الجزء العاشر - سنة ثلاثين ومائة

سنة ثلاثين ومائة

في يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأول منها‏:‏ دخل أبو مسلم الخرساني مرو ونزل دار الإمارة بها، وأنتزعها من يد نصر بن سيار، وذلك بمساعدة علي بن الكرماني، وهرب نصر بن سيار في شرذمة قليلة من الناس، نحو من ثلاثة آلاف، ومعه امرأته المرزبانة، حتى لحق سرخس وترك امرأته وراءه، ونجا بنفسه، واستفحل أمر أبي مسلم جداً، والتفت عليه العساكر‏.‏

 مقتل شيبان بن سلمة الحروري

ولما هرب نصر بن سيار بقي شيبان وكان ممالئاً له على أبي مسلم، فبعث إليه أبو مسلم رسلاً فحبسهم، فأرسل أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث يأمره أن يركب إلى شيبان فيقاتله، فسار إليه فاقتتلا فهزمه بسام فقتله واتبع أصحابه يقتلهم ويأسرهم، ثم قتل أبو مسلم علياً وعثمان ابني الكرماني، ثم وجه أبو مسلم أبا داود إلى بلخ فأخذها من زياد بن عبد الرحمن القشيري، وأخذ منهم أموالاً جزيلةً‏.‏

ثم إن أبا مسلم اتفق مع أبي داود على قتل عثمان بن الكرماني في يوم كذا، وفي ذلك اليوم بعينه يقتل أبو مسلم علي بن جديع الكرماني، فوقع ذلك كذلك‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ وجه أبو مسلم قحطبة بن شبيب إلى نيسابور لقتال نصر بن سيار، ومع قحطبة جماعة من كبار الأمراء، منهم خالد بن برمك‏.‏

فالتقوا مع تميم بن نصر بن سيار وقد وجهه أبوه لقتالهم بطوس، فقتل قحطبة من أصحاب نصر نحواً من سبعة عشر ألفاً في المعركة، وقد كان أبو مسلم بعث إلى قحطبة مدداً نحو عشرة آلاف فارس، عليهم علي بن معقل، فاقتتلوا فقتلوا من أصحاب نصر خلقاً كثيراً، وقتلوا تميم بن نصر، وغنموا أموالاً جزيلةً جداً، ثم إن يزيد بن عمر بن هبيرة نائب مروان على العراق بعث سرية مدداً لنصر بن سيار، فالتقى معهم قحطبة في مستهل ذي الحجة، وذلك يوم الجمعة، فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم جند بني أمية، وقتل من أهل الشام وغيرهم عشرة آلاف، منهم‏:‏ نباتة بن حنظلة عامل جرجان، فبعث قحطبة برأسه إلى أبي مسلم‏.‏

 ذكر دخول أبي حمزة الخارجي المدينة النبوية واستلائه عليها

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ كانت وقعة بقديد بين أبي حمزة الخارجي الذي كان عام أول في أيام الموسم، فقتل من أهل المدينة من قريش خلقاً كثيراً، ثم دخل المدينة وهرب نائبها عبد الواحد بن سليمان، فقتل الخارجي من أهلها خلقاً، وذلك لتسع عشرة ليلة خلت من صفر من هذه السنة، ثم خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوبخ أهل المدينة، فقال‏:‏ يا أهل المدينة إني مررت بكم أيام الأحول - يعني‏:‏ هشام بن عبد الملك - وقد أصابتكم عاهة في ثماركم فكتبتم إليه تسألونه أن يضع الخرص عنكم فوضعه، فزاد غنيكم غناً وزاد فقيركم فقراً، فكتبتم إليه جزاك الله خيراً، فلا جزاه الله خيراً‏.‏ في كلام طويل‏.‏

فأقام عندهم ثلاثة أشهر بقية صفر وشهري ربيع وبعض جمادى الأول فيما قال الواقدي وغيره‏.‏

 

وقد روى المدائني أن أبا حمزة رقى يوماً منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال‏:‏ تعلمون يا أهل المدينة ‏!‏ أنا لم نخرج من بلادنا بطراً ولا أشراً، ولا لدولة نريد أن نخوض فيها النار، وإنما أخرجنا من ديارنا أنا رأينا مصابيح الحق طمست، وضعف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، فلما رأينا ذلك ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله ‏{‏وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ‏} ‏[‏الأحقاف‏:‏ ‏]‏، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافاً واحداً، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا والله بنعمة الله إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم بني مروان، فشتان لعمر الله بين الغي والرشد، ثم أقبلوا نحونا يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه فاتبعوه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون‏.‏

وأنتم يا أهل المدينة ‏!‏ إن تنصروا مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدنا، ويشف صدور قوم مؤمنين‏.‏

يا أهل المدينة ‏!‏ أولكم خير أول، وآخركم شر آخر‏.‏

يا أهل المدينة ‏!‏ الناس منا ونحن منهم، إلا مشركاً عابد وثن أو كافراً أهل كتاب، أو إماماً جائراً‏.‏

يا أهل المدينة ‏!‏ من زعم أن الله يكلف نفساً فوق طاقتها، أو يسألها ما لم يؤتها، فهو لله عدو، وأنا له حرب‏.‏

يا أهل المدينة ‏!‏ أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذها لنفسه، مكابراً محارباً لربه‏.‏

يا أهل المدينة ‏!‏ بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم شباب أحداث، وأعراب جفاة أجلاف، ويحكم ‏!‏ فهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً أحداثاً شباباً، شباباً والله مكتهلون في شبابهم، غضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن السعي في الباطل أقدامهم، قد باعوا لله أنفساً تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفاً من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقاً إلى الجنة‏.‏

فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت، وإلى الرماح قد شرعت، وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا والله وعيد الكتيبة لوعيد الله في القرآن، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب، فكم من عين في مناقير الطير طال ما فاضت في جوف الليل من خشية الله، وطال ما بكت خالية من خوف الله، وكم من يد زالت عن مفصلها طال ما ضربت في سبيل الله وجاهدت أعداء الله، وطال ما اعتمد بها صاحبها في طاعة الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيري، وما توفيقي إلا بالله‏.‏

ثم روى المدائني، عن العباس، عن هارون، عن جده، قال‏:‏ كان أبو حمزة الخارجي قد أحسن السيرة في أهل المدينة، فمالوا إليه حتى سمعوه يقول‏:‏ برح الخفا أين عن بابك نذهب ‏؟‏

ثم قال‏:‏ من زنا فهو كافر، ومن سرق فهو كافر‏.‏

فعند ذلك أبغضوه ورجعوا عن محبته‏.‏

وأقام بالمدينة حتى بعث مروان الحمار عبد الملك بن محمد بن عطية أحد بني سعد في خيل أهل الشام أربعة آلاف، قد أنتخبها مروان من جيشه، وأعطى كل رجل منهم مائة دينار وفرساً عربيةً، وبغلاً لثقله، وأمره أن يقاتله ولا يرجع عنه، ولو لم يلحقه إلا باليمن فليتبعه إليها، وليقاتل نائب صنعاء عبد الله بن يحيى‏.‏

فسار ابن عطية حتى بلغ وادي القرى فتلقاه أبو حمزة الخارجي قاصداً قتال مروان بالشام فاقتتلوا هنالك إلى الليل، فقال له‏:‏ ويحك يا ابن عطية ‏!‏ إن الله قد جعل الليل سكناً فأخِّر إلى غد‏.‏

فأبى عليه أن يقلع عن قتاله، فما زال يقاتلهم حتى كسرهم فولوا ورجع فلهم إلى المدينة، فنهض إليهم أهل المدينة فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ودخل ابن عطية المدينة، وقد انهزم جيش أبي حمزة عنها، فيقال‏:‏ إنه أقام بها شهراً ثم استخلف عليها، ثم استخلف على مكة وسار إلى اليمن فخرج إليه عبد الله بن يحيى نائب صنعاء، فاقتتلا فقتله ابن عطية وبعث برأسه إلى مروان‏.‏

وجاء كتاب مروان إليه يأمره بإقامة الحج للناس في هذه السنة، ويستعجله في المسير إلى مكة‏.‏

فخرج من صنعاء في اثني عشر راكباً، وترك جيشه بصنعاء، ومعه خرجٌ فيه أربعون ألف دينار، فلما كان ببعض الطريق نزل منزلاً إذ أقبل إليه أميران يقال لهما‏:‏ ابنا جمانة من سادات تلك الناحية، فقالوا‏:‏ ويحكم ‏!‏ أنتم لصوص‏.‏

فقال‏:‏ أنا ابن عطية وهذا كتاب أمير المؤمنين إلي بأمرة الحج، فنحن نعجل السير لندرك الموسم‏.‏

فقالوا‏:‏ هذا باطل‏.‏

ثم حملوا عليهم فقتلوا ابن عطية وأصحابه ولم يفلت منهم إلا رجلٌ واحدٌ، وأخذوا ما معهم من المال‏.‏

قال أبو معشر‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة‏:‏ محمد بن عبد الملك بن مروان، وقد جعلت إليه إمرة المدينة ومكة والطائف، ونائب العراق ابن هبيرة، وإمرة خراسان إلى نصر بن سيار، غير أن أبا مسلم قد استحوذ على مدن وقرى كثيرة من خراسان، وقد أرسل نصر إلى ابن هبيرة يستمده بعشرة آلاف قبل أن لا يكفيه مائة ألف، وكتب أيضاً إلى مروان يستمده، فكتب مروان إلى ابن هبيرة يمده بما أراد‏.‏

وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏ شعيب بن الحبحاب، وعبد العزيز بن صهيب، وعبد العزيز بن رفيع، وكعب بن علقمة، ومحمد بن المكندر، والله سبحانه أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة

في المحرم منها‏:‏ وجَّه قحطبة بن شبيب ولده الحسن إلى قوميس لقتال نصر بن سيار، وأردفه بالأمداد ، فخامر بعضهم إلى نصر ارتحل نصر فنزل الري، فأقام بها يومين ثم مرض فسار منها إلى همدان‏.‏

فلما كان بساوه قريباً من همدان توفي لمضي ثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من هذه السنة، عن خمس وثمانين سنة‏.‏

فلما مات نصر تمكن أبو مسلم وأصحابه من بلاد خراسان، وقويت شوكتهم جداً، وسار قحطبة من جرجان، وقدَّم أمامه زياد بن زرارة القشيري، وكان قد ندم على اتباع أبي مسلم، فترك الجيش وأخذ جماعة معه وسلك طريق أصبهان ليأتي ابن ضبارة، فبعث قحطبة وراءه جيشاً فقتلوا عامة أصحابه، وأقبل قحطبة وراءه فقدم قومس وقد افتتحها ابنه الحسن فأقام بها، وبعث ابنه بين يديه إلى الري، ثم ساق وراءه فوجده قد افتتحها، فأقام بها وكتب إلى أبي مسلم بذلك‏.‏

