الجزء الأول - فتح الأندلس

فتح الأندلس

قال الواقدي: غزا طارق بن زياد عامل موسى بن نصير الأندلس وهو أول من غزاها، وذلك في سنة اثنتين وتسعين. فلقيه آليان وهو والٍ على مجاز الأندلس فآمنة طارق على أن حمله وأصحابه إلى الأندلس في أسفن. فلما صار إليها حاربه أهلها ففتحها، وذلك في سنة اثنتين وتسعين. وكان ملكها فيما يزعمون من الأسبان، وأصلها من أصبهان. ثم إن موسى بن نصير كتب إلى طارق كتاباً غليظاً لتغريره بالمسلمين وافتياته عليه بالرأي في غزوه، وأمره أن لا يجاوز قرطبة. وسار موسى إلى قرطبة من الأندلس فترضاه طارق فرضي عنه. فافتتح طارق مدينة طليطلة، وهي مدينة مملكة الأندلس، وهي مما يلي فرنجة، وأصاب بها مائدةً عظيمة أهداها موسى بن نصير إلى الوليد بن عبد الملك بدمشق حين قفل سنة ست وتسعين، والوليد مريض. فلما ولى سليمان لن عبد الملك أخذ موسى بن نصير بمئة ألف دينار. فكلمه فيه يزيد بن المهلب فأمسك عنه. ثم لما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ولى المغرب إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بنى مخزوم. سار أحسن سيرة، ودعا البربر إلى الإسلام. وكتب إليهم عمر بن عبد العزيز كتباً يدعوهم بعد إلى ذلك. فقرأها إسماعيل عليهم في النواحي فغلب الإسلام على المغرب. قالوا: ولما ولى يزيد بن عبد الملك ولى يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف إفريقية والمغرب. فقدم إفريقية في سنة اثنتين ومئة. وكان حرسه البربر، فوسم كل امرئٍ منهم على يده حرسى. فأنكروا ذلك وملوا سيرته فدب بعضهم إلى بعض وتضافروا على قتله، فخرج ذات عشيةٍ لصلاة المغرب فقتلوه في مصلاه.

فولى يزيد بشر بن صفوان الكلبي، فضرب عنق عبد الله بن موسى بن نصير بيزيد. وذلك أنه اتهم بقتله وتأليب الناس عليه.

ثم ولى هشام بن عبد الملك بشر بن صفوان أيضاً، فتوفى بالقيروان سنة تسع ومئة. فولى مكانه عبيده بن عبد الرحمن القيسي.

ثم استعمل بعده عبد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول. فأغزا عبد الرحمن ابن حبيب بن أبي عبيده بن عقبة بن نافع الفهري السوس وأرض السودان. فظفر ظفراً لم ير أحدٌ مثله قط، وأصاب جاريتين من نساء ما هناك ليس للمرأة منهن إلا ثدي واحد وهم يسمون تراجان.

ثم ولى بعد ابن الحبحاب كلثوم بن عياض القيشري، فقدم إفريقية في سنة ثلاث وعشرين فقتل. ثم ولى بعده حنظلة بن صفوان الكلبي أخا بشر بن صفوان فقاتل الخوارج وتوفى هناك وهو وال.

وقام الوليد بن يزيد بن عبد الملك فخالف عليه عبد الرحمن بن حبيب الفهري، وكان محبباً في ذلك الثغر، لما كان من أثار جده عقبة بن نافع فيه، فغل عليه وانصرف فنع حنظلة. فبقي عبد الرحمن عليه.

وولى يزيد بن الوليد الخلافة فلم يبعث إلى المغرب عاملاً.

وقام مروان بن محمد فكاتبه عبد الرحمن بن حبيب وأظهر له الطاعة وبعث إليه بالهدايا. وكان كاتبه خالد بن ربيعة الإفريقي، وكان بينه وبين عبد الحميد ابن يحيى مودة ومكاتبة، فأقر مروان عبد الرحمن على النغر.

ثم ولى بعده الياس بن حبيب، ثم حبيب بن عبد الرحمن، ثم غلب البربر والإباضية من الخوارج.

ثم دخل محمد بن الأشعث الخز اعي إفريقية والياً عليها في آخر خلافة أبي العباس في سبعين ألفاً، ويقال في أربعين ألفاً، فوليها أربع سنين. فرم مدينة القيروان. ثم وثب عليه جند البلد وغيرهم.

وسمعت من يحدث أن أهل البلد والجند المقيمين فيه وثبوا به فمكث يقاتلهم أربعين يوماً وهو في قصره، حتى اجتمع إليه أهل الطاعة ممن كان شخص معه من أهل خرا سان وغيرهم، وظفر بمن حاربه، وعرضهم على الأسماء: فمن كان اسمه معاوية أو سفيان أو مروان أو اسماً موافقاً لأسماء بنى أمية قتله، ومن كان اسمه خلاف ذلك استبقاه. فعزله المنصور، وولى عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة المتكى، وهو الذي سمى هزار مرد، وكان المنصور به معجباً. فدخل إفريقية وغزا منها حتى بلغ أقصى بلاد البربر، وابتنى هناك مدينة سماها العباسية. ثم إن أبا حاتم اسدر أتي الإباضي من أهل سدراتة، وهو مولى لكندة، قاتله. فاستشهد وجماعة من أهل بيته، واتقض الثغر وهدمت تلك المدينة التي ابتناها، وولى بعد هزار مرد يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب. فخرج في خمسين ألفاً، وشيعه أبو جعفر المنصور إلى بيت المقدس، وأنفق عليه مالاً عظيماً. فسار يزيد حتى لقي أبا حاتم بأطرابلس، فقتله ودخل إفريقية. فاستقامت له. ثم ولى بعد يزيد بن حاتم روح بن حاتم، ثم الفضل إن روح فوثب الجند عليه فذبحوه.

