاً اتهم نفسه، امرءاً اتخذ نفسه عدوة، امرءاً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرءاً نظر إلى ميزانه، امرءاً نظر إلى حسابه، امرءاً وزن عمله، امرءاً فكر فيما يقرأ غداً في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجراً، وعند همه آمراً، امرءاً أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرءاً عقل عن الله أمره، امرءاً فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق‏.‏ فما زال يقول‏‏ امرءاً امرءاً، حتى بكى مالك بن دينار‏.‏

وقال المدائني‏‏ عن عوانه بن الحكم، قال‏‏ قال الشعبي‏‏ سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول‏‏ أما بعد، فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء‏.‏ فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال المدائني‏‏ عن أبي عبد الله الثقفي، عن عمه، قال‏‏ سمعت الحسن البصري يقول‏‏ وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، سمعته يقول على هذه الأعواد‏‏ إن امرءاً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريٌّ أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة‏.‏

وقال شريك القاضي، عن عبد الملك بن عمير، قال‏‏ قال الحجاج يوماً‏‏ من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال‏‏ أعطني فإني قتلت الحسين، فقال‏‏ وكيف قتلته‏؟‏ قال‏‏ دسرته بالرمح دسراً، وهبرته بالسيف هبراً، وما أشركت معي في قتله أحداً‏.‏ فقال‏‏ اذهب فوالله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئاً‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏‏ جاء رجل إلى الحجاج فقال‏‏ إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان، ومنعت العطاء، وقد هدمت داري، فقال الحجاج‏‏ أما سمعت قول الشاعر‏‏

حنانَيْكَ من تجنىَّ عليك وقد * تعدَّى الصِحاحَ مبارك الجَرَبِ

ولرب مأخوذٍ بذنب قريبه * ونجا المقارف صاحب الذنب ‏؟‏

فقال الرجل‏‏ أيها الأمير ‏!‏ إني سمعت الله يقول غير هذا، وقول الله أصدق من هذا‏.‏

قال‏‏ وما قال‏؟‏

قال‏‏ ‏{‏قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏‏ -‏]‏ قال‏‏ يا غلام أعد اسمه في الديوان، وابن داره، وأعطه عطاءه، ومر منادياً ينادي‏‏ صدق الله وكذب الشاعر‏.‏

وقال الهيثم بن عدي‏‏ عن ابن عباس‏‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج أن أبعث إلي برأس أسلم بن عبد البكري، لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج، فقال‏‏ أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ‏} ‏[‏الحجرات‏‏ ‏]‏ وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهنَّ بالباب، فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول‏‏ أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج‏‏ من أنت‏؟‏ فقالت‏‏ أنا ابنته، ثم قالت‏‏ أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت‏‏

أحجاجُ لم تشهد مقام بناته * وعماته يندبنه الليل أجمعا

أحجاج كم تقتل به إن قتلته * ثماناً وعشراً واثنتين واربعاً

أحجاج من هذا يقوم مقامه * علينا فمهلاً إن تزدنا تضعضعا

أحجاج إما أن تجود بنعمة * علينا وإما أن تقتلنا معا

قال‏‏ فبكى الحجاج، وقال‏‏ والله لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه، وحسن صلته، وبالإحسان إلى هذه الجارية، وتفقدها في كل وقت‏.‏

وقيل‏‏ إن الحجاج خطب يوماً فقال‏‏ أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله‏.‏ ‏‏ ‏‏ فقام إليه رجل فقال له‏‏ ويحك يا حجاج، ما أصفق وجهك، وأقل حياءك، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام‏؟‏ خبث وضل سعيك، فقال للحرس‏‏ خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له‏‏ ما الذي جرأك عليَّ‏؟‏ فقال‏‏ ويحك يا حجاج، أنت تجترئ على الله ولا أجترئ أنا عليك، ومن أنت حتى لا أجترئ عليك وأنت تجترئ على الله رب العالمين، فقال‏‏ خلوا سبيله، فأطلق‏.‏

وقال المدائني‏‏ أتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث فأمر بقتلهما، فقال أحدهما‏‏ إن لي عندك يداً، قال‏‏ وما هي‏؟‏ قال‏‏ ذكر ابن الأشعث يوماً أمك فرددت عليه، فقال‏‏ ومن يشهد لك‏؟‏ قال‏‏ صاحبي هذا ‏!‏ فسأله فقال‏‏ نعم ‏!‏ فقال‏‏ ما منعك أن تفعل كما فعل‏؟‏ قال‏‏ بغضك، قال‏‏ أطلقوا هذا لصدقة، وهذا لفعله‏.‏ فأطلقوهما‏.‏

وذكر محمد بن زياد، عن ابن الأعرابي فيما بلغه‏‏ أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له‏‏ جحدر بن مالك، وكان فاتكاً بأرض اليمامة، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج، فقال له الحجاج‏‏ ما حملك على ما كنت تصنعه‏؟‏ فقال‏‏ جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكلب الزمان، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، وذلك أني ما لقيت فارساً قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدراً، فقال له الحجاج‏‏ إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر فإن قتلك كفانا مؤنتك، وإن قتلته خلينا سبيلك‏.‏ ثم أودعه السجن مقيداً مغلولةً يده اليمنى إلى عنقه، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعاراً يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو، يقول في بعضها‏‏

أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك بنا تداني

بلى وترى الهلال كما نراه * ويعلوها النهار إذا علاني

إذا جاوزتما نخلات نجد * وأودية اليمامة فانعياني

وقولا جحدرٌ أمسى رهيناً * يحاذر وقع مصقولٍ يماني

فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوع ثلاثة أيام، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها، وأعطى سيفاً في يده اليسرى، وخلى بينه وبين الأسد، وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول‏‏

ليثٌ وليثٌ في مجال ضنك * كلاهما ذو أنفٍ ومحك

وشدة في نفسه وفتك * إن يكشف الله قناع الشك

فهو أحق منزل بترك *

فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة، وتمطى وأقبل نحوه، فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة، فتلقاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، من شدة الضربة، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد، وشدة موضع القيود عليه، فكبرَّ الحجاج وكبر أصحابه، وأشار جحدر يقول‏‏ ‏‏ ‏‏

يا جمل إنك لو رأيت كريهتي * في يوم هولٍ مسدفٍ وعجاج

وتقدمي لليث أرسفُ موثقاً * كيما أساوره على الأخراج

شئنٌ براثنه كأن نيوبه * زرق المعاول أو شباة زجاج

يسمو بناظرتين تحسب فيهما * لهباً أحدَّهما شعاع سراج

وكأنما خيطت عليه عباءة * برقاء أو خرقاً من الديباج

لعلمت أني ذو حفاظٍ ماجدٍ * من نسل أقوام ذوي أبراج

فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده، وإن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته وأعطاه أموالاً‏.‏

وأنكر يوماً أن يكون الحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ابن بنته، فقال له يحيى بن يعمر‏‏ كذبت ‏!‏ فقال الحجاج‏‏ لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال‏‏ قال الله‏‏ ‏{‏وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏‏ ‏]‏ إلى قوله‏‏ ‏{‏وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى‏}‏ ‏[‏الأنعام‏‏ ‏]‏ فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال الحجاج‏‏ صدقت، ونفاه إلى خراسان‏.‏

وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها‏‏ أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ ‏‏‏‏قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم‏{‏‏{‏ إلى قوله ‏{أحب إليكم‏}‏ فيقرأها برفع أحب‏.‏

وقال الأصمعي وغيره‏‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول‏‏ أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده‏؟‏ قال‏‏ نعم ‏!‏ فكتب الحجاج إلى عبد الملك‏‏ أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غداً فأمل‏.‏

وقال ابن دريد‏‏ عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى‏.‏ قال‏‏ لما قتل الحجاج ابن الأشعث وصفت له العراق، وسَّع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك‏‏ أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم مالاً ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع، وتنفق في الأسبوع مالاً ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشداً‏‏

عليك بتقوى الله في الأمر كله * وكن يا عبيد الله تخشى وتضرع

ووفر خراج المسلمين وفيأهم * وكن لهم حصناً تجير وتمنع

فكتب إليه الحجاج‏‏

لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم * قراطيس تملا ثم تطوى فتطبع