وارتحل أبو مسلم من مرو فنزل نيسابور واستفحل أمره، وبعث قحطبة بعد دخوله الري ابنه الحسن بين يديه إلى همدان، فلما اقترب منها خرج منها مالك بن أدهم وجماعة من أجناد الشام وخراسان، فنزلوا نهاوند، فافتتح الحسن همدان ثم سار وراءهم إلى نهاوند، وبعث إليه أبوه بالأمداد فحاصرهم حتى افتتحها‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ مات عامر بن ضبارة، وكان سبب ذلك أن ابن هبيرة كتب إليه أن يسير إلى قحطبة وأمده بالعساكر، فسار ابن ضبارة حتى التقى مع قحطبة في عشرين ألفاً، فلما تواجه الفريقان رفع قحطبة وأصحابه المصاحف ونادى المنادي‏:‏ يا أهل الشام ‏!‏ إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف‏.‏

فشتموا المنادي وشتموا قحطبة، فأمر قحطبة أصحابه أن يحملوا عليهم، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أصحاب ابن ضبارة، واتبعهم أصحاب قحطبة فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وقتلوا ابن ضبارة في العسكر لشجاعته فإنه لم يولي، وأخذوا من عسكرهم ما لا يحد ولا يوصف‏.‏

وفيها‏:‏ حاصر قحطبة نهاوند حصاراً شديداً حتى سأله أهل الشام الذين بها أن يمهل أهلها حتى يفتحوا له الباب، ففتحوا له الباب وأخذوا لهم منه أماناً، فقال لهم من بها من أهل خراسان‏:‏ ما فعلتم ‏؟‏

فقالوا‏:‏ أخذنا لنا ولكم أماناً‏.‏

فخرجوا ظانين أنهم في أمان، فقال قحطبة للأمراء الذين معه‏:‏ كل من حصل عنده أسير من الخراسانين فليضرب عنقه وليأتنا برأسه‏.‏

ففعلوا ذلك ولم يبق ممن كان هرب من أبي مسلم أحد، وأطلق الشاميين وأوفى لهم عهدهم وأخذ عليهم الميثاق أن لا يمالئوا عليه عدواً‏.‏

ثم بعث قحطبة أبا عون إلى شهر زور، عن أمر أبي مسلم في ثلاثين ألفاً فافتتحها، وقتل نائبها عثمان بن سفيان‏.‏

وقيل‏:‏ لم يقتل بل تحول إلى الموصل والجزيرة وبعث إلى قحطبة بذلك‏.‏

ولما بلغ مروان خبر قحطبة وأبي مسلم وما وقع من أمرهما، تحول مروان من حرَّان فنزل بمكان يقال له‏:‏ الزاب الأكبر‏.‏

وفيها‏:‏ قصد قحطبة في جيش كثيف نائب العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، فلما اقترب منه تقهقر ابن هبيرة إلى ورائه، وما زال يتقهقر إلى أن جاوز الفرات، وجاء قحطبة فجازها وراءه، وكان من أمرهما ما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائة

في المحرم منها‏:‏ جاز قحطبة بن شبيب الفرات ومعه الجنود والفرسان، وابن هبيرة مخيم على فم الفرات مما يلي الفلوجة، في خلقٍ كثيرٍ وجمٍ غفيرٍ، وقد أمده مروان بجنودٍ كثيرةٍ، وانضاف إليه كل من انهزم من جيش ابن ضبارة‏.‏

ثم إن قحطبة عدل إلى الكوفة ليأخذها، فاتبعه ابن هبيرة‏.‏

فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان مضين من المحرم‏:‏ اقتتلوا قتالاً شديداً وكثر القتل في الفريقين، ثم ولى أهل الشام منهزمين واتبعهم أهل خراسان، وفقد قحطبة من الناس فأخبرهم رجل أنه قتل وأوصى أن يكون أمير الناس من بعده ولده الحسن، ولم يكن الحسن حاضراً، فبايعوا حميد بن قحطبة لأخيه الحسن وذهب البريد إلى الحسن ليحضر‏.‏

وقتل في هذه الليلة‏:‏ جماعة من الأمراء‏.‏

والذي قتل قحطبة معن بن زائدة، ويحيى بن حصين‏.‏

وقيل‏:‏ بل قتله رجل ممن كان معه آخذاً بثائر ابني نصر بن سيار، فالله أعلم‏.‏

ووجد قحطبة في القتلى فدفن هنالك، وجاء الحسن بن قحطبة فسار نحو الكوفة، وقد خرج بها محمد بن خالد بن عبد الله القسري، ودعا إلى بني العباس وسوَّد، وكان خروجه ليلة عاشوارء لمحرم من هذه السنة، وأخرج عاملها من جهة ابن هبيرة، وهو‏:‏ زياد بن صالح الحارثي، وتحول محمد بن خالد إلى قصر الإمارة فقصد حوثرة في عشرين ألفاً من جهة ابن هبيرة، فلما اقترب من الكوفة أصحاب حوثرة يذهبون إلى محمد بن خالد فيبايعونه لبني العباس، فلما رأى حوثرة ذلك ارتحل إلى واسط‏.‏

ويقال‏:‏ بل دخل الحسن بن قحطبة الكوفة، وكان قحطبة قد جعل في وصيته أن تكون وزارة الخلافة إلى أبي سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع الكوفي الخلال، وهو بالكوفة، فلما قدموا عليه أشار أن يذهب الحسن بن قحطبة في جماعة من الأمراء إلى قتال ابن هبيرة بواسط، وأن يذهب أخوه حميد إلى المدائن، وبعث البعوث إلى كل جانب يفتحونها، وفتحوا البصرة، افتتحها مسلم بن قتيبة لابن هبيرة، فلما قتل ابن هبيرة جاء أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي فأخذ البصرة لأبي مسلم الخراساني‏.‏

وفي هذه السنة ليلة الجمعة لثلاث عشرة حلت من ربيع الآخر‏:‏ أخذت البيعة لأبي العباس السفاح، وهو‏:‏ عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب‏.‏ قاله‏:‏ أبو معشر وهشام الكلبي‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ في جمادى الأولى من هذه السنة، فالله أعلم‏.‏

ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام

قد ذكرنا في سنة تسع وعشرين ومائة أن مروان اطلع على كتاب من إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم الخرساني، يأمر فيه بأن لا يبقي أحداً بأرض خراسان ممن يتكلم بالعربية إلا أباده، فلما وقف مروان على ذلك سأل عن إبراهيم، فقيل له‏:‏ هو في بالبلقاء‏.‏

فكتب إلى نائب دمشق أن يحضره فبعث نائب دمشق بريداً ومعه صفته ونعته، فذهب الرسول فوجد أخاه أبا العباس السفاح، فاعتقد أنه هو فأخذه فقيل له‏:‏ إنه ليس به، إنما أخوه‏.‏

فدل على إبراهيم فأخذه وذهب معه بأم ولد كان يحبها، وأوصى إلى أهله أن يكون الخليفة من بعده أخوه أبو العباس السفاح، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة، فارتحلوا من يومهم إليها، منهم أعمامه الستة وهم‏:‏ عبد الله، وداود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الصمد، بنوا علي، وأخواه‏:‏ أبو العباس السفاح، ومحمد، ابنا محمد بن علي، وابناه‏:‏ محمد، وعبد الوهاب، ابنا إبراهيم الإمام الممسوك، وخلق سواهم‏.‏

فلما دخلوا الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد، مولى بني هاشم، وكتم أمرهم نحواً من أربعين ليلة من القواد والأمراء، ثم ارتحل بهم إلى موضع آخر، ثم لم يزل ينقلهم من مكان إلى مكان حتى فتحت البلاد، ثم بويع للسفاح‏.‏

أما إبراهيم بن محمد الإمام فإنه سير به إلى أمير المؤمنين في ذلك الزمان مروان بن محمد وهو بحرَّان فحبسه، وما زال في السجن إلى هذه السنة، فمات في صفر منها في السجن، عن ثمان وأربعين سنة‏.‏

وقيل‏:‏ إنه غمّ بمرققة وضعت على وجهه حتى مات عن إحدى وخمسين سنة، وصلى عليه رجل يقال له‏:‏ بهلول بن صفوان‏.‏

وقيل‏:‏ إنه هدم عليه بيت حتى مات‏.‏

وقيل‏:‏ بل سقي لبناً مسموماً فمات‏.‏

وقيل‏:‏ إن إبراهيم الإمام شهد الموسم عام إحدى وثلاثين، واشتهر أمره هنالك لأنه وقف في أبهة عظيمة، ونجائب كثيرة، وحرمة وافرة، فأنهى أمره إلى مروان وقيل له‏:‏ إن أبا مسلم يدعو الناس إلى هذا ويسمونه الخليفة‏.‏

فبعث إليه في المحرم من سنة ثنتين وثلاثين وقتله في صفر من هذه السنة، وهذا أصح مما تقدم‏.‏

وقيل‏:‏ إنما أخذه من الكوفة لا من حميمة البلقاء، فالله أعلم‏.‏

وقد كان إبراهيم هذا كريماً وجواداً له فضائل وفواضل‏.‏

وروى الحديث عن‏:‏ أبيه، عن جده، وأبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنيفة‏.‏

وعنه‏:‏ أخواه عبد الله السفاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور، وأبو سلمة عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، ومالك بن هاشم‏.‏

ومن كلامه الحسن‏:‏ الكامل المروءة من أحرز دينه، ووصل رحمه، واجتنب ما يلام عليه‏.‏

خلافة أبي العباس السفاح

لما بلغ أهل الكوفة مقتل إبراهيم بن محمد، أراد أبو سلمة الخلال أن يحول الخلافة إلى آل علي بن أبي طالب، فغلبه بقية النقباء والأمراء، وأحضروا أبا العباس السفاح وسلموا عليه بالخلافة، وذلك بالكوفة، وكان عمره إذ ذاك ستاً وعشرين سنة‏.‏

وكان أول من سلم عليه بالخلافة‏:‏ أبو سلمة الخلال، وذلك ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، فلما كان وقت صلاة الجمعة خرج السفاح على برذون أبلق، والجنود ملبسة معه، حتى دخل دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد الجامع وصلى بالناس، ثم صعد المنبر وبايعه الناس وهو على المنبر في أعلاه، وعمه داود بن علي واقف دونه بثلاث درج‏.‏

وتكلم السفاح، وكان أول ما نطق به أن قال‏:‏ الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه ديناً، وكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، خصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، ووضعنا بالإسلام وأهله في الموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتاباً يتلى عليهم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ ‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ ‏]‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏} ‏[‏الشعراء‏:‏ ‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ ‏]‏ الآية‏.‏

فأعلمهم عز وجل فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا، وتفضلة علينا، والله ذو الفضل العظيم‏.‏

وزعمت السبابية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم‏.‏

أيها الناس ‏!‏ بنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، ونصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وأتم النقيصة وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دنياهم، وإخواناً على سرر متقابلين في أخراهم، فتح الله علينا ذلك منَّة ومنحة بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبضه إليه قام بذلك الأمر بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصاً منها‏.‏

ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها لأنفسهم، وتداولوها‏.‏

فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حيناً ‏{‏فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ ‏]‏، فانتزع منهم ما بأيديهم بأيدينا، ورد الله علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وتولى أمرنا والقيام بنصرنا ليمنَّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله‏.‏

يا أهل الكوفة ‏!‏ أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح الهائج والثائر المبير‏.‏

وكان به وعك فاشتد عليه حتى جلس على المنبر، ونهض عمه داود فقال‏:‏ الحمد لله شكراً الذي أهلك عدونا، وأصار إلينا ميراثنا من بيتنا‏.‏

