الجزء الثالث عشر - ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وستمائة

 ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وستمائة

استهلت والخليفة الحاكم بأمر الله والسلطان الملك المنصور قلاوون‏.‏

وفيها‏:‏ أرسل ملك التتار أحمد إلى الملك المنصور يطلب منه المصالحة وحقن الدماء فيما بينهم، وجاء في الرسلية الشيخ قطب الدين الشيرازي أحد تلامذة النصير الطوسي، فأجاب المنصور إلى ذلك وكتب المكاتبات إلى ملك التتر بذلك‏.‏

وفي مستهل صفر قبض السلطان على الأمير الكبير بدر الدين بيسرى السعدي، وعلى الأمير علاء الدين السعدي الشمسي أيضاً‏.‏

وفيها‏:‏ درس القاضي بدر الدين بن جماعة بالقيمرية والشيخ شمس الدين بن الصفي الحريري، بالسرحانية وعلاء الدين بن الزملكاني بالأمينية‏.‏

وفي يوم الاثنين الحادي عشر من رمضان وقع حريق باللبادين عظيم، وحضر نائب السلطنة إذ ذاك الأمير حسام الدين لاجين السلحدار وجماعة كثيرة من الأمراء، وكانت ليلة هائلة جداً وقى الله شرها، واستدرك بعد ذلك أمرها القاضي نجم الدين بن النحاس ناظر الجامع، فأصلح الأمر وسد وأعاد البناء أحسن مما كان، ولله الحمد والمنة‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخ الصالح بقية السلف إبراهيم بن الدرحي

برهان الدين أبو إسحاق بن الشيخ صفي الدين أبي الفدا إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي بن الرضى الحنفي إمام المعزية بالكشك‏.‏

وأسمع من جماعة منهم الكندي بن الحرستاني ولكن لم يظهر سماعه منهما إلا بعد وفاته، وقد أجاز له أبو نصر الصيدلاني وعفيفة الفارقانية وابن الميداني، وكان رجلاً صالحاً محباً لإسماع الحديث، كثير البر بالطلبة له، وقد قرأ عليه الحافظ جمال الدين المزي معجم الطبراني الكبير، وسمعه منه بقراءة الحافظ البرزالي وجماعة كثيرون‏.‏

وكان مولده في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وتوفي يوم الأحد سابع صفر، وهو اليوم الذي قدم فيه الحجاج إلى دمشق من الحجاز، وكان هو معهم فمات بعد استقراره بدمشق‏.‏

 القاضي أمين الدين الأشتري

أبو العباس أحمد بن شمس الدين أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الجبار بن طلحة الحلبي المعروف بالأشتري الشافعي، المحدث، سمع الكثير وحصل ووقف أجزاء بدار الحديث الأشرفية وكان الشيخ محيي الدين النووي يثني عليه، ويرسل إليه الصبيان ليقرأوا عليه في بيته لأمانته عنده، وصيانته وديانته‏.‏

 الشيخ برهان الدين أبو الثناء

محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن المراغي الشافعي، مدرس الفلكية، كان فاضلاً بارعاً، عرض عليه القضاء فلم يقبل، توفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر عن ست وسبعين سنة، وسمع الحديث وأسمعه، ودرس بعده بالفلكية القاضي بهاء الدين بن الزكي‏.‏

 

 

 القاضي الإمام العلامة شيخ القراء زين الدين

أبو محمد بن عبد السلام بن علي بن عمر الزواوي المالكي، قاضي قضاة المالكية بدمشق، وهو أول من باشر القضاء بها، وعزل نفسه عنها تورعاً وزهادة، واستمر بلا ولاية ثمان سنين، ثم كانت وفاته ليلة الثلاثاء ثامن رجب منها عن ثلاث وثمانين سنة، وقد سمع الحديث واشتغل على السنجاري وابن الحاجب‏.‏

 الشيخ صلاح الدين

محمد بن القاضي شمس الدين علي بن محمود بن علي الشهرزوري، مدرس القيمرية وابن مدرسها، توفي في أواخر رجب، وتوفي أخوه شرف الدين بعده بشهر، ودرس بالقيمرية بعد الصلاح المذكور القاضي بدر الدين بن جماعة‏.‏

 ابن خلكان قاضي القضاة

شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الأربلي الشافعي أحد الأئمة الفضلاء، والسادة العلماء، والصدور الرؤساء، وهو أول من جدد في أيامه قضاء القضاة من سائر المذاهب، فاشتغلوا بالأحكام بعد ما كانوا نواباً له‏.‏

وقد كان المنصب بينه وبين ابن الصائغ دولاً يعزل هذا تارة ويولىّ هذا، ويعزل هذا ويولىّ هذا، وقد درس ابن خلكان في عدة مدارس لم تجتمع لغيره، ولم يبق معه في آخر وقت سوى الأمينية، وبيد ابنه كمال الدين موسى النجيبية‏.‏

توفي ابن خلكان بالمدرسة النجيبية المذكورة بإيوانها يوم السبت آخر النهار، في السادس والعشرين من رجب، ودفن من الغد بسفح قاسيون عن ثلاث وسبعين سنة‏.‏

وقد كان ينظم نظماً حسناً رائقاً، وقد كانت محاضرته في غاية الحسن، وله ‏(‏التاريخ المفيد‏)‏ الذي رسم بوفيات الأعيان من أبدع المصنفات، والله سبحانه أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وستمائة

فيها‏:‏ قدم الملك المنصور إلى دمشق في يوم الجمعة سابع رجب في أبهة عظيمة، وكان يوماً مشهوداً‏.‏

وفيها‏:‏ ولى الخطابة بدمشق الشيخ عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي عوضاً عن محيي الدين بن الحرستاني الذي توفي فيها كما سيأتي، وخطب يوم الجمعة الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة‏.‏

وفي هذا اليوم قبل الصلاة احتيط على القاضي عز الدين بن الصائغ بالقلعة وأثبت ابن الحصري نائب الحنفي محضراً يتضمن أن عنده وديعة بمقدار ثمانية آلاف دينار، من جهة ابن الإسكاف‏.‏

وكان الذي أثار ذلك شخص قدم من حلب يقال له تاج الدين بن السنجاري، وولي القضاء بعده بهاء الدين يوسف بن محيي الدين بن الزكي، وحكم يوم الأحد ثالث وعشرين رجب، ومنع الناس من زيارة ابن الصائغ، وسعى بمحضر آخر أن عنده وديعة بقيمة خمسة وعشرين ألف دينار للصالح إسماعيل بن أسد الدين، وقام في ذلك ابن الشاكري والجمال بن الحموي وآخرون، وتكلموا في قضية ثالثة‏.‏

ثم عقد له مجلس تأله فيه شدة شديدة، وتعصبوا عليه ثم أعيد إلى اعتقاله، وقام في صفة نائب السلطنة حسام الدين لاجين وجماعة من الأمراء، فكلموا فيه السلطان فأطلقه وخرج إلى منزله، وجاء الناس إلى تهنئته يوم الاثنين الثالث والعشرين من شعبان، وانتقل من العادلية إلى داره بدرب النقاشة، وكان عامة جلوسه في المسجد تجاه داره‏.‏

وفي رجب باشر حسبة دمشق جمال الدين بن صصرى‏.‏

وفي شعبان درس الخطيب جمال الدين بن عبد الكافي بالغزالية عوضاً عن الخطيب ابن الحرستاني، وأخذ منه الدولعية لكمال الدين بن النجار، الذي كان وكيل بيت المال، ثم أخذ شمس الدين الأربلي تدريس الغزالية من ابن عبد الكافي المذكور‏.‏

وفي آخر شعبان باشر نيابة الحكم عن ابن الزكي شرف الدين أحمد بن نعمة المقدسي أحد أئمة الفضلاء، وسادات العلماء المصنفين‏.‏

ولما توفي أخوه شمس الدين محمد في شوال ولي مكانه تدريس الشامية البرانية، وأخذت منه العادلية الصغيرة، فدرس فيها القاضي نجم الدين أحمد بن صصرى التغلبي في ذي القعدة، وأخذت من شرف الدين أيضاً الرواحية فدرس فيها نجم الدين البيابي نائب الحكم رحمهم الله أجمعين‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الصدر الكبير عماد الدين أبو الفضل

محمد بن القاضي شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة الله بن الشيرازي، صاحب الطريقة المنسوبة في الكتابة، سمع الحديث وكان من رؤساء دمشق وأعيانها توفي في صفر منها‏.‏ ‏

 شيخ الجبل الشيخ العلاّمة شيخ الإسلام

شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي، أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق، ثم تركه وتولاه ابنه نجم الدين، وتدريس الأشرفية بالجبل، وقد سمع الحديث الكثير، وكان من علماء الناس وأكثرهم ديانة وأمانة في عصره، مع هدى وسمت صالح حسن، وخشوع ووقار‏.‏

توفي ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، ودفن بمقبرة والده رحمهم الله‏.‏

 ابن أبي جعوان

العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عباس بن أبي جعوان الأنصاري الدمشقي المحدث الفقيه الشافعي البارع في النحو واللغة، سمعت شيخنا تقي الدين ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول كل منهما للآخر‏:‏ هذا الرجل قرأ مسند الإمام أحمد وهما يسمعان فلم يضبط عليه لحنة متفقاً عليها، وناهيك بهذين ثناء على هذا وهما هما‏.‏

 الخطيب محيي الدين

يحيى بن الخطيب قاضي القضاة عماد الدين عبد الكريم قاضي القضاة جمال الدين بن الحرستاني الشافعي خطيب دمشق ومدرس الغزالية، كان فاضلاً بارعاً أفتى ودرس وولي الخطابة والغزالية بعد أبيه، وحضر جنازته نائب السلطنة وخلق كثير، توفي في جمادى الآخرة عن ثمان وستين سنة، ودفن بقاسيون‏.‏

وفي خامس رجب توفي‏:‏

 الأمير الكبير ملك عرب أل مثرى

أحمد بن حجى بمدينة بصرى، وصلى عليه بدمشق صلاة الغائب‏.‏ ‏

 الشيخ الإمام العالم شهاب الدين

عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد الله بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني، والد شيخنا العلامة العلم تقي الدين بن تيمية، مفتي الفرق، الفارق بين الفرق، كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل كثيرة، وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظاهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وبها كان سكنه‏.‏

ثم درس ولده الشيخ تقي الدين بها بعده في السنة الآتية كما سيأتي، ودفن بمقابر الصوفية رحمه الله‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وستمائة

في يوم الاثنين ثاني المحرم منها درس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي الشافعي، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين بن المرحل، وزين الدين بن المنجا الحنبلي‏.‏

وكان درساً هائلاً، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون‏.‏

وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين‏.‏

ثم جلس الشيخ تقي الدين المذكور أيضاً يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيىء له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير من كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان، واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة‏.‏

وفيها‏:‏ قدم السلطان إلى دمشق من مصر يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة، فجاء صاحب حماه الملك المنصور إلى خدمته فتلقاه السلطان في موكبه وأكرمه، فلما كان ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان وقع مطر عظيم بدمشق، ورعد وبرق، وجاء سيل عظيم جداً حتى كسر أقفال باب الفراديس، وارتفع الماء ارتفاعاً كثيراً، بحيث أغرق خلقاً كثيراً، وأخذ جمال الجيش المصري وأثقالهم، فخرج السلطان إلى الديار المصرية بعد ثلاثة أيام، وتولى مشد الدواوين الأمير شمس الدين سنقر عوضاً عن الدويدراي علم الدين سنجر‏.‏

وفيها‏:‏ اختلف التتار فيما بينهم على ملكهم السلطان أحمد فعزلوه عنهم وقتلوه، وملكوا عليهم السلطان أرغون بن أبغا، ونادوا بذلك في جيشهم، وتأطدت أحوالهم، ومشت أمورهم على ذلك، وبادت دولة السلطان أحمد‏.‏

وقامت دولة أرغون بن أبغا‏.‏ ‏

 ‏:‏ من الأعيان

 الشيخ طالب الرفاعي بقصر حجاج

وله زاوية مشهورة به، وكان يزور بعض المريدين فمات‏.‏

وفيها مات‏:‏

 القاضي الإمام عز الدين أبو المفاخر

محمد بن شرف الدين عبد القادر بن عفيف الدين عبد الخالق بن خليل الأنصاري الدمشقي ولي القضاء بدمشق مرتين، عزل بابن خلكان، ثم عزل ابن خلكان به ثانية، ثم عزل وسجن، وولي بعده بهاء الدين بن الزكي، وبقي معزولاً إلى أن توفي ببستانه في تاسع ربيع الأول‏.‏

وصُلي عليه بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، وكان مولده سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان مشكور السيرة، له عقل وتدبير واعتقاد كثير في الصالحين، وقد سمع الحديث له ابن بلبان مشيخة قرأها ابن جعوان عليه، ودرس بعده بالعزروية الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن المرحل، وكيل بيت المال، ودرس ابنه محيي الدين أحمد بالعمادية وزاوية الكلاسة من جامع دمشق‏.‏

ثم توفي ابنه أحمد هذا بعده في يوم الأربعاء ثامن رجب، فدرس بالعمادية والدماغية الشيخ زين الدين بن الفارقي شيخ دار الحديث نيابة عن أولاد القاضي عز الدين بن الصائغ بدر الدين وعلاء الدين‏.‏

وفيها توفي‏:‏

 الملك السعيد فتح الدين

عبد الملك بن الملك الصالح أبي الحسن إسماعيل بن الملك العادل، وهو والد الملك الكامل ناصر الدين محمد، في ليلة الاثنين ثالث رمضان، ودفن من الغد بتربة أم الصالح، وكان من خيار الأمراء محترماً كبيراً رئيساً، روى الموطأ عن يحيى بن بكير عن مكرم بن أبي الصقر، وسمع ابن الليثي وغيره‏.‏ ‏

 القاضي نجم الدين عمر بن نصر بن منصور

البياني الشافعي، توفي في شوال منها، وكان فاضلاً، ولي قضاء زرع ثم قضاء حلب، ثم ناب في دمشق ودرس بالرواحية وباشرها بعده شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي، يوم عاشر شوال‏.‏

وفي هذا اليوم توفي بحماة ملكها‏:‏

 الملك المنصور ناصر الدين

محمد بن محمود بن عمر بن ملكشاه بن أيوب، ولد سنة ثلاثين وستمائة، وتملك حماه سنة ثنتين وأربعين، وله عشر سنين، فمكث في الملك أزيد من أربعين سنة، وكان له بر وصدقات، وقد أعتق في بعض موته خلقاً من الأرقاء، وقام في الملك بعده ولده الملك المظفر بتقليد الملك المنصور له بذلك‏.‏

 القاضي جمال الدين أبو يعقوب

يوسف بن عبد الله بن عمر الرازي، قاضي قضاة المالكية، ومدرسهم بعد القاضي زين الزواوي الذي عزل نفسه، وقد كان ينوب عنه فاستقل بعده بالحكم، توفي في الخامس من ذي القعدة وهو في طريق الحجاز، وكان عالماً فاضلاً قليل التكليف والتكلف‏.‏

وقد شغر المنصب بعده ثلاث سنين ودرس بعده للمالكية الشيخ جمال الدين الشريشي، وبعده أبو إسحاق اللوري، وبعده بدر الدين أبو بكر البريسي، ثم لما وصل القاضي جمال الدين بن سليمان حاكماً درس بالمدارس والله سبحانه أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة

في أواخر المحرم قدم الملك المنصور إلى دمشق ومعه الجيوش وجاء إلى خدمته صاحب حماه الملك المظفر بن المنصور فتلقاه بجميع الجيوش، وخلع عليه خلعة الملوك‏.‏ ‏

ثم سافر السلطان بالعساكر المصرية والشامية فنزل المرقب ففتحه الله عليهم في يوم الجمعة ثامن عشر صفر، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق فدقت البشائر وزينت البلد وفرح المسلمون بذلك، لأن هذا الحصن كان مضرة على المسلمين، ولم يتفق فتحه لأحد من ملوك الإسلام لا للملك صلاح الدين، ولا للملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، وفتح حوله بلنياس ومرقب وهي بلدة صغيرة إلى جانب البحر عند حصن منيع جداً لا يصل إليه سهم ولا حجر منجنيق، فأرسل إلى صاحب طرابلس فهدمه تقرباً إلى السلطان الملك المنصور، واستنقذ المنصور خلقاً كثيراً من أسارى المسلمين، الذين كانوا عند الفرنج، ولله الحمد‏.‏

ثم عاد المنصور إلى دمشق، ثم سافر بالعساكر المصرية إلى القاهرة‏.‏

وفي أواخر جمادى الآخرة ولد للمنصور ولده الملك الناصر محمد بن قلاوون‏.‏

وفيها‏:‏ عزل محيي الدين ابن النحاس عن نظر الجامع ووليه عز الدين بن محيي الدين بن الزكي، وباشر ابن النحاس الوزارة عوضاً عن التقي توبة التكريتي، وطلب التقي توبة إلى الديار المصرية وأحيط على أمواله وأملاكه، وعزل سيف الدين طوغان عن ولاية المدينة دمشق، وباشرها عز الدين بن أبي الهيجاء‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخ عز الدين محمد بن علي

ابن إبراهيم بن شداد، توفي في صفر، وكان فاضلاً مشهوراً، له كتاب سيرة الملك الظاهر، وكان معتنياً بالتاريخ‏.‏

 البندقداري

أستاذ الملك الظاهر بيبرس، وهو الأمير الكبير علاء الدين أيديكين البندقداري الصالحي، كان من خيار الأمراء سامحه الله‏.‏

توفي في ربيع الآخر منها، وقد كان الصالح نجم الدين صادر البندقداري هذا، وأخذ منه مملوكه بيبرس فأضافه إليه لشهامته ونهضته، فتقدم عنده على أستاذه وغيره‏.‏ ‏

 الشيخ الصالح العابد الزاهد

شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن إسماعيل الأخميمي، كانت له جنازة هائلة، ودفن بقاسيون رحمه الله‏.‏

 ابن عامر المقري

الذي ينسب إليه الميعاد الكبير، الشيخ الصالح المقري شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عامر بن أبي بكر الغسولي الحنبلي، سمع الحديث من الشيخ موفق الدين بن قدامة وغيره، وكان يعمل الميعاد ليلة الأحد، فإذا فرغوا من ذلك دعا بهم ثم وعظهم‏.‏

توفي يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بالقرب من تربة الشيخ عبد الله الأرمني‏.‏

 القاضي عماد الدين

داود بن يحيى بن كامل القرشي النصروي الحنفي، مدرس العزية بالكشك، وناب في الحكم عن مجد الدين بن العديم، وسمع الحديث وتوفي ليلة النصف من شعبان، وهو والد الشيخ نجم الدين القجقازي، شيخ الحنفية، وخطيب جامع تنكر‏.‏

 الشيخ حسن الرومي

شيخ سعيد السعداء بالقاهرة‏.‏

وقد وليها بعده شمس الدين الأتابكي‏.‏

الرشيد سعيد بن علي بن سعيد، الشيخ رشيد الدين الحنفي مدرس الشبلية، وله تصانيف مفيدة كثيرة، ونظم حسن‏.‏

فمن ذلك قوله‏:‏

قل لمن يحذر أن تدركه * نكبات الدهر لا يغني الحذر

أذهب الحزن اعتقادي * أن كل شيء بقضاءٍ وقدر

ومن شعره قوله‏:‏

إلهي لك الحمد الذي أنت أهله * على نعم منها الهداية للحمد

صحيحاً خلقت الجسم مني مسلماً * ولطفلك بي ما زال مذ كنت في المهد

وكنت يتيماً قد أحاط بي الردى * فآويت واستنقذت من كل ما يردي

وهبت لي العقل الذي بضيائه * إلى كل خير يهتدي طالب الرشد

ووفقت للإسلام قلبي ومنطقي * فيا نعمة قد حل موقعها عندي

ولو رمت جهدي أن أجازى فضيلةً * فضلت بها لم يجز أطرافها جهدي

ألست الذي أرجو حنانك عندما * يخلفني الأهلون وحدي في لحدي

فجلي بلطف منك يهدي سريرتي * وقلبي ويدينني إليك بلا بعد

توفي يوم السبت ثالث رمضان، وصلّي عليه العصر بالجامع المظفري، ودفن بالسفح‏.‏

 أبو القاسم علي بن بلبان بن عبد الله

الناصري المحدث المفيد الماهر، توفي يوم الخميس مستهل رمضان‏.‏

 الأمير مجير الدين

محمد بن يعقوب بن علي المعروف بابن تميم الحموي الشاعر، صاحب الديوان في الشعر، فمن شعره قوله‏:‏

عاينت ورد الروض يلطم خده * ويقول قولاً في البنفسج يحنق

لا تقربوه وإن تضوع نشره * ما بينكم فهو العدو الأزرق

 الشيخ العارف شرف الدين

أبو عبد الله محمد بن الشيخ عثمان بن علي الرومي، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون، ومن عندهم خرج الشيخ جمال الدين محمد الساوحي وحلق ودخل في ذي الجوالقية وصار شيخهم ومقدمهم‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وثمانين وستمائة

