الجزء الثاني عشر - خبر عبد الله بن معاوية ونسبه

خبر عبد الله بن معاوية ونسبه

نسبه: هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وأم عبد الله بن جعفر وسائر بني جعفر أسماء بنت عميس بن معد بن تميم بن مالك ابن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن بشر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن أفتل، وهو خماعة بن خثعم بن أنمار. وأمها هند بنت عوفٍ، امرأة من جرش. هذه الجرشية أكرم الناس أحماء، أحماؤها: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وجعفر وحمزة و العباس وأبو بكر رضي الله تعالى عنهم، وإنما صار رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحمائها أنه كان لها أربع بناتٍ: ميمونة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم الفضل زوجة العباس وأم بنته، وسلمى زوجة حمزة بن عبد المطلب، بنات الحارث، وأسماء بنت عميسٍ أخته لأمهن، وكانت عند جعفر بن أبي طالب، ثم خلف عليها أبو بكر رضي الله تعالى عنه ثم خلف عليها علي بن أبي طالب عليه السلام. وولدت من جميعهم. وهن اللواتي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهن: " إنهن مؤمنات " .
حدثني بذلك أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثني يحيى بن الحسن العلوي قال حدثنا هارون ابن محمد بن موسى الفروي قال: حدثنا داود بن عبد الله قال: حدثني عبد العزيز الدراوردي عن إبراهيم بن عقبة عن كريبٍ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الأخوات المؤمنات: ميمونة، وأم الفضل، وسلمى، وأسماء بنت عميسٍ أختهن لأمهن " .


حدثني أحمد قال حدثني يحيى قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثني عبد الرزاق قال أخبرني يحيى بن العلاء البجلي عن عمه شعيب بن خالدٍ عن حنظلة بن سمرة بن المسيب عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على فاطمة وعلي، عليهما السلام ليلة بنى بها فأبصر خيالاً من وراء الستر؛ فقال: " من هذا؟ " فقالت: أسماء؛ قال: " بنت عميس "؟ قالت: نعم، أنا التي أحرس بنتك يا رسول الله؛ فإن الفتاة ليلة بنائها لا بد لها من امرأة تكون قريباً منها، إن عرضت لها حاجة أفضت بذلك إليها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإني أسأل إلهي أن يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان " .


طائفة من أخبار عبد الله بن جعفر: أدرك رسول الله وروى عنه: وقد أدرك عبد الله بن جعفر رحمه الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه .


فمما روى عنه ما حدثنيه حامد بن محمد بن شعيب البلخي وأحمد بن محمد بن الجعد قالا حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل البطيخ بالرطب .


رآه النبي يلعب فداعبه: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا يحيى بن الحسن قال حدثنا سلمة بن شبيب قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرني ابن يحيى وعثمان بن أبي سليمان قالا: مر النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن جعفرٍ وهو يصنع شيئاً من طين من لعب الصبيان فقال: " ما تصنع بهذا "؟ قال: أبيعه، قال: " ما تصنع بثمنه "؟ قال: أشتري به رطباً فآكله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم بارك له في صفقة يمينه ". فكان يقال: ما اشترى شيئاً إلا ربح فيه .


تعرض له الحزين بالعقيق وطلب منه ثياباً: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن جدي عبد الله بن مصعب: أن الحزين قمر في العقيق في غداةٍ باردةٍ ثيابه، فمر به عبد الله بن جعفر وعليه مقطعات خزٍ، فاستعار الحزين من رجل ثوباً، ثم قام إليه فقال:

أقول له حين واجهتـه

 

عليك السلام أبا جعفر

فقال: وعليك السلام؛ فقال:

فأنت المهذب من غـالـبٍ

 

وفي البيت منها الذي تذكر

فقال: كذبت يا عدو الله؛ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

فهذي ثيابي قد أخلقـت

 

وقد عضني زمن منكر

قال: هاك ثيابي، فأعطاه ثيابه .