أيها الناس ‏!‏ الآن انقشعت حنادس الظلمات وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، فطلعت شمس الخلافة من مطلعها، ورجع الحق إلى نصابه، إلى أهل نبيكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم‏.‏

أيها الناس ‏!‏ إنا والله ما خرجنا لهذا الأمر لنكنز لجيناً ولا عقياناً، ولا لنحفر نهراً ولا لنبني قصراً، ولا لنجمع ذهباً ولا فضة، وإنما أخرجتنا الأنفة من انتزاع حقنا والغضب لبني عمنا، ولسوء سيرة بني أمية فيكم، واستذلالهم لكم، واستئثاركم بفيئكم وصدقاتكم، فلكم علينا ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس، أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل بكتاب الله، ونسير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله‏.‏

تباً تباً لبني أمية وبني مروان، آثروا العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام وظلموا الأنام، وارتكبوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلاً منهم باستدراج الله، وعمياً عن أخذ الله، وأمناً لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتاً وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق، فبعداً للقوم الظالمين‏.‏

وأدان الله من مروان، وقد غره بالله الغرور، أرسل عدو الله في عنانه حتى عثر جواده في فضل خطامه، أظنَّ عدو الله أن لن يقدر عليه أحد‏؟‏ فنادى حزبه وجمع جنده، ورمى بكتائبه، فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وأحل دائرة السوء به، وأحاط به خطيئته، ورد إلينا حقنا وآوانا‏.‏

أيها الناس ‏!‏ إن أمير المؤمنين نصره الله نصراً عزيزاً، إنما عاد إلى المنبر بعد صلاة الجمعة لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن، وخليفة الشيطان، المتبع للسفلة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، المتوكل على الله، المقتدي بالأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى، ومناهج التقى‏.‏

قال‏:‏ فعج الناس له بالدعاء، ثم قال‏:‏ واعلموا يا أهل الكوفة ‏!‏ أنه لم يصعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا - وأشار بيده إلى السفاح - واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم عليه السلام، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا‏.‏

ثم نزل أبو العباس وداود حتى دخلا القصر، ثم دخل الناس يبايعون إلى العصر، ثم من بعد العصر إلى الليل‏.‏

ثم إن أبا العباس خرج فعسكر بظاهر الكوفة واستخلف عليها عمه داود، وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن أبي يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ بواسط يحاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف‏.‏

وأقام هو بالعسكر أشهراً، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية في قصر الإمارة، وقد تنكر لأبي سلمة الخلال، وذلك لما كان بلغه عنه من العدول بالخلافة عن ابن العباس إلى آل علي بن أبي طالب، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 مقتل مروان بن محمد بن مروان

آخر خلفاء بني أمية، وتحول الخلافة إلى بني العباس مأخوذة من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ‏} ‏[‏البقرة‏:‏ ‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ ‏]‏ الآية‏.‏

وقد ذكرنا أن مروان لما بلغه خبر أبي مسلم وأتباعه وما جرى بأرض خراسان، تحول من حران فنزل على نهر قريب من الموصل، يقال له‏:‏ الزاب من أرض الجزيرة ثم لما بلغه أن السفاح قد بويع له بالكوفة والتفت عليه الجنود، واجتمع له أمره، شق عليه جداً، وجمع جنوده فتقدم إليه أبو عون بن أبي يزيد في جيش كثيف وهو أحد أمراء السفاح، فنازله على الزاب وجاءته الأمداد من جهة السفاح، ثم ندب السفاح الناس ممن يلي القتال من أهل بيته، فأنتدب له عبد الله بن علي فقال‏:‏ سر على بركة الله‏.‏

فسار في جنود كثيرة فقدم على أبي عون فتحول له أبو عون عن سرادقه وخلاه له وما فيه، وجعل عبد الله بن علي على شرطته حياش بن حبيب الطائي، ونصير بن المحتفز، ووجه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلاً على البريد إلى عبد الله بن علي يحثه على مناجزة مروان، والمبادرة إلى قتاله ونزاله قبل أن تحدث أمور، وتبرد نيران الحرب‏.‏

فتقدم عبد الله بن علي بجنوده حتى واجه جيش مروان، ونهض مروان في جنوده وتصافَّ الفريقان في أول النهار، ويقال‏:‏ إنه كان مع مروان يومئذ مائة ألف وخمسون ألفاً‏.‏

ويقال‏:‏ مائة وعشرون ألفاً، وكان عبد الله بن علي في عشرين ألفاً‏.‏

فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز‏:‏ إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ثم أرسل مروان إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة، فقال عبد الله‏:‏ كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل، إن شاء الله‏.‏

وكان ذلك يوم السبت لإحدى عشر ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة، فقال مروان‏:‏ قفوا لا تبتدئون بقتال‏.‏

وجعل ينظر إلى الشمس فخالفه الوليد بن معاوية بن مروان - وهو‏:‏ ختن مروان على ابنته - فحمل، فغضب مروان فشتمه فقاتل أهل الميمنة فأنحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي، فقاتل موسى بن كعب لعبد الله بن علي، فأمر الناس فنزلوا ونودي‏:‏ الأرض الأرض‏.‏

فنزلوا وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب وقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنما يدفعون، وجعل عبد الله يمشي قدماً، وجعل يقول‏:‏ يا رب حتى متى نقتل فيك ‏؟‏

ونادى يا أهل خراسان ‏!‏ يا شارات إبراهيم الإمام، يا محمد يا منصور، واشتد القتال جداً بين الناس، فلا تسمع إلا وقعاً كالمرازب على النحاس، فأرسل مروان إلى قضاعة يأمرهم بالنزول فقالوا‏:‏ قل لبني سليم فلينزلوا‏.‏

وأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا‏:‏ قل لبني عامر أن يحملوا‏.‏

فأرسل إلى السكون أن احملوا فقالوا‏:‏ قل إلى غطفان فليحملوا‏.‏

فقال لصاحب شرطته‏:‏ انزل‏.‏

فقال‏:‏ لا ‏!‏ والله لا أجعل نفسي غرضاً‏.‏

قال‏:‏ أما والله لأسوءنك‏.‏

قال‏:‏ وددت لو قدرت على ذلك‏.‏

ويقال‏:‏ أنه قال ذلك لابن هبيرة‏.‏

قالوا‏:‏ ثم انهزم أهل الشام واتبعتهم أهل خراسان في أدبارهم يقتلون ويأسرون، وكان من غرق من أهل الشام أكثر ممن قتل وكان في جملة من غرق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وقد أمر عبد الله بن علي بعقد الجسر، واستخراج من غرق في الماء، وجعل يتلو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ ‏]‏‏.‏

وأقام عبد الله بن علي في موضع المعركة سبعة أيام، وقد قال رجل من ولد سعيد بن العاص في مروان وفراره يومئذ‏:‏

لج الفرار بمروان فقلت له * عاد الظلوم ظليماً همه الهرب

أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت * عنك الهوينا فلا دين ولا حسب

فراشة الحلم فرعون العقاب وإن * تطلب نداه فكلب دونه كلب

واحتاز عبد الله ما في معسكر مروان من الأموال والأمتعة والحواصل، ولم يجد فيه امرأة سوى جارية كانت لعبد الله بن مروان، وكتب إلى أبي العباس السفاح بما فتح الله عليه من النصر، وما حصل لهم من الأموال‏.‏

فصلى السفاح ركعتين شكراً لله عز وجل، وأطلق لكل من حضر الوقعة خمسمائة خمسمائة، ورفع في أرزاقهم إلى ثمانين، وجعل يتلو قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ ‏]‏ الآية‏.‏

 صفة مقتل مروان

لما انهزم مروان سار لا يلوي على أحد، فأقام عبد الله بن علي في مقام المعركة سبعة أيام، ثم سار خلفه بمن معه من الجنود، وذلك عن أمر السفاح له بذلك‏.‏

فلما مر مروان بحران اجتازها وأخرج أبا محمد السفياني من سجنه، واستخلف عليها أبان بن يزيد - وهو ابن أخته، وزوج ابنته أم عثمان - فلما قدم عبد الله على حران خرج إليه أبان بن يزيد مسوِّداً فأمنه عبد الله بن علي وأقره على عمله، وهدم الدار التي سجن فيها إبراهيم الإمام، واجتاز مروان قنسرين قاصداً حمص، فلما جاءها خرج إليه أهلها بالأسواق والمعايش، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم شخص منها، فلما رأى أهل حمص قلة من معه اتبعوه ليقتلوه ونهبوا ما معه، وقالوا‏:‏ مرعوب مهزوم‏.‏

فأدركوه بواد عند حمص فأكمن لهم أميرين، فلما تلاحقوا بمروان عطف عليهم فنانشدهم أن يرجعوا فأبوا إلا مقاتلته، فثار القتال بينهم وثار الكمينان من ورائهم، فانهزم الحمصيون، وجاء مروان إلى دمشق وعلى نيابتها من جهته زوج ابنته الوليد بن معاوية بن مروان فتركه بها واجتاز عنها قاصداً إلى الديار المصرية، وجعل عبد الله بن علي لا يمر ببلد وقد سوِّدوا فيبايعونه ويعطهيم الأمان‏.‏

ولما وصل إلى قنسرين وصل إليه أخوه عبد الصمد بن علي في أربعة آلاف، وقد بعثهم السفاح مدداً له، ثم سار عبد الله حتى أتى حمص، ثم سار منها إلى بعلبك، ثم منها حتى أتى دمشق من ناحية المزة فنزل بها يومين أو ثلاثة، ثم وصل إليه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مدداً من السفاح، فنزل صالح بمرج عذراء‏.‏

ولما جاء عبد الله بن علي دمشق نزل على الباب الشرقي، ونزل صالح أخوه على باب الجابية، ونزل أبو عون على باب كيسان، ونزل بسام على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، فحاصرها أياماً ثم افتتحها يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان هذه السنة، فقتل من أهلها خلقاً كثيراً وأباحها ثلاث ساعات، وهدم سورها‏.‏

ويقال‏:‏ إن أهل دمشق لما حاصرهم عبد الله اختلفوا فيما بينهم، ما بين عباسي وأموي، فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضاً، وقتلوا نائبهم ثم سلموا البلد، وكان أول من صعد السور من ناحية الباب الشرقي رجل يقال له‏:‏ عبد الله الطائي، ومن ناحية الباب الصغير بسام بن إبراهيم، ثم أبيحت دمشق ثلاث ساعات حتى قيل‏:‏ إنه قتل بها في هذه المدة نحواً من خمسين ألفاً‏.‏

وذكر ابن عساكر في ترجمة عبيد بن الحسن الأعرج من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان أميراً على خمسة آلاف مع عبد الله بن علي في حصار دمشق، أنهم أقاموا محاصريها خمسة أشهر‏.‏

وقيل‏:‏ مائة يوم‏.‏

وقيل‏:‏ شهراً ونصفاً‏.‏

وأن البلد كان قد حصنه نائب مروان تحصيناً عظيماً، ولكن اختلف أهلها فيما بينهم بسبب اليمانية والمضرية، وكان ذلك بسبب الفتح، حتى إنهم جعلوا في كل مسجد محرابين للقبلتين حتى في المسجد الجامع منبرين، وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين، وهذا من عجيب ما وقع، وغريب ما اتفق، وفظيع ما أحدث بسبب الفتنة والهوى والعصبية، نسأل الله السلامة والعافية‏.‏