استهلت والخليفة الحاكم أبو العباس أحمد، والسلطان الملك المنصور قلاوون، ونائبه بالشام الأمير حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري، والأمير بدر الدين الصوابي محاصر مدينة الكرك في أواخر السنة الماضية، وقدم عليه من مصر عسكر صحبة الأمير حسام الدين طرقطاي‏.‏ ‏

فاجتمعوا على حصار الكرك حتى أنزلوا منها صاحبها الملك المسعود خضر بن الملك الظاهر، في مستهل صفر، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق، فدقت البشائر ثلاثة أيام، وعاد طرقطاي بالملك خضر وأهل بيته إلى الديار المصرية، كما فعل الملك الظاهر أبوه بالملك المغيث عمر بن العادل، كما تقدم ذلك‏.‏

واستناب في الكرك نائباً عن أمر المنصور، ورتب أمورها وأجلوا منها خلقاً من الكركيين، واستخدموا بقلعة دمشق‏.‏

ولما اقترب دخول آل الظاهر إلى القاهرة تلقاهم المنصور فأكرم لقياهم وأحسن إلى الأخوين نجم الدين خضر، وبدر الدين سلامش، وجعلهما يركبان مع ابنيه علي والأشرف خليل، وجعل عليهما عيوناً يرصدون ما يفعلان، وأنزلا الدور بالقلعة وأجرى عليهم من الرواتب والنفقات ما يكفيهم وزيادة كثيرة‏.‏

وكتب الأمير بدر الدين بكتوت العلائي وهو مجرد بحمص إلى نائب دمشق لاجين، أنه قد انعقد زوبعة في يوم الخميس سابع صفر بأرض حمص ثم ارتفعت في السماء كهيئة العمود والحية العظيمة، وجعلت تختطف الحجارة الكبار، ثم تصعد بها في الجو كأنها سهام النشاب وحملت شيئاً كثيراً من الجمال بأحمالها، والأثاث والخيام والدواب، ففقد الناس من ذلك شيئاً كثيراً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وفي هذا اليوم وقع مطر عظيم في دمشق وجاء سيل كثير ولا سيما في الصالحية‏.‏

وفيها‏:‏ أعيد علم الدين الدويداري إلى مشد الدواوين بدمشق، والصاحب تقي الدين بن توبة إلى الوزارة بدمشق‏.‏

وفيها‏:‏ تولى قضاء المالكية بمصر زين الدين بن أبي مخلوف البريدي عوضاً عن القاضي تقي الدين بن شاس الذي توفي بها‏.‏

وفيها‏:‏ درس بالغزالية بدر الدين بن جماعة انتزعها من يد شمس الدين إمام الكلاسة، الذي كان ينوب عن شمس الدين الأيكي، والأيكي شيخ سعيد السعدا، باشرها شهراً ثم جاء مرسوم بإعادتها إلى الأيكي، وأنه قد استناب عنه جمال الدين الباجريقي، فباشرها الباجريقي في ثالث رجب‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 أحمد بن شيبان

ابن تغلب الشيباني أحد مشايخ الحديث المسندين المعمرين بدمشق، توفي بصفر عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بقاسيون‏.‏

الشيخ الإمام العالم البارع

 الشيخ جمال الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن بحمان البكري الشريشي المالكي، ولد بشريش سنة إحدى وستمائة، ورحل إلى العراق فسمع بها الحديث من المشايخ والقطيعي وابن زوربة وابن الليثي وغيرهم، واشتغل وحصل وساد أهل زمانه‏.‏

ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم أقام بالقدس شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق فولي مشيخة الحديث بتربة أم الصالح، ومشيخة الرباط الناصري بالسفح، ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل‏.‏

توفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب بالرباط الناصري بقاسيون، ودفن بسفح قاسيون تجاه الناصرية وكانت جنازته حافلة جداً‏.‏

 قاضي القضاة

يوسف ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، القرشي الدمشقي المعروف بابن الزكي الشافعي، كان فاضلاً مبرزاً، وهو آخر من ولي القضاء من بني الزكي إلى يومنا هذا، ولد في سنة أربعين وسمع الحديث‏.‏

توفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة، ودفن بقاسيون، وتولى بعده ابن الخوي شهاب الدين‏.‏

 الشيخ مجد الدين

يوسف بن محمد بن محمد بن عبد الله المصري ثم الدمشقي الشافعي الكاتب المعروف بابن المهتار، كان فاضلاً في الحديث والأدب، يكتب كتابة حسنة جداً، وتولى مشيخة دار الحديث النورية، وقد سمع الكثير وانتفع الناس به وبكتابته، توفي عاشر ذي الحجة ودفن بباب الفراديس‏.‏ ‏

الشاعر الأديب

 شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن محمد المعروف بابن الخيمي، كانت له مشاركة في علوم كثيرة، ويد طولى في النظم الرائق، الفائق جاوز الثمانين وقد تنازع هو نجم الدين بن إسرائيل في قصيدة بائية فتحاكما إلى ابن الفارض فأمرهما بنظم أبيات على وزنها فنظم كل منهما فأحسن، ولكن لابن الخيمي يد طولى عليه‏.‏

وكذلك فعل ابن خلكان، وامتدحه على وزنها بأبيات حسان، وقد أطال ترجمته الجزري في كتابه‏.‏

وفيها كانت وفاة‏:‏

 الحاج شرف الدين

ابن مري، والد الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله‏.‏

 يعقوب بن عبد الحق

أبو يوسف المديني سلطان بلاد المغرب، خرج على الواثق بالله أبي دبوس فسلبه الملك بظاهر مراكش، واستحوذ على بلاد الأندلس والجزيرة الخضراء، في سنة ثمان وستين وستمائة، واستمرت أيامه إلى محرم هذه السنة، وزالت على يديه دولة الموحدين بها‏.‏

 البيضاوي صاحب التصانيف

هو القاضي الإمام العلامة ناصر الدين عبد الله بن عمر الشيرازي، قاضيها وعالمها وعالم أذربيجان وتلك النواحي، مات بتبريز سنة خمس وثمانين وستمائة‏.‏

ومن مصنفاته‏:‏ ‏(‏المنهاج في أصول الفقه‏)‏، وهو مشهور، وقد شرحه غير واحد، وله‏:‏ ‏(‏شرح التنبيه‏)‏ في أربع مجلدات، وله‏:‏ ‏(‏الغاية القصوى في دراية الفتوى‏)‏، و‏(‏شرح المنتخب‏)‏ و‏(‏الكافية في المنطق‏)‏، وله‏:‏ ‏(‏الطوالع‏)‏ و‏(‏شرح المحصول‏)‏ أيضاً، وله غير ذلك من التصانيف المفيدة، وقد أوصى إلى القطب الشيرازي أن يدفن بجانبه بتبريز والله سبحانه أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وثمانين وستمائة

في أول المحرم ركبت العساكر صحبة نائب الشام حسام الدين لاجين إلى معصارة صهيون وحصن برزية‏.‏

فما نعمهم الأمير سيف الدين سنقر الأشقر، فلم يزالوا به حتى استنزلوه وسلمهم البلاد، وسار إلى خدمة السلطان الملك المنصور، فتلقاه بالإكرام والاحترام، وأعطاه تقدمة ألف فارس، ولم يزل معظماً في الدولة المنصورية إلى آخرها، وانقضت تلك الأحوال‏.‏

وفي النصف من المحرم حكم القاضي جلال الدين الحنفي نيابة عن أبيه حسام الدين الرازي، وفي الثالث عشر من ربيع الأول قدم القاضي شهاب الدين محمد بن القاضي شمس الدين بن الخليل الخوي من القاهرة على قضاء قضاة دمشق، وقرئ تقليده يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر، واستمر بنيابة شرف الدين المقدسي‏.‏

وفي يوم الأحد ثالث شوال درس بالرواحية الشيخ صفي الدين الهندي، وحضر عنده القضاة والشيخ تاج الدين الفزاري، وعلم الدين الدويداري، وتولى قضاء قضاة القاهرة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، عوضاً عن برهان الدين الخضر السنجاري، وقد كان وليها شهراً بعد ابن الخوي فاجتمع حينئذ إلى ابن بنت الأعز بين القضاء كله بالديار المصرية، وذلك في أوائل صفر منها‏.‏

وفيها‏:‏ استدعى سيف الدين السامري من دمشق إلى الديار المصرية ليشتري منه ربع جزر ما الذي اشتراه من بنت الملك الأشرف موسى، فذكر لهم أنه وقفه، وكان المتكلم في ذلك علم الدين الشجاعي، وكان ظالماً، وكان قد استنابه الملك المنصور بديار مصر، وجعل يتقرب إليه بتحصيل الأموال، ففتق لهم ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن المقدسي أن السامري اشترى هذا من بنت الأشرف، وهي غير رشيدة‏.‏

وأثبت سفهها على زين الدين بن مخلوف الجائر الجاهل، وأبطل البيع من أصله، واسترجع على السامري بمغل مدة عشرين سنة مائتي ألف درهم، وأخذوا منه حصة من الزنبقية قيمتها سبعين ألفاً وعشرة آلاف مكملة، وتركوه فقيراً على بردا لديار‏.‏

ثم أثبتوا رشدها واشتروا منها تلك الحصص بما أرادوه، ثم أرادوا أن يستدعوا بالدماشقة واحداً بعد واحدٍ، ويصادرونهم، وذلك أنه بلغهم أن من ظلم بالشام لا يفلح وأن من ظلم بمصر أفلح وطالت مدته، وكانوا يطلبونهم إلى مصر أرض الفراعنة والظلم، فيفعلون معهم ما أرادوا‏.‏

 من الأعيان‏:‏

الشيخ الإمام العلامة

 قطب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ الإمام أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد الميموني القيسي التوزري المصري‏.‏

ثم المالكي الشافعي المعروف بالقسطلاني، شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، ورحل إلى بغداد فسمع الكثير وحصل علوماً، وكان يفتي على مذهب الشافعي، وأقام بمكة مدة طويلة ثم صار إلى مصر فولي مشيخة دار الحديث، وكان حسن الأخلاق محبباً إلى الناس، توفي في آخر المحرم ودفن بالقرافة الكبرى، وله شعر حسن أورد منه ابن الجزري قطعة صالحة‏.‏

 عماد الدين

محمد بن العباس الدنيسري الطبيب الماهر، والحاذق الشاعر، خدم الأكابر والوزراء وعمر ثمانين سنة وتوفي في صفر من هذه السنة بدمشق‏.‏

قاضي القضاة

 برهان الدين الخضر بن الحسين بن علي السنجاري، تولى الحكم بديار مصر غير مرة، وولي الوزارة أيضاً، وكان رئيساً وقوراً مهيباً، وقد باشر القضاء بعده تقي الدين ابن بنت الأعز‏.‏

 شرف الدين سليمان بن عثمان

الشاعر المشهور، له ديوان‏.‏ مات في صفر منها‏.‏

 الشيخ الصالح عز الدين

عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصيقل الحراني، ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير، ثم استوطن مصر حتى توفي بها في رابع عشر رجب، وقد جاوز التسعين، وقد سمع منه الحافظ علم الدين البرزالي لما رحل إلى مصر في سنة أربع وثمانين‏.‏

وحكى عنه أنه شهد جنازة في بغداد فتبعهم نباش، فلما كان الليل جاء إلى ذلك القبر ففتح عن الميت، وكان الميت شاباً قد أصابته سكتة، فلما فتح القبر نهض ذلك الشاب الميت جالساً فسقط النباش ميتاً في القبر، وخرج الشاب من قبره، ودفن فيه النباش‏.‏

وحكى له قال‏:‏ كنت مرة بقليوب وبين يدي صبرة قمح، فجاء زنبور فأخذ واحدة ثم ذهب بها، ثم جاء فأخذ أخرى ثم ذهب بها، ثم جاء فأخذ أخرى أربع مرات، قال‏:‏ فاتبعته فإذا هو يضع الحبة في فم عصفور أعمى بين تلك الأشجار التي هناك‏.‏

قال‏:‏ وحكى لي الشيخ عبد الكافي أنه شهد مرة جنازة فإذا عبد أسود معنا، فلما صلى الناس عليها لم يصل، فلما حضرنا الدفن نظر إلي وقال‏:‏ أنا عمله ثم ألقى نفسه في قبر ذلك الميت، قال فنظرت فلم أر شيئاً‏.‏

 الحافظ أبو اليمن

أمين الدين عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي ترك الرياسة والأملاك، وجاور بمكة ثلاثين سنة، مقبلاً على العبادة والزهادة، وقد حصل له قبول من الناس شاميهم ومصريهم وغيرهم، توفي بالمدينة النبوية في ثاني رجب منها‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وثمانين وستمائة

فيها قدم الشجاعي من مصر إلى الشام بنية المصادرة لأرباب الأموال من أهل الشام وفي أواخر ربيع الآخر قدم الشيخ ناصر الدين عبد الرحمن المقدسي من القاهرة، على وكالة بيت المال ونظر الأوقاف، ونظر الخاص، ومعه تقاليد وخلع فتردد الناس إلى بابه وتكلم في الأمور وآذى الناس، وكانت ولايته بسفارة الأمير علم الدين الشجاعي المتكلم في الديار المصرية‏.‏

توسل إليه بالشيخ شمس الدين الأيكي وبابن الوحيد الكاتب، وكانا عنده لهما صورة، وقد طلب جماعة من أعيان الدماشقة في أول هذه السنة إلى الديار المصرية فطولبوا بأموال كثيرة، فدافع بعضهم بعضاً‏.‏

وهذا مما يخفف عقوبته من ظلمهم، وإلا فلو صبروا لعوجل الظالم بالعقوبة، ولزال عنهم ما يكرهون سريعاً‏.‏

ولما قدم ابن المقدسي إلى دمشق كان يحكم بتربة أم الصالح، والناس يترددون إليه ويخافون شره، وقد استجد باشورة بباب الفراديس ومساطب باب الساعات للشهود، وجدد باب الجابية الشمالي ورفعه، وكان متواطئاً، وأصلح الجسر الذي تحته، وكذلك أصلح جسر باب الفراديس تحت السويقة التي جددها عليه من الجانبين‏.‏

وهذا من أحسن ما عمله ابن المقدسي، وقد كان مع ذلك كثير الأذية للناس ظلوماً غشوماً، ويفتح على الناس أبواباً من الظلم لا حاجة إليها‏.‏ ‏

وفي عاشر جمادى الأولى قدم من الديار المصرية أيضاً قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والصاحب تقي الدين توبة التكريتي، وقاضي القضاة جمال الدين محمد بن سليمان الزواوي المالكي على قضاء المالكية بعد شغوره عن حاكم بدمشق ثلاث سنين ونصف، فأقام شعار المنصب ودرس ونشر المذهب وكان له سؤدد ورياسة‏.‏

وفي ليلة الجمعة رابع شعبان توفي الملك الصالح علاء الدين بن الملك المنصور قلاوون بالسنطارية فوجد عليه أبوه وجداً شديداً، وقد كان عهد إليه بالأمر من بعده وخطب له على المنابر من مدة سنين، فدفنه في تربته وجعل ولاية العهد من بعده إلى ابنه الأشرف خليل، من بعد أبيه، وخطب له على المنابر من بعد ذكر أبيه يوم الجمعة، ودقت البشائر وزين البلد سبعة أيام، ولبس الجيش الخلع وركبوا، وأظهر الناس سروراً لشهامته، مع ما في قلوبهم على أبيه لأجل ظلم الشجاعي‏.‏

وفي رمضان باشر حسبة دمشق شمس الدين محمد بن السلعوسي عوضاً عن شرف الدين ابن الشيزري وفيه توجه الشيخ بدر الدين بن جماعة إلى خطابة القدس بعد موت خطيبه قطب الدين، فباشر بعده تدريس القيمرية علاء الدين أحمد بن القاضي تاج الدين بن بنت الأعز‏.‏

وفي شهر رمضان كبس نصراني وعنده مسلمة وهما يشربان الخمر في نهار رمضان، فأمر نائب السلطنة حسام الدين لاجين بتحريق النصراني فبذل في نفسه أموالاً جزيلة فلم يقبل منه، وأحرق بسوق الخيل، وعمل الشهاب محمود في ذلك أبياتاً في قصيدة مليحة، وأما المرأة فجلدت الحد‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الخطيب الإمام قطب الدين

أبو الزكا عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن عبد الله بن محمد بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري، خطيب بيت المقدس أربعين سنة، وكان من الصلحاء الكبار محبوباً عند الناس، حسن الهيئة مهيباً عزيز النفس، يفتى الناس ويذكر التفسير من حفظه في المحراب بعد صلاة الصبح‏.‏

وقد سمع الكثير وكان من الأخيار، ولد سنة ثلاث وستمائة، وتوفي ليلة الثلاثاء سابع رمضان عن أربع وثمانين سنة‏.‏

 الشيخ الصالح العابد

إبراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد الجعبري، تقي الدين أبو إسحاق، أصله من قلعة جعبر، ثم أقام بالقاهرة، وكان يعظ الناس وكان الناس ينتفعون بكلامه كثيراً‏.‏

توفي بالقاهرة يوم السبت الرابع والعشرين من المحرم، ودفن في تربته بالحسينية، وله نظم حسن، وكان من الصلحاء المشهورين رحمه الله‏.‏

 الشيخ الصالح

يس بن عبد الله المقري الحجام، شيخ الشيوخ محيي الدين النووي، وقد حج عشرين حجة، وكانت له أحوال وكرامات‏.‏

 الخونده غازية خاتون

بنت الملك المنصور قلاوون، زوجة الملك السعيد‏.‏

 الحكيم الرئيس

علاء الدين علي بن أبي الحزم بن نفيس، شرح ‏(‏القانون‏)‏ لابن سينا وصنف ‏(‏الموجز‏)‏ وغيره من الفوائد وكان يكتب من حفظه، كان اشتغاله على ابن الدخواري، وتوفي بمصر في ذي القعدة‏.‏

 الشيخ بدر الدين

عبد الله بن الشيخ جمال الدين بن مالك النحوي، شارح الألفية التي عملها أبوه، وهو من أحسن الشروح وأكثرها فوائد، وكان لطيفاً ظريفاً فاضلاً، توفي في يوم الأحد الثامن من المحرم، ودفن من الغد بباب الصغير‏.‏ والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وستمائة

فيها‏:‏ كان فتح مدينة طرابلس‏:‏ وذلك أن السلطان قلاوون قدم بالجيوش المنصورة المصرية صحبته إلى دمشق، فدخلها في الثالث عشر من صفر‏.‏

ثم سار بهم وبجيش دمشق وصحبته خلق كثير من المتطوعة، منهم القاضي نجم الدين الحنبلي، قاضي الحنابلة، وخلق من المقادسة وغيرهم، فنازل طرابلس يوم الجمعة مستهل ربيع الأول، وحاصرها بالمجانيق حصاراً شديداً، وضيقوا على أهلها تضيقاً عظيماً، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقاً، فلما كان يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة فتحت طرابلس في الساعة الرابعة من النهار عنوة، وشمل القتل والأسر جميع من فيها، وغرق كثير من أهل الميناء وسبيت النساء والأطفال، وأخذت الذخائر والحواصل، وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمسمائة إلى هذا التاريخ‏.‏

وقد كانت قبل ذلك في أيدي المسلمين من زمان معاوية، فقد فتحها سفيان بن نجيب لمعاوية، فأسكنها معاوية اليهود، ثم كان عبد الملك بن مروان جدد عمارتها وحصنها وأسكنها المسلمين، وصارت آمنة عامرة مطمئنة، وبها ثمار الشام ومصر، فإن بها الجوز والموز والثلج والقصب، والمياه جارية فيها تصعد إلى أماكن عالية، وقد كانت قبل ذلك ثلاث مدن متقاربة، ثم صارت بلداً واحداً، ثم حولت من موضعها كما سيأتي الآن‏.‏

ولما وصلت البشارة إلى دمشق دقت البشائر وزينت البلاد وفرح الناس فرحاً شديداً ولله الحمد والمنة‏.‏

ثم أمر السلطان الملك المنصور قلاوون، أن تهدم البلد بما فيها من العمائر والدور والأسوار الحصينة التي كانت عليها، وأن يبنى على ميل منها بلدة غيرها أمكن منها وأحسن، ففعل ذلك، فهي هذه البلدة التي يقال لها طرابلس، ثم عاد إلى دمشق مؤيداً منصوراً مسروراً محبوراً‏.‏

فدخلها يوم النصف من جمادى الآخرة، ولكنه فوض الأمور والكلام في الأموال فيها إلى علم الدين الشجاعي، فصادر جماعة وجمع أموالاً كثيرة، وحصل بسبب ذلك أذى الخلق‏.‏

وبئس هذا الصنيع فإن ذلك تعجيل لدمار الظالم وهلاكه، فلم يغن عن المنصور ما جمع له الشجاعي من الأموال شيئاً، فإنه لم يعش بعد ذلك إلا اليسير حتى أخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة، كما سيأتي‏.‏

