الجزء الأول - فتوح الشام

فتوح الشام

قالوا: لما فرغ أبو بكر رضي الله عنه من أمر أهل الردة، رأى توجيه الجيوش إلى الشام. فكتب إلى أهل مكة والطائف واليمن ، وجميع العرب بجند والحجاز يستنفرهم للجهاد ويرغبهم فيه وغنائم الروم، فسارع الناس إليه بين محتسب وطامع، وأتوا المدينة من كل أوب. فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وشرحبيل بن حسنة حليف بتي جمح،-وشرحبيل فيما ذكر الواقدي ابن عبد الله المطاع الكندي، وحسنة أمه وهي مولاة معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وقال الكلبي: هو شرحبيل بن ربيعة بن المطاع من ولد صوفة، وهم الغوث بن مر بن أد بن طابخة- وعمر بن العاص بن وائل السهمي. وكان عقده هذه الألوية يوم الخميس لمستهل صفر سنة ثلاث عشرة، وذلك بعد مقام الجيوش معسكرين بالجوف المحرم كله وأبو عبيدة بن الجراح يصلي بهم، وكان أبو بكر أراد أبا عبيدة أن يعقد له فاستعفاه من ذلك. وقد روى قوم أنه عقد له وليس ذلك بثبت، ولكن عمر ولاه الشام كله حين استخلف.

وذكر أبو مخنف أن أبا بكر قال للأمراء: إن اجتمعتم على قتال فأميركم أبو عبيدة عامر بن الجراح الفهري، وإلا فيزيد بن أبي سفيان. وذكر أن عمرو بن العاص إنما كان مدداً للمسلمين وأميراً على من ضم إليه.

قال: ولما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد كره عمر ذلك. فكلم أبا بكر في عزله وقال: إنه رجل فخور يحمل أمره على المغالية والتعصب. فعزله أبو بكر ووجه أبا أروى الدوسي لأخذ لوائه، فلقيه بذي المروة فأخذ اللواء منه، وورد به على أبي بكر فدفعه أبو بكر رضي الله عنه الى يزيد بن أبي سفيان فسار به ومعاوية أخوه يحمله بين يديه. ويقال بل سلم اليه اللواء بذي المروة فمضى على جيش خالد، وسار خالد بن سعيد محتسباً في جيش شرحبيل.

وأمر أبوبكر رضي الله عنه عمرو بن العاص أن يسلك طريق أيلة عامداً لفلسطين وامر يزيد أن يسلك طريق تبوك، وكتب إلى شرحبيل أن يسلك أيضاً طريق تبوك . وكان العقد لكل أمير في بدء الأمر على ثلاثة آلاف رجل فلم يزل أبو بكر يتبعهم الأمداد حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف وخمس مئة، ثم تتام جمعهم بعد ذلك أربعة وعشرين ألفاً.

وروي عن الواقدي أن أبا بكر ولى عمراً فلسطين وشرحبيل الأردن ويزيد دمشق وقال: إذا كان قتال فأميركم الذي تكونون في عمله.

وروي أيضاً أنه أمر عمراً مشافهة أن يصلي بالناس إذا اجتمعوا، وإذا تتفرقواصلى كل أمير بأصحابه. وأمر الأمراء أن يعقدوا لكل قبيلة لواء يكون فيهم.

قالوا: فلما صار عمرو بن العاص إلى أول عمل فلسطين كتب إلى أبي بكر يعلمه كثرة عدد العدو وعدتهم وسعة أرضهم ونجدة مقاتلتهم. فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي وهو بالعراق يأمره بالمسير إلى الشام. فيقال إنه جعله أميراً على الأمراء في الحرب. وقال قوم: كان خالد أميراً على أصحابه الذين شخصوا معه، وكان المسلمون إذا اجتمعوا لحرب أمره الأمراء فيها لبأسه وكيده ويمن نقيبته.

قالوا: فأول وقعة كانت بين المسلمين وعدوهم بقرية من قرى غزة يقال لها دائن، كانت بينهم وبين بطريق غزة.

فاقتتلوا فيها قتالاً شديداً. ثم إن الله تعالى أظهر أولياءه وهزم أعداءه وفض جمعهم وذلك قبل قدوم خالد بن الوليد الشام. وتوجه يزيد بن أبي سفيان في طلب ذلك البطريق. فبلغه أن بالعربة من أرض فلسطين جمعاً للروم، فوجه اليهم أبا أمامة الصدي بن عجلان الباهلي فأوقع بهم وقتل عظيمهم ثم انصرف.

وروى أبو مخنف في يوم العربة أن ستة قاد من قواد الروم نزلوا العربة في ثلاثة آلاف، فسار اليهم أبو أمامة في كثف من المسلمين، فهزمهم وقتل أحد القواد، ثم اتبعهم فصاروا الى الدبية فهزمهم وغنم المسلمون غنماً حسناً.

وحدثني أبو حفص الشامي. عن مشايخ أهل الشام قالوا: كانت أول وقائع المسلمين وقعة العربة، ولم يقاتلوا قبل ذلك مذ فصلوا من الحجاز. ولم يمروا بشيء من الأرض فيما بين ابلحجاز وموضع هذه الوقعة إلا غلبوا عليه بغير حرب وصار في أيديهم.

ذكر شخوص خالد بن الوليد إلى الشام

وما فتح في طريقه.