وقد بسط ذلك ابن عساكر في هذه الترجمة المذكورة، وذكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال‏:‏ كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق، دخلها بالسيف، وأباح القتل فيها ثلاث ساعات، وجعل جامعها سبعين يوماً إسطبلاً لدوابه وجماله، ثم نبش قبور بني أمية فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطاً أسود مثل الهباء، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجد جمجمته، وكان يجد في القبر العضو بعد العضو، إلا هشام بن عبد الملك فإنه وجده صحيحاً لم يبل منه غير أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وهو ميت وصلبه أياماً ثم أحرقه ودقَّ رماده ثم ذره في الريح، وذلك أن هشاماً كان قد ضرب أخاه محمد بن علي، حين كان قد اتهم بقتل ولد له صغير، سبعمائة سوط، ثم نفاه إلى الحميمة بالبلقاء‏.‏

قال‏:‏ ثم تتبع عبد الله بن علي بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفاً عند نهر بالرملة، وبسط عليهم الأنطاع ومد عليهم سماطاً فأكل وهم يختلجون تحته، وهذا من الجبروت والظلم الذي يجازيه الله عليه، وقد مضى ولم يدم له ما أراده ورجاه، كما سيأتي في ترجمته‏.‏

وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي‏:‏ عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاسرة على وجهها وجسدها وثيابها ثم قتلوها‏.‏

ثم أحرق ما وجد من عظم ميت منهم‏.‏

وأقام بها عبد الله خمسة عشر يوماً‏.‏

وقد استدعى بالأوزاعي فأوقف بين يديه فقال له‏:‏ يا أبا عمرو ‏!‏ ما تقول في هذا الذي صنعناه ‏؟‏

قال‏:‏ فقلت له‏:‏ لا أدري غير أنه قد حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنما الأعمال بالنيات‏)‏‏)‏، فذكر الحديث‏.‏

قال الأوزاعي‏:‏ وانتظرت رأسي أن يسقط بين رجلي ثم أخرجت، وبعث لي بمائة دينار، ثم سار وراء مروان فنزل على نهر الكسوة، ووجه يحيى بن جعفر الهاشمي نائباً على دمشق ثم سار فنزل مرج الروم، ثم أتى نهر أبي فطرس فوجد مروان قد هرب فدخل مصر، وجاءه كتاب السفاح‏:‏ ابعث صالح بن علي في طلب مروان وأقم أنت في الشام نائباً عليها‏.‏

فسار صالح يطلب مروان في ذي القعدة من هذه السنة، ومعه أبو عمرو عامر بن إسماعيل، فنزل على ساحل البحر وجمع ما هناك من السفن وبلغه أن مروان قد نزل الفرما، وقيل‏:‏ الفيوم‏.‏

فجعل يسير على الساحل والسفن تقاد معه في البحر حتى أتى العريش، ثم سار حتى نزل على النيل ثم سار إلى الصعيد فعبر مروان النيل وقطع الجسر وحرق ما حوله من العلف والطعام، ومضى صالح في طلبه‏.‏

فالتقى بخيل لمروان فهزمهم، ثم جعل كلما التقوا مع خيل لمروان يهزمزنهم حتى سألوا بعض من أسروا عن مروان فدلهم عليه، وإذا به في كنيسة أبو صير فوافوه من آخر الليل، فانهزم من معه من الجند وخرج إليهم مروان في نفر يسير معه فأحاطوا به حتى قتلوه، طعنه رجل من أهل البصرة يقال له‏:‏ معود، ولا يعرفه حتى قال رجل‏:‏ صرع أمير المؤمنين‏.‏

فابتدره رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه، فبعث به عامر بن إسماعيل أمير هذه السرية إلى أبي عون، فبعث به أبو عون إلى صالح بن علي فبعث به صالح مع رجل يقال له‏:‏ خزيمة بن يزيد بن هانئ كان على شرطته، لأمير المؤمنين السفاح‏.‏

وكان مقتل مروان يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وقيل‏:‏ يوم الخميس لست مضين منها سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام على المشهور‏.‏

واختلفوا في سنه، فقيل‏:‏ أربعون سنة‏.‏

وقيل‏:‏ ست، وقيل‏:‏ ثمان وخمسون سنة‏.‏

وقيل‏:‏ ستون‏.‏

وقيل‏:‏ اثنتان، وقيل‏:‏ ثلاث، وقيل‏:‏ تسع وستون سنة‏.‏

وقيل‏:‏ ثمانون، والله أعلم‏.‏

ثم إن صالح بن علي سار إلى الشام واستخلف على مصر أبا عون بن أبي يزيد، والله سبحانه أعلم‏.‏

 وهذا شيء من ترجمة مروان الحمار

وهو‏:‏ مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي الأموي، أبو عبد الملك، أمير المؤمنين، آخر خلفاء بني أمية، وأمه أمة كردية يقال لها‏:‏ لبابة، وكانت لإبراهيم بن الأشتر النخعي، أخذها محمد بن مروان يوم قتله فاستولدها مروان هذا، ويقال‏:‏ أنها كانت أولاً لمصعب بن الزبير‏.‏

وقد كانت دار مروان هذا في سوق الأكافين، قاله ابن عساكر‏.‏

بويع له بالخلافة بعد قتل الوليد بن يزيد، وبعد موت يزيد بن الوليد، ثم قدم دمشق وخلع إبراهيم بن الوليد، واستمر له الأمر في نصف صفر سنة سبع وعشرين ومائة‏.‏

وقال أبو معشر‏:‏ بويع له بالخلافة في ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائة، وكان يقال له‏:‏ مروان الجعدي، نسبة إلى رأي الجعد بن درهم، وتلقب بالحمار، وهو آخر من ملك من بني أمية، وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقيل‏:‏ خمس سنين وشهراً‏.‏

وبقي بعد أن بويع للسفاح تسعة أشهر، وكان أبيض مشرباً حمرة، أزرق العينين، كبير اللحية، ضخم الهامة، ربعة، ولم يكن يخضب‏.‏

ولاه هشام نيابة أذربيجان وأرمينية والجزيرة، في سنة أربع عشرة ومائة، ففتح بلاد كثيرة وحصوناً متعددة في سنين كثيرة، وكان لا يفارق الغزو في سبيل الله، وقاتل طوائف من الناس الكفار ومن الترك والخزر واللان وغيرهم، فكسرهم وقهرهم، وقد كان شجاعاً بطلاً مقداماً حازم الرأي لولا أن جنده خذلوه بتقدير الله عز وجل لما له من ذلك من حكمة سلب الخلافة لشجاعته وصرامته‏.‏

ولكن من يخذل الله يخذل، ومن يهن الله فما له من مكرم‏.‏

قال الزبير بن بكار، عن عمه مصعب بن عبد الله‏:‏ كان بنو أمية يرون أنه تذهب منهم الخلافة إذا وليها من أمه أمة، فلما وليها مروان هذا أخذت منهم في سنة ثنتين وثلاثين ومائة‏.‏

وقد قال الحافظ بن عساكر‏:‏ أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن، أخبرنا سهل بن بشر، أنبأ الخليل بن هبة الله بن الخليل، أنبأ عبد الوهاب الكلابي، حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين، أنبأ العباس بن الوليد بن صبح، ثنا عباس بن يحيى أبو الحارث، حدثني الهيثم بن حمد، حدثني راشد بن داود، عن أسماء، عن ثوبان، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تزال الخلافة في بني أمية يتلقفونها تلقف الغلمان الكرة فإذا خرجت من أيديهم فلا خير في عيش‏)‏‏)‏‏.‏

هكذا أورده ابن عساكر وهو منكر جداً‏.‏

وقد سأل الرشيد أبا بكر بن عياش‏:‏ خير الخلفاء نحن أو بنوا أمية ‏؟‏

فقال‏:‏ هم كانوا أنفع للناس وأنتم أقوم للصلاة، فأعطاه ستة آلاف‏.‏

قالوا‏:‏ وقد كان مروان هذا كثير المروءة كثير العجب، يعجبه اللهو والطرب، ولكنه كان يشتغل عن ذلك بالحرب‏.‏

قال ابن عساكر‏:‏ قرأت بخط أبي الحسين علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن الأمير في مجموع له‏:‏ كتب مروان بن محمد إلى جارية له تركها بالرملة عند ذهابه إلى مصر منهزماً‏:‏

وما زال يدعوني إلى الصبر ما أرى * فآبى ويدنيني الذي لك في صدري

وكان عزيزاً أن تبيتي وبيننا * حجاب فقد أمسيت مني على عشر

وأنكاهما والله للقلب فاعلمي * إذا زدت مثليها فصرت على شهر

وأعظم من هذين والله أنني * أخاف بأن لا نلتقي آخر الدهر

سأبكيك لا مستبقاً فيض عبرة * ولا طالباً بالصبر عاقبة الصبر

وقال بعضهم‏:‏ اجتاز مروان وهو هارب براهب فاطلع عليه الراهب فسلم عليه فقال له‏:‏ يا راهب ‏!‏ هل عندك علم بالزمان ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏ عندي من تلونه ألوان‏.‏

قال‏:‏ هل تبلغ الدنيا من الإنسان أن تجعله مملوكاً بعد أن كان مالكاً ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ فكيف ‏؟‏

قال‏:‏ بحبه لها وحرصه على نيل شهواتها، وتضييع الحزم وترك انتهاز الفرص، فإن كنت تحبها فإن عبدها من أحبها‏.‏

قال‏:‏ فما السبيل إلى العتق ‏؟‏

قال‏:‏ ببغضها والتجافي عنها‏.‏

قال‏:‏ هذا ما لا يكون‏.‏

قال الراهب‏:‏ أما إنه سيكون فبادر بالهرب منها قبل أن تسلبها‏.‏

قال‏:‏ هل تعرفني ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏ أنت ملك العرب مروان، تقتل في بلاد السودان، وتدفن بلا أكفان، فلولا أن الموت في طلبك لدللتك على موضع هربك‏.‏

 

قال بعض الناس‏:‏ كان يقال في ذلك الزمان‏:‏ يقتل ع بن ع بن ع م بن م بن م يعنون‏:‏ يقتل عبد الله بن علي بن عباس بن مروان بن محمد بن مروان‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ جلس مروان يوماً وقد أحيط به وعلى رأسه خادم له قائم، فقال مروان لبعض من يخاطبه‏:‏ ألا ترى ما نحن فيه‏؟‏ لهفي على أيد ما ذكرت، ونعم ما شكرت، ودولة ما نصرت‏.‏

فقال له الخادم‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ من ترك القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفي حتى يظهر، وأخر فعل اليوم لغد، حل به أكثر من هذا‏.‏

فقال مروان‏:‏ هذا القول أشد عليَّ من فقد الخلافة‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن مروان قتل يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وقد جاوز الستين وبلغ الثمانين، وقيل‏:‏ إنما عاش أربعين سنة، والصحيح الأول‏.‏