ثم سافر السلطان في ثاني شعبان بجيشه إلى الديار المصرية، فدخلها في أواخر شعبان‏.‏

وفيها‏:‏ فتحت قلاع كثيرة بناحية حلب‏:‏ كركر، وتلك النواحي، وكسرت طائفة من التتر هناك، وقتل ملكهم خربندا نائب التتر على ملطية‏.‏

وفيها‏:‏ تولى الحسبة بدمشق جمال الدين يوسف بن التقي توبة التكريتي، ثم أخذها بعد شهور تاج الدين الشيرازي‏.‏

وفيها‏:‏ وضع منبر عند محراب الصحابة بسبب عمارة كانت في المقصورة، فصلى برهان الدين الإسكندري نائب الخطيب بالناس هناك مدة شهر، الجماعات والجمعات، ابتدؤا ذلك من يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخة فاطمة بنت الشيخ إبراهيم

زوجة النجم بن إسرائيل، كانت من بيت الفقر، لها سلطنة وإقدام وترجمة وكلام في طريقة الحريرية وغيرهم، وحضر جنازتها خلق كثير، ودفنت عند الشيخ رسلان‏.‏

 العالم بن الصاحب

الشيخ الماجن، هو الشيخ الفاضل علم الدين أحمد بن يوسف بن عبد الله بن شكر، كان من بيت علم ورياسة، وقد درس في بعض المدارس، وكان له وجاهة ورياسة، ثم ترك ذلك كله وأقبل على الحرفشة وصحبة الحرافيش والتشبه بهم في اللباس والطريقة‏.‏

وأكل الحشيش واستعمله، كان من الفهم في الخلاعة والمجون والزوائد الرائقة الفائقة التي لا يلحق في كثير منها، وقد كان له أولاد فضلاء ينهونه عن ذلك فلم يلتفت إليهم، ولم يزل ذلك دأبه حتى توفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الأول‏.‏

ولما ولي القضاة الأربعة كان ابن خالته تاج الدين بن بنت الأعز مستقلاً في القضاء قبل ذلك، فقال له ابن الصاحب المذكور‏:‏ ما مت حتى رأيتك صاحب ربع، فقال له‏:‏ تسكت وإلا خليتهم يسقونك السم، فقال له‏:‏ في قلة دينك تفعل، وفي قلة عقولهم يسمعوا منك، وقال يمدح الحشيشة الخسيسة‏:‏

في خمار الحشيش معنى مرامي * يا أهيل العقول والإفهام

حرموها من غير عقلٍ ونقلٍ * وحرام تحريم غير الحرام

وله أيضاً‏:‏

يا نفس ميلي إلى التصابي * فاللهو منه الفتى يعيش

ولا تملي من سكر يومٍ * إن أعوز الخمر فالحشيش

وله أيضاً‏:‏

جمعت بين الحشيش والخمر * فرحت لا أهتدي من السكر

يا من يريني لباب مدرستي * يريح والله غاية الأجر

وقال يهجو الصاحب بهاء الدين بن الحنا‏:‏

اقعد بها وتهنا * لا بد أن تتعنى

تكتب على بن محمد * من أين لك يا بن حنا

فاستدعاه فضربه، ثم أمر به إلى المارستان فمكث فيه سنة ثم أطلق‏.‏

 شمس الدين الأصبهاني

شارح المحصول‏:‏ محمد بن محمود بن محمد بن عباد السلماني العلامة، قدم دمشق بعد الخمسين وستمائة، وناظر الفقهاء واشتهرت فضائله، وسمع الحديث وشرح ‏(‏المحصول‏)‏ للرازي، وصنف القواعد في أربعة فنون، أصول الفقه، وأصول الدين، والمنطق، والخلاف‏.‏

وله معرفة جيدة في المنطق والنحو والأدب، وقد رحل إلى مصر فدرس بمشهد الحسين والشافعي وغيرهما، ورحل إليه الطلبة، وتوفي في العشرين من رجب في القاهرة عن ثنتين وسبعين سنة‏.‏

 الشمس محمد بن العفيف

سليمان بن علي بن عبد الله بن علي التلمساني، الشاعر المطبق، كانت وفاته في حياة أبيه فتألم له ووجد عليه وجداً شديداً، ورثاه بأشعار كثيرة، توفي يوم الأربعاء الرابع عشر من رجب، وصلّي عليه بالجامع، ودفن بالصوفية‏.‏

فمن رائق شعره قوله‏:‏

وإن ثناياه نجومٌ لبدره * وهن لعقد الحسن فيه فرائد

وكم يتجافى خصره وهو ناحلٌ * وكم يتحلى ثغره وهو بارد

 

وله يذم الحشيشة‏:‏

ما للحشيشة فضلٌ عند آكلها * لكنها غير مصروف إلى رشده

صفراء في وجهه خضراء في فمه * حمراء في عينة سوداء في كبده

ومن شعره أيضا‏:‏

بدا وجهه من فوق ذابل خده * وقد لاح من سود الذوائب في جنح

فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجا * وقد طلعت شمس النهار على رمح

وله من جملة أبيات‏:‏

ما أنت عندي والقضيـ *ـب اللدن في حد سوى هذاك حركه الهوا * وأنت حركت الهوى

 الملك المنصور شهاب الدين

محمود بن الملك الصالح إسماعيل بن العادل، توفي يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان‏.‏ ‏

وصلي عليه بالجامع، ودفن من يومه بتربة جده، وكان ناظرها، وقد سمع الحديث الكثير، وكان يحب أهله، وكان فيه لطف وتواضع‏.‏

 الشيخ فخر الدين أبو محمد

عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي، شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة، وشيخ الصدرية، كان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وزهادة وعبادة، ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وتوفي في رجب منها‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وثمانين وستمائة

فيها‏:‏كانت وفاة الملك المنصور قلاوون، وكان الخليفة الحاكم العباسي، ونائب مصر حسام الدين طرقطاي، ونائب الشام حسام الدين لاجين، وقضاة الشام شهاب الدين بن الخوي الشافعي، وحسام الدين الحنفي، ونجم الدين بن شيخ الجبل، وجمال الدين الزواوي المالكي‏.‏

وجاء البريد يطلب شمس الدين سنقر الأشقر إلى الديار المصرية، فأكرمه السلطان وقواه وشديده وأمره باستخلاص الأموال، وزاده مشد الجيوش، والكلام على الحصون إلى البيرة وكختا وغير ذلك، فقويت نفسه وزاد تجبره ولكن كان يرجع إلى مروءة وستر وينفع من ينتمي إليه، وذلك مودة في الدنيا في أيام قلائل، وفي جمادى الآخرة جاء البريد بالكشف على ناصر الدين المقدسي، وكيل بيت المال، وناظر الخاص، فظهرت عليه مخازي من أكل الأوقاف وغيرها، فرسم عليه بالعذراوية وطولب بتلك الأموال وضيق عليه‏.‏

وعمل فيه سيف الدين أبو العباس السامري قصيدة يتشفى فيها لما كان أسدى إليه من الظلم والإيذاء، مع أنه راح إليه وتغمم له وتمازحا هنالك‏.‏

ثم جاء البريد بطلبه إلى الديار المصرية فخاف النواب من ذهابه، فأصبح يوم الجمعة وهو مشنوق بالمدرسة العذراوية، فطلبت القضاة والشهود فشاهدوه كذلك، ثم جهز وصلي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر الصوفية عند أبيه، وكان مدرساً بالرواحية وتربة أم الصالح، مع الوكالتين والنظر‏.‏

وجاء البريد بعمل مجانيق لحصار عكا، فركب الأعسر إلى أراضي بعلبك، لما هنالك من الأخشاب العظيمة التي لا يوجد مثلها بدمشق، وهي تصلح لذلك، فكثرت الجنايات والجبايات والسخر، وكلفوا الناس تكليفاً كثيراً، وأخذوا أخشاب الناس، وحملت إلى دمشق بكلفة عظيمة وشدة كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

 

 وفاة الملك المنصور قلاوون

بينما الناس في هذا الهم والمصادرات وأمثال ذلك، إذ وردت بريدية فأخبروا بوفاة الملكا لمنصور يوم السبت سادس ذي القعدة من هذه السنة، بالمخيم ظاهر القاهرة، ثم حمل إلى قلعة الجبل ليلاً وجلس بعده ولده الملك الأشرف خليل بولاية العهد له، وحلف له جميع الأمراء، وخطب له على المنابر، وركب في أبهة الملك، والعساكر كلهم في خدمته مشاة من قلعة الجبل إلى الميدان الأسود الذي هو سوق الخيل، وعلى الأمراء والمقدمين الخلع، وعلى القضاة والأعيان‏.‏

ولما جاءت الأخبار بذلك حلف له الأمراء بالشام، وقبض على حسام الدين طرقطاي نائب أبيه وأخذ منه أموالاً جزيلة أنفق منها على العساكر‏.‏

وفيها‏:‏ ولي خطابة دمشق زين الدين عمر بن مكي بن المرحل عوضاً عن جمال الدين بن عبد الكافي، وكان ذلك بمساعدة الأعسر، وتولى نظر الجامع الرئيس وجيه الدين بن المنجي الحنبلي، عوضاً عن ناصر الدين بن المقدسي، وثمر وقعة وعمره وزاد مائة وخمسين ألفا‏.‏

وفيها‏:‏ احترقت دار صاحب حماه، وذلك أنه وقع فيها نار في غيبته فلم يتجاسر أحد يدخلها، فعملت النار فيها يومين فاحترقت واحترق كل ما فيها‏.‏

وفي شوال درس بتربة أم الصالح بعد ابن المقدسي القاضي إمام الدين القونوي‏.‏

وفيها‏:‏ باشر الشرف حسين بن أحمد بن الشيخ أبي عمر قضاء الحنابلة عوضاً عن ابن عمه نجم الدين بن شيخ الجبل، عن مرسوم الملك المنصور قبل وفاته‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة من الشام الأمير بدر الدين بكتوت الدوباسي، وحج قاضي القضاة شهاب الدين بن الخوي، وشمس الدين بن السلعوس، ومقدم الركب الأمير عتبة، فتوهم منه أبو نمي، وكان بينهما عداوة فأغلق أبواب مكة ومنع الناس من دخولها فأحرق الباب وقتل جماعة ونهب بعض الأماكن، وجرت خطوب فظيعة‏.‏

ثم أرسلوا القاضي ابن الخوي ليصلح بين الفريقين، ولما استقر عند أبي نمي رحل الركوب وبقي هو في الحرم وحده وأرسل معه أبو نمي من ألحقه بهم سالماً معظماً‏.‏ ‏

وجاء الخبر بموت المنصور إلى الناس وهم بعرفات وهذا شيء عجيب‏.‏

وجاء كتاب يستحث الوزير ابن السلعوس في المسير إلى الديار المصرية، وبين الأسطر بخط الملك الأشرف‏:‏ يا شقير يا وجه الخير احضر لتستلم الوزارة‏.‏

فساق إلى القاهرة فوصلها يوم الثلاثاء عاشر المحرم، فتسلم الوزارة كما قال السلطان‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 السلطان الملك المنصور قلاوون

ابن عبد الله التركي الصالحي الألفي، اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، بألفي دينار، وكان من أكابر الأمراء عنده وبعده‏.‏

ولما تزوج الملك السعيد بن الظاهر بابنته غازية خاتون، عظم شأنه جداً عند الظاهر، وما زال يترفع في الدولة حتى صار أتابك سلامش بن الظاهر، ثم رفعه من البين واستقل بالملك في سنة أربع وثمانين، وفتح طرابلس سنة ثمان وثمانين، وعزم على فتح عكا وبرز إليها فعاجلته المنية في السادس والعشرين من ذي القعدة، ودفن بتربته بمدرسته الهائلة التي أنشأها بين القصرين، التي ليس بديار مصر ولا بالشام مثلها‏.‏

وفيها‏:‏ دار حديث ومارستان‏.‏

وعليها أوقاف دارة كثيرة عظيمة، مات عن قريب من ستين سنة، وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة، وكان حسن الصورة مهيباً، عليه أبهة السلطنة ومهابة الملك، تام القامة حسن اللحية عالي الهمة شجاعاً وقوراً سامحه الله‏.‏

 الأمير حسام الدين طرقطاي

نائب السلطنة المنصورية بمصر، أخذه الأشرف فسجنه في قلعة الجبل، ثم قتله وبقي ثمانية أيام لا يدري به، ثم لف في حصير وألقي عل مزبلة، وحزن عليه بعض الناس، فكفن كآحاد الفقراء بعد النعيم الكثير، والدنيا المتسعة، والكلمة النافذة، وقد أخذ السلطان من حواصله ستمائة ألف دينار وسبعين قنطاراً بالمصري فضة، ومن الجواهر شيئاً كثيراً، سوى الخيل والبغال والجمال والأمتعة والبسط الجياد، والأسلحة المثمنة، وغير ذلك من الحواصل والأملاك بمصر والشام‏.‏

وترك ولدين أحدهما أعمى، وقد دخل هذا الأعمى على الأشرف فوضع المنديل على وجهه وقال‏:‏ شيء لله وذكر له أن لهم أياماً لا يجدون شيئاً يأكلونه، فرق له وأطلق لهم الأملاك يأكلون من ريعها، فسبحان الله المتصرف في خلقه بما يشاء، يعز من يشاء ويذل من يشاء‏.‏

الشيخ الإمام العلامة

 رشيد الدين عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي الشافعي، مدرس الظاهرية، توفي بها وقد جاوز التسعين، وجد مخنوقاً في المحرم، ودفن بالصوفية، وقد سمع الحديث، وكان منفرداً في فنون من العلوم كثيرة، منها علم النحو، والأدب، وحل المترجم، والكتابة، والإنشاء، وعلم الفلك والنجوم، وضرب الرمل، والحساب، وغير ذلك، وله نظم حسن‏.‏

 الخطيب جمال الدين أبو محمد

عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي، توفي بدار الخطابة وحضر الناس الصلاة عليه يوم السبت سلخ جمادى الأولى، وحمل إلى السفح فدفن إلى جانب الشيخ يوسف الفقاعي‏.‏

 فخر الدين أبو الظاهر إسماعيل

ابن عز القضاة أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الواحد بن أبي اليمن، الشيخ الزاهد المتقلل من متاع الدنيا، توفي في العشرين من رمضان، وصلي عليه في الجامع، ودفن بتربة بني الزكي بقاسيون محبة في محيي الدين بن عربي، فإنه كان يكتب من كلامه كل يوم ورقتين، ومن الحديث ورقتين، وكان مع هذا يحسن الظن به، وكان يصلي مع الأئمة كلهم بالجامع، وقد أخبر عنه بعض العلماء أنه رأى بخطه‏.‏

وفي كل شيء له آية * تدل على أنه عينه

وقد صحح على عينه وإنما الصحيح المروي عمن أنشد هذا الشعر‏:‏ * تدل على أنه واحد *

وله شعر فمنه‏:‏

والنهر مذ جن في الغصون هوى * فراح في قلبه يمثلها

فغار منه النسيم عاشقها * فجاء عن وصله يميلها

وله أيضاً‏:‏

لما تحقق بالإمكان فوقكم * وقد بدا حكمه في عالم الصور

فميز الجمع عنه وهو متخذ * فلاح فرقكم في عالم الصور

وله‏:‏

لي سادة لا أرى سواهم * هم عين معناي وعين جوفي

لقد أحاطوا بك جزء * مني وعزوا عن درك طرفي

هم نظروا في عموم فقري * وطول ذلي وفرط ضعفي

فعاملوني ببحت جود * وصرف بر ومحض لطف

فلا تلم إن جررت ذيلي * فخراً بهم أو ثنيت عطفي

وله‏:‏

مواهب ذي الجلال لدى تتري * فقد أخر ستني ونطقن شكرا

فنعمى إثر نعمى إثر نعمى * وبشرى بعد بشرى بعد بشرى

لها بدء وليس لها انتهاء * يعم مزيدها دنيا وأخرى

 الحاج طيبرس بن عبد الله

علاء الدين الوزير، صهر الملك الظاهر، كان من أكابر الأمراء، ذوي الحل والعقد، وكان ديناً كثير الصدقات، له خان بدمشق أوقفه، وله في فكاك الأسرى وغير ذلك، وأوصى عند موته بثلاثمائة ألف تصرف على الجند بالشام ومصر، فحصل لكل جندي خمسون درهماً، وكانت وفاته في ذي الحجة، ودفن بتربته بسفح المقطم‏.‏

قاضي القضاة

 نجم الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر المقدسي، توفي ثاني عشر رجب بسوا، وكان فاضلاً بارعاً خطيباً مدرساً بأكثر المدارس، وهو شيخ الحنابلة وابن شيخهم، وتولى بعده القضاء الشيخ شرف الدين حسين بن عبد الله بن أبي عمر، والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة تسعين وستمائة من الهجرة

فيها‏:‏ فتحت عكا وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مدد متطاولة، ولم يبق لهم فيها حجر واحد، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏

استهلت هذه السنة والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس العباسي، وسلطان البلاد الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، ونائبه بمصر وأعمالها بدر الدين بيدرا، ووزيره ابن السلعوس الصاحب شمس الدين، ونائبه بالشام حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها، وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول، وصاحب مكة نجم الدين أبو نمي محمد بن إدريس بن علي بن قتادة الحسيني، وصاحب المدينة عز الدين جماز بن شيحة الحسيني، وصاحب الروم غياث الدين كيخسرو، وهو ابن ركن الدين قلج أرسلان السلجوقي، وصاحب حماة تقي الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمد، وسلطان بلاد العراق وخراسان وتلك النواحي أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكيز خان‏.‏

وكان أول هذه السنة يوم الخميس وفيه تصدق عن الملك المنصور بأموال كثيرة جداً من الذهب والفضة، وأنزل السلطان إلى تربته في ليلة الجمعة فدفن بها تحت القبة، ونزل في قبره بدر الدين بيدرا، وعلم الدين الشجاعي، وفرقت صدقات كثيرة حينئذ، ولما قدم الصاحب شمس الدين بن السلعوس من الحجاز خلع عليه للوزارة، وكتب تقليده بها القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب الإنشا بيده، وركب الوزير في أبهة الوزارة إلى داره، وحكم‏.‏

ولما كان يوم الجمعة قبض على شمس الدين سنقر الأشقر وسيف الدين بن جرمك الناصري، وأفرج عن الأمير زين الدين كتبغا، وكان قد قبض عليه مع طرقطاي، ورد عليه أقطاعه، وأعيد التقي توبة إلى وزارة دمشق مرة أخرى‏.‏

وفيها‏:‏ أثبت ابن الخوي محضراً يتضمن أن يكون تدريس الناصرية للقاضي الشافعي وانتزعها من زين الدين الفارقي‏.‏

 فتح عكا وبقية السواحل

وفيها جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق الغزاة في سبيل الله إلى عكا، وقد كان أهل عكا في هذا الحين عدوا على من عندهم من تجار المسلمين فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأبرزت المناجيق إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة والمتطوعة يجرون في العجل حتى الفقهاء والمدرسين والصلحاء، وتولى ساقها الأمير علم الدين الدويداري، وخرجت العساكر بين يدي نائب الشام، وخرج هو في اخترهم، ولحقه صاحب حماة الملك المظفر وخرج الناس من كل صوب، واتصل بهم عسكر طرابلس، وركب الأشرف من الديار المصرية بعساكره قاصداً عكا‏.‏

فتوافت الجيوش هنالك، فنازلها يوم الخميس رابع ربيع الآخر ونصبت عليها المناجيق من كل ناحية يمكن نصبها عليها، واجتهدوا غاية الاجتهاد في محاربتها والتضييق على أهلها، واجتمع الناس بالجوامع لقراءة صحيح البخاري، فقرأه الشيخ شرف الدين الفزاري، فحضر القضاة والفضلاء والأعيان‏.‏

وفي أثناء محاصرة عكا وقع تخبط من نائب الشام حسام الدين لاجين، فتوهم أن السلطان يريد مسكه، وكان قد أخبره بذلك الأمير الذي يقال له أبو خرص، فركب هارباً فرده علم الدين الدويداري بالمسا به، وجاء به إلى السلطان، فطيب قلبه وخلع عليه‏.‏

ثم أمسكه بعد ثلاثة أيام وبعثه إلى قلعة صفد واحتاط على حواصله، ورسم على أستاذ داره بدر الدين بكداش، وجرى ما لا يليق وقوعه هنالك، إذ الوقت وقت عسر وضيق وحصار‏.‏

وصمم السلطان على الحصار فرتب الكوات ثلاثمائة حمل، ثم زحف يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى ودقت الكوات جملة واحدة عند طلوع الشمس، وطلع المسلمون على الأسوار مع طلوع الشمس ونصبت السناجق الإسلامية فوق أسوار البلد، فولت الفرنج عند ذلك الأدبار، وركبوا هاربين في مراكب التجار‏.‏