كتاب أتاني فيه لين وغلظة * وذكرتُ والذكرى لذي اللب تنفع

وكانت أمور تعتريني كثيرة * فأرضخ أو اعتل حيناً فأمنع

إذا كنت سوطاً من عذاب عليهم * ولم يك عندي بالمنافع مطمع ‏‏ ‏‏

أيرضى بذاك الناس أو يسخطونه * أم أحمد فيهم أم ألام فأقذع

وكان بلاد جئتها حين جئتها * بها كل نيران العداوة تلمع

فقاسيت منها ما علمت ولم أزل * أصارع حتى كدت بالموت أصرع

وكم أرجفوا من رجفة قد سمعتها * ولو كان غيري طار مما يروع

وكنت إذا هموا بإحدى نهاتهم * حسرت لهم رأسي ولا أتقنع

فلو لم يذد عني صناديد منهم * تقسم أعضائي ذئاب وأضبع

قال‏‏ فكتب إليه عبد الملك‏‏ أن اعمل برأيك‏.‏

وقال الثوري‏‏ عن محمد بن المستورد الجمحي، قال‏‏ أتي الحجاج بسارق فقال له‏‏ لقد كنت غنياً أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضواً من أعضائك، فقال الرجل‏‏ إذا قلّ ذات اليد سخت النفس بالمتألف‏.‏ قال‏‏ صدقت، والله لو كان حسن اعتذار يبطل حداً لكنت له موضعاً‏.‏ يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يده‏.‏

وقال أبو بكر بن مجاهد‏‏ عن محمد بن الجهم، عن الفراء، قال‏‏ تغدى الحجاج يوماً مع الوليد بن عبد الملك، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ، فقال‏‏ يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح ‏{‏وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏هود‏‏ ‏]‏‏.‏

وقال عمر بن شبة، عن أشياخه، قال‏‏ كتب عبد الملك إلى الحجاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول‏‏ إنما المال مال الله ونحن خزَّانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل‏.‏

وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات‏‏

إذا أنت لم تترك أموراً كرهتها * وتطلب رضائي في الذي أنا طالبه

وتخشى الذي يخشاه مثلك هارباً * إلى الله منه ضيع الدر حالبه

فإن ترمني غفلةً قرشيةً * فيا ربما قد غص بالماء شاربه

وإن ترمني وثبةً أمويةً * فهذا وهذا كله أنا صاحبه

‏‏ ‏‏ فلا تعدُ ما يأتيك مني فانْ تعدْ * تقم فاعلمن يوماً عليك نوادبه

فلما قرأه الحجاج كتب‏‏ أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الأموال، والدماء، فوالله ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضبت حق أهل الطاعة، فإن كان ذلك سرفاً فليحدّ لي أمير المؤمنين حداً أنتهي إليه ولا أتجاوزه، وكتب في أسفل الكتاب‏‏

إذا أنا لم أطلب رضاك وأتقي * أذاك فيومي لا توارت كواكبه

إذا قارف الحجاج فيك خطيئة * فقامت عليه في الصباح نوادبه

أسالم من سالمت من ذي هوادةٍ * ومن لا تسالمه فإني محاربة

إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه * وأقص الذي تسرى إليَّ عقاربه

فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى * على ما أرى والدهر جمٌ عجائبه

وعن الشافعي أنه قال‏‏ قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه‏‏ هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئاً‏؟‏ فسأله كما أمره، فقال‏‏ والله ما أحب أن لي لبنان أو سبير ذهباً أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله في الطاعة، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 فصل فيما رُوي عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة

قال أبو داود‏‏ ثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال‏‏ سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول‏‏ اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً، وما عذيري من عبد هذيل يزعم أن قرآنه من عند الله، والله ما هي الأرجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على بنيه صلى الله عليه وسلم، وعذيري من هذه الحمراء، يزعم أحدهم يرمي بالحجر فيقول لي‏‏ إن تقع الحجر حدث أمر، فوالله لأدعنهم كالأمس الدابر‏.‏

‏‏ ‏‏

قال‏‏ فذكرته للأعمش فقال‏‏ وأنا والله سمعته منه‏.‏

وروراه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش، أنهما سمعا الحجاج - قبحه الله - يقول ذلك، وفيه‏‏ والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحداً يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير‏.‏

وروراه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه، وفي بعض الروايات‏‏ والله لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه‏.‏

وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله، وإقدامه على الكلام السيئ، والدماء الحرام‏.‏

وإنما نقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه، والله أعلم‏.‏

وقال علي بن عبد الله بن مبشر، عن عباس الدوري، عن مسلم بن إبراهيم، ثنا الصلت بن دينار، سمعت الحجاج على منبر واسط يقول‏‏ عبد الله بن مسعود رأس المنافقين لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه‏.‏

قال وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية‏‏ ‏{‏وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏}‏ ‏[‏ص‏‏ ‏]‏ قال‏‏ والله إن كان سليمان لحسوداً‏.‏

وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر قبحه الله وأخزاه وأبعده وأقصاه‏.‏

قال أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال‏‏ جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال‏‏ إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر وغضب وقال‏‏ ويحك، انظر ما تقول قال ما جئتك إلا بالحق، قال‏‏ من هو‏؟‏ قال‏‏ عبد الله بن مسعود‏.‏ قال‏‏ ما أعلم أحداً أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك‏.‏ إنا سهرنا ليلة في بيت عند أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ فقام النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه، فقلت‏‏ يا رسول الله أعتمت فغمزني بيده - يعني اسكت - قال‏‏ فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏‏ سل تعطه ثم قال‏‏ من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد فعلمت أنا وصاحبي أنه عبد الله بن مسعود، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره فقال‏‏ سبقك بها أبو بكر وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه‏‏‏‏ وهذا الحديث قد روي من طرق‏‏

فرواه حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، عن عمر مثله، ورواه شعبة وزهير وخديج، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله‏.‏

ورواه عاصم، عن عبد الله‏.‏

ورواه الثوري وزائدة، عن الأعمش نحوه‏.‏

وقال أبو داود‏‏ حدثنا عمر بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن حمير بن مالك، قال‏‏ سمعت عبد الله بن مسعود يقول‏‏ ‏‏‏‏أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زبد بن ثابت لصبي مع الصبيان، فأنا لا أدع ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقد رواه الثوري، وإسرافيل، عن أبي إسحاق به، وفي رواية ذكرها الطبراني، عنه، قال‏‏ ‏‏‏‏لقد تلقيت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت، وله ذؤابة يلعب مع الغلمان‏‏‏‏‏.‏

وقد روى أبو داود، عنه وذكر قصة رعيه الغنم لعقبة بن أبي معيط، وأنه قال‏‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏إنك غلام معلم، قال‏‏ فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد‏‏‏‏‏.‏

ورواه أبو أيوب الإفريقي وأبو عوانة، عن عاصم، عن زر، عنه، نحوه‏.‏ وقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏إذ نك أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك‏‏‏‏‏.‏ وقد روي هذا عنه من طرق‏.‏

وروى الطبراني، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواد والسواك والنعلين‏.‏

وروى غيره، عن علقمة، قال‏‏ قدمت الشام فجلست إلى أبي الدرداء فقال لي‏‏ ممن أنت‏؟‏ فقلت‏‏ من أهل الكوفة، فقال‏‏ أليس فيكم صاحب الوساد والسواك‏؟‏

وقال الحارث بن أبي أسامة‏‏ حدثنا عبد العزيز بن أبان، حدثنا قطر بن خليفة، حدثنا أبو وائل، قال‏‏ سمعت حذيفة يقول وابن مسعود قائم‏‏ لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أقربهم وسيلة يوم القيامة‏.‏

وقد روي هذا عن حذيفة، من طرق فرواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة، ورواه عن أبي وائل، فاضل الأحدب وجامع بن أبي راشد، وعبيدة وأبو سنان الشيباني، وحكيم بن جبير، ورواه عبد الرحمن بن يزيد، عن حذيفة‏.‏

وقال أبو داود الطيالسي‏‏ حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال‏‏ سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول‏‏ قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب الهدى والسمت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نلزمه، فقال‏‏ ما أعلم أحداً أقرب هدياً وسمتاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة‏.‏

قلت‏‏ فهذا حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قوله في عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏.‏ فكذب الحجاج وفجر، ولقم النار والحجر فيما يقوله فيه، وفي رميه له بالنفاق، وفي قوله عن قراءته‏‏ إنها شعر من شعر هذيل، وإنه لا بد أن يحكها من المصحف ولو بضلع خنزير، وأنه لو أدركه لضرب عنقه، فحصل على إثم ذلك كله بنيته الخبيثة‏.‏

وقال عفان‏‏ حدثنا حماد، حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال‏‏ كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكاً من أراك، فكانت الريح تكفوه، وكان في ساقه دقة، فضحك القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏ما يضحككم ‏؟‏‏‏‏‏ قالوا‏‏ من دقة ساقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد‏‏‏‏‏.‏

ورواه جرير وعلي بن عاصم، عن مغيرة، عن أم موسى، عن علي بن أبي طالب‏.‏

وروى سلمة بن سهل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ ‏‏‏‏تمسكوا بعهد عبد الله بن أم مسعود‏‏‏‏‏.‏

ورواه الترمذي والطبراني‏.‏

وقال الإمام أحمد‏‏ حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق‏.‏ قال‏‏ سمعت أبا الأحوص قال‏‏ شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين توفي ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه‏‏ أتراه ترك بعده مثله‏.‏ قال إن قلت ذاك إنه كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا‏.‏