وهو آخر خلفاء بني أمية به انقضت دولتهم‏.‏

 ما ورد في انقضاء دولة بني أمية وابتداء بني العباس من الأخبار النبوية

قال العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلاً اتخذوا دين الله دغلاً، وعباد الله خولاً، ومال الله دولاً‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعاً بنحوه‏.‏

وروى ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن ابن وهب، أنه كان عند معاوية فدخل عليه مروان بن الحكم فتكلم في حاجة فقال‏:‏ اقض حاجتي، فإني لأبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة‏.‏

فلما أدبر مروان، قال معاوية لابن عباس وهو معه على السرير‏:‏ أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباد الله خولاً، وكتاب الله دغلاً، فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال ابن عباس‏:‏ اللهم نعم ‏؟‏

فلما أدبر مروان قال معاوية‏:‏ أنشدك بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبو الجبابرة الأربعة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال ابن عباس‏:‏ اللهم نعم‏.‏

وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدثنا القاسم بن الفضل، ثنا يوسف بن مازن الراسبي، قال‏:‏ قام رجل إلى الحسين بن علي، فقال‏:‏ يا مسود وجوه المؤمنين ‏!‏

فقال الحسين‏:‏ لا تؤنبني رحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلاً رجلاً فساءه ذلك فنزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ‏}‏ ‏[‏الكوثر‏:‏ ‏]‏ وهو نهر في الجنة، ونزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏ السورة إلى قوله‏:‏ ‏{‏خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ‏}‏ ‏[‏القدر‏:‏ -‏]‏ مملكة بني أمية‏.‏

قال‏:‏ فحسبنا ذلك فإذا هو كما قال لا يزيد ولا ينقص‏.‏

وقد رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، ثم قال‏:‏ غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي‏.‏

قال‏:‏ وشيخه يوسف بن سعد‏.‏

ويقال‏:‏ يوسف بن مازن، رجل مجهول، ولا يعرف هذا بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه‏.‏

أخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث القاسم بن الفضل الحداني، وقد تكلمت على نكارة هذا الحديث في التفسير بكلام مبسوط، وإنما يكون متجهاً إذا قيل إن دولتهم ألف شهر بأن نسقط منها أيام ابن الزبير، وذلك أن معاوية بويع به مستقلاً بالملك في سنة أربعين، وهي عام الجماعة حين سلم إليه الحسن بن علي الأمر بعد ستة أشهر من قتل علي، ثم زالت الخلافة عن بني أمية في هذه السنة، وهي سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وذلك ثنتان وتسعون سنة، وإذا أسقط منها تسع سنين من خلافة ابن الزبير بقي ثلاث وثمانون سنة، وهي مباينة لما ورد في هذا الحديث، ولكن ليس هذا الحديث مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه و سلم، أنه فسر هذه الآية بهذا العدد، وإنما هذا من قول بعض الرواة، وقد تكلمنا على ذلك مطولاً في التفسير، وتقدم في الدلائل أيضاً تقريره، والله أعلم‏.‏

وقال علي بن المديني‏:‏ عن يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏رأيت بني أمية يصعدون منبري فشق ذلك عليَّ‏)‏‏)‏‏.‏

فأنزلت‏:‏ ‏(‏‏(‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏)‏‏)‏‏.‏ فيه ضعف وإرسال‏.‏

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة‏:‏ ثنا يحيى بن معين، ثنا عبد الله بن نمير، عن سفيان الثوري، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب، في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ ‏]‏‏.‏

قال‏:‏ رأى ناساً من بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فقيل له‏:‏ إنما هي دنيا يعطونها وتضمحل عن قليل فسري عنه‏.‏

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، قال‏:‏ لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فلاناً وهو من بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس فشق ذلك عليه فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ ‏]‏‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ سمعت أبا الجوزاء يقول‏:‏ والله لَيُعِزَّنَّ الله ملك بني أمية كما أعز ملك من كان قبلهم، ثم ليذلنّ ملكهم كما أذلّ ملك من كان قبلهم، ثم تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ ‏]‏‏.‏

وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثني إبراهيم بن سعيد، ثنا أبو أسامة، ثنا عمر بن حمزة، أخبرني عمر بن سيف مولى لعثمان بن عفان، قال‏:‏ سمعت سعيد بن المسيب، وهو يقول لأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة - وذكروا بني أمية - فقال‏:‏ لا يكون هلاكهم إلا بينهم‏.‏

قالوا‏:‏ كيف ‏؟‏

قال‏:‏ يهلك خلفاؤهم ويبقى شرارهم فيتنافسونها، ثم يكثر الناس عليهم فيهلكونهم‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ أنبأ أحمد بن محمد الأزرقي، ثنا الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏رأيت في النوم بني أبي الحكم أو بني أبي العاص ينزون على منبري، كما تنزوا القردة‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً بعدها حتى توفي‏.‏

قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الداري - لعله الدرامي -، حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد -، عن علي بن الحكم البنائي، عن أبي الحسن - هو الحمصي -، عن عمرو بن مرة - وكانت له صحبة -، قال‏:‏ جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ائذنوا له صبت عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة، ذوو دهاء وخديعة، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو بكر الخطيب البغدادي‏:‏ أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد، أنبأ محمد بن المظفر الحافظ، أنبأ أبو القاسم تمام بن خريم بن محمد بن مروان الدمشقي، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملابس، ثنا أبو النظر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد مولى أم الحكم بنت عبد العزيز، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث الصنعاني، عن ثوبان، قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً واضعاً رأسه على فخد أم حبيبة بنت أبي سفيان، فنحب ثم تبسم، فقالوا‏:‏ يا رسول الله رأيناك نحبت ثم تبسمت‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏رأيت في منامي بني أمية يتعاورون على منبري فساءني ذلك، ثم رأيت بني العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك‏)‏‏)‏‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدثني محمد بن خالد بن العباس، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني أبو عبد الله، عن الوليد بن هشام المعيطي، عن أبان بن الوليد، عن عقبة بن أبي معيط، قال‏:‏ قدم ابن عباس على معاوية وأنا حاضر فأجازه فأحسن جائزته، ثم قال‏:‏ يا أبا العباس ‏!‏ هل يكون لكم دولة ‏؟‏

فقال‏:‏ اعفني يا أمير المؤمنين‏.‏

فقال‏:‏ لتخبرني‏.‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ فمن أنصاركم ‏؟‏

قال‏:‏ أهل خراسان، ولبني أمية من بني هاشم نطحات‏.‏

وقال المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير‏:‏ سمعت ابن عباس، يقول‏:‏ يكون منا ثلاثة أهل البيت‏:‏ السفاح والمنصور والمهدي‏.‏

رواه البيهقي من غير وجه، ورواه الأعمش، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعاً‏.‏

وروى ابن أبي خيثمة، عن ابن معين، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس، قال‏:‏ كما افتتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا‏.‏

وهذا إسناد صحيح إليه، وكذا وقع ويقع للمهدي إن شاء الله‏.‏

وروى البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يقال له‏:‏ السفاح، يعطي المال حثياً‏)‏‏)‏‏.‏

وقال عبد الزراق‏:‏ حدثنا الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يقتتل عند حرتكم هذه ثلاثة كلهم ولد خليفة لا تصير إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات من خراسان فيقتلونكم مقتلة لم ير مثلها‏.‏ ثم ذكر شيئاً فإذا كان كذلك فأتوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه بعضهم، عن ثوبان، فوقفه وهو أشبه، والله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثني يحيى بن غيلان وقتيبة بن سعيد، قالا‏:‏ ثنا راشد بن سعد، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قصيبة، هو ابن ذؤيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب بإيليا‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث راشد بن سعد المصري، وهو ضعيف‏.‏

ثم قال‏:‏ قد روي قريباً من هذا عن كعب الأحبار، وهو أشبه‏.‏

ثم رواه عن كعب أيضاً، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا الشام، ويقتل الله على أيديهم كل جبار وعدو لهم‏)‏‏)‏‏.‏

وروى إبراهيم بن الحسين، عن ابن أبي أويس، عن ابن أبي ذؤيب، عن محمد بن عبد الرحمن العامري، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس‏:‏ ‏(‏‏(‏فيكم النبوة وفيكم المملكة‏)‏‏)‏‏.‏

وروى عبد الله بن أحمد، عن ابن معين، عن عبيد بن أبي قرة، عن الليث، عن أبي قبيل، عن أبي ميسرة مولى العباس، قال‏:‏ سمعت العباس، يقول‏:‏ كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏انظر هل ترى في السماء من شيء‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما ترى‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ الثريا ‏!‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك‏)‏‏)‏‏.‏

قال البخاري‏:‏ عبيد بن أبي قرة لا يتابع على حديثه‏.‏

وروى ابن عدي، من طريق سويد بن سعيد، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن العباس، قال‏:‏ مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل، وأنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه لوسخ الثياب، وسيلبس ولده من بعده السواد‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا منكر من هذا الوجه، ولا شك أن بني العباس كان السواد من شعارهم، أخذوا ذلك من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، فأخذوا بذلك وجعلوه شعارهم في الأعياد والجمع والمحافل‏.‏

وكذلك كان جندهم لا بد من أن يكون على أحدهم شيء من السواد، ومن ذلك الشربوش الذي يلبسه الأمراء إذا خلع عليهم‏.‏

وكذلك دخل عبد الله بن علي دمشق يوم دخلها وعليه السواد، فجعل النساء والغلمان يعجبون من لباسه، وكان دخوله من باب كيسان‏.‏

وقد خطب الناس يوم الجمعة وصلى بهم وعليه السواد‏.‏

وقد روى ابن عساكر عن بعض الخراسانية قال‏:‏ لما صلى عبد الله بن علي بالناس يوم الجمعة صلى إلى جانبي رجل فقال‏:‏ الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، انظروا إلى عبد الله بن علي ما أقبح وجهه وأشنع سواده ‏؟‏‏!‏

وشعارهم إلى يومك هذا، كما تراه على الخطباء يوم الجمعة والأعياد‏.‏

 استقرار أبي العباس السفاح واستقلاله بالخلافة وما اعتمده في أيامه من السيرة الحسنة

قد تقدم أنه أول ما بويع له بالخلافة بالكوفة يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الآخر‏.‏

وقيل‏:‏ الأول من هذه السنة، سنة ثنتين وثلاثين ومائة‏.‏

ثم جرد الجيوش إلى مروان فطردوه عن المملكة وأجلوه عنها، وما زالوا خلفه حتى قتلوه ببوصير من بلاد الصعيد، بأرض مصر، في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة على ما تقدم بيانه، وحينئذ استقل السفاح بالخلافة واستقرت يده على بلاد العراق وخراسان والحجاز والشام والديار المصرية، خلا بلاد الأندلس، فإنه لم يحكم عليها ولا وصل سلطانه إليها، وذلك أن بعض من دخلها من بني أمية استحوذ عليها وملكها، كما سيأتي بيانه‏.‏

وقد خرج على السفاح في هذه السنة طوائف، فمنهم‏:‏ أهل قنسرين بعد ما بايعوه على يدي عمه عبد الله بن علي وأقر عليهم أميرهم مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان من أصحاب مروان وأمرائه، فخلع السفاح ولبس البياض، وحمل أهل البلد على ذلك فوافقوه‏.‏