وقتل منهم عدد لا بعمله إلا الله تعالى، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئاً كثيراً جداً، وأمر السلطان بهدمها وتخريبها، بحيث لا ينتفع بها بعد ذلك، فيسر الله فتحها نهار جمعة، كما أخذتها الفرنج من المسلمين في يوم الجمعة، وسلمت صور وصيدا قيادتهما إلى الأشرف، فاستوثق الساحل للمسلمين، وتنظف من الكافرين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين‏.‏

وجاءت البطاقة إلى دمشق بذلك ففرح المسلمون، ودقت البشائر في سائر الحصون، وزينت البلاد ليتنزه فيها الناظرون المتفرجون، وأرسل السلطان إلى صور أميراً فهدم أسوارها وعفا آثارها‏.‏

وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثمان عشرة وخمسمائة‏.‏

وأما عكا فقد كان الملك الناصر يوسف بن أيوب أخذها من أيدي الفرنج، ثم إن الفرنج جاؤوا فأحاطوا بها بجيوش كثيرة، ثم جاء صلاح الدين ليمنعهم عنها مدة سبعة وثلاثين شهراً، ثم آخر ذلك استملكوها وقتلوا من كان فيها من المسلمين، كما تقدم ذلك‏.‏

ثم إن السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، سار من عكا قاصداً دمشق في أبهة الملك، وحرمة وافرة، وفي صحبته وزيره ابن السلعوس والجيوش المنصورة، وفي هذا اليوم استناب بالشام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وسكن بدار السعادة، وزيد في إقطاع حرستا ولم تقطع لغيره، وإنما كانت لمصالح حوا صل القلعة، وجعل له في كل يوم ثلاثمائة على دار الطعام‏.‏

وفوض إليه أن يطلق من الخزانة ما يريد من غير مشاورة ولا مراجعة، وأرسله السلطان إلى صيدا لأنه كان قد بقي بها برج عصي، ففتحه ودقت البشائر بسببه، ثم عاد سريعاً إلى السلطان فودعه، وسار السلطان نحو الديار المصرية في أواخر رجب، وبعثه إلى بيروت ليفتحها فسار إليها ففتحها في أقرب وقت، وسلمت عقلية وانطرطوس وجبيل‏.‏

ولم يبق بالسواحل ولله الحمد معقل للإفرنج إلا بأيدي المسلمين، وأراح الله منهم البلاد والعباد، ودخل السلطان إلى القاهرة في تاسع شعبان في أبهة عظيمة جداً، وكان يوماً مشهوداً، وأفرج عن بدر الدين بيسرى بعد سجن سبع سنين‏.‏

ورجع علم الدين سنجر الشجاعي نائب دمشق إلى دمشق في سابع عشرين الشهر المذكور، وقد نظف السواحل من الفرنج بالكلية، ولم يبق لهم بها حجر‏.‏

وفي رابع رمضان أفرج عن حسام الدين لاجين من قلعة صفد ومعه جماعة أمراء، ورد عليهم إقطاعياتهم، وأحسن إليهم وأكرمهم‏.‏

وفي أوائل رمضان طلب القاضي بدر الدين بن جماعة من القدس الشريف وهو حاكم به، وخطيب فيه، على البريد إلى الديار المصرية فدخلها في رابع عشرة، وأفطر ليلتئذ عند الوزير بن السلعوس وأكرمه جداً واحترمه، وكانت ليلة الجمعة، فصرح الوزير بعزل تقي الدين ابن بنت الأعز، وتوليه ابن جماعة بالديار المصرية قضاء القضاة، وجاء القضاة إلى تهنئته وأصبح الشهود بخدمته، ومع القضاء خطابة الجامع الأزهر، وتدريس الصالحية، وركب في الخلعة والطرحة ورسم لبقية القضاة أن يستمروا بلبس الطريحات، وذهب فخطب بالجامع الأزهر، وانتقل إلى الصالحية ودرس بها في الجمعة الأخرى، وكان درساً حافلاً، ولما كان يوم الجمعة رسم السلطان للحاكم بأمر الله أن يخطب هو بنفسه الناس يومئذ، وأن يذكر في خطبته أنه قد ولى السلطنة لأشرف خليل بن المنصور‏.‏

فلبس خلعة سوداء وخطب الناس بالخطبة التي كان خطب بها في الدولة الظاهرية، وكانت من إنشاء الشيخ شرف الدين المقدسي في سنة ستين وستمائة، فيكون بين الخطبتين أزيد من ثلاثين سنة، وذلك بجامع قلعة الجبل، ثم استمر ابن جماعة يخطب بالقلعة عند السلطان، وكان يستنيب في الجامع الأزهر‏.‏

وأما ابن بنت الأعز فناله من الوزير إخراق ومصادرة وإهانة بالغة، ولم يترك له من مناصبه شيئاً، وكان بيده سبعة عشر منصباً، منها القضاء والخطابة ونظر الأحباش ومشيخة الشيوخ، ونظر الخزانة وتداريس كبار، وصادره بنحو من أربعين ألف، غير مراكبه وأشياء كثيرة، ولم يظهر منه استكانة له ولا خضوع‏.‏

ثم عاد فرضي عنه وولاه تدريس الشافعي، وعملت ختم عند قبر المنصور في ليلة الاثنين رابع ذي القعدة وحضرها القضاة والأمراء، ونزل السلطان ومعه الخليفة إليهم وقت السحر، وخطب الخليفة بعد الختم خطبة بليغة، حرض الناس على غزو بلاد العراق واستنقاذها من أيدي التتر، وقد كان الخليفة قبل ذلك محتجباً فرآه الناس جهرةً، وركب في الأسواق بعد ذلك‏.‏

وعمل أهل دمشق ختمة عظيمة بالميدان الأخضر إلى جانب القصر الأبلق، فقرئت ختمات كثيرة، ثم خطب الناس بعدها الشيخ عز الدين القاروني، ثم ابن البزوري، ثم تكلم من له عادة بالكلام وجاءت البريدية بالتهيؤ لغزو العراق، ونودي في الناس بذلك، وعملت سلاسل عظام بسبب الجسورة على دجلة بغداد، وحصلت الأجور على المقصود وإن لم يقع المقصود، وحصل لبعض الناس أذىً بسبب ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ نادى نائب الشام الشجاعي أن لا تلبس امرأة عمامة كبيرة، وخرب الأبنية التي على نهر بانياس والجداول كلها والمسالح والسقايات التي على الأنهار كلها، وأخرب جسر الزلابية وما عليه من الدكاكين، ونادى أن لا يمشي أحد بعد العشاء الآخرة، ثم أطلق لهم هذه فقط‏.‏

وأخرب الحمام الذي كان بناه الملك السعيد ظاهر باب النصر، ولم يكن بدمشق أحسن منه، ووسع الميدان الأخضر من ناحية الشمال مقدار سدسه، ولم يترك بينه وبين النهر إلا مقداراً يسيراً، وعمل هو بنفسه والأمراء بحيطانه‏.‏

وفيها‏:‏ حبس جمال الدين آقوش الأفرم المنصوري وأميراً آخر معه في القلعة‏.‏

وفيها‏:‏ حمل الأمير علم الدين الدويداري إلى الديار المصرية مقيداً‏.‏

وقد نظم الشيخ شهاب الدين محمود قصيدة في فتح عكا‏:‏

الحمد لله زالت دولة الصلب * وعز الترك دين المصطفى العربي

هذا الذي كانت الآمال لو طلبت * رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب

ما بعد عكا وقد هدت قواعدها * في البحر للترك عند البر من أرب

لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت * في البحر والبر ما ينجي سوى الهرب

أم الحروب فكم قد أنشأت فتناً * شاب الوليد بها هولا ولم تشب

يا يوم عكا لقد أنسيت ما سبقت * به الفتوح وما قد خط في الكتب

لم يبلغ النطق حد الشكر فيك فما * عسى يقوم به ذو الشعر والأدب

أغضبت عباد عيسى إذ أبدتهم * لله أي رضى في ذلك الغضب

وأشرف الهادي المصطفى البشير على * ما أسلف الأشرف السلطان من قرب

فقر عيناً لهذا الفتح وابتهجت * ببشره الكعبة الغراء في الحجب

وسار في الأرض سيراً قد سمعت به * فالبر في طرب، والبحر في حرب

وهي طويلة جداً، وله ولغيره في فتح عكا أشعار كثيرة‏.‏

ولما رجع البريد أخبر بأن السلطان لما عاد إلى مصر خلع على وزيره ابن السلعوس جميع ملابسه التي كانت عليه، ومركوبه الذي كان تحته، فركبه ورسم له بثمانية وسبعين ألفاً من خزانة دمشق، ليشتري له بها قرية قرحتا من بيت المال‏.‏

وفي هذه السنة انتهت عمارة قلعة حلب بعد الخراب الذي أصابها من هولاكو وأصحابه عام ثمان وخمسين‏.‏

وفيها‏:‏ في شوال شرع في عمارة قلعة دمشق وبناء الدور السلطانية والطارمة والقبة الزرقاء، حسب ما رسم به السلطان الأشرف خليل بن قلاوون لنائبه علم الدين سنجر الشجاعي‏.‏

وفيها‏:‏ في رمضان أعيد إلى نيابة القلعة الأمير أرجواش وأعطى إقطاعات سنية‏.‏

وفيها‏:‏ أرسل الشيخ الرجيحي من ذرية الشيخ يونس مضيقاً عليه محصوراً إلى القاهرة‏.‏

وفيها‏:‏ درس عز الدين القاروني بالمدرسة النجيبية عوضاً عن كمال الدين ابن خلكان، وفي ذلك اليوم درس نجم الدين مكي بالرواحية عوضاً عن ناصر الدين ابن المقدسي‏.‏

وفيه درس كمال الدين الطبيب بالمدرسة الدخوارية الطبية، وفي هذا الشهر درس الشيخ جلال الدين الخبازي بالخاتونية البرانية، وجمال الدين بن الناصر بقي بالفتحية، وبرهان الدين الإسكندري بالقوصية التي بالجامع والشيخ نجم الدين الدمشقي بالشريفية عند حارة الغرباء‏.‏

وفيها‏:‏ أعيدت الناصرية إلى الفارقي، وفيه درس بالأمينية القاضي نجم الدين بن صصرى بعد ابن الزملكاني، وأخذت منه العادلية الصغيرة لكمال الدين ابن الزملكاني‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 أرغون بن أبغا ملك التتار

كان شهماً شجاعاً سفاكاً للدماء، قتل عمه السلطان أحمد بن هولاكو، فعظم في أعين المغول، فلما كان في هذه السنة مات من شراب شربه فيه سم، فاتهمت المغول اليهود به - وكان وزيره سعد الدولة ابن الصفي يهودياً - فقتلوا من اليهود خلقاً كثيراً، ونهبوا منهم أموالاً عظيمة جداً في جميع مدائن العراق، ثم اختلفوا فيمن يقيمونه بعده، فمالت طائفة إلى كيختو فأجلسوه على سرير المملكة، فبقي مدة، قيل سنة وقيل أقل من ذلك، ثم قتلوه وملكوا بعده بيدرا‏.‏

وجاء الخبر بوفاة أرغون إلى الملك الأشرف وهو محاصر عكا ففرح بذلك كثيراً، وكانت مدة ملك أرغون ثمان سنين، وقد وصفه بعض مؤرخي العراق بالعدل والسياسة الجيدة‏.‏

المسند المعمر الرحالة

فخر الدين بن النجار وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المعروف بابن النجار، ولد في سلخ أو مستهل سنة ست وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير ورحل مع أهله، وكان رجلاً صالحاً عابداً زاهداً ورعاً ناسكاً، تفرد بروايات كثيرة لطول عمره، وخرجت له مشيخات وسمع منه الخلق الكثير والجم الغفير، وكان منصوباً لذلك حتى كبر وأسن وضعف عن الحركة، وله شعر حسن، منه قوله‏:‏

تكررت السنون عليَّ حتى * بليت وصرت من سقط المتاع

وقل النفع عندي غير أني * أعلل بالرواية والسماع

فإن يك خالصاً فله جزاء * وإن يك مالقاً فإلى ضياع

وله أيضاً‏:‏ ‏

إليك اعتذاري من صلاتي قاعداً * وعجزي عن سعي إلى الجمعات

وتركي صلاة الفرض في كل مسجد * تجمع فيه الناس للصلوات

فيا رب لا تمقت صلاتي ونجني * من النار واصفح لي عن الهفوات

توفي ضحى نهار الأربعاء ثاني ربيع الآخر من هذه السنة، عن خمس وتسعين سنة، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن عند والده الشيخ شمس الدين أحمد بن عبد الواحد بسفح قاسيون‏.‏

 الشيخ تاج الدين الفزاري

عبد الرحمن بن سباع بن ضياء الدين أبو محمد الفزاري، الإمام العلامة العالم، شيخ الشافعية في زمانه، حاز قصب السبق دون أقرانه، وهو والد شيخنا العلامة برهان الدين‏.‏

كان مولد الشيخ تاج الدين في سنة ثلاثين وستمائة، وتوفي ضحى الاثنين خامس جمادى الآخرة، بالمدرسة البادرائية، وصلي عليه بعد الظهر بالأموي، تقدم للصلاة عليه قاضي القضاة شهاب الدين بن الخوي، ثم صلّي عليه عند جامع جراح الشيخ زين الدين الفارقي، ودفن عند والده بباب الصغير، وكان يوماً شديد الزحام‏.‏

وقد كان ممن اجتمع فيه فنون كثيرة من العلوم النافعة، والأخلاق اللطيفة، وفصاحة المنطق، وحسن التصنيف، وعلو الهمة، وفقه النفس، وكتابة الأقليد الذي جمع على أبواب التنبيه وصل فيه إلى باب الغصب، دليل على فقه نفسه وعلو قدره، وقوة همته ونفوذ نظره، واتصافه بالاجتهاد الصحيح في غالب ما سطره، وقد انتفع به الناس، وهو شيخ أكابر مشايخنا هو ومحيي الدين النووي، وله اختصار الموضوعات لابن الجوزي، وهو عندي بخطه، وقد سمع الحديث الكثير وحضر عند ابن الزبيدي صحيح البخاري، وسمع من ابن الليثي وابن الصلاح واشتغل عليه، وعلى ابن عبد السلام وانتفع بهما، وخرج له الحافظ علم الدين البرزالي أحد تلاميذه مشيخة في عشرة أجزاء عن مائة شيخ فسمعها عليه الأعيان‏:‏ وله شعر جيد فمنه‏:‏

لله أيام جمع الشمل ما برحت * بها الحوادث حتى أصبحت سمرا

ومبتدا الحزن من تاريخ مسألتي * عنكم، فلم ألق لاعيناً ولا أثرا

يا راحلين قدرتم فالنجاة لكم * ونحن للعجز لا نستعجز القدرا

وقد ولي الدرس بعده بالبادرائية والحلقة والفتيا بالجامع ولده شيخنا برهان الدين، فمشى على طريقة والده وهديه وسمته، رحمه الله‏.‏

وفي ثالث شعبان توفي‏:‏

 الطبيب الماهر عز الدين إبراهيم بن محمد بن طرخان

السويدي الأنصاري، ودفن بالسفح عن تسعين سنة، وروى شيئاً من الحديث، وفاق أهل زمانه في صناعة الطب، وصنف كتباً في ذلك، وكان يرمى بقلة الدين وترك الصلوات وانحلال في العقيدة، وإنكار أمور كثيرة مما يتعلق باليوم الآخر، والله يحكم فيه وفي أمثاله بأمره العدل الذي لا يجور ولا يظلم‏.‏

وفي شعره ما يدل على قلة عقله ودينه وعدم إيمانه، واعتراضه على تحريم الخمر، وأنه قد طال رمضان عليه في تركها وغير ذلك‏.‏

الشيخ الإمام العلامة

 علاء الدين أبو الحسن علي بن الإمام العلامة كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف الأنصاري الزملكاني، وقد درس بعد أبيه المذكور بالأمينية، وكانت وفاة والده هذا ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الآخر بالأمينية‏.‏

ودفن بمقابر الصوفية عند والده الأمير الكبير بدر الدين علي بن عبد الله الناصري، ناظر الرباط بالصالحية، عن وصية أستاذه، وهو الذي ولى الشيخ شرف الفزاري مشيخة الرباط بعد ابن الشريشي جمال الدين، وقد دفن بالتربة الكبيرة داخل الرباط المذكور‏.‏

الشيخ الإمام أبو حفص عمر بن يحيى بن عمر الكرخي

صهر الشيخ تقي الدين بن الصلاح، وأحد تلاميذه، ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ومات يوم الأربعاء ثاني ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن إلى جانب ابن الصلاح‏.‏

الملك العادل بدر الدين سلامش بن الظاهر

الذي كان قد بويع بالملك بعد أخيه الملك السعيد، وجعل الملك المنصور قلاوون أتابكه‏.‏ ‏‏

ثم استقل قلاوون بالملك، وأرسلهم إلى الكرك، ثم أعادهم إلى القاهرة، ثم سفرهم الأشرف خليل في أول دولته إلى بلاد الأشكري من ناحية استنبول، فمات سلامش هناك وبقي أخوه نجم الدين خضر وأهلوهم بتلك الناحية، وقد كان سلامش من أحسن الناس شكلاً وأبهاهم منظراً، وقد افتتن به خلق كثير، واللوطية الذين يحبون المردان، وشبب به الشعراء وكان عاقلاً رئيساً مهيباً وقوراً‏.‏

 العفيف التلمساني

أبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن علي بن يس العابدي الكومي، ثم التلمساني الشاعر المتقن المتفنن في علوم منها النحو والأدب والفقه والأصول، وله في ذلك مصنفات، وله شرح ‏(‏مواقف النفر‏)‏، وشرح ‏(‏أسماء الله الحسنى‏)‏، وله ديوان مشهور، ولولده محمد ديوان آخر، وقد نسب هذا الرجل إلى عظائم في الأقوال والاعتقاد في الحلول والاتحاد والزندقة والكفر المحض، وشهرته تغني عن الإطناب في ترجمته، توفي يوم الأربعاء خامس رجب ودفن بالصوفية، ويذكر عنه أنه عمل أربعين خلوة كل خلوة أربعين يوماً متتابعة فالله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وستمائة

فيها فتحت قلعة الروم‏.‏

وسلطان البلاد من دنقله إلى مصر إلى أقصى بلاد الشام بكماله وسواحله بلاد حلب، وغير ذلك الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور قلاوون، ووزيره شمس الدين بن السعلوس، وقضاته بالشام ومصرهم المذكورون في التي قبلها، ونائب مصر بدر الدين بيدرا ونائب الشام علم الدين سنجر الشجاعي، وسلطان التتر بيدار بن أرغون بن أبغا، وفي رابع صفر وقع حريق في بعض الخزائن بقلعة الجبل، أتلف شيئاً كثيراً من الذخائر والنفائس والكتب‏.‏

وفي التاسع والعشرين من ربيع الأول خطب الخليفة الحاكم، وحث في خطبته على الجهاد والنفير، وصلى بهم الجمعة وجهر بالبسملة‏.‏

وفي ليلة السبت ثالث عشر صفر جيء بهذا الجرز الأحمر الذي بباب البرادة من عكا، فوضع في مكانه‏.‏

وفي ربيع الأول كمل بناء الطارمة وما عندها من الدور والقبة الزرقاء، وجاءت في غاية الحسن والكمال والارتفاع‏.‏

وفي يوم الاثنين ثاني جمادى الأولى ذكر الدرس بالظاهرية الشيخ صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي، عوضاً عن علاء الدين بن بنت الأعز، وفي هذا اليوم درس بالدولعية كمال الدين بن الزكي‏.‏

وفي يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة درس بالنجيبية الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الطوسي، بمقتضى نزول الفارقي له عنها‏.‏ والله أعلم بالصواب‏.‏

فتح قلعة الروم

وفي ربيع الأول منها توجه السلطان الأشرف بالعساكر نحو الشام فقدم دمشق ومعه وزيره ابن السلعوس فاستعرض الجيوش، وأنفق فيهم أموالاً جزيلة، ثم سار بهم نحو بلاد حلب، ثم سار إلى قلعة الروم، فافتتحها بالسيف قهراً في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق، وزينت البلد سبعة أيام وبارك الله لجيش المسلمين في سعيهم، وكان يوم السبت إلباً على أهل يوم الأحد، وكان الفتح بعد حصار عظيم جداً، مدة ثلاثين يوماً‏.‏

وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقاً، واسشتهد من الأمراء شرف الدين بن الخطير، وقد قتل من أهل البلد خلق كثير، وغنم المسلمون منها شيئاً كثيراً، ثم عاد السلطان إلى دمشق وترك الشجاعي بقلعة الروم يعمرون ما وهى من قلعتها بسبب رمي المنجنيقات عليها وقت الحصار، وكان دخوله إلى دمشق بكرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان، فاحتفل الناس لدخوله ودعوا له وأحبوه، وكان يوماً مشهوداً، بسط له كما يبسط له إذا قدم من الديار المصرية، وإنما كان ذلك بإشارة ابن السلعوس، فهو أول من بسط له، وقد كسر أبوه التتر على حمص ولم يبسط له، وكذلك الملك الظاهر كسر التتر والروم على البلستين‏.‏