وقال الأعمش‏‏ يعني عبد الله بن مسعود‏.‏

‏‏ ‏‏ وقال أبو معاوية‏‏ حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، قال‏‏ أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم وعمر جالس فقال‏‏ كيف ملء فقهاً‏.‏

وقال عمر بن حفص‏‏ حدثنا عاصم بن علي، حدثنا المسعودي، عن أبي حصين، عن أبي عطية، أن أبا موسى الأشعري قال‏‏ لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - يعني ابن مسعود -‏.‏

وروى جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن عروة، عن أبي البختري، قال‏‏ قالوا لعلي‏‏ حدثنا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال‏‏ عن أيهم‏؟‏ قالوا‏‏ حدثنا عن ابن مسعود‏.‏ قال‏‏ علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علماً‏.‏

وفي رواية عن علي، قال‏‏ علم القرآن ثم وقف عنده وكفى به‏.‏ فهداتنا و الصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع وأصدق أقوالاً من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، بل أقوال الحجاج وغيره من أهل الأهواء‏‏ هذيانات وكذب وافتراء، وبعضها كفر وزندقة، فإن الحجاج كان عثمانياً أموياً، يميل إليهم ميلاً عظيماً، ويرى أن خلافهم كفر، يستحل بذلك الدماء، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم‏.‏

ومن الطامات أيضاً ما رواه أبو داود‏‏ ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ثنا جرير‏.‏ وحدثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن المغيرة، عن بُزَيع بن خالد الضبي قال‏‏ سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته‏‏ رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله‏؟‏ فقلت في نفسي‏‏ لله علي أن لا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنك معهم‏.‏ زاد إسحاق فقاتل في الجماجم حتى قتل‏.‏ فإن صح هذا عنه فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول‏.‏

وقال الأصمعي‏‏ ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا أبو حفص الثقفي، قال‏‏ خطب الحجاج يوماً فأقبل عن يمينه فقال‏‏ ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال‏‏ إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال‏‏ ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مراراً ثم قال‏‏ كافر يا أهل العراق باللات والعزى‏.‏

وقال حنبل بن إسحاق‏‏ ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة، ثنا ابن شوذب، عن مالك بن دينار، قال‏‏ بينما الحجاج يخطبنا يوماً إذ قال‏‏ الحجاج كافر، قلنا ماله أي شيء‏؟‏ يريد قال‏‏ الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء‏.‏

وقال الأصمعي‏‏ قال عبد الملك يوماً للحجاج‏‏ ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فصف عيب نفسك‏.‏ فقال‏‏ اعفني يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال‏‏ أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك‏‏ ما في الشيطان شر مما ذكرت، وفي رواية أنه قال‏‏ إذا بينك وبين إبليس نسب‏.‏

وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة، وخذلانهم لهم، وعصيانهم، ومخالفتهم، والافتيات عليهم، قال يعقوب بن سفيان‏‏ حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد، عمن حدثه، قال‏‏ جاء رجل إلى عمر ابن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون‏‏ سبحان الله سبحان الله، فلما سلم أقبل على الناس فقال‏‏ من ههنا من أهل الشام‏؟‏ فقام رجل ثم قام آخر ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً، فقال‏‏ يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم‏.‏

‏‏ ‏‏ وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب، من طريق أبي عذبة الحمصي، عن عمر مثله، وقال عبد الرزاق‏‏ ثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال علي بن أبي طالب‏‏ اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني، فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية‏.‏

قال يقول الحسن‏‏ وما خلق الحجاج يومئذ‏.‏

ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أيوب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن علي، أنه قال‏‏ الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته‏.‏

وقال الحافظ البيهقي في دلائل النبوة‏‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، قال‏‏ قال علي لرجل‏‏ لامت حتى تدرك فتى ثقيف، قال‏‏ وما فتى ثقيف‏؟‏ قال‏‏ ليقالن له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعاً وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لم يبق إلا معصية واحدة، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه‏.‏

وقال الطبراني‏‏ حدثنا القاسم بن زكريا، ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي، ثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي، عن أم حكيم بنت عمر بن سنان الجدلية قالت‏‏ استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج علي فقال‏‏ مالك وله يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لا قشعرت شعيرات أستك، قيل له‏‏ يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف‏؟‏ قال‏‏ غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلاً، قيل‏‏ كم يملك‏؟‏ قال‏‏ عشرين إن بلغ‏.‏

وقال البيهقي، أنبأنا الحاكم، أنبأ الحسن بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي، ثنا ابن يحيى الغاني، قال‏‏ قال عمر بن عبد العزيز‏‏ لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال أبو بكر بن عياش‏‏ عن عاصم بن أبي النجود، أنه قال‏‏ ما بقيت لله عز وجل حرمه إلا وقد ارتكبها الحجاج‏.‏

وقد تقدم الحديث‏‏ ‏‏‏‏إن في ثقيف كذاباً ومبيراً‏‏‏‏ وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرفض أولاً ويبطن الكفر المحض، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبياً يبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جباراً عنيداً، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة‏.‏

وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جداً لوجوه، وربما حرفوا عليه بعض الكلم، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات‏.‏

وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعاً في سفك الدماء، فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها‏.‏

قلت‏‏ الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل، وقد كان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيراً، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم، والله أعلم‏.‏

وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرار البغدادي‏‏ ثنا محمد بن القاسم الأنباري ، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبيد، ثنا هشام أبو محمد بن السائب الكلبي، ثنا عوانة بن الحكم الكلبي قال‏‏ دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له‏‏ إيه إيه يا أنيس يوم لك مع علي، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشاة، ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة‏.‏ فقال أنس‏‏ إياي يعني الأمير أصلحه الله‏؟‏ قال‏‏ إياك أعني صك الله سمعك‏.‏

قال أنس‏‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت، ولا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضباً، وشفق عجباً، وتعاظم ذلك من الحجاج، وكان كتاب أنس إلى عبد الملك‏‏

بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مرروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد‏‏ فإن الحجاج قال لي هُجراً، وأسمعني نكراً، ولم أكن لذلك أهلاً، فخذلي على يديه، فإني أمت بخدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏ ‏‏ ‏‏

فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقاً للحجاج - فقال له‏‏ دونك كتابي هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فارفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام، وقل له‏‏ يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتاباً إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك‏‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏‏ من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إلى بذلك أنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي، والسلام‏.‏

فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال‏‏ جزى الله أمير المؤمنين عني خيراً، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه‏.‏ فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس‏‏ يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنى، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه وداره تعش معه بخير وسلام‏.‏ فقال أنس‏‏ أفعل إن شاء الله‏.‏ ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج‏‏ مرحباً برجل أحبه وكنت أحب لقاه، فقال إسماعيل‏‏ أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغير لون الحجاج وخاف وقال‏‏ ما أتيتني به‏؟‏ قال‏‏ فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضباً عليك، ومنك بعداً، قال‏‏ فاستوى الحجاج جالساً مرعوباً، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضَّه قال‏‏ قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضّاه، فقال له إسماعيل‏‏ لا تعجل، فقال‏‏ كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة‏؟‏ وكان في الطومار‏‏

بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية إدَّا، وأردت أن تبدوا لي فإن سوغتكها مضيت قدماً، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى، فلعنك الله من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين‏.‏ أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرية بعجم الزبيب، والله لأغمرنك غمر الليث الثعلب، والصقر الأرنب‏.‏ وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبن أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب عز وجل، واستخفافاً منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلاً خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظمته وشرفته وأكرمته وأحبته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين، يطلعه على سره، ويشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم بكل حتف قاض، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون‏.‏

وقد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة، والله أعلم‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال الإمام أحمد‏‏ ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الزبير - يعني ابن عدي - قال‏‏ أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال‏‏ اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم عز وجل، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف، عن سفيان وهو الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس قال‏‏ لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه‏.‏ الحديث‏.‏

قلت‏‏ ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول‏‏ كل عام ترذلون‏.‏ وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، والله أعلم‏.‏

قلت‏‏ قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعاً وموقوفاً‏‏ كل يوم ترذلون‏.‏

ورأيت للإمام أحمد كلاماً قال فيه‏‏ وروي في الحديث كل يوم ترذلون نسماً خبيثاً‏.‏

فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعاً، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل‏.‏

وقد روي عن الحسن مثل ذلك، والله أعلم‏.‏

فدل على أن له أصلاً إما مرفوعاً وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولا سيما من بعد فتنة تمرلناك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شيء، وهذا ظاهر لمن تأمله، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

وقد قال سفيان الثوري‏‏ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال‏‏ يأتي على الناس زمان يصلّون فيه على الحجاج‏.‏

وقال أبو نعيم‏‏ عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر‏.‏ قال‏‏ قال الشعبي‏‏ والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج‏.‏