وكان السفاح يومئذ بالحيرة، وعبد الله بن علي مشغول بالبلقاء يقاتل بها حبيب بن مرة المزي ومن وافقه من أهل البلقاء والبثنية وحوران على خلع السفاح، فلما بلغه عن أهل قنسرين ما فعلوا صالح حبيب بن مرة وسار نحو قنسرين، فلما اجتاز بدمشق - وكان بها أهله وثقله - استخلف عليها أبا غانم، عبد الحميد بن ربعي الكناني في أربعة آلاف‏.‏

فلما جاوز البلد وانتهى إلى حمص نهض أهل دمشق مع رجل يقال له‏:‏ عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة فخلعوا السفاح وبيضوا وقتلوا الأمير أبا غانم وقتلوا جماعة من أصحابه وانتهبوا ثقل عبد الله بن علي بن وحواصله، ولم يتعرضوا لأهله‏.‏

وتفاقم الأمر على عبد الله وذلك أن أهل قنسرين تراسلوا مع أهل حمص وتزمروا واجتمعوا على أبي محمد السفياني، وهو‏:‏ أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فبايعوه بالخلافة وقام معه نحو من أربعين ألفاً، فقصدهم عبد الله بن علي فالتقوا بمرج الأخرم فاقتتلوا مع مقدمة السفياني وعليها أبو الورد فاقتتلوا قتالاً شديداً، وهزموا عبد الله عبد الصمد، وقتل من الفريقين ألوف، فتقدم إليهم عبد الله بن علي ومعه حميد بن قحطبة فاقتتلوا قتالاً شديداً جداً، وجعل أصحاب عبد الله يفرون وهو ثابت هو وحميد‏.‏

وما زال حتى هزم أصحاب أبي الورد، وثبت أبو الورد في خمسمائة فارس من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعاً وهرب أبو محمد السفياني ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوه ورجعوا إلى الطاعة، ثم كر عبد الله راجعاً إلى دمشق وقد بلغه ما صنعوا، فلما دنا منها تفرقوا عنها ولم يكن منهم قتال، فأمنهم ودخلوا في الطاعة‏.‏

وأما أبو محمد السفياني فإنه مازال مضيعاً ومشتتاً حتى لحق بأرض الحجاز فقاتله نائب أبي جعفر المنصور في أيام المنصور، فقتله وبعث برأسه وبابنين له أخذهما أسيرين فأطلقما المنصور في أيامه‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن وقعة السفياني يوم الثلاثاء آخر يوم من ذي الحجة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، فالله أعلم‏.‏

وممن خلع السفاح أيضاً‏:‏ أهل الجزيرة حين بلغهم أن أهل قنسرين خلعوا، فوافقهم وبيضوا وركبوا إلى نائب حران من جهة السفاح - وهو‏:‏ موسى بن كعب - وكان في ثلاثة آلاف قد اعتصم بالبلد، فحاصروه قريباً من شهرين‏.‏

ثم بعث السفاح أخاه أبا جعفر المنصور فيمن كان بواسطة محاصري ابن هبيرة، فمر في مسيره إلى حران بقرقيسيا وقد بيضوا فغلقوا أبوابها دونه، ثم مر بالرقة وعليها بكار بن مسلم وهم كذلك، ثم بحاجر وعليها إسحاق بن مسلم فيمن معه من أهل الجزيرة يحاصرونها فرحل إسحاق عنها إلى الرها‏.‏

وخرج موسى بن كعب فيمن معه من جند حران فتلقاه المنصور ودخلوا في جيشه، وقدم بكار بن مسلم على أخيه إسحاق بن مسلم بالرها فوجهه إلى جماعة ربيعه بدارا وماردين، ورئيسهم حروري يقال له‏:‏ بريكة، فصارا حزباً واحداً، فقصد إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالاً شديداً، فقتل بريكة في المعركة، وهرب بكار إلى أخيه بالرها، فاستخلفه بها ومضى بمعظم العسكر حتى نزل سميساط وخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر فحاصر بكاراً بالرها، وجرت له معه وقعات‏.‏

وكتب السفاح إلى عمه عبد الله بن علي أن يسير إلى سميساط، وقد اجتمع على إسحاق بن مسلم ستون ألفاً من أهل الجزيرة، فسار إليهم عبد الله واجتمع إليه أبو جعفر المنصور، فكاتبهم إسحاق وطلب منهم الأمان فأجابوه إلى ذلك، على إذن أمير المؤمنين‏.‏

وولى السفاح أخاه أبا جعفر المنصور الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، فلم يزل عليها حتى أفضت إليه الخلافة بعد أخيه، ويقال‏:‏ إن إسحاق بن مسلم العقيلي إنما طلب الأمان لما تحقق أن مروان قد قتل، وذلك بعد مضي سبعة أشهر وهو محاصر، وقد كان صاحباً لأبي جعفر المنصور فآمنه‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ذهب أبو جعفر المنصور عن أمر أخيه السفاح إلى أبي مسلم الخراساني وهو أميرها، ليستطلع رأيه في قتل أبي سلمة، لأنه كان يريد أن يصرف الخلافة عنهم، فيسأله هل ذلك كان عن ممالأة أبي مسلم لأبي سلمة في ذلك أم لا ‏؟‏

فسكت القوم، فقال السفاح‏:‏ لئن كان هذا عن رأيه إنا لَبعَرَ بلاء عظيم، إلا أن يدفعه الله عنا‏.‏

قال أبو جعفر‏:‏ فقال لي أخي‏:‏ ما ترى ‏؟‏

فقلت‏:‏ الرأي رأيك‏.‏

فقال‏:‏ إنه ليس أحد أخص بأبي مسلم منك، فاذهب إليه فاعلم لي علمه، فإن كان عن رأيه احتلنا له، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا‏.‏

قال أبو جعفر‏:‏ فخرجت إليه قاصداً على وجل‏.‏

قال المنصور‏:‏ فلما وصلت إلى الري إذا كتاب أبي مسلم إلى نائبها يستحثني إليه في المسير، فازددت وجلاً فلما انتهيت إلى نيسابور إذا كتابه يستحثني أيضاً‏.‏

وقال لنائبها‏:‏ لا تدعه يقر ساعة واحدة‏.‏

فإن أرضك بها خوارج، فانشرحت لذلك، فلما صرت من مرو على فرسخين، خرج يتلقاني ومعه الناس، فلما واجهني ترجل فقبل يدي، فأمرته فركب‏.‏

فلما دخلت مرو نزلت في داره، فمكث ثلاثاً لا يسألني في أي شيء جئت، فلما كان اليوم الرابع سألني‏:‏ ما أقدمك‏؟‏

فأخبرته بالأمر‏.‏

فقال‏:‏ أفعلها أبو سلمة ‏؟‏

أنا أكفيكموه‏.‏

فدعا مرَّار بن أنس الضبي فقال‏:‏ اذهب إلى الكوفة فحيث لقيت أبا سلمة فاقتله، وانته في ذلك إلى رأي الإمام‏.‏

فقدم مرَّار الكوفة الهاشمية، وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح، فلما خرج قتله مرِّار، وشاع أن الخوارج قتلوه، وغلقت البلد‏.‏

ثم صلى عليه يحيى بن محمد بن علي أخو أمير المؤمنين، ودفن بالهاشمية، وكان يقال له‏:‏ وزير آل محمد‏.‏

ويقال لأبي مسلم‏:‏ أمير آل محمد‏.‏

 

قال الشاعر‏:‏

إن الوزير وزير آل محمد * أودى فمن يشناك كان وزيرا

ويقال‏:‏ إن أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم بعد قتل أبي سلمة وكان معه ثلاثون رجلاً على البريد، منهم‏:‏ الحجاج بن أرطأة، وإسحاق بن الفضل الهاشمي، وجماعة من السادات‏.‏

ولما رجع أبو جعفر من خراسان قال لأخيه‏:‏ لست بخليفة ما دام أبو مسلم حياً حتى تقتله‏.‏

لما رأى من طاعة العساكر له، فقال له السفاح‏:‏ اكتمها‏.‏ فسكت‏.‏

ثم إن السفاح بعث أخاه أبا جعفر إلى قتال بن هبيرة بواسط، فلما اجتاز بالحسن بن قحطبة أخذه معه، فلما أحيط بابن هبيرة كتب إلى محمد بن عبد الله بن الحسن ليبايع له بالخلافة فأبطأ عليه جوابه، فمال إلى مصالحة أبي جعفر، فاستأذن أبو جعفر أخاه السفاح في ذلك فأذن له في المصالحة، فكتب له أبو جعفر كتاباً بالصلح، فمكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوماً‏.‏

ثم خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية، فلما دنا من سرادق أبي جعفر همَّ أن يدخل بفرسه فقال الحاجب سلام‏:‏ انزل أبا خالد‏.‏ فنزل‏.‏

وكان حول السرادق عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن له في الدخول فقال‏:‏ أنا ومن معي ‏؟‏

قال‏:‏ لا ‏!‏ بل أنت وحدك‏.‏

فدخل ووضعت له وسادة فجلس عليها، فحادثه أبو جعفر ساعة ثم خرج من عنده فأتبعه أبو جعفر بصره، ثم جعل يأتيه يوماً بعد يوم في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فشكوا ذلك إلى أبي جعفر فقال أبو جعفر للحاجب‏:‏ مره فليأت في حاشيته‏.‏

فكان يأتي في ثلاثين نفساً، فقال الحاجب‏:‏ كأنك تأتي متأهباً ‏؟‏

فقال‏:‏ لو أمرتموني بالمشي لمشيت إليكم‏.‏

ثم كان يأتي في ثلاثة أنفس، وقد خاطب ابن هبيرة يوماً لأبي جعفر فقال في غبون كلامه‏:‏ يا هناه - أو قال‏:‏ يا أيها المرء -‏.‏

ثم اعتذر إليه بأنه قد سبق لسانه إلى ذلك، فأعذره‏.‏

وقد كان السفاح كتب إلى أبي مسلم يستشيره في مصالحة ابن هبيرة فنهاه عن ذلك‏.‏

وكان السفاح لا يقطع أمراً دونه، فلما وقع الصلح على يدي أبي جعفر لم يحب السفاح ذلك ولم يعجبه، وكتب إلى أبي جعفر يأمر بقتله، فراجعه أبو جعفر مراراً لا يفيده ذلك شيئاً، حتى جاء كتاب السفاح‏:‏ أن أقتله لا محالة، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كيف يعطي الأمان وينكث‏؟‏ هذا فعل الجبابرة‏.‏

وأقسم عليه في ذلك‏.‏

فأرسل إليه أبو جعفر طائفة من الخراسانية فدخلوا عليه وعنده ابنه داود وفي حجره صبي صغير، وحوله مواليه وحاجبه، فدافع عنه ابنه حتى قتل، وقتل خلق من مواليه، وخلصوا إليه، فألقى الصبي من حجره وخرَّ ساجداً، فقتل وهو ساجد، واضطرب الناس، فنادى أبو جعفر في الناس بالأمان إلا عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزومي، وعمر بن ذر‏.‏