قالوا: لما أتى خالد بن الوليد كتاب أبي بكر وهو بالحيرة خلف المثنى بن حارثة الشيباني على ناحية الكوفة وسار في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمان مئة ويقال في ست مئة ويقال في خمس مئة، فأتى عين التمر.ففتحها عنوة. ويقال إن كتاب أبي بكر وافاه وهو بعين التمر وقد فتحها فسار خالد من عين التمر فأتى صندودآء وبها قوم من كنده وأياد والعجم، فقاتله أهلها فظفر، وخلف بها سعد بن حرام الأنصاري، فولده اليوم بها. وبلغ خالداً أن جمعاً لبنى تغلب بن وائل بالمضيح والحصيد مرتدين، عليهم ربيعة بن بجير. فأتاهم، فقاتلوه فهزمهم وسبي وغنم، وبعث بالسبي إلى أبي بكر. فكانت منهم أم حبيب الصهباء بنت حبيب بن بجيير، وهي أم عمر بن أبي طالب. ثم أغار خالد على قراقر، وهو ماء لكلب، ثم فوز منه إلى سوى، وهو ماء لكب أيضاً، ومعهم فيه قوم من بهرآ. فقتل حرقوص بن النعمان البهراني من قضاعة واكتسح أموالهم. وكان خالد لما ركب المفازة عمد إلى الرواحل راحلةً راحلةً ويشرب وأصحابه الماء من أكراشها. وكان له دليل يقال له رافع بن عمير الطائي ففيه يقول الشاعر:

لله در نافـعٍ أنـى اهـتـدى

 

فوز من قرارٍ إلـى سـوى

ماءٌ إذا ما رامه الجبس انثنى

 

ما جازها قبلك من إنسٍ يرى

وكان المسلمون لما انتهوا إلى سوى وجدوا حرقوصاً وجماعةً معه يشربون ويتغنون، وحرقوص يقول:

ألا عللاني قبل جيش أبي بكر

 

لعل منايانا قريبٌ ولا ندرى

فلما قتله المسلمون جعل دمه يسيل في الجفنة التي كان فيها شرابه. ويقال إن رأسه سقط فيها أيضاً. وقال بعض الرواة: إن المغنى بهذا البيت رجل ممن كان أغار خالد عليه من بني تغلب مع ربيعة بن بجير.

وقال الواقدي: خرج خالد من سوى إلى الكواثل، ثم أتى قرقيسيا، فخرج إليه صاحبها في خلق، فتركه وانحاز إلى البر ومضى لوجهه، وأتى خالد أركة، وهي أرك، فأغار على أهلها وحاصرهم، ففتحها صلحاً على شيء أخذه منهم للمسلمين. وأتى دومة أتجندل ففتحها. ثم أتى قصم فصالحه بنو مشجعة ابن أتتيم بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وكتب لهم أمانا. ثم أتى تدمر فامتنع أهلها وتحصنوا، ثم طلبوا الأمان فأمنهم على أن يكونوا ذمة، وعلى أن قروا المسلمين ورضخوا لهم. ثم أتى القريتين فقاتله أهلها ، فظفر وغنم. ثم أتى حوارين من سنير فأغار على مواشي أهلها فقاتلوه، وقد جاءهم مدد أهل بعلبك وأهل بصرى، وهي مدينة حوران، فظفر بهم فسبى وقتل. ثم أتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم، وهم نصارى، فسبى وقتل.ووجه خالد بسر بن أبي أرطاة العامري من قريش وحبيب بن مسلمة القهري إلى غوطة دمشق، فأغار على قرى من قراها. وصار خالد إلى الثنية التي تعرف بثنية العقاب بدمشق. فوقف عليها ساعة ناشراً رايته، وهي راية كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سودآء ، فسميت ثنية العقاب يومئذ. والعرب تسمى الراية عقاباً، وقوم يقولون: إنها سميت بعقاب من الطير كانت ساقطة عليها. والخبر الأول أصح. وسمعت من يقول: كان هناك مثال عقابٍ من حجارة، وليس ذلك بشيء.

قالوا: ونزل خالد بالباب الشرقي من دمشق، ويقال بل نزل بباب الجابية، فأخرج إليه أسقف دمشق نزلاً وخدمه فقال: احفظ لي هذا العهد. فوعده بذلك. ثم سار خالد حتى انتهى إلى المسلمين وهم بقناة بصرى. ويقال إنه أتى الجابية وبها أبو عبيده في جماعة من المسلمين فالتقيا ومضيا جميعاً إلى بصرى.

فتح بصرى

قالوا: لما قدم خالد بن الوليد على المسلمين بصرى اجتمعوا عليها وأمروا خالداً في حربها، ثم ألصقوا بها وحاربوا بطريقها حتى ألجأوه وكماة أصحابه إليها. ويقال بل كان يزيد بن أبي سفيان المتقلد لأنر الحرب لأن ولايتها وإمرتها كانت إليه لأنها من دمشق. ثم إن أهلها صالحوا على أن يؤمنوا على دمائهم وأموالهم وأولادهم على أن يؤدوا الجزية. وذكر بعض الرواة أن أهل بصرى صالحوا على أن يؤدوا عن كل حالم دينارأ وجريب حنطة. وافتتح المسلمون جميع أرض كورة حوران وغلبوا عليها.

قال: وتوجه أبو عبيده بن الجراح في جماعة من المسلمين كثيفة من أصحاب الأمراء ضموا إليه، فأتى مآب من أرض البلقاء وبها جمع العدو، فافتتحها صلحاً على مثل صلح بصرى.

وقال بعضهم: إن مآب قبل فتح بصرى.

وقال بعضهم: إن أبا عبيده فتح مآب وهو أمير على جميع الشام أيام عمر.