وقال الأصمعي‏‏ قيل للحسن‏‏ إنك تقول‏‏ الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج‏.‏ فقال الحسن‏‏ لا بد للناس من تنفيسات‏.‏

وقال ميمون بن مهران‏‏ بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به، فلما قام بين يديه قال‏‏ يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب‏؟‏ قال‏‏ كثير، قال‏‏ فأين هم‏؟‏ قال‏‏ ماتوا‏.‏ قال‏‏ فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن‏.‏

وقال أيوب السختياني‏‏ إن الحجاج أراد قتل الحسن مراراً فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك، وإنما خرج معهم مكرهاً كما قدمنا، وكان الحسن يقول‏‏ إنما هو نقمة فلا نقابل نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال ابن دريد‏‏ عن الحسن بن الحضر، عن ابن عائشة‏.‏ قال‏‏ أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج، فقيل له‏‏ ما تقول في أبي بكر وعمر‏؟‏ فأثنى خيراً، قال‏‏ فعثمان‏؟‏ فأثنى خيراً، قيل له‏‏ فما تقول في علي‏؟‏ فأثنى خيراً، فذكر له الخلفاء واحداً بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه، حتى قيل له‏‏ فما تقول في عبد الملك بن مروان‏؟‏ فقال‏‏ الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه‏؟‏

وقال الأصمعي‏‏ عن علي بن مسلم الباهلي، قال‏‏ أتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاماً، فقال لها بعض الشرط‏‏ يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه‏؟‏ فقالت‏‏ إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت‏.‏

وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة‏.‏

وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة‏‏ ثنا أبو ظفر، ثنا جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن قتادة، قال‏‏ قيل لسعيد بن جبير‏‏ خرجت على الحجاج‏؟‏ قال‏‏ إني والله ما خرجت عليه حتى كفر‏.‏

ويقال‏‏ إنه لم يقتل بعده إلا رجلاً واحداً اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقاً كثيراً، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث‏.‏

وقال أبو عيسى الترمذي‏‏ ثنا أبو داود سليمان بن مسلم البلخي، ثنا النضر بن شميل، عن هشام بن حسان، قال‏‏ أحصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً‏.‏

قال الأصمعي‏‏ ثنا أبو عاصم، عن عباد بن كثير، عن قحدم، قال‏‏ أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحداً وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل‏‏ إنه لبث في سجنه ثمانون ألفاً، منهم ثلاثون ألف امرأة، وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق فأنشأ يقول‏‏

إذا نحن جاوزنا مدينة واسط * خرينا وصلينا بغير حساب

وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر‏.‏

قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي‏‏ ثنا سليمان بن أبي سنح، ثنا صالح بن سليمان، قال‏‏ قال عمر بن عبد العزيز‏‏ لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخسَّ به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلى عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إلي ما أدى إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف‏.‏

وقال أبو بكر بن المقري‏‏ ثنا أبو عروبة، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبي، سمعت جدي، قال‏‏ كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة‏‏ بلغني أنك تستن بسنن الحجاج، فلا تستن بسننه، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع‏.‏

‏‏ ‏‏

وقال يعقوب بن سفيان‏‏ ثنا سعيد بن أسد، ثنا ضمرة، عن الريان بن مسلم‏.‏ قال‏‏ بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه‏‏ أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شر بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام‏.‏ وإنما نفاهم‏.‏

وقال الأوزاعي‏‏ سمعت القاسم بن مخيمرة، يقول‏‏ كان الحجاج ينقض عرى الإسلام، وذكر حكاية‏.‏

وقال أبو بكر بن عياش‏‏ عن عاصم‏‏ لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحجاج بن يوسف‏.‏

وقال يحيى بن عيسى الرملي‏‏ عن الأعمش‏‏ اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهداً فقال‏‏ تسألون عن الشيخ الكافر‏.‏

وروى ابن عساكر، عن الشعبي، أنه قال‏‏ الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم، كذا قال، والله أعلم‏.‏

وقال الثوري‏‏ عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال‏‏ عجباً لإخواننا من أهل العراق، يسمون الحجاج مؤمناً ‏؟‏‏!‏

وقال الثوري‏‏ عن ابن عوف، سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج‏‏ أتشهد أنه من أهل النار‏؟‏ قال‏‏ أتأمروني أن أشهد على الله العظيم‏؟‏

وقال الثوري‏‏ عن منصور‏‏ سألت إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة فقال‏‏ أليس الله يقول‏‏ ‏{‏أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏} ‏[‏هود‏‏ ‏]‏‏.‏

وبه قال إبراهيم‏‏ وكفى بالرجل عمىً أن يعمى عن أمر الحجاج‏.‏

وقال سلام بن أبي مطيع‏‏ لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضاً‏.‏

وقال الزبير‏‏ سببت الحجاج يوماً عند أبي وائل فقال‏‏ لا تسبه لعله قال يوماً‏‏ اللهم ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول‏‏ أرأيت أرأيت أرأيت‏.‏

وقال عوف‏‏ ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال‏‏ مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله عز وجل فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئاً له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه، فقيل له‏‏ ما القلب السليم‏؟‏ قال‏‏ أن يعلم الله تعالى منه الحياء والإيمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور‏.‏

وقال أبو قاسم البغوي‏‏ ثنا أبو سعيد، ثنا أبو أسامة، قال‏‏ قال رجل لسفيان الثوري‏‏ أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم الخراساني أنهما في النار‏؟‏ قال‏‏ لا ‏!‏ إن أقرَّا بالتوحيد‏.‏

وقال الرياشي‏‏ حدثنا عباس الأزرق، عن السري بن يحيى، قال‏‏ مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة، فقال‏‏ ما هذا‏؟‏ فقيل‏‏ أهل السجون يقولون‏‏ قتلنا الحر، فقال‏‏ قولوا لهم‏‏ اخسؤوا فيها ولا تكلمون‏.‏ قال‏‏ فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه الله قاصم كل جبار‏.‏

وقال بعضهم‏‏ رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال الأصمعي‏‏ لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته، فقال في خطبته‏‏ إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم فقالوا‏‏ مات الحجاج، ومات الحجاج، فمَهْ ‏؟‏‏!‏ فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت‏؟‏ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس‏.‏

قال الله له‏‏ ‏{‏إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏‏ ‏]‏، فأنظره إلى يوم الدين‏.‏

ولقد دعا الله العبد الصالح فقال‏‏ ‏{‏وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي‏}‏ ‏[‏ص‏‏ ‏]‏، فأعطاه الله ذلك إلا البقاء‏.‏

ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال‏‏ ‏{‏تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏‏ ‏]‏، فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل‏.‏

كأني والله بكل حي منكم ميتاً، وبكل رطب يابساً، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع طولاً، في ذراع عرضاً، فأكلت الأرض لحمه، ومصت صديده، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل‏.‏

وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني‏‏ عن أبيه، عن جده، عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال‏‏ ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن، وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة‏‏ اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا‏‏ حدثنا علي بن الجعد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر‏.‏ قال‏‏ كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت‏‏ اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل‏.‏

قال‏‏ وحدثني بعض أهل العلم قال‏‏ قيل للحسن‏‏ إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا، قال‏‏ قالها‏؟‏ قالوا‏‏ نعم ‏!‏ قال‏‏ فما عسى‏.‏

وقال أبو العباس المري، عن الرياشي، عن الأصمعي، قال‏‏ لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول‏‏

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا * بأنني رجل من ساكني النار

أيحلفون على عمياء ويحهم * ما علمهم بعظيم العفو غفار

قال‏‏ فأخبر بذلك الحسن، فقال‏‏ بالله إن نجا لينجون بهما‏.‏

وزاد بعضهم في ذلك‏‏

إن الموالي إذا شابت عبيدهم * في رقهم عتقوهم عتق أبرار

وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً * قد شبت في الرق فاعتقني من النار

وقال ابن أبي الدنيا‏‏ ثنا أحمد بن عبد الله التيمي، قال‏‏ لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته، حتى أشرفت جارية فبكت، فقالت‏‏ ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول‏‏

اليوم يرحمنا من كان يبغضنا * واليوم يأمننا من كان يخشانا ‏‏ ‏‏

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، أنه أخبر بموت الحجاج مراراً، فلما تحقق وفاته قال‏‏ ‏{‏فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏‏ ‏]‏‏.‏

وروى غير واحد‏‏ أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكراً لله تعالى، وكان مختفياً فظهر، وقال‏‏ اللهم أمتَّه فأذهب عنا سنته‏.‏

وقال حماد بن أبي سليمان‏‏ لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة‏‏ ثنا سليمان بن أبي شيخ، ثنا صالح بن سليمان، قال‏‏ قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن‏‏ يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحاً، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان‏.‏

وقيل‏‏ كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل‏‏ في شوال من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمساً وخمسين سنة، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل‏‏ بعدها بسنة، وقيل‏‏ قبلها بسنة‏.‏