فسكن الناس ثم استؤمن لبعض هؤلاء وقتل بعضاً‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ بعث أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث إلى فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة الخلال فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ ولى السفاح أخاه يحيى بن محمد الموصل وأعمالها، وولى عمه داود مكة والمدينة واليمن واليمامة، وعزله عن الكوفة وولى مكانه عليها عيسى بن موسى، وولى قضاءها ابن أبي ليلى، وكان على نيابة البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، وعلى قضائها الحجاج بن أرطأة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث‏.‏

وعلى أرمينية وأذربيجان والجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى الشام وأعمالها عبد الله بن علي عم السفاح، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد‏.‏

وعلى خراسان وأعمالها أبو مسلم الخراساني، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك‏.‏

وحج بالناس فيها داود بن علي‏.‏

ذكر من توفي فيها من الأعيان‏:‏

 مروان بن محمد

ابن مروان بن الحكم، أبو عبد الملك، الأموي، آخر خلفاء بني أمية، فقتل في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة، كما تقدم ذلك مبسوطاً، وزيره عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بني عامر بن لؤي، الكاتب البليغ الذي يضرب به المثل، فيقال‏:‏ فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد‏.‏

وكان إماماً في الكتابة وجميع فنونها، وهو القدوة فيها‏.‏

وله رسائل في ألف ورقة، وأصله من قيسارية ثم سكن الشام، وتعلم هذا الشأن من سالم مولى هشام بن عبد الملك، وكان يعقوب بن داود وزير المهدي يكتب بين يديه، وعليه تخرج، وكان ابنه إسماعيل بن عبد الحميد ماهراً في الكتابة أيضاً، وقد كان أولاً يعلم الصبيان ثم تقلبت به الأحوال إلى أن صار وزيراً لمروان، وقتله السفاح ومثَّل به، وكان اللائق بمثله العفو عنه‏.‏

ومن مستجاد كلامه‏:‏ العلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة‏.‏

ومن كلامه وقد رأى رجلاً يكتب خطاً رديئاً فقال‏:‏ أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرِّف قطتك وأيمنها‏.‏

قال الرجل‏:‏ ففعلت ذلك فجاد خطي‏.‏

وسأله رجل أن يكتب له كتاباً إلى بعض الأكابر يوصيه به، فكتب إليه‏:‏ حقُّ موصل كتابي إليك كحقه علي إذ رآك موضعاً لأمله، ورآني أهلاً لحاجته، وقد قضيت أنا حاجته فصدِّق أنت أمله‏.‏

وكان كثيراً ما ينشد هذا البيت‏:‏

إذا خرج الكتاب كان دويهم * قسياً وأقلام القسي لها نبلا

وأبو سلمة حفص بن سليمان

هو أول من وزر لآل العباس، قتله أبو مسلم بالأنبار عن أمر السفاح بعد ولايته بأربعة أشهر، في شهر رجب‏.‏

وكان ذا هيئة فاضلاً حسن المفاكهة، وكان السفاح يأنس به ويحب مسامرته لطيب محاضرته، ولكن توهم ميله لآل علي فدس أبو مسلم عليه من قتله غيلة كما تقدم، فأنشد السفاح عند قتله‏:‏

إلى النار فليذهب ومن كان مثله * على أي شيء فاتنا منه نأسف

كان يقال له‏:‏ وزير آل محمد، ويعرف بالخلال، لسنكاه بدرب الخلالين بالكوفة، وهو أول من سمي بالوزير‏.‏

وقد حكى ابن خلكان، عن ابن قتيبة‏:‏ أن اشتقاق الوزير من الوزر وهو‏:‏ الحمل، فكأن السلطان حمله أثقالاً لاستناده إلى رأيه، كما يلجأ الخائف إلى جبل يعتصم به‏.‏

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة

فيها‏:‏ ولى السفاح عمه سليمان البصرة وأعمالها، وكور دجلة والبحرين وعمان‏.‏

ووجه عمه إسماعيل بن علي إلى كور الأهواز‏.‏

وفيها‏:‏ قتل داود بن علي من بمكة والمدينة من بني أمية‏.‏

وفيها توفي‏:‏ داود بن علي بالمدينة في شهر ربيع الأول، واستخلف ابنه موسى على عمله، وكانت ولايته على الحجاز ثلاثة أشهر، فلما بلغ السفاح موته استناب على الحجاز خاله محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد الدار الحارثي، وولى اليمن لابن خاله محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد الدار، وجعل إمرة الشام لعميه‏:‏ عبد الله وصالح بن علي، وأقر أبا عون على الديار المصرية نائباً‏.‏

وفيها‏:‏ توجه محمد بن الأشعث إلى إفريقية فقاتلهم قتالاً شديداً حتى فتحها‏.‏

وفيها‏:‏ خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبي مسلم وقال‏:‏ ما على هذا بايعنا آل محمد، على سفك الدماء وقتل الأنفس ‏؟‏

واتبعه على ذلك نحو من ثلاثين ألفاً، فبعث إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله فقتله‏.‏

وفيها‏:‏ عزل السفاح أخاه يحيى بن محمد عن الموصل، وولى عليه عمه إسماعيل‏.‏

وفيها‏:‏ ولى الصائفة من جهته صالحُ بن علي سعيدَ بن عبيد الله، وغزا ما وراء الدروب‏.‏

وحج بالناس خال السفاح زياد بن عبيد الله بن عبد الدار الحارثي‏.‏

ونواب البلاد هم الذين كانوا في التي قبلها سوى من ذكرنا أنه عزل‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة

فيها‏:‏ خلع بسام بن إبراهيم بن بسام الطاعة وخرج على السفاح، فبعث إليه خازم بن خزيمة فقاتله فقتل عامة أصحابه، واستباح عسكره‏.‏

ورجع فمر بملأ من بني عبد الدار أخوال السفاح فسألهم عن بعض ما فيه نصرة للخليفة، فلم يردوا عليه، واستهانوا به، وأمر بضرب أعناقهم - وكانوا قريباً من عشرين رجلاً ومثلهم من مواليهم - فاستعدى بنو عبد الدار على خازم بن خزيمة إلى السفاح، وقالوا‏:‏ قتل هؤلاء بلا ذنب‏.‏

فهمَّ السفاح بقتله، فأشار عليه بعض الأمراء بأن لا يقتله ولكن ليبعثه مبعثاً صعباً، فإن سلم فذاك، وإن قتل كان الذي أراد‏.‏

فبعثه إلى عمان وكان بها طائفة من الخوارج قد تمردوا وجهز معه سبعمائة رجل، وكتب إلى عمه سليمان بالبصرة أن يحملهم في السفن إلى عمان ففعل، فقاتل الخوارج فكسرهم وقهرهم واستحوذ على ما هنالك من البلاد، وقتل أمير الخوارج الصفرية وهو‏:‏ الجُلُندي، وقتل من أصحابه وأنصاره نحواً من عشرة آلاف، وبعث برؤوسهم إلى البصرة، فبعث بها نائب البصرة إلى الخليفة‏.‏

ثم بعد أشهر كتب إليه السفاح أن يرجع فرجع سالماً غانماً منصوراً‏.‏

وفيها‏:‏ غزا أبو مسلم بلاد الصغد ، وغزا أبو داود أحد نواب أبي مسلم بلاد كش، فقتل خلقاً كثيراً، وغنم من الأواني الصينية المنقوشة بالذهب شيئاً كثيراً جداً‏.‏

وفيها‏:‏ بعث السفاح موسى بن كعب إلى منصور بن جمهور وهو بالهند في اثني عشر ألفاً، فالتقاه موسى بن كعب وهو في ثلاثة آلاف فهزمه واستباح عسكره‏.‏

وفيها‏:‏ مات عامل اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد الدار، فاستخلف السفاح عليها عمه وهو خال الخليفة‏.‏

وفيها‏:‏ تحول السفاح من الحيرة إلى الأنبار‏.‏

وحج بالناس نائب الكوفة عيسى بن موسى، ونواب الأقاليم هم هم‏.‏

وفيها توفي من الأعيان‏:‏ أبو هارون العبدي، وعمارة بن جوين، ويزيد بن جابر الدمشقي، والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة

فيها‏:‏ خرج زياد بن صالح من وراء نهر بلخ على أبي مسلم فأظفره الله بهم فبدد شملهم واستقر أمره بتلك النواحي‏.‏

وحج بالناس فيها سليمان بن علي نائب البصرة، والنواب هم المذكورون قبلها‏.‏

وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏ يزيد بن سنان، وأبو عقيل زهرة بن معبد، وعطاء الخراساني‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة

فيها‏:‏ قدم أبو مسلم من خراسان على السفاح، وذلك بعد استئذانه الخليفة في القدوم عليه، فكتب إليه أن يقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه‏:‏ إني قد وترت الناس، وإني أخشى من قلة الخمسمائة‏.‏

فكتب إليه أن يقدم في ألف فقدم في ثمانية آلاف، فرقهم وأخذ معه من الأموال والتحف والهدايا شيئاً كثيراً‏.‏

ولما قدم لم يكن معه سوى ألف من الجند، فلقاه القواد والأمراء إلى مسافة بعيدة‏.‏

ولما دخل على السفاح أكرمه وعظمه واحترمه وأنزله قريباً منه، وكان يأتي إلى الخلافة كل يوم، واستأذن الخليفة في الحج فأذن له، وقال‏:‏ لولا أني عينت الحج لأخي أبي جعفر لأمرتك على الحج‏.‏

وكان الذي بين أبي جعفر وأبي مسلم خراباً وكان يبغضه، وذلك لما رأى ما هو فيه من الحرمة حين قدم عليه نيسابور في البيعة للسفاح وللمنصور بعده، فحار في أمره لذلك، فحقد عليه المنصور وأشار على السفاح بقتله، فأمر بكتم ذلك‏.‏

وحين قدم أمره بقتله أيضاً وحرضه على ذلك، فقال له السفاح‏:‏ قد علمت بلاءه معنا وخدمته لنا‏.‏

فقال أبو جعفر‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ إنما ذلك بدولتنا، والله لو أرسلت سنوراً لسمعوا لها وأطاعوا، وإنك إن لم تتعش به تغدى بك هو‏.‏

فقال له‏:‏ كيف السبيل إلى ذلك ‏؟‏

فقال‏:‏ إذا دخل عليك فحادثه ثم أجيء أنا من ورائه فأضربه بالسيف‏.‏

قال‏:‏ كيف بمن معه ‏؟‏

قال‏:‏ هم أذل وأقل‏.‏

فأذن له في قتله، فلما دخل أبو مسلم على السفاح ندم على ما كان أذن لأخيه فيه، فبعث إليه الخادم يقول له‏:‏ إن ذاك الذي بينك وبينه ندم عليه فلا تفعله‏.‏

فلما جاءه الخادم وجده محتبياً بالسيف قد تهيأ لما يريد من قتل أبي مسلم، فلما نهاه عن ذلك غضب أبو جعفر غضباً شديداً‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس أبو جعفر المنصور عن ولاية أخيه السفاح، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمر الخليفة، وأذن له في الحج، فلما رجعا من الحج وكانا بذات عرق جاء الخبر إلى أبي جعفر - وكان يسير قبل أبي مسلم بمرحلة - بموت أخيه السفاح، فكتب إلى أبي مسلم أن قد حدث أمر فالعجل العجل، فلما استعلم أبو مسلم الخبر عجل السير وراءه، فلحقه إلى الكوفة‏.‏