وفي غير موطن ولم يبسط له، وهذه بدعة شنعاء قد أحدثها هذا الوزير للملوك، وفيها إسراف وضياع مال وأشر وبطر ورياء وتكليف للناس، وأخذ أموال ووضعها في غير مواضعها، والله سبحانه سائله عنها، وقد ذهب وتركها يتوارثها الملوك والناس عنه، وقد حصل للناس بسبب ذلك ظلم عظيم، فليتق العبد ربه ولا يحدث في الإسلام بسبب هواه ومراد نفسه ما يكون سبب مقت الله له، وإعراضه عنه، فإن الدنيا لا تدوم لأحد، ولا يدوم أحد فيها، والله سبحانه أعلم‏.‏

وكان ملك قلعة الروم مع السلطان أسيراً، وكذلك رؤوس أصحابه، فدخل بهم دمشق وهم يحملون رؤوس أصحابهم على رؤوس الرماح، وجهز السلطان طائفة من الجيش نحو جبل كسروان والجزر بسبب ممالأتهم للفرنج قديماً على المسلمين، وكان مقدم العساكر بندار وفي صحبته سنقر الأشقر‏.‏ ‏

وقرا سنقر المنصوري الذي كان نائب حلب فعزله عنها السلطان وولى مكانه سيف الدين بلبان البطاحي المنصوري، وجماعة آخرون من الأمراء الكبار، فلما أحاطوا بالجبل ولم يبق إلا دمار أهليه حملوا في الليل إلى بندار حملاً كثيراً ففتر في قضيتهم‏.‏

ثم انصرف بالجيوش عنهم وعادوا إلى السلطان، فتلقاهم السلطان وترجل السلطان إلى الأمير بندار وهو نائبه على مصر، ثم ابن السلعوس نبه السلطان على فعل بندار فلامه وعنفه، فمرض من ذلك مرضاً شديداً أشفى به على الموت حتى قيل إنه مات، ثم عوفي فعمل ختمة عظيمة بجامع دمشق حضرها القضاة والأعيان، وأشغل الجامع نظير ليلة النصف من شعبان، وكان ذلك ليلة العشر الأول من رمضان‏.‏

وأطلق السلطان أهل الحبوس وترك بقية الضمان عن أرباب الجهات السلطانية، وتصدق عنه بشيء كثير، ونزل هو عن ضمانات كثيرة كان قد حاف فيها على أربابها، وقد امتدح الشهاب محمود الملك الأشرف خليل على فتحه قلعة الروم بقصيدة هائلة فاضلة أولها‏:‏

لك الراية الصفراء يقدمها النصر * فمن كيقباد إن رآها وكيخسرو

إذا خفقت في الأفق هدت بنورها * هوى الشرك واستعلى الهدى وانجلى الثغر

وإن نشرت مثل الأصائيل في الوغى * جلى النقع من لألاء طلعتها البدر

وإن يممت زرق العدى سار تحتها * كتائب خضر دوحها البيض والسمر

كان مثار النقع ليل وخفقها * بروق وأنت البدر والفلك الحتر

وفتح أتى في إثر فتحٍ كأنما * سماء بدت تترى كواكبها الزهر

فكم فطمت طوعاً وكرهاً معاقلاً * مضى الدهر عنها وهي عانسة بكر

بذلت لها عزماً فلولا مهابة * كساها الحيا جاءتك تسعى ولا مهر

قصدت حمىً من قلعة الروم ولم يتح * لغيرك إذ غرتهم المغل فاغتروا

ووالوهم سراً ليخفوا أذاهم * وفي آخر الأمر استوى السر والجهر

صرفت إليهم همة لو صرفتها * إلى البحر لاستولى على مده الجزر

وما قلعة الروم التي حزت فتحها * وإن عظمت إلا إلى غيرها جسر

طليعة ما يأتي من الفتح بعدها * كما لاح قبل الشمس في الأفق الفجر

فصبحتها بالجيش كالروض بهجةٍ * صوارمه أنهاره والقنا الزهر

وأبعدت بل كالبحر والبيض موجه * وجرد المزاكي السفن والخود الذر

وأغربت بل كالليل عوج سيوفه * أهلته ولا نبل أنجمه الزهر

ولحظات لا بل كالنهار شموسه * محياك والآصال راياتك الصفر

ليوث من الأتراك آجامها القنا * لها كل يوم في ذرى ظفر ظفر

فلا الريح يجري بينهم لاشتباكها * عليهم ولا ينهل من فوقهم قطر

عيون إذا الحرب العوان عرضت * لخطابها بالنفس لم يغلها مهر

ترى الموت معقوداً يهدب نبالهم * إذا ما رماها القوس والنظر الشزر

ففي كل سرحٍ غصن بان مهفهف * وفي كل قوس مدة ساعد بدر

إذا صدموا شم الجبال تزلزلت * وأصبح سهلاً تحت خيلهم الوعر

ولو ردت ماء الفرات خيولهم * لقيل هنا قد كان فيما مضى نهر

أداروا بها سوراً فأضحت كخاتم * لدى خنصر أو تحت منطقه خصر

وأرخوا إليها من أكف بحارهم * سحاب ردى لم يخل من قطره قطر

كأن المجانيق التي قمن حولها * رواعد سخط وبلها النار والصخر

أقامت صلاة الحرب ليلاً صخورها * فأكثرها شفع وأكبرها وتر

ودارت بها تلك النقوب فأسرفت * وليس عليها في الذي فعلت حجر

فأضحت بها كالصب يخفي غرامه * حذار أعاديه وفي قلبه جمر

وشبت بها النيران حتى تمزقت * وباحت بما أخفته وأنهتك الستر

فلاذوا بذيل العفو منك فلم تجب * رجاءهم لو لم يشب قصدهم مكر

وما كره المغل اشتغالك عنهم * بها عند ما فروا ولكنهم سروا

فأحرزتها بالسيف قهراً وهكذا * فتوحك فيما قد مضى كله قسر

وأضحت بحمد الله ثغراً ممنعاً * تبيد الليالي والعدى وهو مفتر

فيا أشرف الأملاك فزت بغزوة * تحصل منها الفتح والذكر والأجر

ليهنيك عند المصطفى أن دينه * توالي له في يمن دولتك النصر

وبشراك أرضيت المسيح وأحمداً * وإن غضب اليعفور من ذاك والكفر

فسر حيث ما تختار فالأرض كلها * تطيعك والأمصار أجمعها مصر

ودم وابق للدنيا ليحيى بك الهدى * ويزهى على ماضي العصور بك العصر

حذفت منها أشياء كثيرة‏.‏

وفيها‏:‏ تولى خطابة دمشق الشيخ عز الدين أحمد الفاروثي الواسطي، بعد وفاة زين الدين بن المرحل، وخطب واستسقى بالناس فلم يسقوا، ثم خطب مرة ثانية بعد ذلك بأيام عند مسجد القدم، فلم يسقوا، ثم ابتهل الناس من غير دعاية واستسقاية فسقوا‏.‏

ثم عزل الفاروثي بعد أيام بالخطيب موفق الدين أبي المعالي محمد بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن حسن المهراني الحموي، كان خطيب حماة، ثم نقل إلى دمشق في هذه السنة، فقام وخطب وتألم الفاروثي لذلك ودخل على السلطان واعتقد أن الوزير عزله من غير علمه، فإذا هو قد شعر لذلك واعتذر بأنه إنما عزله لضعفه، فذكر له أن يصلي ليلة النصف مائة ركعة بمائة قل هو الله أحد، فلم يقبلوا واستمروا بالحموي‏.‏

وهذه دناءة وقلة عقل وعدم إخلاص من الفاروثي، وأصاب السلطان في عزله‏.‏

وفي هذا اليوم قبض السلطان على الأمير سنقر الأشقر وغيره فهرب هو والأمير حسام الدين لاجين السلحداري، فنادت عليه المنادية بدمشق من أحضره فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق، وركب السلطان ومماليكه في طلبه، وصلى الخطيب بالناس في الميدان الأخضر، وعلى الناس كآبة بسبب تفرق الكلمة، واضطراب الجيش، واختبط الناس، فلما كان سادس شوال أمسكت العرب سنقر الأشقر فردوه على السلطان فأرسله مقيداً إلى مصر‏.‏

وفي هذا اليوم ولى السلطان نيابة دمشق لعز الدين أيبك الحموي، عوضاً عن الشجاعي، وقدم الشجاعي من الروم ثاني يوم عزله فتلقاه الفاروثي فقال‏:‏ قد عزلنا من الخطابة، فقال‏:‏ ونحن من النيابة، فقال الفاروثي‏:‏ ‏{‏عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 129‏]‏ فلما بلغ ابن السلعوس تغضب عليه، وكان قد عين له القيمرية فترك ذلك، وسافر السلطان عاشر شوال إلى مصر فدخلها في أبهة الملك‏.‏

وفي يوم دخوله أقطع قرا سنقر مائة فارس بمصر عوضاً عن نيابة حلب، وفي هذه السنة اشترى الأمير سيف الدين طغاي الأشقري قيسارية القطن المعروفة بإنشاء الملك المعظم بن العادل من بيت المال، بمرسوم من السلطان، وكان حظياً عنده، ونقل سوق الحريريين تلك المدة إليها، وكان السلطان قد أفرج عن علم الدين الدويداري بعد رجوعه من قلعة الروم واستحضره إلى دمشق وخلع عليه، واستصحبه معه إلى القاهرة، وأقطعه مائة فارس، وولاه مشد الدواوين مكرهاً‏.‏

وفي ذي القعدة استحضر السلطان سنقر الأشقر وطقصوا فعاقبهما فاعترفا بأنهما أرادا قتله، فسألهما عن لاجين فقالا‏:‏ لم يكن معنا ولا علم له بهذا، فخنقهما وأطلقه بعد ما جعل الوتر في حلقه، وكان قد بقي له مدة لا بد أن يبلغها، وقد ملك بعد ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

وفي ذي الحجة عقد الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين عقده على بنت قاضي القضاة شهاب الدين الخويي بالبادرائية، وكان حافلاً‏.‏

وفيها‏:‏ دخل الأمير سنقر الأعسر على بنت الوزير شمس الدين بن السلعوس على صداق ألف دينار، وعجل لها خمسمائة‏.‏

وفيها‏:‏ قفز جماعة من التتر نحواً من ثلاثمائة إلى الديار المصرية فأكرموا‏.‏

 

 من الأعيان‏:‏

 الخطيب زين الدين أبو حفص

عمر بن مكي بن عبد الصمد الشافعي المعروف بابن المرحل، وهو والد الشيخ صدر الدين بن الوكيل، سمع الحديث وبرع في الفقه وفي علوم شتى، منها علم الهيئة، وله فيه مصنف، تولى خطابة الجامع الأموي بدمشق ودرس وأفتى، توفي ليلة السبت الثالث والعشرين من ربيع الأول، وصلّي عليه من الغد بباب الخطابة‏.‏

 الشيخ عز الدين الفاروثي

ولي الخطابة قليلاً، ثم عزل ثم مات، ودفن بباب الصغير عفا الله عنا وعنه‏.‏

الصاحب فتح الدين أبو عبد الله

محمد بن محيي الدين بن عبد الله بن عبد الظاهر، كاتب الأسرار في الدولة المنصورية بعد ابن لقمان، وكان ماهراً في هذه الصناعة، وحظي عند المنصور وكذا عند ابنه الأشرف، وقد طلب منه ابن السلعوس أن يقرأ عليه كل ما يكتبه، فقال‏:‏ هذا لا يمكن فإن أسرار الملوك لا يطلع عليها غيرهم، وأبصروا لكم غيري يكون معكم بهذه المثابة، فلما بلغ ذلك الأشرف أعجبه منه، وازدادت عنده منزلته‏.‏

توفي يوم السبت نصف رمضان، وأخرجت في تركته قصيدة قد رثا بها تاج الدين بن الأثير، وكان قد شوش فاعتقد أنه يموت فعوفي فبقيت بعده، وتولى ابن الأثير بعده ورثاه تاج الدين كما رثاه، وتوفي ابن الأثير بعده شهر وأربعة أيام‏.‏

 يونس بن علي بن رضوان بن برقش

الأمير عماد الدين، كان أحد الأمراء بطبلخانة في الدولة الناصرية، ثم حمل وبطل الجندية بالكلية في الدولة المظفرية وهلم جراً إلى هذه السنة، وكان الظاهر يكرمه، توفي في شوال ودفن عند والده بتربة الخزيميين رحمهم الله‏.‏

 جلال الدين الخبازي

عمر بن محمد بن عمر أبو محمد الخجندي أحد مشايخ الحنفية الكبار‏.‏

أصله من بلاد ما وراء النهر من بلد يقال لها خجندة، واشتغل ودرس بخوارزم، وأعاد ببغداد، ثم قدم دمشق فدرس بالعزية والخاتونية البرانية، وكان فاضلاً بارعاً منصفاً مصنفاً في فنون كثيرة، توفي لخمس بقين من ذي الحجة منها، وله ثنتان وستون سنة، ودفن بالصوفية‏.‏

 الملك المظفر

قرا أرسلان الأفريقي، صاحب ماردين، توفي وله ثمانون سنة، وقام بعده ولده شمس الدين داود ولقب بالملك السعيد، والله سبحانه أعلم‏.‏

ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وستمائة

في تاريخ ظهير الدين الكازروني ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في هذه السنة، نظير ما كان في سنة أربع وخمسين على صفتها، إلا أن هذه النار كان يعلو لهيبها كثيراً، وكان تحرق الصخر ولا تحرق السعف، واستمرت ثلاثة أيام‏.‏

استهلت هذه السنة والخليفة الحاكم العباسي وسلطان البلاد الملك الأشرف بن المنصور ونائبه بمصر بدر الدين بيدرا، وبالشام عز الدين أيبك الحموي، وقضاة مصر والشام هم الذين كانوا في التي قبلها، والوزير شمس الدين بن السلعوس‏.‏

وفي جمادى الآخرة قدم الأشرف دمشق فنزل في القصر الأبلق والميدان الأخضر، وجهز الجيوش وتهيأ لغزو بلاد سيس، وقدم في غضون ذلك رسل صاحب بلاد سيس يطلبون الصلح، فشفع الأمراء فيهم فسلموا بهسنا وتل حمدون ومرعش، وهي أكبر بلادهم وأحسنها وأحصنها، وهي في فم الدربند‏.‏

ثم ركب السلطان في ثاني رجب نحو سلمية بأكثر الجيش صورة، أنه يريد أن يصيب الأمير حسام الدين لاجين، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى، فلما انقضت الضيافة أمسك له حسام الدين لاجين، وكان عنده، فجاءه به فسجنه في قلعة دمشق، وأمسك مهنا بن عيسى، وولى مكانه محمد بن علي بن حديثة، ثم أرسل السلطان جمهور الجيش بين يديه إلى الديار المصرية صحبة نائبه بيدرا، ووزيره ابن السلعوس، وتأخر هو في خاصكيته ثم لحقهم‏.‏ ‏

وفي المحرم منها حكم القاضي حسام الدين الرازي الحنفي، بالتشريك بين العلويين والجعفرين في الدباغة، التي كانوا يتنازعونها من مدة مائتي سنة، وكان ذلك يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرم، بدار العدل، ولم يوافقه ابن الخويي ولا غيره، وحكم للاعناكيين بصحة نسبهم إلى جعفر الطيار‏.‏

وفيها‏:‏ رسم الأشرف بتخريب قلعة الشوبك فهدمت، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها وأنفعها، وإنما خربها عن رأي عتبة العقبى، ولم ينصح للسلطان فيها ولا للمسلمين، لأنها كانت شجىً في حلوق الأعراب الذين هناك‏.‏

وفيها‏:‏ أرسل السلطان الأمير علم الدين الدويداري إلى صاحب القسطنطينية وإلى أولاد بركة ومع الرسول تحفاً كثيرة جداً، فلم يتفق خروجه حتى قتل السلطان فعاد إلى دمشق‏.‏

وفي عاشر جمادى الأولى درّس القاضي إمام الدين القزويني بالطاهرية البرانية، وحضر عنده القضاة والأعيان‏.‏

وفي الثاني والعشرين من ذي الحجة يوم الاثنين طهر الملك الأشرف أخاه الملك الناصر محمد وابن أخيه الملك المعظم مظفر الدين موسى بن الصالح علي بن المنصور، وعمل مهم عظيم ولعب الأشرف بالقبق وتمت لهم فرحة هائلة، كانت كالوداع لسلطنته من الدنيا‏.‏

وفي أول المحرم درّس الشيخ شمس الدين بن غانم بالعصرونية، وفي مستهل صفر درّس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بالرواحية، عوضاً عن نجم الدين بن مكي بحكم انتقاله إلى حلب وإعراضه عن المدرسة المذكورة، ودخل الركب الشامي في آخر صفر‏.‏

وكان ممن حج في هذه السنة الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وكان أميرهم الباسطي ونالهم في معان ريح شديدة جداً مات بسببها جماعة، وحملت الريح جمالاً عن أماكنها، وطارت العمائم عن الرؤوس، واشتغل كل أحد بنفسه‏.‏

وفي صفر منها‏:‏ وقع بدمشق برد عظيم أفسد شيئاً كثيراً من المغلات بحيث بيع القمح كل عشرة أواق بدرهم، ومات شيء كثير من الدواب، وفيه زلزلت ناحية الكرك، وسقط من تلفيتا أماكن كثيرة‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخ الأرموي

الشيخ الصالح القدوة العارف أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الصالح أبي محمد عبد الله بن يوسف بن يونس بن إبراهيم بن سلمان الأرموي، المقيم بزاويته بسفح قاسيون، كان فيه عبادة وانقطاع وله أوراد وأذكار، وكان محبباً إلى الناس، توفي بالمحرم ودفن عند والده بالسفح‏.‏ ‏

 ابن الأعمى صاحب المقامة

الشيخ ظهير الدين محمد بن المبارك بن سالم بن أبي الغنائم الدمشقي المعروف بابن الأعمى، ولد سنة عشرة وستمائة، وسمع الحديث، وكان فاضلاً بارعاً، له قصائد يمتدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماها الشفعية، عدد كل قصيدة اثنان وعشرون بيتاً‏.‏

قال البرزالي‏:‏ سمعته وله المقامة البحرية المشهورة، توفي في المحرم ودفن بالصوفية‏.‏

 الملك الزاهر مجير الدين

أبو سليمان داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص ابن ناصر الدين محمد بن الملك المعظم، توفي ببستانه عن ثمانين سنة، وصلّي عليه بالجامع المظفري، ودفن بتربته بالسفح، وكان ديناً كثير الصلاة في الجامع، وله إجازة من المؤيد الطوسي وزينب الشعرية وأبي روح وغيرهم‏.‏

توفي في جمادى الآخرة‏.‏

 الشيخ تقي الدين الواسطي

أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي ثم الدمشقي الحنبلي، شيخ الحديث بالظاهرية بدمشق، توفي يوم الجمعة آخر النهار رابع عشرين جمادى الآخرة عن تسعين سنة، وكان رجلاً صالحاً عابداً، تفرد بعلو الرواية، ولم يخلف بعده مثله، وقد تفقه ببغداد، ثم رحل إلى الشام، ودرس بالصالحية مدة عشرين سنة، وبمدرسة أبي عمر، وولي في آخر عمره مشيخة الحديث بالظاهرية بعد سفر الفاروثي‏.‏

وكان داعية إلى مذهب السلف والصدر الأول، وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان من خيار عباد الله تعالى رحمه الله‏.‏

وقد درّس بعده بالصالحية الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القوى المرداوي، وبدار الحديث الظاهرية شرف الدين عمر بن خواجا إمام الجامع المعروف بالناصح‏.‏

 ابن صاحب حماة الملك الأفضل

نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، توفي بدمشق وصلي عليه بجامعها، وخرج به من باب الفراديس محمولاً إلى مدينة أبيه وتربتهم بها، وهو والد الأميرين الكبيرين بدر الدين حسن وعماد الدين إسماعيل الذي تملك حماة بعد مدة‏.‏

 ابن عبد الظاهر

محيي الدين عبد الله بن رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن علي بن نجدة السعدي، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وآخر من برز في هذا الفن على أهل زمانه، وسبق سائر أقرانه، وهو والد الصاحب فتح الدين النديم، وقد تقدم ذكر وفاته قبل والده، وقد كانت له مصنفات منها سيرة الملك الظاهر، وكان ذا مروءة، وله النظم الفائق والنثر الرائق‏.‏

توفي يوم الثلاثاء رابع رجب، وقد جاوز السبعين، ودفن بتربته التي أنشاها بالقرافة‏.‏

 الأمير علم الدين سنجر الحلبي

الذي كان نائب قطز على دمشق، فلما جاءته بيعة الظاهر دعا لنفسه فبويع، وتسمى بالملك المجاهد، ثم حوصر وهرب إلى بعلبك فحوصر فأجاب إلى خدمة الظاهر فسجنه مدة وأطلقه وسجنه المنصور مدة وأطلقه الأشرف، واحترمه وأكرمه، بلغ الثمانين سنة وتوفي في هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة

في أولها كان مقتل الأشرف، وذلك أنه خرج إلى الصيد في ثالث المحرم، فلما كان بأرض تروجة بالقرب من الإسكندرية ثاني عشر المحرم، حمل عليه جماعة من الأمراء الذين اتفقوا على قتله حين انفرد عن جمهور الجيش، فأول من صوبه نائبه بيدرا، وتمم عليه لاجين المنصوري، ثم اختفى إلى رمضان، ثم ظهر يوم العيد‏.‏

وكان ممن اشترك في قتل الأشرف بدر الدين بيسرى وشمس الدين قراسنقر المنصوري، فلما قتل الأشرف اتفق الأمراء على تمليك بيدرا، وسموه الملك القاهر أو الأوحد، فلم يتم له ذلك، فقتل في اليوم الثاني بأمر كتبغا، ثم اتفق زين الدين كتبغا، وعلم الدين سنجر الشجاعي على أن يملكوا أخاه محمد الملك الناصر بن قلاوون، وكان عمره إذ ذاك ثمان سنين وشهوراً‏.‏ ‏

فأجلسوه على سرير المملكة يوم الرابع عشر من المحرم، وكان الوزير ابن السلعوس بالإسكندرية، وكان قد خرج في صحبة السلطان، وتقدم هو إلى الإسكندرية فلم يشعر إلا وقد أحاط به البلاء، وجاءه العذاب من كل ناحية، وذلك أنه كان يعامل الأمراء الكبار معاملة الصغار، فأخذوه وتولى عقوبته من بينهم الشجاعي فضرب ضرباً عظيماً، وقرر على الأموال، ولم يزالوا يعاقبونه حتى كان وفاته في عاشر صفر بعد أن احتيط على حواصله كلها‏.‏

وأحضر جسد الأشرف فدفن بتربته، وتألم الناس لفقده وأعظموا قتله، وقد كان شهماً شجاعاً، عالي الهمة، حسن المنظر، كان قد عزم على غزو العراق، واسترجاع تلك البلاد من أيدي التتار، واستعد لذلك ونادى به في بلاده، وقد فتح في مدة ملكه - وكانت ثلاث سنين - عكا وسائر السواحل، ولم يترك للفرنج فيها معلماً ولا حجراً، وفتح قلعة الروم وبهسنا وغيرها‏.‏

فلما جاءت بيعة الناصر إلى دمشق خطب له بها على المنابر، واستقر الحال على ذلك، وجعل الأمير كتبغا أتابكه، والشجاعي مشاوراً كبيراً، ثم قتل بعد أيام بقلعة الجبل، وحمل رأسه إلى كتبغا فأمر أن يطاف به في البلد، ففرح الناس بذلك، وأعطوا الذين حملوا رأسه مالاً، ولم يبق لكتبغا منازع، ومع هذا كان يشاور الأمراء تطييباً لقلوبهم‏.‏

وفي صفر بعد موت ابن السلعوس عزل بدر الدين بن جماعة عن القضاء، وأعيد تقي الدين بن بنت الأعز واستمر ابن جماعة مدرساً بمصر في كفاية ورياسة‏.‏

وتولى الوزارة بمصر الصاحب تاج الدين ابن الحنا، وفي ظهر يوم الأربعاء الحادي والعشرين من صفر رتب إمام بمحراب الصحابة، وهو كمال الدين عبد الرحمن بن القاضي محيي الدين بن الزكي، وصلى بعدئذ بعد الخطيب، ورتب بالمكتب الذي بباب الناطفانيين إمام أيضاً، وهو ضياء الدين بن برهان الدين الإسكندري‏.‏

وباشر نظر الجامع الشريف زين الدين حسين بن محمد بن عدنان، وعاد سوق الحريريين إلى سوقه، وأخلوا قيسارية القطن الذي كان نواب طغجي ألزموهم بسكناها، وولي خطابة دمشق الشيخ العلامة شرف الدين أحمد بن جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد المقدسي، بعد عزل موفق الدين الحموي، دعوه إلى حماة فخطب المقدسي يوم الجمعة نصف رجب، وقرئ تقليده، وكانت ولايته بإشارة تاج الدين ابن الحنا الوزير بمصر، وكان فصيحاً بليغاً عالماً بارعاً‏.‏

وفي أواخر رجب حلف الأمراء للأمير زين الدين كتبغا مع الملك الناصر محمد بن قلاوون، وسارت البيعة بذلك في سائر المدن والمعامل‏.‏

واقعة عساف النصراني

كان هذا الرجل من أهل السويداء، قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجى أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافاً حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه‏.‏

فقال ذلك الرجل البدوي‏:‏ هو خير منكم - يعني النصراني - فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافاً ووقعت خبطة قوية فأرسل النائب فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم، وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه‏.‏

ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريباً من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله ابن أخيه هنالك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية في هذه الواقعة كتابه ‏(‏الصارم المسلول على ساب الرسول‏)‏‏.‏

وفي شعبان منها، ركب الملك الناصر في أبهة الملك، وشق القاهرة، وكان يوماً مشهوداً، وكان هذا أول ركوبه، ودقت البشائر بالشام وجاء المرسوم من جهته، فقرئ على المنبر بالجامع فيه الأمر بنشر العدل وطي الظلم، وإبطال ضمان الأوقاف والأملاك إلا برضي أصحابها‏.‏

وفي اليوم الثاني والعشرين من شعبان درّس بالمسرورية القاضي جمال الدين القزويني، أخو إمام الدين، وحضر أخوه وقاضي القضاة شهاب الدين الخويي، والشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان درساً حافلاً‏.‏

قال البرزالي‏:‏ وفي شعبان اشتهر أن في الغوطة بجسرين تنيناً عظيماً ابتلع رأساً من المعز كبيراً صحيحاً‏.‏

وفي أواخر رمضان ظهر الأمير حسام الدين لاجين، وكان مختفياً منذ قتل الأشرف، فاعتذر له عند السلطان فقبله، وخلع عليه وأكرمه، ولم يكن قتله باختياره‏.‏

وفي شوال منها اشتهر أن مهنا بن عيسى خرج عن طاعة السلطان الناصر، وانحاز إلى التتر‏.‏

وفي يوم الأربعاء ثامن ذي القعدة درّس بالغزالية الخطيب شرف الدين المقدسي عوضاً عن قاضي القضاة شهاب الدين ابن الخويي‏.‏

توفي وترك الشامية البرانية، وقدم على قضاء الشام القاضي بدر الدين أحمد بن جماعة يوم الخميس الرابع عشر من ذي الحجة، ونزل العادلية وخرج نائب السلطنة والجيش بكماله لتلقيه، وامتدحه الشعراء، واستناب تاج الدين الجعبري نائب الخطابة وباشر تدريس الشامية البرانية، عوضاً عن شرف الدين المقدسي، الشيخ زين الدين الفاروثي، وانتزعت من يده الناصرية فدرّس بها ابن جماعة‏.‏

وفي العادلية في العشرين من ذي الحجة، وفي هذا الشهر أخرجوا الكلاب من دمشق إلى الفلاة بأمر واليها جمال الدين اقياي، وشدد على الناس والبوابين بذلك‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الملك الأشرف خليل بن قلاوون المنصور‏.‏

وبيدرا والشجاعي، وشمس الدين بن السلعوس‏.‏

الشيخ الإمام العلامة

 تاج الدين موسى بن محمد بن مسعود المراغي، المعروف بأبي الجواب الشافعي، درّس بالإقبالية وغيرها، وكان من فضلاء الشافعية، له يد في الفقه والأصول والنحو وفهم جيد، توفي فجأة يوم السبت، ودفن بمقابر باب الصغير، وقد جاوز السبعين‏.‏

الخاتون مؤنس بنت السلطان العادل أبي بكر بن أيوب

وتعرف بدار القطبية، وبدار إقبال، ولدت سنة ثلاث وستمائة، وروت الإجازة عن عفيفة الفارقانية، وعن عين الشمس بنت أحمد بن أبي الفرج الثقفية، توفيت في ربيع الآخر بالقاهرة، ودفنت بباب زويلة‏.‏

 الصاحب الوزير فخر الدين

أبو إسحاق إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد البناني المصري رأس الموقعين، وأستاذ الوزراء المشهورين، ولد سنة ثنتي عشرة وستمائة، وروى الحديث، توفي في آخر جمادى الآخرة في القاهرة‏.‏

 الملك الحافظ غياث الدين بن محمد

الملك السعيد معين الدين بن الملك الأمجد بهرام شاه بن المعز عز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب، وكان فاضلاً بارعاً، سمع الحديث وروى البخاري، وكان يحب العلماء والفقراء، توفي يوم الجمعة سادس شعبان، ودفن عند جده لأمه ابن المقدم، ظاهر باب الفراديس‏.‏ ‏

 قاضي القضاة شهاب الدين بن الخويي

أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة شمس الدين أبي العباس أحمد بن خليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى بن محمد الشافعي، أصلهم من خوي، اشتغل وحصل علوماً كثيرة، وصنّف كتباً كثيرة منها كتاب فيه عشرون فناً، وله ‏(‏نظم علوم الحديث‏)‏، و‏(‏كفاية المتحفظ‏)‏، وغير ذلك‏.‏

وقد سمع الحديث الكثير، وكان محباً له ولأهله، وقد درس وهو صغير بالدماغية، ثم ولي قضاء القدس، ثم بهسنا، ثم ولي قضاء حلب، ثم عاد إلى المحلة، ثم ولي قضاء القاهرة، ثم قدم على قضاء الشام مع تدريس العادلية والغزالية وغيرهما‏.‏

وكان من حسنات الزمان وأكابر العلماء الأعلام، عفيفاً نزهاً بارعاً محباً للحديث، وعلمه وعلمائه، وقد خرّج له شيخنا الحافظ المزي أربعين حديثاً متباينة الإسناد، وخرّج له تقي الدين بن عتبة الأسودي الأسعردي مشيخة على حروف المعجم، اشتملت على مائتين وستة وثلاثين شيخاً‏.‏

قال البرزالي‏:‏ وله نحو ثلاثمائة شيخ لم يذكروا في هذا المعجم، توفي يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان، عن سبع وستين سنة، وصلى عليه ودفن من يومه بتربة والده بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى‏.‏

 الأمير علاء الدين الأعمى

ناظر القدس وباني كثيراً من معالمه اليوم، وهو الأمير الكبير علاء الدين أيدكين بن عبد الله الصالحي النجمي، كان من أكابر الأمراء، فلما أضر أقام بالقدس الشريف، وولى نظره معمره ومثمره، وكان مهيباً لا تخالف مراسيمه، وهو الذي بنى المطهرة قريباً من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فانتفع الناس بها بالوضوء وغيره، ووجد بها الناس تيسيراً، وابتنى بالقدس ربطاً كثيرة، وآثاراً حسنة، وكان يباشر الأمور بنفسه، وله حرمة وافرة توفي شوال منها‏.‏

 الوزير شمس الدين محمد بن عثمان

ابن أبي الرجال التنوخي، المعروف بابن السلعوس، وزير الملك الأشرف، مات تحت الضرب الذي جاوز ألف مقرعة، في عاشر صفر من هذه السنة، ودفن بالقرافة، وقيل إنه نقل إلى الشام بعد ذلك‏.‏

وكان ابتداء أمره تاجراً، ثم ولي الحسبة بدمشق بسفارة تقي الدين بن توبة، ثم كان يعامل الملك الأشرف قبل السلطنة فظهر منه على عدل وصدق‏.‏

فلما ملك بعد أبيه المنصور استدعاه من الحج فولاه الوزارة، وكان يتعاظم على أكابر الأمراء ويسميهم بأسمائهم، ولا يقوم لهم، فلما قتل أستاذه الأشرف تسلموه بالضرب والإهانة وأخذ الأموال، حتى أعدموه حياته، وصبروه وأسكنوه الثرى، بعد أن كان عند نفسه قد بلغ الثريا، ولكن حقاً على الله أنه ما رفع شيئاً إلا وضعه‏.‏

 

 ثم دخلت سنة أربع وتسعين وستمائة

استهلت والخليفة الحاكم بأمر الله وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة وأشهراً‏.‏

ومدبر الممالك وأتابك العساكر الأمير زين الدين كتبغا، ونائب الشام الأمير عز الدين أيبك الحموي، والوزير بدمشق تقي الدين توبة التكريتي، وشاد الدواوين شمس الدين الأعسر، وقاضي الشافعية ابن جماعة، والحنفية حسام الدين الرازي، والمالكية جمال الدين الزواوي، والحنابلة شرف الدين حسن، والمحتسب شهاب الدين الحنفي، ونقيب الأشراف زين الدين بن عدنان، ووكيل بيت المال وناظر الجامع تاج الدين الشيرازي، وخطيب البلد شرف الدين المقدسي‏.‏

فلما كان يوم عاشوراء نهض جماعة من مماليك الأشرف وخرقوا حرمة السلطان وأرادوا الخروج عليه، وجاؤوا إلى سوق السلاح فأخذوا ما فيه، ثم احتيط عليهم، فمنهم من صلب ومنهم من شنق، وقطع أيدي آخرين منهم وألسنتهم‏.‏

وجرت خبطة عظيمة جداً، وكانوا قريباً من ثلاثمائة أو يزيدون‏.‏

 سلطنة الملك العادل كتبغا

وأصبح الأمير كتبغا في الحادي عشر من المحرم فجلس على سرير المملكة، وخلع الملك الناصر محمد بن المنصور، وألزمه بيت أهله، وأن لا يخرج منه، وبايعه الأمراء على ذلك، وهنئوه ومد سماطاً حافلاً، وسارت البريدية بذلك إلى الأقاليم، فبويع له وخطب له مستقلاً، وضربت السكة باسمه‏.‏

وتم الأمر وزينت البلاد، ودقت البشائر، ولقب بالملك العادل، وكان عمره إذ ذاك نحواً من خمسين سنة، فإنه من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في أيام الملك الظاهر بعد وقعة عين جالوت‏.‏

وكان من الغويرانية، وهم طائفة من التتر، واستناب في مصر الأمير حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري، وكان بين يديه مدير المماليك‏.‏ ‏

وقد ذكر الجزري في تاريخه عن بعض الأمراء أنه شهد هولاكو خان قد سأل منجمه أن يستخرج له من هؤلاء المقدمين في عسكره الذي يملك الديار المصرية، فضرب وحسب وقال له‏:‏ أجد رجلاً يملكها اسمه كتبغا فظنه كتبغانوين، وهو صهر هولاكو، فقدمه على العساكر فلم يكن هو، فقتل في عين جالوت كما ذكرنا، وأن الذي ملك مصر هذا الرجل وهو من خيار الأمراء وأجودهم سيرة ومعدلة، وقصداً في نصرة الإسلام‏.‏

وفي يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول ركب كتبغا في أبهة الملك، وشق القاهرة ودعا له الناس وعزل الصاحب تاج الدين بن الحنا عن الوزارة، وولى فخر الدين بن الخليلي، واستسقى الناس بدمشق عند مسجد القدم، وخطب بهم تاج الدين صالح الجعبري نيابة عن مستخلفه شرف الدين المقدسي‏.‏

وكان مريضاً فعزل نفسه عن القضاء، وخطب الناس بعد ذلك، وذلك يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى، فلم يسقوا ثم استسقوا مرة أخرى يوم السبت سابع جمادى الآخرة بالمكان المذكور، وخطب بهم شرف الدين المقدسي، وكان الجمع أكثر من أول، فلم يسقوا‏.‏

وفي رجب حكم جمال الدين بن الشريشي نيابة عن القاضي بدر الدين بن جماعة، وفيه درّس بالمعظمية القاضي شمس الدين بن العز، انتزعها من علاء الدين بن الدقاق‏.‏

وفيه ولي القدس والخليل الملك الأوحد بن الملك الناصر داود بن المعظم‏.‏

وفي رمضان رسم للحنابلة أن يصلوا قبل الإمام الكبير وذلك أنهم كانوا يصلون بعده، فلما أحدث لمحراب الصحابة إمام كانوا يصلون جميعاً في وقت واحد، فحصل تشويش بسبب ذلك، فاستقرت القاعدة على أن يصلوا قبل الإمام الكبير، وفي وقت صلاة مشهد علي بالصحن عند محرابهم في الرواق الثالث الغربي‏.‏

قلت وقد تغيرت هذه القاعدة بعد العشرين وسبعمائة كما سيأتي‏.‏

وفي أواخر رمضان قدم القاضي نجم الدين بن صصرى من الديار المصرية على قضاء العساكر بالشام‏.‏

وفي ظهر يوم الخميس خامس شوال صلى القاضي بدر الدين بن جماعة بمحراب الجامع إماماً وخطيباً عوضاً عن الخطيب المدرس شرف الدين المقدسي، ثم خطب من الغد وشكرت خطبته وقراءته، وذلك مضاف إليه ما بيده من القضاء وغيره‏.‏

وفي أوائل شوال قدمت من الديار المصرية تواقيع شتى منها تدريس الغزالية لابن صصرى، عوضاً عن الخطيب المقدسي، وتوقيع بتدريس الأمينية لإمام الدين القزويني، عوضاً عن نجم الدين ابن صصرى، ورسم لأخيه جلال الدين بتدريس الظاهرية البرانية عوضاً عنه‏.‏

وفي شوال كملت عمارة الحمام الذي أنشاه عز الدين الحموي بمسجد القصب، وهو من أحسن الحمامات، وباشر مشيخة دار الحديث النورية الشيخ علاء الدين بن العطار، عوضاً عن شرف الدين المقدسي‏.‏ ‏

وحج فيها‏:‏ الملك المجاهد أنس بن الملك العادل كتبغا، وتصدقوا بصدقات كثيرة في الحرمين وغيرهما ونودي بدمشق في يوم عرفة أن لا يركب أحد من أهل الذمة خيلاً ولا بغالاً، ومن رأى من المسلمين أحداً من أهل الذمة قد خالف ذلك فله سلبه‏.‏

وفي أواخر هذه السنة، والتي تليها حصل بديار مصر غلاء شديد، هلك بسببه خلق كثير، هلك في شهر ذي الحجة نحو من عشرين ألفا‏.‏

وفيها‏:‏ ملك التتار قازان بن أرغون بن أبغا بن تولى بن جنكيز خان فأسلم وأظهر الإسلام على يد الأمير توزون رحمه الله، ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام، ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس يوم إسلامه، وتسمى بمحمود، وشهد الجمعة والخطبة، وخرب كنائس كثيرة، وضرب عليهم الجزية ورد مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد، وظهرت السبح والهياكل مع التتار والحمد لله وحده‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 الشيخ أبو الرجال المنيني

الشيخ الصالح الزاهد العابد أبو الرجال بن مري بن بحتر المنيني، كانت له أحوال ومكاشفات، وكان أهل دمشق والبلاد يزورونه في قرية منين، وربما قدم هو بنفسه إلى دمشق فيكرم ويضاف وكانت له زاوية ببلده، وكان بريئاً من هذه السماعات الشيطانية‏.‏

وكان تلميذ الشيخ جندل، وكان شيخه الشيخ جندل من كبار الصالحين سالكاً طريق السلف أيضاً، وقد بلغ الشيخ أبو الرجال ثمانين سنة، وتوفي بمنين في منزله في عاشر المحرم، وخرج الناس من دمشق إلى جنازته فمنهم من أدركها ومن الناس من لم يدرك فصلى على القبر ودفن بزاويته رحمه الله‏.‏

وفيها‏:‏ في أواخر ربيع الأول جاء الخبر بأن عساف بن أحمد بن حجى، الذي كان قد أجار ذلك النصراني الذي سب الرسول قتل ففرح الناس بذلك‏.‏

 الشيخ الصالح العابد الزاهد الورع

بقية السلف جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن الحرستاني بن قاضي القضاة، وخطيب الخطباء، عماد الدين عبد الكريم بن جمال الدين عبد الصمد، سمع الحديث وناب عن أبيه في الإمامة وتدريس الغزالية‏.‏

ثم ترك المناصب والدنيا، وأقبل على العبادة، وللناس فيه اعتقاد حسن صالح، يقبلون يده ويسألونه الدعاء، وقد جاوز الثمانين، ودفن بالسفح عند أهله في أواخر ربيع الآخر‏.‏

 الشيخ محب الدين الطبري المكي

الشافعي، سمع الكثير وصنّف في فنون كثيرة، من ذلك كتاب ‏(‏الأحكام‏)‏ في مجلدات كثيرة مفيدة، وله كتاب على ترتيب جامع المسانيد أسمعه لصاحب اليمن، وكان مولده يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة منها، ودفن بمكة، وله شعر جيد فمنه قصيدته في المنازل التي بين مكة والمدينة، تزيد على ثلاثمائة بيت، كتبها عنه الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه‏.‏

 الملك المظفر صاحب اليمن

يوسف بن المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول، أقام في مملكة اليمن بعد أبيه سبعاً وأربعين سنة، وعمره ثمانين سنة، وكان أبوه قد ولي أزيد من مدة عشرين سنة بعد الملك أقسيس بن الكامل محمد، وكان عمر بن رسول مقدم عساكر أقسيس، فلما مات أقسيس وثب على الملك فتم له الأمر، وتسمى بالملك المنصور‏.‏