مات بواسط، وعفى قبره، وأجرى عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق، والله أعلم‏.‏

وقال الأصمعي‏‏ ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم‏.‏

وقال الواقدي‏‏ ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق، ثنا عمي، قال‏‏ زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم، ومصحفاً وسيفاً وسرجاً ورحلاً ومائة درع موقوفة‏.‏

وقال شهاب بن خراش‏‏ حدثني عمي يزيد بن حوشب قال‏‏ بعث إلى أبو جعفر المنصور، فقال‏‏ حدثني بوصية الحجاج بن يوسف، فقال‏‏ اعفني يا أمير المؤمنين، فقال‏‏ حدثني بها، فقلت‏‏ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمائة درع حديد، ستمائة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمائة للترك‏.‏ قال‏‏ فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائماً على رأسه - فقال‏‏ هذه والله الشيعة لا شيعتكم‏.‏

وقال الأصمعي، عن أبيه، قال‏‏ رأيت الحجاج في المنام، فقلت‏‏ ما فعل الله بك‏؟‏ فقال‏‏ قتلني بكل قتلة قتلت بها إنساناً، قال‏‏ ثم رأيته بعد الحول، فقلت‏‏ يا أبا محمد ما صنع الله بك‏؟‏ فقال‏‏ يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول‏؟‏

وقال القاضي أبو يوسف‏‏ كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال‏‏ يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال‏‏ في أي زي رأيته‏؟‏ قال‏‏ في زي قبيح، فقلت‏‏ ما فعل الله بك‏؟‏ فقال‏‏ ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه ‏!‏ فقال هارون‏‏ صدق والله، أنت رأيت الحجاج حقاً، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حياً وميتاً‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقال حنبل بن إسحاق‏‏ ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة بن أبي شوذب، عن أشعث الخراز‏.‏ قال‏‏ رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة، فقلت‏‏ يا أبا محمد ما صنع بك ربك‏؟‏ قال‏‏ ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني بها‏.‏ قال‏‏ ثم أمر بي إلى النار، قلت‏‏ ثم مه‏؟‏ قال‏‏ ثم أرجو ما يرجوا أهل لا إله إلا الله‏.‏

قال‏‏ وكان ابن سيرين يقول‏‏ إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال‏‏ أما والله ليخلفن الله رجاءه فيه‏.‏

وقال أحمد بن أبي الحواري‏‏ سمعت أبا سليمان الداراني يقول‏‏ كان الحسن البصري لا يجلس مجلساً إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال‏‏ فرآه في منامه، فقال له‏‏ أنت الحجاج‏؟‏ قال‏‏ أنا الحجاج، قال‏‏ ما فعل الله بك‏؟‏ قال‏‏ قتلت بكل قتيل قتلته، ثم عزلت مع الموحدين‏.‏ قال‏‏ فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه، والله أعلم‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا‏‏ حدثنا حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، أنبأ ابن المبارك، أنبأنا سفيان‏.‏ قال‏‏ قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافداً ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحجاج فقال‏‏ إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله عز وجل، فنظر إليه الحجاج فقال له عبد الملك‏‏ لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏‏

 إبراهيم بن يزيد النخعي

قال‏‏ كنا إذا حضرنا جنازة، أو سمعنا بميت عرف ذلك فينا أياماً، لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم تتحدثون في جنائزكم بأحاديث دنياكم‏.‏

وقال‏‏ لا يستقيم رأي إلا بروية، ولا روية إلا برأي‏.‏

وقال‏‏ إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه‏.‏

وقال‏‏ إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أبتلى به‏.‏

وبكى عند موته فقيل له‏‏ ما يبكيك‏؟‏ فقال‏‏ انتظار ملك الموت، ما أدري يبشرني بجنة أو بنار‏.‏

الحسن بن محمد بن الحنفية

كنيته‏‏ أبو محمد، كان المقدم على إخوته، وكان عالماً فقيهاً عارفاً بالاختلاف والفقه‏.‏

قال أيوب السختياني وغيره‏‏ كان أول من تكلم في الأرجاء، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها‏.‏

وقال غيرهم‏‏ كان يتوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم ولا ويذمهم، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه، وقال‏‏ ويحك ألا تتولى أباك علياً‏؟‏

وقال أبو عبيد‏‏ توفي سنة خمس وتسعين، وقال خليفة‏‏ توفي في أيام عمر بن عبد العزيز، والله أعلم‏.‏

حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري

وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وكان حميد فقيهاً نبيلاً عالماً، له روايات كثيرة‏.‏ ‏‏ ‏‏

 مطرف بن عبد الله بن الشخير

تقدمت ترجمته، وهؤلاء كلهم لهم تراجم في كتاب التكميل‏.‏

وفيها كان موت الحجاج بواسط كما تقدم ذلك مبسوطاً مستقصى ولله الحمد‏.‏

وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول علي بن المدائني وجماعة، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير وغير واحد، والله أعلم‏.‏

ثم دخلت سنة ست وتسعين

وفيها فتح قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى كاشغر من أرض الصين، وبعث إلى ملك الصين رسلاً يتهدده ويتوعده ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية منهم أو يدخلوا في الإسلام‏.‏

فدخل الرسل على الملك الأعظم فيهم، وهو في مدينة عظيمة، يقال‏‏ إن عليها تسعين باباً في سورها المحيط بها يقال لها‏‏ خان بالق، من أعظم المدن وأكثرها ريعاً ومعاملات وأموالاً، حتى قيل‏‏ إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين، لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج، لقهره وكثرة جنده وعدده‏.‏

والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة حصينة، ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاء، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة، بقدر مدينة كبيرة، فقال لهم ملك الصين‏‏ ما أنتم‏؟‏ - وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة - فقال الملك لترجمانه‏‏ قل لهم‏‏ ما أنتم وما تريدون‏؟‏ فقالوا‏‏ نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الإسلام، فإن لم تفعل فالجزية، فإن لم تفعل فالحرب‏.‏

فغضب الملك وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم‏‏ كيف تكونون في عبادة إلهكم‏؟‏ فصلوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم‏.‏ فقال‏‏ كيف تكونون في بيوتكم‏؟‏ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال‏‏ كيف تدخلون على ملوككم‏؟‏ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك، فقال لهم‏‏ ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه‏‏ كيف رأيتم هؤلاء‏؟‏ فقالوا‏‏ هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك‏.‏ ‏‏ ‏‏

فلما كان اليوم الثالث‏‏ أرسل إليهم فقال لهم‏‏ كيف تلقون عدوكم‏؟‏ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبيض وتقلدوا السيوف ونكبوا القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمرين، فقيل لهم‏‏ ارجعوا - وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم، واختلجوا رماحهم، ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه‏‏ كيف ترونهم‏؟‏ فقالوا‏‏ ما رأينا كهؤلاء قط‏.‏

فلما أمسوا بعث إليهم الملك‏‏ أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم، فبعثوا إليه هبيرة، فقال له الملك حين دخل عليه‏‏ قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي، وأنا سائلك عن أمر فإن تصدقني وإلا قتلتك، فقال‏‏ سل ‏!‏ فقال الملك‏‏ لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث‏؟‏ فقال‏‏ أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم، وأما ما فعلنا ثاني يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا‏.‏

فقال الملك‏‏ ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم - يعني قتيبة - وقولوا له‏‏ ينصرف راجعاً عن بلادي، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم‏.‏

فقال له هبيرة‏‏ تقول لقتيبة هذا ‏؟‏‏!‏ فكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون‏؟‏ وكيف يكون حريصاً من خلف الدنيا قادراً عليها، وغزاك في بلادك‏؟‏ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلاً إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه‏.‏

فقال الملك‏‏ فما الذي يرضي صاحبكم‏؟‏ فقال‏‏ قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك ويختم ملوكك ويجبي الجزية من بلادك، فقال أنا أبر يمينه وأخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضي، وأربع غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهباً كثيراً وحريراً وثياباً صينيةً لا تقوم ولا يدرى قدرها، ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال على أن بعث صحافاً من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبر بيمين قتيبة‏.‏

وقيل‏‏ إنه بعث أربعمائة من أولاده وأولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، فانكسرت همته لذلك، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك، وأراد الدعوة إلى نفسه لما تحت يده من العساكر، ولما فتح من البلاد والأقاليم فلم يمكنه ذلك، ثم قتل في آخر هذه السنة رحمه الله تعالى‏.‏

فإنه يقال‏‏ إنه ما كسرت له راية، وكان من المجاهدين في سبيل الله، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره‏.‏

وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة، وغزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس والمرزبانين من بلاد الروم‏.‏

‏‏ ‏‏

وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى وجزاه خيراً، وكان أصل موضع هذا الجامع قديماً معبداً بنته اليونان الكلدانيون الذين كانوا يعمرون دمشق، وهم الذين وضعوها وعمروها أولاً، فهم أول من بناها، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة، وهي القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في السماء الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة‏.‏