وكانت بيعة المنصور على ما سيأتي بيانه وتفصيله قريباً، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 ترجمة أبي العباس السفاح أول خلفاء بني العباس

هو‏:‏ عبد الله السفاح - ويقال له‏:‏ المرتضى، والقاسم أيضاً - ابن محمد بن الإمام بن علي السجاد بن عبد الله الحبر بن العباس بن عبد المطلب، القرشي الهاشمي، أمير المؤمنين، وأمه‏:‏ ريطة - ويقال‏:‏ رايطة - بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد الدار الحارثي‏.‏

كان مولد السفاح بالحميمة من أرض الشراة من البلقاء بالشام، ونشأ بها حتى أخذ مروان أخاه إبراهيم الإمام فانتقلوا إلى الكوفة‏.‏

بويع بالخلافة بعد مقتل أخيه في حياة مروان يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول بالكوفة كما تقدم‏.‏

وتوفي بالجدري بالأنبار يوم الأحد الحادي عشر، وقيل‏:‏ الثالث عشر من ذي الحجة، سنة ست وثلاثين ومائة‏.‏

وكان عمره ثلاثاً، وقيل‏:‏ ثنتين، وقيل‏:‏ إحدى وثلاثين سنة، وقيل‏:‏ ثمان وعشرين سنة‏.‏ قاله غير واحد‏.‏

وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وكان أبيض جميلاً طويلاً، أقنى الأنف، جعد الشعر، حسن اللحية، حسن الوجه، فصيح الكلام، حسن الرأي، جيد البديهة‏.‏

دخل عليه في أول ولايته عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ومعه مصحف وعند السفاح وجوه بني هاشم من أهل بيته وغيرهم، فقال له‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف‏.‏

قال‏:‏ فأشفق عليه الحاضرون أن يعجل السفاح عليه بشيء أو يترك جوابه فيبقى ذلك مسبة عليه وعليهم‏.‏

فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا منزعج، فقال‏:‏ إن جدك علياً، كان خيراً مني وأعدل، وقد ولي هذا الأمر فأعطى جديك الحسن والحسين وكانا خيراً منك، شيئاً قد أعطيتكه وزدتك عليه، فما كان هذا جزائي منك‏.‏

قال‏:‏ فما رد عليه عبد الله بن حسن جواباً، وتعجب الناس من سرعة جوابه وجدته وجودته على البديهة‏.‏

وقد وقال الإمام أحمد في مسنده‏:‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا الأعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له‏:‏ السفاح، يكون إعطاؤه المال حثياً‏)‏‏)‏‏.‏

وكذا رواه زائدة وأبو معاوية، عن الأعمش، به‏.‏

وهذا الحديث في إسناده عطية العوفي وقد تكلموا فيه‏.‏

وفي أن المراد بهذا الحديث هذا السفاح نظر، والله أعلم‏.‏

وقد ذكرنا فيما تقدم عند زوال دولة بني أمية أخباراً وآثاراً في مثل هذا المعنى‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ حدثني محمد بن سلمة بن محمد بن هشام، أخبرني محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثني داود بن عيسى، عن أبيه، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو‏:‏ والد السفاح - قال‏:‏ دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من النصارى فقال له عمر‏:‏ من تجدون الخليفة بعد سليمان ‏؟‏

قال له‏:‏ أنت ‏!‏

فأقبل عمر بن عبد العزيز عليه فقال له‏:‏ زدني من بيانك‏.‏

فقال‏:‏ ثم آخر، إلى أن ذكر خلافة بني أمية إلى آخرها‏.‏

قال محمد بن علي‏:‏ فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني في بالي فرأيته يوماً فأمرت غلامي أن يحبسه عليَّ، وذهبت إلى منزلي فسألته عما يكون في خلفاء بني أمية فذكرهم واحداً واحداً، وتجاوز عن مروان بن محمد‏.‏

قلت‏:‏ ثم من ‏؟‏

قال‏:‏ ثم ابن الحارثية، وهو ابنك‏.‏

قال‏:‏ وكان ابني ابن الحارثية إذ ذاك حملاً‏.‏

قال‏:‏ ووفد أهل المدينة على السفاح فبادروا إلى تقبيل يده غير عمران بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العدوي، فإنه لم يقبل يده، إنما حياه بالخلافة فقط‏.‏

وقال‏:‏ والله يا أمير المؤمنين ‏!‏ لو كان تقبيلها يزيدك رفعة ويزيدني وسيلة إليك ما سبقني إليها أحد من هؤلاء، وإني لغني عما لا أجر فيه، وربما قادنا عمله إلى الوزر، ثم جلس‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما نقصه ذلك عنده حظاً من حظ أصحابه، بل أحبه وزاده‏.‏

وذكر القاضي المعافى بن زكريا‏:‏ أن السفاح بعث رجلاً ينادي في عسكر مروان بهذين البيتين ليلاً ثم رجع‏:‏

يا آل مروان إن الله مهلككم * ومبدل أمنكم خوفاً وتشريدا

لا عمَّر الله من أنسالكم أحداً * وبثكم في بلاد الخوف تطريدا

وروى الخطيب البغدادي أن السفاح نظر يوماً في المرآة - وكان من أجمل الناس وجهاً - فقال‏:‏ اللهم لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك‏:‏ أنا الخليفة الشاب، ولكن أقول‏:‏ اللهم عمرني طويلاً في طاعتك ممتعاً بالعافية‏.‏

فما استتم كلامه حتى سمع غلاماً يقول لآخر‏:‏ الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام‏.‏

فتطير من كلامه وقال‏:‏ حسبي الله لا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين‏.‏ فمات بعد شهرين وخمسة أيام‏.‏

وذكر محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي‏:‏ أن الرشيد أمر ابنه أن يسمع من إسحاق بن عيسى بن علي ما يرويه عن أبيه في قصة السفاح، فأخبره عن أبيه عيسى، أنه دخل على السفاح يوم عرفة بكرة فوجده صائماً، فأمره أن يحادثه في يومه هذا ثم يختم ذلك بفطره عنده‏.‏

قال‏:‏ فحادثته حتى أخذه النوم فقمت عنه وقلت‏:‏ أقيل في منزلي ثم أجيء بعد ذلك‏.‏

فذهبت فنمت قليلاً ثم قمت فأقبلت إلى داره فإذا على بابه بشير يبشر بفتح السند وبيعتهم للخليفة وتسليم الأمور إلى نوابه‏.‏

قال‏:‏ فحمدت الله الذي وفقني في الدخول عليه بهذه البشارة، فدخلت الدار فإذا بشير أخر معه بشارة بفتح إفريقية، فحمدت الله فدخلت عليه فبشرته بذلك وهو يسرح لحيته بعد الوضوء، فسقط المشط من يده ثم قال‏:‏ سبحان الله، كل شيء بائد سواه، نعيت والله إليَّ نفسي، حدثني إبراهيم الإمام، عن أبي هشام، عن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يقدم عليَّ في مدينتي هذه وافدان‏:‏ وافد السند والآخر وافد إفريقية بسمعهم وطاعتهم وبيعتهم، فلا يمضي بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أموت‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وقد أتاني الوافدان فأعظم الله أجرك يا عم في ابن أخيك‏.‏

فقلت‏:‏ كلا يا أمير المؤمنين ‏!‏ إن شاء الله‏.‏

قال‏:‏ بلى ‏!‏ إن شاء الله، لئن كانت الدنيا حبيبة إليَّ فالآخرة أحب إلي، ولقاء ربي خير لي، وصحة الرواية عن رسول الله بذلك أحب إلي منها، والله ما كَذبت ولا كُذبت‏.‏

ثم نهض فدخل منزله وأمرني بالجلوس، فلما جاء المؤذن يعلمه بوقت الظهر خرج الخادم يعلمني أن أصلي عنه، وكذلك العصر والمغرب والعشاء، وبت هناك، فلما كان وقت السحر أتاني الخادم بكتاب معه يأمرني أن أصلي عنه الصبح والعيد ثم أرجع إلى داره، وفيه يقول‏:‏ يا عم ‏!‏ إذا مت فلا تعلم الناس بموتي حتى تقرأ عليهم هذا الكتاب فيبايعوا لمن فيه‏.‏

قال‏:‏ فصليت بالناس ثم رجعت إليه فإذا ليس به بأس، ثم دخلت عليه من آخر النهار فإذا هو على حاله غير أنه قد خرجت في وجهه حبتان صغيرتان، ثم كبرتا، ثم صار في وجهه حب صغار بيض، يقال‏:‏ إنه جدري، ثم بكرت إليه في اليوم الثاني فإذا هو قد هجر وذهبت عنه معرفتي ومعرفة غيري، ثم رجعت إليه بالعشي فإذا هو انتفخ حتى صار مثل الزق، وتوفي اليوم الثالث من أيام التشريق، فسجيته كما أمرني، وخرجت إلى الناس فقرأت عليهم كتابه فإذا فيه‏:‏ من عبد الله أمير المؤمنين إلى الأولياء وجماعة المسلمين، سلام عليكم أما بعد فقد قلد أمير المؤمنين الخلافة عليكم بعد وفاته أخاه فاسمعوا وأطيعوا، وقد قلدها من بعده عيسى بن موسى إن كان‏.‏

قال‏:‏ فاختلف الناس في قوله‏:‏ إن كان، قيل‏:‏ إن كان أهلاً لها، وقال آخرون‏:‏ إن كان حياً‏.‏

وهذا القول الثاني هو الصواب، ذكره الخطيب وابن عساكر مطولاً‏.‏ وهذا ملخص منه‏.‏ وفيه ذكر الحديث المرفوع وهو منكر جداً‏.‏

وذكر ابن عساكر أن الطبيب دخل عليه فأخذ بيده فأنشأ يقول عند ذلك‏:‏

انظر إلى ضعف الحرا * ك وذله بعد السكون

ينبيك أن بيانه * هذا مقدمة المنون

فقال الطبيب‏:‏ أنت صالح‏.‏

فأنشأ يقول‏:‏

 

يبشرني بأني ذو صلاح * يبين له وبي داء دفين

ولقد أيقنت إني غير باق * ولا شك إذا وضح اليقين

قال أهل العلم‏:‏ كان آخر ما تكلم به السفاح‏:‏

الملك لله الحي القيوم، ملك الملوك، وجبار الجبابرة‏.‏

وكان نقش خاتمه‏:‏ الله ثقة عبد الله‏.‏

وكان موته بالجدري في يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بالأنبار العتيقة، عن ثلاث وثلاثين سنة‏.‏

وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر على أشهر الأقوال‏.‏

وصلى عليه عمه عيسى بن علي، ودفن في قصر الإمارة من الأنبار‏.‏

وترك‏:‏ تسع جبات، وأربعة أقمصة، وخمس سراويلات، وأربعة طيالسة، وثلاث مطارف خز‏.‏

وقد ترجمه ابن عساكر فذكر بعض ما أوردناه، والله أعلم‏.‏

وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏ السفاح كما تقدم، وأشعث بن سوار، وجعفر بن أبي ربيعة، وحصين بن عبد الرحمن، وربيعة الراعي، وزيد بن أسلم، وعبد الملك بن عمير، وعبد الله بن أبي جعفر، وعطاء بن السائب، وقد ذكرنا تراجمهم في التكميل ولله الحمد‏.