واستمر أزيد من عشرين سنة، ثم ابنه المظفر سبعاً وأربعين سنة، ثم قام من بعده في الملك ولده الملك الأشرف ممهد الدين، فلم يمكث سنة حتى مات، ثم قام أخوه المؤيد عز الدين داود بن المظفر، فاستمر في الملك مدة، وكانت وفاة الملك المظفر المذكور في رجب من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وكان يحب الحديث وسماعه، وقد جمع لنفسه أربعين حديثاً‏.‏

 شرف الدين المقدسي

الشيخ الإمام الخطيب المدرس المفتي، شرف الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسي الشافعي، ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة، وسمع الكثير وكتب حسناً وصنف فأجاد وأفاد‏.‏

وولي القضاء نيابة بدمشق، والتدريس والخطابة بدمشق، وكان مدرس الغزالية ودار الحديث النورية مع الخطابة، ودرس في وقت بالشامية البرانية، وأذن في الإفتاء لجماعة من الفضلاء، منهم‏:‏ الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويفرح به، ويقول‏:‏ أنا أذنت لابن تيمية بالإفتاء، وكان يتقن فنوناً كثيرة من العلوم، وله شعر حسن، وصنف كتاباً في أصول الفقه جمع فيه شيئاً كثيراً، وهو عندي بخطه الحسن، توفي يوم الأحد سابع عشر رمضان، وقد جاوز السبعين، ودفن بمقابر باب كيسان عند والده، رحمه الله ورحم أباه‏.‏

وقد خطب بعده يوم العيد، الشيخ شرف الدين الفزاري خطيب جامع جراح، ثم جاء المرسوم لابن جماعة بالخطابة‏.‏

ومن شعر الخطيب شرف الدين بن المقدسي‏:‏

أحجج إلى الزهر لتسعى به * وارم جمار الهم مستنفرا

من لم يطف بالزهر في وقته * من قبل أن يحلق قد قصرا

 واقف الجوهرية الصدر نجم الدين

أبو بكر محمد بن عياش بن أبي المكارم التميمي الجوهري، واقف الجوهرية على الحنفية بدمشق، توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر شوال، ودفن بمدرسته وقد جاوز الثمانين، وكانت له خدم على الملوك، فمن دونهم‏.‏

الشيخ الإمام العالم المفتي

 الخطيب الطبيب، مجد الدين أبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن أبي الفتح بن سحنون التنوخي الحنفي، خطيب النيرب، ومدرس الدماغية للحنفية، وكان طبيباً ماهراً حاذقاً، توفي بالنيرب وصلّي عليه بجامع الصالحية، وكان فاضلاً، وله شعر حسن، وروى شيئاً من الحديث، توفي ليلة السبت خامس ذي القعدة عن خمس وسبعين سنة‏.‏

 الفاروثي الشيخ الإمام العابد الزاهد

الخطيب عز الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ محيي الدين إبراهيم بن عمر بن الفرج بن سابور بن علي بن غنيمة الفاروثي الواسطي، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع الحديث ورحل فيه، وكانت له فيه يد جيدة، وفي التفسير والفقه والوعظ والبلاغة، وكان ديناً ورعاً زاهداً، قدم إلى دمشق في دولة الظاهر فأعطى تدريس الجاروضية، وإمام مسجد ابن هشام، ورتب له فيه شيء على المصالح، وكان فيه إيثار وله أحوال صالحة، ومكاشفات كثيرة، تقدم يوماً في محراب ابن هشام ليصلي بالناس، فقال - قبل أن يكبر للإحرام والتفت عن يمينه - فقال‏:‏ أخرج فاغتسل، فلم يخرج أحد، ثم كرر ذلك ثانية وثالثة، فلم يخرج أحد‏.‏

فقال‏:‏ يا عثمان أخرج فاغتسل، فخرج رجل من الصف فاغتسل ثم عاد، وجاء إلى الشيخ يعتذر إليه، وكان الرجل صالحاً في نفسه، ذكر أنه أصابه فيض من غير أن يرى شخصاً، فاعتقد أنه لا يلزمه غسل، فلما قال الشيخ ما قال اعتقد أنه يخاطب غيره، فلما عينه باسمه علم أنه المراد‏.‏

ثم قدم الفاروثي مرة أخرى في أواخر أيام المنصور قلاوون، فخطب بجامع دمشق مدة شهور، ثم عزل بموفق الدين الحموي، وتقدم ذكر ذلك، وكان قد درس بالنجيبية وبدار الحديث الظاهرية، فترك ذلك كله وسافر إلى وطنه، فمات بكرة يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة‏.‏

وكان يوم موته يوماً مشهوداً بواسط، وصلّى عليه بدمشق وغيرها رحمه الله، وكان قد لبس خرقة التصوف من السهروردي، وقرأ القراءات العشرة، وخلّف ألفي مجلد ومائتي مجلداً، وحدّث بالكثير، وسمع منه البرزالي كثيراً ‏(‏صحيح البخاري‏)‏، و‏(‏جامع الترمذي‏)‏، و‏(‏سنن ابن ماجه‏)‏، و‏(‏مسند الشافعي‏)‏، و‏(‏مسند عبد بن حميد‏)‏، و‏(‏معجم الطبراني الصغير‏)‏، و‏(‏مسند الدارمي‏)‏، و‏(‏فضائل القرآن‏)‏ لأبي عبيد، وثمانين جزء وغير ذلك‏.‏

 الجمال المحقق

أحمد بن عبد الله بن الحسين الدمشقي، اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي، وبرع فيه وأفتى وأعاد، وكان فاضلاً في الطب، وقد ولي مشيخة الدخوارية لتقدمه في صناعة الطب على غيره، وعاد المرضى بالمارستان النوري على قاعدة الأطباء، وكان مدرساً للشافعية بالفرخشانية، ومعيداً بعدة مدارس، وكان جيد الذهن مشاركاً في فنون كثيرة سامحه الله‏.‏

 الست خاتون بنت الملك الأشرف

موسى بن العادل زوجة ابن عمها المنصور بن المنصور بن الصالح إسماعيل بن العادل، وهي التي أثبت سفهها زمن المنصور قلاوون حتى اشترى منها حزرماً، وأخذت الزنبقية من زين الدين السامري‏.‏ ‏

 الصدر جمال الدين

يوسف بن علي بن مهاجر التكريتي أخو الصاحب تقي الدين توبة، ولي حسبة دمشق في وقت، ودفن بتربة أخيه بالسفح، وكانت جنازته حافلة، وكان له عقل وافر وثروة ومروءة، وخلف ثلاث بنين‏:‏ شمس الدين محمد، وعلاء الدين علي، وبدر الدين حسن‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وتسعين وستمائة

استهلت وخليفة الوقت الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي، وسلطان البلاد الملك العادل زين الدين كتبغا، ونائبه بمصر الأمير حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري، ووزيره فخر الدين بن الخليلي، وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها، ونائب الشام عز الدين الحموي، ووزيره تقي الدين توبة، وشاد الدواوين الأعسر، وخطيب البلد وقاضيها ابن جماعة‏.‏

وفي المحرم ولي نظر الأيتام برهان الدين بن هلال عوضاً عن شرف الدين بن الشيرجي‏.‏

وفي مستهل هذه السنة كان الغلاء والفناء بديار مصر شديداً جداً، وقد تفانى الناس إلا القليل، وكانوا يحفرون الحفيرة فيدفنون فيها الفئام من الناس، والأسعار في غاية الغلاء، والأقوات في غاية القلة والغلاء، والموت عمال، فمات بها في شهر صفر مائة ألف ونحو من ثلاثين ألفاً، ووقع غلاء بالشام فبلغت الغرارة إلى مائتين، وقدمت طائفة من التتر العويراتية لما بلغهم سلطنة كتبغا إلى الشام لأنه منهم، فتلقاهم الجيش بالرحب والسعة، ثم سافروا إلى الديار المصرية مع الأمير قراسنقر المنصوري، وجاء الخبر باشتداد الغلاء والفناء بمصر، حتى قيل إنه بيع الفروج بالإسكندرية بستة وثلاثين درهماً، وبالقاهرة بتسعة عشر، والبيض كل ثلاثة بدرهم، وأفنيت الحمر والخليل والبغال والكلاب من أكل الناس لها، ولم يبق شيء من هذه الحيوانات يلوح إلا أكلوه‏.‏

وفي يوم السبت الثاني عشر من جمادى الأولى ولي قضاء القضاة بمصر الشيخ العلامة تقي الدين بن دقيق العيد عوضاً عن تقي الدين بن بنت الأعز، ثم وقع الرخص بالديار المصرية، وزال الضر والجوع في جمادى الآخرة ولله الحمد‏.‏ ‏

وفي يوم الأربعاء ثاني شهر رجب درّس القاضي إمام الدين بالقيمرية عوضاً عن صدر الدين بن رزين الذي توفي‏.‏

قال البرزالي‏:‏ وفيها وقعت صاعقة على قبة زمزم فقتلت الشيخ علي بن محمد بن عبد السلام مؤذن المسجد الحرام، كان يؤذن على سطح القبة المذكورة، وكان قد روى شيئاً من الحديث‏.‏

وفيها‏:‏ قدمت امرأة الملك الظاهر أم سلامش من بلاد الاشكري إلى دمشق في أواخر رمضان فبعث إليها نائب البلد بالهدايا والتحف ورتبت لها الروائب والإقامات، وكان قد نفاهم خليل بن المنصور لما ولي السلطنة‏.‏

قال الجزري‏:‏ وفي رجب درّس كمال الدين بن القلانسي عوضاً عن جلال الدين القزويني‏.‏

وفي يوم الأربعاء سابع عشر شعبان درّس الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الحراني بالمدرسة الحنبلية عوضاً عن الشيخ زين الدين بن المنجى توفي إلى رحمة الله، ونزل ابن تيمية عن حلقة العماد بن المنجا لشمس الدين بن الفخر البعلبكي‏.‏

وفي آخر شوال ناب القاضي جمال الدين الزرعي الذي كان حاكما بزرع، وهو سليمان بن عمر بن سالم الأزرعي عن ابن جماعة بدمشق، فشكرت سيرته‏.‏

وفيها‏:‏ خرج السلطان كتبغا من مصر قاصداً الشام في أواخر شوال، ولما جاء البريد بذلك ضربت البشائر بالقلعة، ونزلوا بالقلعة السلطان ونائبه لاجين ووزيره ابن الخليلي‏.‏

وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة ولي قضاء الحنابلة الشيخ تقي الدين سليمان بن حمزة المقدسي عوضاً عن شرف الدين مات رحمه الله، وخلع عليه وعلى بقية الحكام وأرباب الولايات الكبار وأكابر الأمراء‏.‏

وولي نجم الدين بن أبي الطيب وكالة بيت المال عوضاً عن ابن الشيرازي، وخلع عليه مع الجماعة، ورسم على سنقر الأعسر وجماعة من أصحابه وخلق من الكتبة والولاة وصودروا بمال كثير، واحتيط على أموالهم وحواصلهم، وعلى بنت ابن السلعوس وابن عدنان وخلق، وجرت خبطة عظيمة‏.‏

وقدم ابنا الشيخ علي الحريري حسن وشيث من بسر لزيارة السلطان فحصل لهما منه رفد وإسعاف وعادا إلى بلادهما، وضيفت القلندرية السلطان بسفح جبل المزة، فأعطاه نحوا من عشرة آلاف، وقدم صاحب حماة إلى خدمة السلطان ولعب معه الكرة بالميدان، واشتكت الأشراف من نقيبهم زين الدين بن عدنان، فرفع الصاحب يده عنهم وجعل أمرهم إلى القاضي الشافعي‏.‏ ‏

فلما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي القعدة صلى السلطان الملك العادل كتبغا بمقصورة الخطابة، وعن يمينه صاحب حماة، وتحته بدر الدين أمير سلاح، وعن يساره أولاد الحريري حسن وأخواه، وتحتهم نائب المملكة حسام الدين لاجين، وإلى جانبه نائب الشام عز الدين الحموي، وتحته بدر الدين بيسرى، وتحته قراسنقر وإلى جانبه الحاج بهادر، وخلفهم أمراء كبار، وخلع على الخطيب بدر الدين بن جماعة خلعة سنية‏.‏

ولما قضيت الصلاة سلم على السلطان وزار السلطان المصحف العثماني‏.‏

ثم أصبح يوم السبت فلعب الكرة بالميدان‏.‏

وفي يوم الاثنين ثاني ذي الحجة عزل الأمير عز الدين الحموي عن نيابة الشام، وعاتبه السلطان عتاباً كثيراً على أشياء صدرت منه، ثم عفا عنه وأمره بالمسير معه إلى مصر، واستناب بالشام الأمير سيف الدين غرلو العادلي، وخلع على المولى وعلى المعزول‏.‏

وحضر السلطان دار العدل وحضر عند الوزير والقضاة والأمراء، وكان عادلاً كما سمي، ثم سافر السلطان في ثاني عشر ذي الحجة نحو بلاد حلب فاجتاز على حرستا، ثم أقام بالبرية أياماً، ثم عاد فنزل حمص، وجاء إليه نواب البلاد، وجلس الأمير غرلو نائب دمشق بدار العدل، فحكم وعدل‏.‏

وكان محمود السيرة سديد الحكم رحمه الله تعالى‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخ زين الدين بن منجى

الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين، الصدر الكامل، زين الدين أبو البركات بن المنجى بن الصدر عز الدين أبي عمر عثمان بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المتوكل التنوخي، شيخ الحنابلة وعالمهم، ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث وتفقه، فبرع في فنون من العلم كثيرة من الأصول والفروع والعربية والتفسير وغير ذلك‏.‏

وانتهت إليه رياسة المذهب، وصنّف في الأصول، وشرح ‏(‏المقنع‏)‏، وله تعاليق في التفسير، وكان قد جمع له بين حسن السمت والديانة، والعلم والوجاهة، وصحة الذهن والعقيدة، والمناظرة، وكثرة الصدقة، ولم يزل يواظب على الجامع للاشتغال متبرعاً حتى توفي يوم الخميس رابع شعبان، وتوفيت معه زوجته أم محمد ست البها بنت صدر الدين الخجندي، وصلّي عليهما بعد الجمعة بجامع دمشق، وحملا جميعاً إلى سفح قاسيون شمال الجامع المظفري تحت الروضة، فدفنا في تربة واحدة رحمهما الله تعالى‏.‏

وهو والد قاضي القضاة علاء الدين، وكان شيخ المسمارية، ثم وليها بعده ولداه شرف الدين وعلاء الدين، وكان شيخ الحنبلية فدرّس بها بعده الشيخ تقي الدين بن تيمية كما ذكرنا ذلك في الحوادث‏.‏ ‏

 المسعودي صاحب الحمام بالمزة

أحد كبار الأمراء، هو الأمير الكبير بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله المسعودي، أحد الأمراء المشهورين بخدمة الملوك، توفي ببستانه بالمزة يوم السبت سابع عشرين شعبان، ودفن صبح يوم الأحد بتربته بالمزة، وحضر نائب السلطنة جنازته، وعمل عزاؤه تحت النسر بجامع دمشق‏.‏

 الشيخ الخالدي

هو الشيخ الصالح إسرائيل بن علي بن حسين الخالدي، له زاوية خارج باب السلامة، كان يقصد فيها للزيارة، وكان مشتملاً على عبادة وزهادة، وكان لا يقوم لأحد، ولو كان من كان، وعنده سكون وخشوع ومعرفة بالطريق، وكان لا يخرج من منزله إلا إلى الجمعة، حتى كانت وفاته بنصف رمضان ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى‏.‏

 الشرف حسين المقدسي

هو قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسين بن الإمام الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد الله بن الشيخ أبي عمر المقدسي، سمع الحديث وتفقه وبرع في الفروع واللغة، وفيه أدب وحسن محاضرة، مليح الشكل، تولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة سبع وثمانين‏.‏

ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، توفي ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال، وقد قارب الستين، ودفن من الغد بمقبرة جده بالسفح، وحضر نائب السلطنة والقضاة والأعيان جنازته، وعمل من الغد عزاؤه بالجامع المظفري، وباشر القضاء بعده تقي الدين سليمان بن حمزة، وكذا مشيخة دار الحديث الأشرفية بالسفح، وقد وليها شرف الدين الغابر الحنبلي النابلسي مدة شهور، ثم صرف عنها واستقرت بيد التقي سليمان المقدسي‏.‏

 الشيخ الإمام العالم الناسك

أبو محمد بن أبي حمزة المغربي المالكي، توفي بالديار المصرية في ذي القعدة، وكان قوالاً بالحق، أماراً بالمعروف ونهاءاً عن المنكر‏.‏

 الصاحب محيي الدين بن النحاس

أبو عبد الله محمد بن بدر الدين يعقوب بن إبراهيم بن عبد الله بن طارق بن سالم بن النحاس الأسدي الحلبي الحنفي، ولد سنة أربع عشرة وستمائة بحلب، واشتغل وبرع وسمع الحديث وأقام بدمشق مدة، ودرس بها بمدارس كبار، منها الظاهرية، والزنجانية، وولى القضاء بحلب والوزارة بدمشق، ونظر الخزانة ونظر الدواوين والأوقاف، ولم يزل مكرماً معظماً معروفاً بالفضيلة، والإنصاف في المناظرة، محباً للحديث وأهله على طريقة السلف، وكان يحب الشيخ عبد القادر وطائفته، توفي ببستانه بالمزة عشية الاثنين سلخ ذي الحجة، وقد جاوز الثمانين، ودفن يوم الثلاثاء مستهل سنة ست وتسعين بمقبرة له بالمزة، وحضر جنازته نائب السلطنة والقضاة‏.‏

قاضي القضاة

 تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب بن القاضي الأعز أبي القاسم خلف بن بدر العلائي الشافعي، توفي في جمادى الأولى ودفن بالقرافة بتربتهم‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وتسعين وستمائة

استهلت والخليفة والسلطان ونائب مصر ونائب الشام والقضاة هم المذكورون في التي قبلها، والسلطان الملك العادل كتبغا في نواحي حمص يتصيد، ومعه نائب مصر لاجين وأكابر الأمراء ونائب الشام بدمشق وهو الأمير سيف الدين غرلو العادلي‏.‏

فلما كان يوم الأربعاء ثاني المحرم، دخل السلطان كتبغا إلى دمشق، وصلى الجمعة بالمقصورة وزار قبر هود، وصلى عنده، وأخذ من الناس قصصهم بيده، وجلس بدار العدل في يوم السبت ووقع على القصص هو ووزيره فخر الدين الخليلي‏.‏

وفي هذا الشهر حضر شهاب الدين بن محيي الدين بن النحاس في مدرستي أبيه الريحانية والظاهرية، وحضر الناس عنده، ثم حضر السلطان دار العدل يوم الثلاثاء، وجاء يوم الجمعة فصلى الجمعة بالمقصورة، ثم صعد في هذا اليوم إلى مغارة الدم لزيارتها، ودعا هنالك وتصدق بجملة من المال، وحضر الوزير الخليلي ليلة الأحد ثالث عشر المحرم إلى الجامع بعد العشاء، فجلس عند شباك الكاملية، وقرأ القراؤون بين يديه، ورسم بأن يكمل داخل الجامع بالفرش ففعلوا ذلك، واستمر ذلك نحواً من شهرين ثم عاد إلى ما كان عليه‏.‏ ‏

وفي صبيحة هذا اليوم درس القاضي شمس الدين بن الحريري بالقيمازية عوضاً عن ابن النحاس باتفاق بينهم، وحضر عنده جماعة، ثم صلى السلطان الجمعة الأخرى بالمقصورة ومعه وزيره ابن الخليلي، وهو ضعيف من مرض أصابه‏.‏

وفي سابع عشر المحرم أمر للملك الكامل بن الملك السعيد بن الصالح إسماعيل بن العادل بطبلخانة ولبس الشربوش، ودخل القلعة ودقت له الكوسات على بابه، ثم خرج السلطان العادل كتبغا بالعساكر من دمشق بكرة الثلاثاء ثاني عشرين المحرم، وخرج بعده الوزير فاجتاز بدار الحديث، وزار الأثر النبوي، وخرج إليه الشيخ زين الدين الفارقي، وشافهه بتدريس الناصرية، وترك زين الدين تدريس الشامية البرانية فوليها القاضي كمال الدين بن الشريشي، وذكر أن الوزير أعطى الشيخ شيئاً من حطام الدنيا فقبله، وكذلك أعطى خادم الأثر وهو المعين خطاب‏.‏

وخرج الأعيان والقضاة مع الوزير لتوديعه‏.‏

ووقع في هذا اليوم مطر جيد استشفى الناس به وغسل آثار العساكر من الأوساخ وغيرها، وعاد التقي توبة من توديع الوزير، وقد فوض إليه نظر الخزانة وعزل عنها شهاب الدين بن النحاس، ودرس الشيخ ناصر الدين بالناصرية الجوانية عوضاً عن القاضي بدر الدين بن جماعة في يوم الأربعاء آخر يوم من المحرم‏.‏