قال الزبير قال عمي: أما البيت الثاني فحدثنيه عمي عن الفضل بن الربيع عن أبي، وما بقي فأنا سمعته من أبي .
تعرض له أعرابي هو على سفر عطاه راحلة بما عليها: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال أخبرنا يحيى بن الحسن قال: بلغني أن أعرابياً وقف على مروان بن عبد الحكم أيام الموسم بالمدينة فسأله، فقال: يا أعرابي، ما عندنا ما نصلك؛ ولكن عليك بابن جعفر. فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فإذا ثقله قد سار نحو مكة، وراحلته بالباب عليها متاعها وسيف معلق، فخرج عبد الله من داره وأنشأ الأعرابي يقول:

أبو جعفرٍ من أهلٍ بـيت نـبـوة

 

صلاتهم للمسلـيمـن طـهـور

أبا جعفر إن الحجيج تـرحـلـوا

 

وليس لرحلي فاعلمـن بـعـير

أبا جعفر ضن الأمير بـمـالـه

 

وأنت على ما فـي يديك أمـير

وأنت امرؤ من هاشم في صميمها

 

إليك يصير المجد حيث تصـير

فقال: يا أعرابي، سار الثقل فدونك الراحلة بما عليها، وإياك أن تخدع عن السيف فإني أخذته بألف دينار. فأنشأ الأعرابي يقول:

حباني عبد الله، نفـسـي فـداؤه

 

بأعيس موارٍ سباطٍ مـشـافـزه

وأبيض من ماء الحـديد كـأنـه

 

شهاب بدا والليل داجٍ عساكـره

وكل امرئ يرجو نوال ابن جعفر

 

سيجري له باليمن والبشر طائره

فيا خير خلق الله نفسـاً ووالـدا

 

وأكرمه للجار حـين يجـاوره

سأثني بما أوليتني يابن جعـفـر

 

وما شاكره عرفاً كمن هو كافره

ذكر له شاعر أنه كساه في المنام، فكساه جبة وشى: وحدثني أحمد بن يحيى عن رجلٍ قال حدثني شيخ من بني تميم بخراسان قال: جاء شاعر إلى عبد الله بن جعفر فأنشده:

رأيت أبا جعفر في المنام

 

كساني من الخـز دراعة

شكوت إلى صاحبي أمرها

 

فقال ستؤتى بها الساعـه

سيكسوها الماجد الجعفري

 

ومن كفه الدهر نفاعـه

ومن قال للجود لا تعدنـي

 

فقال لك السمع والطاعه

فقال عبد الله لغلامه: ادفع إليه دراعتي الخز ثم قال له: كيف لو ترى جبتي المنسوجة بالذهب التي اشتريتها بثلثمائة دينارٍ! فقال له الشاعر: بأبي دعني اغفى إغفاءةً أخرى فلعلي أرى هذه الجبة في المنام، فضحك منه وقال: يا غلام ادفع إليه جبتي الوشى .


اعترض ابن دأبٍ على شعر الشماخ في مدحه بأنه دون شعره في عرابة: حدثنا أحمد قال قال يحيى قال ابن دأبٍ: وسمع قول الشماخ بن ضرارٍ الثعلبي في عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب رحمه الله:

إنك يابن جعفرٍ نعم الـفـتـى

 

ونعم مأوى طـارقٍ إذا أتـى

وجار ضيفٍ طرق الحي سرى

 

صادف زادا وحديثاً يشتـهـى

إن الحديث طرف من القرى

 

 

فقال ابن دأب: العجب للشماخ يقول مثل هذا القول لابن جعفر ويقول لعرابة الأوسي:

إذا ما راية رفعت لمجد

 

تلقاها عرابة باليمـين

عبد الله بن جعفر كان أحق بهذا من عرابة .


جوده على أهل المدينة: قال يحيى بن الحسن وكان عبد الله بن الحسن يقول كان أهل المدينة يدانون بعضهم من بعض إلى أن يأتي عطاء عبد الله بن جعفر .