وحدثني أحمد بن نقد مولى بنى الأغلب قال: كان الأغلب بن سالم التميمي من أهل مرو الروذ في من قدم مع المسودة من خرا سان، فولاه موسى الهادي المغرب. فجمع له حريش، وهو رجل كان من جند الثغر من تونس، جمعاً وسار إليه وهو بقيروان إفريقية فحصره. ثم إن الأغلب خرج إليه فقاتله، فأصابه في المعركة سهم فسقط ميتاً وأصحابه لا يعلمون بمصابه. ولم يعلم به أصحاب حريش. ثم إن حريشاً انهزم وجيشه فاتبعهم أصحاب الأغلب ثلاثة أيام فقتلوهم وقتلوا حريشاً بموضعٍ يعرف بسوق الأحد. فسمى الأغلب الشهيد. قال: وكان إبراهيم بن الأغلب من وجوه جند مصر. فوثب واثنا عشر رجل معه فأخذوا من بيت المال مقدار أرزاقهم لم يزدادوا على ذلك شيئا وهربوا، فلحقوا بموضع يقال له الزاب، وهو من القيروان على مسيرة أكثر من عشرة أيام، وعامل الثغر يومئذ من قبل الرشيد هارون هر ثمة بن أعين . واعتقد إبراهيم بن لأغلب على من كان من تلك الناحية من الجند وغيرهم الرياسة، وأقبل يهدى إلى هرثمة و يلاطفه ويكتب إليه يعلمه أنه لم يخرج يداً من طاعة ولا اشتمل على معصية، وأنه إنما دعاه إلى ما كان منه الأحواج والضرورة. فولاه هرثمة ناحيته واستكفاه أمرها. فلما صرف هرثمة من الثغر وليه بعده ابن الكعى. فساء أثره فيه حتى انتقض عليه. فاستشار الرشيد هرثمة في رجلٍ يوليه إياه ويقلده أمره. فأشار عليه باستصلاح إبراهيم واصطناعه وتوليته الثغر. فكتب إليه الرشيد يعلمه أنه قد صفح له عن جرمه وأقاله هفوته ورأى توليته بلاد المغرب اصطناعاً له، ليستقبل به الإحسان ويستقبل به النصيحة. فولى إبراهيم ذلك الثغر وقام به وضبطه.

ثم إن رجلاً من جند البلد يقال له عمران بن مجلد خالف ونقض. فانضم إليه جند الثغر وطلبوا أرزاقهم وحاصروا إبراهيم بالقيروان. فلم يلبثوا أن أتاهم العراض والمعطون ومعهم مالٌ من خراج مصر. فلما أعطوا تفرقوا. فابتنى إبراهيم القصر الأبيض الذي في قبلة القيروان على ميلين منها. وخط للناس حوله فابتنوا، ومصر ما هناك، وبنى مسجداً جامعاً بالجص والآجر وعمد الرخام، وسقفه بالأرز، وجعله مئتي ذراع في نحو مئتي ذراع. وابتاع عبيداً أعتقهم فبلغوا خمسة آلاف، وأسكنهم حوله. وسمى تلك المدينة العباسية، وهي اليوم آهلة عامرة.

وكان محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب أحدث في سنة تسع وثلاثين ومائتين مدينة بقرب تاهرت سماها العباسية أيضاً. فأخربها أفلح بن عبد الوهاب الإباضي، وكتب إلى الأموي صاحب الأندلس يعلمه ذلك تقرباً إليه به. فبعث إليه الأموي مئة ألف درهم.

وبالمغرب أرضٌ تعرف بالأرض الكبيرة، وبينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يوماً أو أقل من ذلك قليلاً وأكثر قليلا. وبها مدينةٌ على شاطئ البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى وليسوا بروم. غزاها حبله مولى الأغلب فلم يقدر عليها. ثم غزاها خلفون البربري، ويقال إنه مولى لربيعه ففتحها في أول خلافة المتوكل على الله. وقام بعده رجلٌ يقال له المفرج بن سلام ففتح أربعة وعشرين حصناً واستولى عليها، وكتب إلى صاحب البريد بمصر يعلمه خبره وأنه لا يرى لنفسه ومن معه من المسلمين صلاة إلا بأن يعقد له الإمام على ناحيته ويوليه إياها ليخرج من حد المنغلبين. وبنى مسجداً جامعاً. ثم إن أصحابه شغبوا عليه فقتلوه. وقام بعده سوران فوجه رسوله إلى أمير المؤمنين المتوكل على الله يسأله عقداً وكتاب ولاية. فتوفى قبل أن ينصرف رسوله إليه. وتوفى المنتصر بالله وكانت خلافته ستة أشهر. وقام المستعين بالله أحمد بن محمد بن المعتصم بالله فأمر عامله على المغرب، وهو أوتا مش مولى أمير المؤمنين، بأن يعقد على ناحيته. فلم يشخص رسوله من سر من رأى حتى قتل أوتا مش وولى الناحية وصيف مولى أمير المؤمنين فعقد له وأنفذه.