وفي هذا اليوم تحدث الناس فيما بينهم بوقوع تخبيط بين العساكر، وخلف وتشويش، فغلق باب القلعة الذي يلي المدينة، ودخل الصاحب شهاب الدين إليها من ناحية الخوخة، وتهيأ النائب والأمراء وركب طائفة من الجيش على باب النصر وقوفاً‏.‏

فلما كان وقت العصر وصل السلطان الملك العادل كتبغا إلى القلعة في خمسة أنفس أو ستة من مماليكه، فدخل القلعة فجاء إليه الأمراء، وأحضر ابن جماعة وحسام الدين الحنفي، وجددوا الحلف للأمراء ثانية فحلفوا، وخلع عليهم وأمر بالاحتياط على نواب الأمير حسام الدين لاجين وحواصله، وأقام العادل بالقلعة هذه الأيام، وكان الخلف الذي وقع بينهم بوادي فحمة يوم الاثنين التاسع والعشرين من المحرم‏.‏

وذلك أن الأمير حسام الدين لاجين كان قد واطأ جماعة من الأمراء في الباطن على العادل، وتوثق منهم، وأشار على العادل حين خرجوا من دمشق أن يستصحب معه الخزانة، وذل لئلا يبقى بدمشق شيء من المال، يتقوى به العادل إن فاتهم، ورجع إلى دمشق، ويكون قوة له هو في الطريق، على ما عزم عليه من الغدر، فلما كانوا بالمكان المذكور قتل لاجين الأمير سيف الدين بيحاص وبكتوت الأزرق العادليين، وأخذ الخزانة من بين يديه والعسكر، وقصدوا الديار المصرية‏.‏

فلما سمع العادل بذلك خرج في الدهليز وساق جريدة إلى دمشق فدخلها كما ذكرنا، وتراجع إليه بعض مماليكه كزين الدين غلبك وغيره، ولزم شهاب الدين الحنفي القلعة لتدبير المملكة، ودرس ابن الشريشي بالشامية البرانية بكرة يوم الخميس مستهل صفر، وتقلبت أمور كثيرة في هذه الأيام‏.‏

ولزم السلطان القلعة لا يخرج منها، وأطلق كثيراً من المكوس، وكتب بذلك تواقيع وقرئت على الناس، وغلا السعر جداً فبلغت الغرارة مائتين، واشتد الحال وتفاقم الأمر، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

 سلطنة الملك منصور لاجين السلحداري

وذلك أنه لما استاق الخزانة، وذهب الجيوش إلى الديار المصرية، دخلها في أبهة عظيمة، وقد اتفق مع جمهور الأمراء الكبار وبايعوه وملكوه عليهم، وجلس على سرير الملك يوم الجمعة عاشر صفر، ودقت بمصر البشائر، وزينت البلد، وخطب له على المنابر، وبالقدس والخليل، ولقب بالملك المنصور، وكذلك دقت له البشائر بالكرك ونابلس وصفد، وذهبت إليه طائفة من أمراء دمشق، وقدمت التجريدة من جهة الرحبة صحبة الأمير سيف الدين كجكن، فلم يدخلوا البلد بل نزلوا بميدان الحصن، وأظهروا مخالفة العادل وطاعة المنصور لاجين صاحب مصر، وركب إليه الأمراء طائفة بعد طائفة، وفوجا بعد فوج، فضعف أمر العادل جداً، فلما رأى انحلال أمره قال للأمراء‏:‏

هو خشداشي وأنا وهو شيء واحد، وأنا سامع له مطيع، وأنا أجلس في أي مكان من القلعة أراد، حتى تكاتبوه وتنظروا ما يقول‏.‏

وجاءت البريدية بالمكاتبات بالأمر بالاحتياط على القلعة وعلى العادل، وبقي الناس في هرج وأقوال ذات ألوان مختلفة، وأبواب القلعة مغلقة، وأبواب البلد سوى باب النصر إلا الخوخة، والعامة حول القلعة قد ازدحموا، حتى سقطت طائفة منهم بالخندق، فمات بعضهم، وأمسى الناس عشية السبت وقد أعلن باسم الملك المنصور لاجين، ودقت البشائر بذلك بعد العصر، ودعا له المؤذنون في سحر ليلة الأحد بجامع دمشق‏.‏

وتلوا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 26‏]‏

وأصبح الناس يوم الأحد، فاجتمع القضاة والأمراء وفيهم غرلو العادلي، بدار السعادة فحلفوا للمنصور لاجين، ونودي بذلك في البلد، وأن يفتح الناس دكاكينهم، واختفى الصاحب شهاب الدين وأخوه زين الدين المحتسب، فعمل الوالي ابن النشابي حسبة البلد، ثم ظهر زين الدين فباشرها على عادته‏.‏

وكذلك ظهر أخوه شهاب الدين، وسافر نائب البلد غرلو والأمير جاعان إلى الديار المصرية، يعلمان السلطان بوقوع التحليف على ما رسم به، وجاء كتاب السلطان أنه جلس على السرير يوم الجمعة عاشر صفر، وشق القاهرة في سادس عشرة في أبهة المملكة، وعليه الخلعة الخليفية والأمراء بين يديه، وأنه قد استناب بمصر الأمير سيف الدين سنقر المنصوري، وخطب للمنصور لاجين بدمشق أول يوم ربيع الأول، وحضر المقصورة القضاة وشمس الدين الأعسر وكجكن‏.‏

واستدمر وجماعة من أمراء دمشق، وتوجه القاضي إمام الدين القزويني وحسام الدين الحنفي وجمال الدين المالكي إلى الديار المصرية مطلوبين، وقدم الأمير حسام الدين أستاذ دار السلطان، وسيف الدين جاعان من جهة السلطان فحلفوا الأمراء ثانية، ودخلوا على العادل القلعة، ومعهم القاضي بدر الدين ابن جماعة وكجكن فحلفوه أيماناً مؤكدة، بعدما طال بينهم الكلام بالتركي، وذكروا بالتركي في مبايعته أنه راض من البلدان أي بلد كان، فوقع التعيين بعد اليمين على قلعة صرخد، وجاءت المراسيم بالوزارة لتقي الدين توبة، وعزل شهاب الدين الحنفي، وبالحسبة لأمين الدين يوسف الأرمني الرومي صاحب شمس الدين الأيكي، عوضاً عن زين الدين الحنفي‏.‏

ودخل الأمير سيف الدين قبجق المنصوري على نيابة الشام إلى دمشق بكرة السبت السادس عشر من ربيع الأول، ونزل دار السعادة عوضاً عن سيف الدين غرلو العادلي، وقد خرج الجيش بكماله لتلقيه، وحضر يوم الجمعة إلى المقصورة فصلى بها، وقرأ بعد الجمعة كتاب سلطاني حسامي، بإبطال الضمانات من الأوقاف والأملاك بغير رضى أصحابها، وقرأه القاضي محيي الدين بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء، ونودي في البلد من له مظلمة فليأت يوم الثلاثاء إلى دار العدل، وخلع على الأمراء والمقدمين وأرباب المناصب من القضاة والكتبة، وخلع على ابن جماعة خلعتين واحد للقضاء والأخرى للخطابة‏.‏

ولما كان في شهر جمادى الآخرة وصل البريد، فأخبر بولاية إمام الدين القزويني، القضاء بالشام عوضاً عن بدر الدين بن جماعة، وإبقاء ابن جماعة على الخطابة، وتدريس القيمرية التي كانت بيد إمام الدين، وجاء كتاب السلطان بذلك وفيه احترام وإكرام له‏.‏

فدرس بالقيمرية يوم الخميس ثاني رجب، ودخل إمام الدين إلى دمشق عقيب صلاة الظهر يوم الأربعاء الثامن من رجب، فجلس بالعادلية وحكم بين الناس وامتدحه الشعراء بقصائد، منها قصيدة لبعضهم يقول في أولها‏:‏

تبدلت الأيام من بعد عسرها يسراً * فأضحت ثغور الشام تفتر بالبشرى

وكان حال دخوله عليه خلعة السلطان، ومعه القاضي جمال الدين الزواوي، قاضي قضاة المالكية وعليه خلعة أيضاً، وقد شكر سيرة إمام الدين في السفر، وذكر من حسن أخلاقه ورياضته ما هو حسن جميل ودرس بالعادلية بكرة الأربعاء منتصف رجب، وأشهد عليه بعد الدرس بولاية أخيه جلال الدين نيابة الحكم، وجلس في الديوان الصغير وعليه الخلعة، وجاء الناس يهنئونه، وقرئ تقليده يوم الجمعة بالشباك الكمالي، بعد الصلاة بحضرة نائب السلطنة وبقية القضاة، قرأه شرف الدين الفزاري‏.‏

وفي شعبان وصل الخبر بأن شمس الدين الأعسر تولى بالديار المصرية شد الدواوين والوزارة، وباشر المنصبين جميعاً، وباشر نظر الدواوين بدمشق فخر الدين بن السيرجي، عوضاً عن زين الدين بن صصرى، ثم عزل بعدد قليل بشهر أو أقل بأمين الدين بن هلال، وأعيدت الشامية البرانية إلى الشيخ زين الدين الفارقي مع الناصرية بسبب غيبة كمال الدين بن الشريشي بالقاهرة‏.‏

وفي الرابع عشر من ذي القعدة أمسك الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب الديار المصرية لاجين هو وجماعة من الأمراء معه، واحتيط على حواصلهم وأموالهم بمصر والشام، وولى السلطان نيابة مصر للأمير سيف الدين منكوتمر الحسامي، وهؤلاء الأمراء الذين مسكهم هم الذين كانوا قد أعانوه وبايعوه على العادل كتبغا‏.‏

وقدم الشيخ كمال الدين الشريشي ومعه توقيع بتدريس الناصرية عوضاً عن الشامية البرانية، وأمسك الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وزير مصر وشاد الدواوين يوم السبت الثالث والعشرين من ذي الحجة، واحتيط على أمواله وحواصله بمصر والشام‏.‏

ونودي بمصر في ذي الحجة أن لا يركب أحد من أهل الذمة فرساً ولا بغلاً، ومن وجد منهم راكباً ذلك أخذ منه‏.‏

وفيها‏:‏ ملك اليمن السلطان الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر المتقدم ذكره في التي قبلها‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 قاضي قضاة الحنابلة بمصر

عز الدين عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي الحنبلي، سمع الحديث وبرع في المذهب وحكم بمصر، وكان مشكوراً في سيرته وحكمه، توفي في صفر ودفن بالمقطم، وتولى بعده شرف الدين عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر الحراني بديار مصر‏.‏

 الشيخ الإمام الحافظ القدوة

عفيف الدين أبو محمد عبد السلام بن محمد بن مزروع بن أحمد بن عزاز البصري الحنبلي، توفي بالمدينة النبوية في أواخر صفر، ولد سنة خمس وعشرين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وجاور بالمدينة النبوية خمسين سنة، وحج فيها أربعين حجة متوالية، وصلّي عليه بدمشق صلاة الغائب رحمه الله‏.‏

 الشيخ شيث بن الشيخ علي الحريري

توفي بقرية بسر من حوران يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الآخر، وتوجه أخوه حسن والفقراء من دمشق إلى هناك لتعزية أخيهم حسن الأكبر فيه‏.‏

 الشيخ الصالح المقري

جمال الدين عبد الواحد بن كثير بن ضرغام المصري، ثم الدمشقي، نقيب السبع الكبير والغزالية، كان قد قرأ على السخاوي وسمع الحديث، توفي في أواخر رجب وصلّي عليه بالجامع الأموي، ودفن بالقرب من قبة الشيخ رسلان‏.‏

 واقف السامرية

الصدر الكبير سيف الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن جعفر البغدادي السامري، واقف السامرية التي إلى جانب الكروسية بدمشق، وكانت دارة التي يسكن بها، ودفن بها ووقفها دار حديث وخانقاه، وكان قد انتقل إلى دمشق وأقام بها بهذه الدار مدة‏.‏

وكانت قديماً تعرف بدار ابن قوام، بناها من حجارة منحوتة كلها، وكان السامري كثير الأموال حسن الأخلاق معظماً عند الدولة، جميل المعاشرة، وله أشعار رائقة ومبتكرات فائقة، توفي يوم الاثنين ثامن عشر شعبان‏.‏

وقد كان ببغداد له خطوة عند الوزير ابن العلقمي، وامتدح المعتصم وخلع عليه خلعة سوداء سنية، ثم قدم دمشق في أيام الناصر صاحب حلب فحظي عنده أيضاً، فسعى فيه أهل الدولة، فصنف فيهم أرجوزة فتح عليهم بسببها باباً، فصادرهم الملك بعشرين ألف دينار، فعظموه جداً وتوسلوا به إلى أغراضهم، وله قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كتب عنه الحافظ الدمياطي شيئاً من شعره‏.‏

 واقف النفيسية التي بالرصيف

الرئيس نفيس الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن عبد الواحد بن إسماعيل بن سلام بن علي بن صدقة الحراني، كان أحد شهود القيمة بدمشق، وولي نظر الأيتام في وقت، وكان ذا ثروة من المال، ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع الحديث ووقف داره دار حديث، توفي يوم السبت بعد الظهر الرابع من ذي القعدة، ودفن بسفح قاسيون بكرة يوم الأحد بعد ما صلّي عليه بالأموي‏.‏

 الشيخ أبو الحسن المعروف بالساروب الدمشقي

يلقب بنجم الدين، ترجمه الحريري فأطنب، وذكر له كرامات وأشياء في علم الحروف وغيرها والله أعلم بحاله‏.‏

وفيها‏:‏ قتل قازان الأمير نوروز الذي كان إسلامه على يديه، كان نوروز هذا هو الذي استسلمه ودعاه للإسلام، فأسلم وأسلم معه أكثر التتر، فإن التتر شوشوا خاطر قازان عليه واستمالوه منه وعنه، فلم يزل به حتى قتله وقتل جميع من ينسب إليه، وكان نورزو هذا من خيار أمراء التتر عند قازان، وكان ذا عبادة وصدق في إسلامه وأذكاره وتطوعاته، وقصده الجيد رحمه الله وعفا عنه، ولقد أسلم على يديه منهم خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، واتخذوا السبح والهياكل وحضروا الجمعة والجماعات، وقرأوا القرآن والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وتسعين وستمائة

استهلت والخليفة الحاكم والسلطان لاجين ونائب مصر منكوتمر ونائب دمشق قبجق‏.‏

وفي عاشر صفر تولى جلال الدين بن حسام الدين القضاء مكان أبيه بدمشق، وطلب أبوه إلى مصر فأقام عند السلطان، وولاه قضاء قضاة مصر للحنفية عوضاً عن شمس الدين السروجي، واستقر ولده بدمشق قاضي قضاة الحنفية، ودرّس بمدرستي أبيه الخانونية والمقدمية، وترك مدرسة القصاعين والشبلية وجاء الخبر على يدي البريد بعافية السلطان من الوقعة التي كان وقعها فدقت البشائر وزينت البلد، فإنه سقط عن فرسه وهو يلعب بالكرة، فكان كما قال الشاعر‏:‏

حويت بطشاً وإحساناً ومعرفةً * وليس يحمل هذا كله الفرس

وجاء على يديه تقليد وخلعة لنائب السلطنة، فقرأ التقليد وباس العتبة‏.‏

وفي ربيع الأول درّس بالجوزية عز الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين سليمان، وحضر عنده إمام الدين الشافعي وأخوه جلال الدين وجماعة من الفضلاء، وبعد التدريس جلس وحكم عن أبيه بإذنه في ذلك‏.‏

وفي ربيع الأول غضب قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد وترك الحكم بمصر أياماً، ثم استرضي وعاد وشرطوا عليه أن لا يستنيب ولده المحب، وفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر أقيمت الجمعة بالمدرسة المعظمية، وخطب فيها مدرسها القاضي شمس الدين بن المعز الحنفي، واشتهر في هذا الحين القبض على بدر الدين بيسرى، واحتيط على أمواله بديار مصر‏.‏

وأرسل السلطان بجريدة صحبة علم الدين الدويداري إلى تل حمدون ففتحه بحمد الله ومنه، وجاء الخبر بذلك إلى دمشق في الثاني عشر من رمضان، وخربت به الخليلة وأذن بها الظهر، وكان أخذها يوم الأربعاء سابع رمضان‏.‏

ثم فتحت مرعش بعدها فدقت البشائر، ثم انتقل الجيش إلى قلعة حموص، فأصيب جماعة من الجيش منهم الأمير علم الدين سنجر طقصبا أصابه زيار في فخذه، وأصاب الأمير علم الدين الدويداري حجر في رجله‏.‏

ولما كان يوم الجمعة سابع عشر شوال عمل الشيخ تقي الدين بن تيمية ميعاداً في الجهاد، وحرض فيه وبالغ في أجور المجاهدين، وكان ميعاداً حافلاً جليلاً‏.‏

وفي هذا الشهر عاد الملك المسعود بن خضو بن الظاهر من بلاد الأشكري إلى ديار مصر، بعد أن مكث هناك من زمن الأشرف بن المنصور، وتلقاه السلطان بالموكب وأكرمه وعظمه‏.‏

وحج الأمير خضر بن الظاهر في هذه السنة مع المصريين، وكان فيهم الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي‏.‏

وفي شهر شوال جلس المدرسون بالمدرسة التي أنشأها نائب السلطنة بمصر وهي المنكوتمرية داخل باب القنطرة‏.‏

وفيها‏:‏ دقت البشائر لأجل أخذ قلعتي حميمص ونجم من بلاد سيس‏.‏

وفيها‏:‏ وصلت الجريدة من بلاد مصر قاصدين بلاد سيس مدداً لأصحابهم، وهي نحو ثلاثة آلاف مقاتل، وفي منتصف ذي الحجة أمسك الأمير عز الدين أيبك الحموي الذي كان نائب الشام هو وجماعة من أهله وأصحابه من الأمراء‏.‏

وفيها‏:‏ قلت المياه بدمشق جداً، حتى بقي ثوراً في بعض الأماكن لا يصل إلى ركبة الإنسان، وأما بردى فأنه لم يبق فيه مسكة ماء، ولا يصل إلى جسر حسرين، وغلا سعر الثلج بالبلد‏.‏

وأما نيل مصر فإنه كان في غاية الزيادة والكثرة‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الشيخ حسن بن الشيخ علي الحريري

في ربيع الأول بقرية بسر، وكان من كبار الطائفة، وللناس إليه ميل لحسن أخلاقه وجودة معاشرته، ولد سنة إحدى وعشرين وستمائة‏.‏

 الصدر الكبير شهاب الدين

أبو العباس أحمد بن عثمان بن أبي الرجا بن أبي الزهر التنوخي المعروف بابن السلعوس، أخو الوزير، قرأ الحديث وسمع الكثير، وكان من خيار عباد الله، كثير الصدقة والبر، توفي بداره في جمادى الأولى، وصلّي عليه بالجامع ودفن بباب الصغير، وعمل عزاؤه بمسجد ابن هشام‏.‏

وقد ولي في وقت نظر الجامع وشكرت سيرته، وحصل له وجاهة عظيمة عريضة أيام وزارة أخيه، ثم عاد إلى ما كان عليه قبل ذلك حتى توفي، وشهد جنازته خلق كثير من الناس‏.‏

 الشيخ شمس الدين الأيكي

محمد بن أبي بكر بن محمد الفارسي، المعروف بالأيكي، أحد الفضلاء الحلالين للمشكلات، الميسرين المعضلات، لا سيما في علم الأصلين والمنطق، وعلم الأوائل، باشر في وقت مشيخة الشيوخ بمصر‏.‏ ‏

وأقام مدرّس الغزالية قبل ذلك، توفي بقرية المزة يوم جمعة، ودفن يوم السبت ومشى الناس في جنازته، منهم‏:‏ قاضي القضاة إمام الدين القزويني، وذلك في الرابع من رمضان، ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب الشيخ شملة، وعمل عزاؤه بخانقاه السميساطية، وحضر جنازته خلق كثير، وكان معظماً في نفوس كثير من العلماء وغيرهم‏.‏

 الصدر ابن عقبة

إبراهيم بن أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطاء البصراوي، درس وأعاد، وولي في وقت قضاء حلب، ثم سافر قبل وفاته إلى مصر فجاء بتوقيع فيه قضاء قضاة حلب، فلما اجتاز بدمشق، توفي بها في رمضان من هذه السنة، وله سبع وثمانون سنة‏.‏

يشيب المرء ويشب معه خصلتان الحرص وطول الأمل‏.‏

 الشهاب العابر

أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي، الحنبلي، شهاب الدين عابر الرؤيا، سمع الكثير وروى الحديث‏.‏

وكان عجباً في تفسير المنامات، وله فيه اليد الطولى، وله تصنيف فيه ليس كالذي يؤثر عنه، من الغرائب والعجائب، ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة، توفي في ذي القعدة ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة رحمه الله‏.‏

تم الجزء الثالث عشر من البداية والنهاية‏.‏ ويليه الجزء الرابع عشر‏.‏ وأوله سنة ثمان وتسعين وستمائة‏.‏