جوده على رجل جلب إلى المدينة سكراً كسد عليه: أخبرني أحمد قال حدثني يحيى قال: حدثني أبو عبيد قال حدثني يزيد بن هارون عن هشام عن ابن سيرين قال: جلب رجل إلى المدينة سكراً فكسد عليه فقيل له: لو أتيت ابن جعفر قبله منك وأعطاك الثمن، فأتى ابن جعفر فأخبره، فأمره بإحضاره وبسط له، ثم أمر به فنثر، فقال للناس: انتبهوا، فلما رأى الناس ينتبهون قال: جعلت فداءك! آخذ معهم؟ قال: نعم، فجعل الرجل يهيل في غرائره، ثم قال لعبد الله: أعطني الثمن فقال: وكم ثمن سكرك؟ قال: أربعة آلاف درهم، فأمر له بها .


أخبرنا أحمد قال حدثني يحيى بن علي، وحدثني ابن عبد العزيز قال حدثنا أبو محمد الباهلي حسن بن سعيد عن الأصمعي نحوه وزاد فيه، قال: فقال الرجل: ما يدري هذا وما يعقل أخذ أم أعطى! لأطلبنه بالثمن ثانية، فغدا عليه فقال: ثمن سكري، فأطرق عبد الله ملياً ثم قال: يا غلام، أعطه أربعة آلاف درهم؛ فأعطاه إياها، فقال الرجل قد قلت لكم: إن هذا الرجل لا يعقل أخذ أم أعطى! لأطلبنه بالثمن، فغدا عليه فقال: أصلحك الله! ثمن سكري، فأطرق عبد الله ملياً، ثم رفع رأسه إلى رجل، قال: إدفع إليه أربعة آلاف درهم، فلما ولى ليقبضها قال له ابن جعفر: يا أعرابي، هذه تمام اثني عشر ألف درهم، فانصرف الرجل وهو يعجب من فعله .


باعه رجل جملاً وأخذ ثمنه مراراً فمدحه: وأخبرني أبو الحسن الأسدي عن دماذ عن أبي عبيدة: أن أعرابياً باع راحلةً من عبد الله بن جعفر، ثم غدا عليه فاقتضى ثمنها فأمر له به، ثم عاود ثلاثاً، وذكر في الخبر مثل الذي قبله وزاد فيه: فقال فيه:

لا خير في المجتدى في الحين تسأله

 

فاستمطروا من قريش خير مختدع

تخال فيه إذا حـاورتـه بـلـهـاً

 

من جوده وهو وافي العقل والورع

وهذا الشعر يروى لابن قيس الرقيات .
وفاته عام الجحاف: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير قال حدثني مصعب بن عثمان قال: لما ولي عبد الملك الخلافة جفا عبد الله بن جعفر، فراح يوماً إلى الجمعة وهو يقول: اللهم إنك عودتني عادةً جريت عليها، فإن كان ذلك انقضى فاقبضني إليك، فتوفي في الجمعة الأخرى. قال يحيى: توفي عبد الله وهو ابن سبعين سنة في سنة ثمانين وهو عام الجحاف لسيلٍ كان بمكة جحف الحاج فذهب بالإبل عليها الحمولة، وكان الوالي على المدينة يومئذ أبان بن عثمان في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو الذي صلى عليه .


وقف عمرو بن عثمان على قبره ورثاه: حدثني أحمد بن محمد قال أخبرنا يحيى قال حدثنا الحسين بن محمد قال أخبرني محمد بن مكرمٍ قال أخبرني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال أخبرني الأصمعي عن الجعفري قال: لما مات عبد الله بن جعفر شهده أهل المدينة كلهم، وإنما كان عبد الله بن جعفر مأوى المساكين وملجأ الضعفاء، فما تنظر إلى ذي حجاً إلى رأيته مستعبراً قد أظهر الهلع والجزع، فلما فرغوا من دفنه قام عمرو بن عثمان فوقف على شفير القبر فقال: رحمك الله يابن جعفر! إن كنت لرحمك لواصلاً، ولآهل الشر لمبغضاً، ولأهل الريبة لقالياً، ولقد كنت فيما بيني وبينك كما قال الأعشى:

رعيت الذي كان بيني وبينكم

 

من الود غيبتك المقـابـر

فرحمك الله! يوم ولدت ويوم كنت رجلاً ويوم مت ويوم تبعث حياً؛ والله لئن كانت هاشم أصيبت بك لقد عم قريشاً كلها هلكك، فما أظن أن يرى بعدك مثلك .