وقد كانوا صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلاً لكوكب من هذه الكواكب السبعة، وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصداً لذلك، فنصبوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل، وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة‏.‏

وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد، وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها، وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين، وصرفوه أنهاراً تجري من الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وسلكوا الماء في أفناء أبنية الدور بدمشق، فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن، بل هي أحسنها، لما فيها من التصاريف العجيبة‏.‏

وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جهة القطب، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وكانت محاريبهم إلى جهته، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة، خلف المحراب اليوم، كما شاهدنا ذلك عياناً ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب، ورأينا الباب وهو باب حسن مبني بحجارة منقوشة، وعليه كتاب بخطهم، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه، وكان غربي المعبد قصر منيف جداً تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد، وشرقي المعبد قصر جيرون الملك، الذي كان ملكهم، وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديماً منهم‏.‏ ‏‏ ‏‏

ويقال‏‏ إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف، بحجارة كبار منحوتة، وهن‏‏ دار المطبق، ودار الخيل، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية‏.‏

قال ابن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل‏‏ إن اليونان مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة، وقد حفروا أساس الجدران حتى واتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبداً ولا تخلو منه العبادة، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة‏.‏

قلت‏‏ أما المعبد فلم يخل من العبادة‏.‏ قال كعب الأحبار‏‏ لا يخلو منها حتى تقوم الساعة، وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره، فبادت وصارت مساكن ضعفاء الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا‏.‏

والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مدداً طويلةً، تزيد على أربعة آلاف سنة، حتى أنه يقال‏‏ إن أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود عليه الصلاة والسلام، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة، وقد ورد إبراهيم الخليل دمشق ونزل شمالها عند برزة، وقاتل هناك قوماً من أعدائه فظفر بهم، ونصره الله عليهم، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة يأثرونه كابراً عن كابر وإلى زماننا، والله أعلم‏.‏

وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان، وكانوا خلقاً لا يحصيهم إلا الله، وهم خصماء الخليل، وقد ناظرهم الخليل في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع، كما قررنا ذلك في التفسير، وفي قصة الخليل من كتابنا هذا البداية والنهاية، ولله الحمد وبالله المستعان‏.‏

والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبك وغيرها، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمائة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين، الذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم وهي القسطنطينية، وهو الذي وضع لهم القوانين، وقد كان أولاً هو وقومه وغالب أهل الأرض يوناناً، ووضعت له بطاركته النصارى ديناً مخترعاً مركباً من أصل دين النصرانية، ممزوجاً بشيء من عبادة الأوثان، وصلوا به إلى الشرق، وزادوا في الصيام، وأحلوا الخنزير، وعلموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة، وجناية كثيرة حقيرة، وهي مع ذلك في الحجم صغيرة‏.‏ وقد تكلمنا على ذلك فيما سلف وبيناه‏.‏

فبنى لهم هذا الملك الذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى، كنائس كبيرة في دمشق وفي غيرها، حتى يقال‏‏ إنه بنى اثنتي عشرة ألف كنيسة، وأوقف عليها أوقافاً دارَّة، من ذلك كنيسة بيت لحم، وقمامة في القدس، بنتها أم هيلانة الغندقانية، وغير ذلك‏.‏

‏‏ ‏‏

والمقصود أنهم - يعني النصارى - حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظماً عند اليونان فجعلوه كنيسة يوحنا، وبنوا بدمشق كنائس كثيرة غيرها مستأنفة، واستمر النصارى على دينهم بدمشق وغيرها نحواً من ثلاثمائة سنة، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان من شأنه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة من هذا الكتاب، وقد بعث إلى ملك الروم في زمانه - وهو قيصر ذلك الوقت - واسمه هرقل يدعوه إلى الله عز وجل، وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبي سفيان ما تقدم، ثم بعث أمراءه الثلاثة‏‏ زيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، إلى البلقاء من تخوم الشام، فبعث الروم إليهم جيشاً كبيراً فقتلوا هؤلاء الأمراء وجماعة ممن معهم من الجيش، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر، وضعف الحال، وضيقه على الناس‏.‏

ثم لما توفي بعث الصديق الجيوش إلى الشام بكمالها، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها، فلما استقرت اليد الإسلامية عليها وأنزل الله رحمته فيها، وساق بره إليها، وكتب أمير الحرب أبو عبيدة إذ ذاك، وقيل‏‏ خالد بن الوليد، لأهل دمشق كتاب أمان، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة، وكان على باب الجابية الصلح، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحاً ونصفه عنوة، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجداً يصلي فيه المسلمون، وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه، التي يقال لها‏‏ محراب الصحابة‏.‏

ولكن لم يكن الجدار مفتوحاً بمحراب محنى، وإنما كانوا يصلون عند هذه البقعة المباركة، والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي، قلت‏‏ هذه المحاريب متجددة ليست من فتق الوليد، وإنما فتق الوليد محراباً واحداً، إن كان قد فعل، ولعله لم يفعل شيئاً منها، فكان يصلي فيه الخليفة، وبقيتها فتقت قريباً، لكل إمام محراب، شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي، وهؤلاء إنما حدثوا بعد الوليد بزمان‏.‏

وقد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب، وجعلوه من البدع المحدثة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد، وهو باب المعبد الأعلى من جهة القبلة، مكان المحراب الكبير الذي في المقصورة اليوم، فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم، إجلالاً للصحابة ومهابة وخوفاً‏.‏

وقد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، وبنى فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا‏.‏ ‏‏ ‏‏

ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من أمر هذه الكنيسة شطرين بين المسلمين والنصارى، من سنة أربع عشرة، إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها، وجعل الجميع مسجداً واحداً، وذلك لأن بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للإنجيل، ورفع أصواتهم في صلواتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا، فيصير كله معبداً للمسلمين، ويتسع المسجد لكثرة المسلمين‏.‏

فعند ذلك طلب النصارى وسأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان، ويعوضهم إقطاعات كثيرة، وعرضها عليهم، وأن يبقى بأيديهم أربع كنائس لم تدخل في العهد، وهي‏‏ كنيسة مريم، وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي، وكنيسة تل الجبن، وكنيسة حميد بن درة التي بدرب الصقل، فأبوا ذلك أشد الإباء‏.‏

فقال‏‏ ائتوني بعهودكم التي بأيديكم من زمن الصحابة، فأتوا بها فقرئت بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما - التي كانت خارج باب توما على حافة النهر - لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا، فقال الوليد‏‏ أنا أهدمها وأجعلها مسجداً، فقالوا‏‏ بل يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى ونطيب له نفساً ببقية هذه الكنيسة، فأقرهم على تلك الكنائس، وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة‏.‏

هذا قول، ويقال‏‏ إن الوليد لما أهمه ذلك وعرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله‏.‏ دخل عليه بعض الناس فأرشده إلى أن يقيس من باب شرقي ومن باب الجابية، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة وذلك أنهم قاسوا من باب شرقي ومن باب الجابية فوجدوا منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريباً، فإذا الكنيسة قد دخلت في العنوة، فأخذها‏.‏

وحكي عن المغيرة مولى الوليد قال‏‏ دخلت على الوليد فوجدته مهموماً، فقلت‏‏ مالك يا أمير المؤمنين مهموماً‏؟‏ فقال‏‏ إنه قد كثر المسلمون وقد ضاق بهم المسجد، فأحضرت النصارى وبذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا، فقال المغيرة‏‏ يا أمير المؤمنين عندي ما يزيل همك، قال‏‏ وما هو‏؟‏

قلت‏‏ الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من الباب شرقي بالسيف، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبي عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم، وفتحوا له باب الجابية، فدخل منه أبو عبيدة بالصلح، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه، وما بالصلح تركناه بأيديهم، وأرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة، فتدخل في المسجد‏.‏

فقال الوليد‏‏ فرجت عني، فتول أنت ذلك بنفسك، فتولاه المغيرة ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان فوجد السيف لم يزل عمالاً حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربع أذرع وكسر، فدخلت الكنيسة في المسجد، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم وقال‏‏ إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم‏.‏

فقالوا‏‏ إنك أولاً دفعت إلينا الأموال وأقطعتنا الاقطاعات فأبينا، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقى لنا هذه الكنائس الأربع بأيدينا، ونحن نترك له بقية هذه الكنيسة، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس، والله أعلم‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقيل‏‏ إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم عند باب الفراديس داخله فسموها مريحنا باسم تلك الكنيسة التي أخذت منهم، وأخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها، فالله أعلم‏.‏

ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم، واجتمع إليه الأمراء والكبراء، وجاء إليه أساقفة النصارى وقساوستهم، فقالوا‏‏ يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن، فقال الوليد‏‏ أنا أحب أن أجن في الله، و والله لا يهدم فيها أحد شيئاً قبلي، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وكانت صومعة هائلة فيها راهب عندهم، فأمره الوليد بالنزول منها، فأكبر الراهب ذلك، فأخذ الوليد بقفاه فلم يزل يدفعه حتى أنزله منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة، فوق المذبح الأكبر منها الذي يسمونه الشاهد، وهو تمثال في أعلى الكنيسة‏.‏

فقال له الرهبان‏‏ احذر الشاهد، فقال‏‏ أنا أول ما أضع فأسي في رأس الشاهد، ثم كبر وضربه فهدمه، وكان على الوليد قباء أصفر لونه سفرجلي قد غرز أذياله في المنطقة، ثم أخذ فأساً بيده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه، فتبادر الأمراء إلى الهدم، وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون، وكانوا قد اجتمعوا هنالك، فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رياح الغساني، أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك، ففعل ذلك، فهدم الوليد والأمراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح والأبينة والحنايا، حتى بقي المكان صرحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة، التي لم يشتهر مثلها قبلها كما سنذكره‏.‏

وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقاً كثيراً من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك، ويقال‏‏ إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعاً في الرخام وغير ذلك، ليستعين بهم على عمارة هذا المسجد على ما يريد، وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده، حتى كنيسة القدس، وهي قمامة، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم‏.‏

فبعث ملك الروم إليه صناعاً كثيرةً جداً، مائتي صانع، وكتب إليه يقول‏‏ إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمت أنت لوصمة عليه‏.‏ ‏‏ ‏‏

فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك، واجتمع الناس عنده لذلك، فكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال‏‏ أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله‏.‏ قال الوليد‏‏ وما هو ويحك‏؟‏ فقال‏‏ قال الله تعالى‏‏ ‏{‏فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏‏ ‏]‏ وسليمان هو ابن داود، ففهمه الله مالم يفهمه أبوه‏.‏ فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جواباً إلى ملك الروم‏.‏ وقد قال الفرزدق في ذلك‏‏

فرقت بين النصارى في كنائسهم * والعابدين مع الأسحار والعتم

وهم جميعاً إذا صلوا وأوجههم * شتى إذا سجدوا لله والصنم

وكيف يجتمع الناقوس يضربه * أهل الصليب مع القراء لم تنم

فهمت تحويلها عنهم كما فهما * إذ يحكمان لهم في الحرث والغنم

داود والملك المهدي إذ جزآ * ولادها واجتزاز الصوف بالجلم

فهمك الله تحويلاً لبيعتهم * عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم

ما من أب حملته الأرض نعلمه * خير بنين ولا خير من الحكم

قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي‏‏ بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد، وزاد في سمك الحيطان‏.‏

وقال الحسن بن يحيى الخشني‏‏ إن هوداً عليه السلام هو الذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق‏.‏

وقال غيره‏‏ لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات - وهي قبة النسر، وهو اسم حادث لها، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذباً زلالاً، ثم إنهم وضعوا فيه زيادة الكرم، وبنوا فوقها بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت، فقال الوليد لبعض المهندسين‏‏ أريد أن تبني لي أنت هذه القبة، فقال‏‏ على أن تعطيني عهد الله وميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل‏.‏

فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري، وغاب عنها سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهمَّ به الوليد فأخذه ومعه رؤوس الناس، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض، فقال له‏‏ من هذا أتيت، ثم بناها فانعقدت‏.‏

وقال بعضهم‏‏ أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا البناء، فقال له المعمار‏‏ إنك لا تقدر على ذلك، فضربه خمسين سوطاً، وقال له‏‏ ويلك ‏!‏ أنا لا أقدر على ذلك وتزعم أني أعجز عنه‏؟‏ وخراج الأرض وأموالها تجبى إلي‏؟‏ قال‏‏ نعم أنا أبين لك ذلك، قال‏‏ فبين ذلك، قال‏‏ اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما ضرب منه لبنة فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب، فقال‏‏ يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي من ذلك عملناه‏.‏

فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين ديناراً، وقال‏‏ إني لا أعجز عما قلت، ولكن فيه إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به، ولأن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله، ورداً على ضعفاء المسلمين خير من ذلك‏.‏ ‏‏ ‏‏

ثم عقدها على ما أشار به المعمار‏.‏ ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات، وباطنها مسطحاً مقرنصاً بالذهب، فقال له بعض أهله‏‏ أتعبت الناس بعدك في طين أسطحتهم، لما يريد هذا المسجد في كل عام من الطين الكثير - يشير إلى أن التراب يغلو والفعلة تقل لأجل العمل في هذا المسجد في كل عام - فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين، ويكون أخف على السقوف‏.‏

فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فقالت‏‏ لا أبيعه إلا بوزنه فضة، فكتبوا إلى الوليد فقال‏‏ اشتروه منها ولو بوزنه فضة، فلما بذلوا لها ذلك قالت‏‏ أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة لله يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع لله، ويقال‏‏ إنها كانت إسرائيلية، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها‏‏ هذا ما أعطته الإسرائيلية‏.‏

وقال محمد بن عائذ‏‏ سمعت المشايخ يقولون‏‏ ما تم بناء مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة، لقد كان يفضل عند الرجل من القوم أو الفعلة الفلس ورأس المسمار فيأتي به حتى يضعه في الخزانة‏.‏

وقال بعض مشايخ الدماشقة‏‏ ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس، والباقي كله مرمر‏.‏

وقال بعضهم‏‏ اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر، من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار‏.‏

وقال دحيم‏‏ عن الوليد بن مسلم، ثنا مروان بن جناح، عن أبيه، قال‏‏ كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم‏.‏

وقال أبو قصي‏‏ عن دحيم، عن الوليد بن مسلم، عن عمرو بن مهاجر الأنصاري‏‏ إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة التي في قبلي المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار‏.‏

وقال أبو قصي‏‏ أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق من الذهب، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، وفي رواية‏‏ في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار‏.‏ ‏‏ ‏‏

قلت‏‏ فعلى الأول يكون ذلك خمسة آلاف ألف دينار، وستمائة ألف دينار‏.‏ وعلى الثاني يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار‏.‏ وقيل‏‏ أنه صرف أكثر من ذلك بكثير، والله أعلم‏.‏

قال أبو قصي ‏‏ وأتى الحرسي إلى الوليد فقال‏‏ يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها‏.‏ فنودي في الناس‏‏ الصلاة جامعة‏.‏ فاجتمع الناس فصعد الوليد المنبر وقال‏‏ إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها، ثم قال‏‏ يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال‏.‏

فحملت على البغال إلى الجامع، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثم أفرغ عليها المال ذهباً صبيباً، وفضة خالصة، حتى صارت كوماً، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الرجل من الجانب الآخر، وهذا شيء كثير، ثم جيء بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة، وفي رواية‏‏ ست عشرة سنة مستقبلة، لو لم يدخل للناس شيء بالكلية‏.‏

فقال لهم الوليد‏‏ والله ما أنفقت في عمارة هذا المسجد درهماً من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي‏.‏ ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله عز وجل على ذلك، ودعوا للخليفة، وانصرفوا شاكرين داعين‏.‏

فقال لهم الوليد‏‏ يا أهل دمشق، والله ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئاً من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي، لم أرزأكم من أموالكم شيئاً‏.‏

ثم قال الوليد‏‏ يا أهل دمشق، إنكم تفخرون على الناس بأربع‏‏ بهوائكم، ومائكم، وفاكهتكم، وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي‏‏ هذا الجامع‏.‏

وقال بعضهم‏‏ كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلا زورد، في كل منها‏‏ بسم الله الرحمن الرحيم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم‏.‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ أمر ببنيان هذا المسجد، وهدم الكنيسة التي كانت فيه‏‏ عبد الله أمير المؤمنين الوليد، في ذي القعدة، سنة ست وثمانين‏.‏

وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح‏‏ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم إلى آخر الفاتحة، ثم النازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا‏‏ ثم محيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق‏.‏

وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلها، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب، وفوق الكرمة الفصوص المذهبة والخضر والحمر والزرق والبيض، قد صوروا بها سائر البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك، وسقفه مقرنص بالذهب، والسلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب وفضة، وأنوار الشموع في أماكنه مفرقة‏.‏ ‏‏ ‏‏

قال‏‏ وكان في محراب الصحابة برنية حجر من بلور، ويقال‏‏ بل كانت حجراً من جوهر وهي الدرة، وكانت تسمى القليلة، وكانت إذا طفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد - وكان يحب البلور، وقيل‏‏ الجوهر - بعث إلى سليمان وإلى شرطه دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها الوالي خوفاً من الناس وأرسلها إليه، فلما ولى المأمون ردها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين‏.‏