ووقف عمرو بن سعيد على قبره ورثاه: فقام عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق فقال: لا إله إلا الله الذي يرث الأرض ومن عليها وإليه ترجعون، ما كان أحلى العيش بك يابن جعفر! وما أسمج ما أصبح بعدك! والله لو كانت عيني دامعةً على أحد لدمعت عليك، كان والله حديثك غير مشوبٍ بكذبٍ، وودك غير ممزوج بكدرٍ .


نازع أحد ولد المغيرة عمرو بن سعيد على مدحه له فذمه وأسكته: فوثب ابن المغيرة بن نوفلٍ ولم يثبت الأصمعي اسمه فقال: يا عمرو، بمن تعرض بمزج الود وشوب الحديث؟ أفبابني فاطمة؟ فهما والله خير منك ومنه، فقال: على رسلك يا لكع ! أردت أن أدخلك معهم؟ هيهات لست هناك، والله لو مت أنت ومات أبوك ما مدحت ولا ذممت، فتكلم بما شئت فلن تجد لك مجيباً؛ فما هو إلا أن سمعهما الناس يتكلمان حتى حجزوا بينهما وانصرفوا .


شعر ابن قيس الرقيات في علته التي مات فيها: قال يحيى وقال عبد الله بن قيس الرقيات في علة عبد الله بن جعفر التي مات فيها:

بات قلبي تشفـه الأوجـاع

 

من هموم تجنها الأضـلاع

من حديث سمعته منع النـو

 

م فقلبي مما سمعـت يراع

إذ أتانا بما كرهنا أبو اللـس

 

لاس، كانت بنفسه الأوجاع

قال ما قال ثم راح سريعـاً

 

أدركت نفسه المنايا السراع

قال يشكو الصداع وهو ثقيل

 

بك لا بالذي عنيت الصداع

ابن أسماء لا أبا لك تنعـى

 

أنه غير هـالـكٍ نـفـاع

هاشمياً بكفه من سجـال ال

 

مجد سجل يهون فيه القباع

نشر الناس كل ذلك مـنـه

 

شيمة المجد ليس فيه خداع

لم أجد بعـدك الأخـلاء إلا

 

كثمادٍ به قـذىً أو نـقـاع

بيته من بيوت عبد مـنـافٍ

 

مد أطنابه المكان الـيفـاع

منتهى الحمد والنبوة والمج

 

د إذا قصر اللئام الوضـاع

فستأتيك مدحة مـن كـريم

 

ناله من ندى سجالك بـاع

من هذا الشعر الذي قاله ابن قيسٍ في عبد الله بن جعفر بيتان يغنى فيهما، وهما: صوت:

قد أتانا بما كرهنا أبو اللس

 

لاس كانت بنفسه الأوجاع

قال يشكو الصداع وهو ثقيل

 

بك لا بالذي ذكرت الصداع

غناه عمرو بن بانة خفيف ثقيل، الأول بالوسطى على مذهب إسحاق. ويقال إن عمرو بن بانة صاغ هذا اللحن في هذا الشعر وغنى به الواثق يعقب علة نالته وصداعٍ تشكاه؛ قال: فاستحسنه وأمر له بعشرة آلاف درهم. وأم معاوية بن عبد الله بن جعفر أم ولد. وكان من رجالات قريش، ولم يكن في ولد عبد الله مثله .


بشروه وهو عند معاوية بولد فسماه باسمه: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي عبد الرحمن القرشي: أن معاوية بن عبد الله بن جعفر ولد وأبوه عبد الله عند معاوية، فأتاه البشير بذلك وعرف معاوية الخبر فقال: سمه معاوية ولك مائة ألف درهم، ففعل، فأعطاه المال، وأعطاه عبد الله للذي بشره به. قال المدائني: وكان عبد الله بن جعفر لا يؤدب ولده، ويقول إن يرد الله جل وعز بهم يتأدبوا، فلم ينجب فيهم غير معاوية .