قال ابن عساكر‏‏ ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج، قال‏‏ وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء، قالوا‏‏ وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق، وإنما كان عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكومة التي فوقها الفصوص المذهبة، ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير، وعملوا له شرفات تحيط به، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها‏‏ مأذنة العروس، فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة‏.‏

وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جداً، بنتها اليونان للرصد، ثم بعد ذلك سقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن، وقد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمائة، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى، حيث اتهموا بحريقها، فقامت على أحسن الأشكال، بيضاء بذاتها وهي والله أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، عن النواس بن سمعان‏.‏

قلت‏‏ ثم أحرق أعلى هذه المنارة وجددت، وكان أعلاها من خشب، فبنيت بحجارة كلها في آخر السبعين وسبعمائة، فصارت كلها مبنية بالحجارة‏.‏

والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، ولا أبهى ولا أجمل منه، بحيث أنه إذا نظر الناظر إليه أو إلى جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيها نظره لحسنه وجماله ولا يمل ناظره، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية، لا من الحيات ولا من العقارب، ولا الخنافس ولا العناكيب‏.‏ ويقال‏‏ ولا العصافير أيضاً تعشش فيه، ولا الحمام ولا شيء مما يتأذى به الناس‏.‏

وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف هذا المعبد، مما يلي السبع، فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر، سنة إحدى وستين وأربعمائة، في دولة الفاطميين كما سيأتي ذلك في موضعه‏.‏ ‏‏ ‏‏

وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باق إلى يومنا هذا، والله أعلم‏.‏

فمن ذلك‏‏ العمود الذي في رأسه مثل الكرة في سوق الشعير عند قنطرة أم حكيم، وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر أهل دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق باطنه فبال، وذلك مجرب من عهد اليونان‏.‏

قال ابن تيمية عن هذا العمود‏‏ إن تحته مدفون جبار عنيد، كافر يعذب، فإذا داروا بالحيوان حوله سمع العذاب فراث وبال من الخوف، قال‏‏ ولهذا يذهبون بالدواب إلى قبور النصارى واليهود والكفار، فإذا سمعت أصوات المعذبين انطلق بولها‏.‏

والعمود المشار إليه ليس له سر، ومن اعتقد أن فيه منفعة أو مضرة فقد أخطأ خطأً فاحشاً‏.‏

وقيل‏‏ إن تحته كنزاً وصاحبه عنده مدفون، وكان ممن يعتقد الرجعة إلى الدنيا كما قال تعالى‏‏ ‏{‏إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏‏ ‏]‏، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

وما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع الأموي بعد موت أخيه مدة ولايته، وجددت له في المقصورة‏.‏

فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم علي أن يجرده مما فيه من الذهب، ويقلع السلاسل والرخام والفسيفساء، ويرد ذلك كله إلى بيت المال، ويجعل مكان ذلك كله طيناً، فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه، وقال خالد بن عبد الله القسري‏‏ أنا أكلمه لكم‏.‏

فقال له‏‏ يا أمير المؤمنين بلغنا عنك كذا وكذا، قال‏‏ نعم ‏!‏ فقال خالد‏‏ ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر‏‏ ولم يا ابن الكافرة‏؟‏ - وكانت أمه نصرانية رومية أم ولد - فقال‏‏ يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلاً مؤمناً، فقال‏‏ صدقت، واستحيا عمر ثم قال له‏‏ فلم قلت ذلك‏؟‏ قال‏‏ يا أمير المؤمنين لأن غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم، وليس هو لبيت المال، فأطرق عمر‏.‏

قالوا‏‏ واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلاً من عند ملكهم، فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر، ورأوا ما بهر عقولهم من حسن الجامع الباهر، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها، صعق كبيرهم وخر مغشياً عليه، فحملوه إلى منزلهم، فبقى أياماً مدنفاً، فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال‏‏ ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء، وكنت أعتقد أن مدتهم تكون أقصر من هذا، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال‏‏ أو إن الغيظ أهلك الكفار، دعوه‏.‏

وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلساً في شأن ما كان أخذه الوليد منهم، وكان عمر عادلاً، فأراد أن يرد عليهم ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع، ثم حقق عمر القضية، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة، مثل كنيسة دير مران بسفح قاسيون، وهي بقرية المعظمية، وكنيسة الراهب، وكنيسة توما خارج باب توما، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز‏.‏

فخيرهم بين رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفساً للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس، ويكتب لهم كتاب أمان بها، ويطيبوا نفساً بهذه البقعة، فكتب لهم كتاب أمان بها‏.‏

‏‏ ‏‏

والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدينا مثيل في حسنه وبهجته‏.‏

قال الفرزدق‏‏ أهل دمشق في بلادهم في قصر من قصور الجنة - يعني الجامع -

وقال أحمد بن أبي الحواري‏‏ عن الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان‏‏ ما ينبغي لأحد من أهل الأرض أن يكون أشد شوقاً إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها‏.‏

قالوا‏‏ ولما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري‏‏ سبقنا بنو أمية بثلاث‏‏ بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبداً‏.‏ ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة - وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها - قال لكاتبه‏‏ وهذه رابعة‏.‏

ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم، وقاضيه يحيى بن أكثم، قال‏‏ ما أعجب ما فيه‏؟‏ فقال أخوه‏‏ هذه الأذهاب التي فيه، وقال يحيى بن أكثم‏‏ الرخام وهذه العقد، فقال المأمون‏‏ إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم، ثم قال المأمون لقاسم التمار‏‏ أخبرني باسمٍ حسن أسمي به جاريتي هذه، فقال‏‏ سمها مسجد دمشق، فإنه أحسن شيء‏.‏

وقال عبد الرحمن‏‏ عن ابن عبد الحكم، عن الشافعي، قال‏‏ عجائب الدنيا خمسة‏‏ أحدها منارتكم هذه - يعني منارة ذي القرنين بالإسكندرية - والثانية أصحاب الرقيم وهم بالروم اثنا عشر رجلاً، والثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها، يجلس الرجل تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ‏.‏ وقيل‏‏ ينظر من بالقسطنطينية، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الإنفاق عليه، والخامس الرخام والفسيفساء، فإنه لا يدري لها موضع، ويقال‏‏ إن الرخام معجون، والدليل على ذلك أنه يذوب على النار‏.‏

قال ابن عساكر‏‏ وذكر إبراهيم بن أبي الليث الكاتب - وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة - في رسالة له قال‏‏ ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه، ووافق ظاهره باطنه، أزقته أرجة، وشوارعه فرجة، فحيث ما مشيت شممت طيباً، وأين سعيت رأيت منظراً عجيباً، وإن أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه، ولا الرائي أن يعرفه، وجملته أنه كنز الدهر، ونادرة الوقت، وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات، ولقد أثبت الله عز وجل به ذكراً يدرس، وخلف به أمراً لا يخفى ولا يدرس‏.‏ ‏‏ ‏‏

قال ابن عساكر‏‏ وأنشدني بعض المحدثين في جامع دمشق عمره الله بذكره وفي دمشق فقال‏‏

دمشق قد شاع حسن جامعها * وما حوته ربى مرابعها

بديعة الحسن في الكمال لما * يدركه الطرف من بدائعها

طيبة أرضها مباركة * باليمن والسعد أخذ طالعها

جامعها جامع المحاسن قد * فاقت به المدن في جوامعها

بنيةِ بالإتقان قد وضعت * لا ضيع الله سعي واضعها

تذكر في فضله ورفعته * آثار صدق راقت لسامعها

قد كان قبل الحريق مدهشة * فغيرت ناره بلاقعها

فأذهبت بالحريق بهجته * فليس يرجى إياب راجعها

إذا تفكرت في الفصوص وما * فيها تيقنت حذق راصعها

أشجارها لا تزال مثمرة * لا ترهب الريح من مدافعها

كأنها من زمرد غرست * في أرض تبر تغشى بنافعها

فيها ثمار تخالها ينعت * وليس يخشى فساد يانعها

تقطف باللحظ لا بجارحة الـ * أيدي ولا تجتني لبايعها

وتحتها من رخامة قطع * لا قطع الله كف قاطعها

احكم ترخيمها المرخم قد * بان عليها إحكام صانعها

وإن تفكرت في قناطره * وسقفه بان حذق رافعها

وإن تبينت حسن قبته * تحير اللبُّ في أضالعها

تخترق الريح في منافذها * عصفاً فتقوى على زعازعها

وأرضه بالرخام قد فرشت * ينفسح الطرف في مواضعها

مجالس العلم فيه مؤنقة * ينشرح الصدر في مجامعها

وكل باب عليه مطهرة * قد أمن الناس دفع مانعها

يرتفق الناس من مرافقها * ولا يصدون عن منافعها

ولا تزال المياه جارية * فيها لما شق من مشارعها

وسوقها لا تزال آهلة * يزدحم الناس في شوارعها

لما يشاؤون من فواكهها * وما يريدون من بضائعها

كأنها جنة معجلة * في الأرض لولا مسرى فجائعها

دامت برغم العدى مسلمة * وحاطها الله من قوارعها