خبر ابن هرمة مع معاوية بن عبد الله بن جعفر: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا حماد ابن إسحاق عن أبيه، قال هارون وحدثني محمد بن عبد الله بن موسى بن خالد بن الزبير بن العوام قال حدثني عمرو بن الحكم السعيدي وإبراهيم بن محمد ومحمد بن معن بن عنبسة قالوا: كان معاوية بن عبد الله بن جعفر قد عود ابن هرمة البر، فجاءه يوماً وقد ضاقت يده وأخذ خمسين ديناراً بدينٍ، فرفع إليه مع جاريته رقعةً فيها مديح له يسأله فيه أيضاً براً، فقال للجارية: قولي له: أيدينا ضيقة، وما عندنا شيء إلا شيء أخذناه بكلفةٍ، فرجعت جاريته بذلك، فأخذ الرقعة فكتب فيها:

فإني ومدحك غير المصـي

 

ب كالكلب ينبح ضوء القمر

مدحتك أرجو لديك الثـواب

 

فكنت كعاصر جنب الحجر

وبعث بالرقعة مع الجارية، فدفعتها إلى معاوية، فقال لها: ويحك قد علم بها أحد! قالت: لا والله إنما دفعها من يده إلى يدي؛ قال: فخذي هذه الدنانير فادفعيها إليه، فخرجت بها إليه، فقال: كلا، أليس زعم أنه لا يدفع إلي شيئاً ؟ كان ابنه معاوية صديقاً ليزيد بن معاوية فسمى ابنه باسمه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب قال: سمي عبد الله بن جعفر ابنه معاوية بن أبي سفيان. قال: وكان معاوية بن عبد الله بن جعفر صديقاً ليزيد بن معاوية خاصة، فسمى ابنه بيزيد بن معاوية .


وصيته لابنه معاوية عند وفاته: قال الزبير: وحدثني محمد بن إسحاق بن جعفر عن عمه محمد: أن عبد الله بن جعفر لما حضرته الوفاة دعا ابنه فنزع شنفاً كان في أذنه وأوصى إليه وفي ولده من هو أسن منه وقال له: إني لم أزل أؤملك لها فلما توفى احتال بدين أبيه وخرج فطلب فيه حتى قضاه، وقسم أموال أبيه بين ولده، فلم يستأثر عليهم بدينار ولا درهم ولا غيرهما .


وأم عبد الله بن معاوية أم عون بنت عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. ويقال: بنت عياش بن ربيعة. وقد روى عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان معه يوم حنينٍ، وهو أحد من ثبت معه يومئذ .


بعض صفات عبد الله بن معاوية: وكان عبد الله من فتيان بني هاشم وجودائهم وشعرائهم، ولم يكن محمود المذهب في دينه، وكان يرمى بالزندقة ويستولي عليه من يعرف ويشهر أمره فيها، وكان قد خرج بالكوفة في آخر أيام مروان بن محمد، ثم انتقل عنها إلى نواحي الجبل ثم إلى خراسان، فأخذه أبو مسلم فقتله هناك .


مدح ابن هرمة لعبد الله بن جعفر: ويكنى عبد الله بن جعفر أبا معاوية، وله يقول ابن هرمة:

أحب مدحاً أبا معاوية الما

 

جد لا تلقه حصوراً عيبا

بل كريماً يرتاح للمجد بسا

 

ماً إذا هزه السؤال حـيا

إن لي عنده وإن رغم الأع

 

داء حظاً من نفسه وقفيا

قفيا: أثره، يقول: إن لي عنده لأثرة على غيري، وقال قوم آخرون: القفي: الكرامة

إن أمت تبق مدحتي وإخـائي

 

وثنائي من الـحـياة مـلـيا

يأخذ السبق بالتقدم في الجـر

 

ي إذا ما الندى انتحاه علـيا

ذو وفتاءٍ عند العدات وأوصا

 

ه أبـوه ألا يزال وفـــيا

فرعى عقدة الوصاة فأكـرم

 

بهما موصياً وهـذا وصـيا

يابن أسماء فاسق دلوى فقد أو

 

ردتها منـهـلاً يثـج رويا

يعني أمه أسماء، وهي أم عون بنت العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وأول هذه القصيدة:

عاتب النفس والفؤاد الـغـويا

 

في طلاب الصبا فلست صبيا

قال يحيى بن علي فيما أجازه لنا: أخبرني أبو أيوب المديني وأخبرناه وكيع عن هارون بن محمد بن عبد الملك عن حماد بن إسحاق عن أبيه قالا: مدح ابن هرمة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأتاه، فوجد الناس بعضهم على بعض على بابه. قال ابن هرمة: ورآني بعض خدمه فعرفني، فسألته عن الذين رأيتهم ببابه فقال: عامتهم غرماء له، فقلت: ذاك شر. واستؤذن لي عليه فقلت: لم أعلم والله بهؤلاء الغرماء ببابك، قال: لا عليك أنشدني. قلت: أعيذك بالله. واستحييت أن أنشد، فأبى إلا أن أنشده قصيدتي التي أقول فيها:

حللت محل القلب من آل هاشم

 

فعشك مأوى بيضها المتفلـق

ولم تك بالمعزى إليها نصابـه

 

لصاقاً ولا ذا المركب المتعلق

فمن مثل عبد الله أو مثل جعفر

 

ومثل أبيك الأريحي المرهق

فقال: من ها هنا من الغرماء؟ فقيل: فلان وفلان، فدعا باثنين منهم فسارهما وخرجا، وقال لي : اتبعهما. قال: فأعطياني مالاً كثيراً. قال يحيى: ومن مختار فيه منها قوله:

فإلا توات اليوم سلمـى فـربـمـا

 

شربنا بحوض اللهو غير المرنـق

فدعها فقد أعذرت في ذكر وصلها

 

وأجريت فيها شأو غربٍ ومشرق

ولكن لعبد الله فانطـق بـمـدحـه

 

تجيرك من عسر الزمان المطبـق

أخ قلت للأذنين لمـا مـدحـتـه

 

هلموا وساري الليل مِ الآن فاطرق

شديد التأني في الأمور مـجـرب

 

متى يعر أمر القوم يفر ويخـلـق

ترى الخبر يجري في أسرة وجهه

 

كما لألأت في السيف جرية رونق

كريم إذا مـا شـاء عـد لـه أبـا

 

له نسب فوق السماك المحـلـق

وأما لها فضل علـى كـل حـرة

 

متى ما تسابق بابنها القوم تسبـق

ومما يغنى فيه من قصيدة ابن هرمة اليائية التي مدح بها ابن معاوية قوله: صوت:

عجبت جارتي لشيبٍ علانـي

 

عمرك الله هـل رأيت بـديا

إنما يعـذر الـولـيد ولا يع

 

ذر من عاش في الزمان عتيا

غنى فيهما فليح رملاً بالبنصر من رواية عمرو بن بانة ومن رواية حبشٍ فيهما لابن محرزٍ خفيف ثقيل بالبنصر .
خروج عبد الله بن معاوية على بني أمية: حدثنا بالسبب في خروجه أحمد بن عبيد الله بن عمارٍ قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وعمه عيسى، قال ابن عمار وأخبرنا أيضاً ببعض خبره أحمد بن أبي خيثمة عن مصعبٍ الزبيري، قال ابن عمار وأخبرني أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي اليقظان وشهاب بن عبد الله وغيرهما، قال ابن عمار وحدثني به سليمان بن أبي شيخ عمن ذكره. قال أبو الفرج الأصبهاني: ونسخت أنا أيضاً بعض خبره من كتاب محمد بن علي بن حمزة عن المدائني وغيره فجمعت معاني ما ذكروه في ذلك كراهة الإطالة: أن عبد الله بن معاوية قدم الكوفة زائراً لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز ومستميحاً له، فتزوج بالكوفة بنت الشرقي بن عبد المؤمن بن شبث بن ربعي الرياحي، فلما وقعت العصبية أخرجه أهل الكوفة على بني أمية، وقالوا له: اخرج فأنت أحق بهذا الأمر من غيرك، واجتمعت له جماعة، فلم يشعر به عبد الله بن عمر إلا وقد خرج عليه. قال ابن عمارٍ في خبره: إنه إنما خرج في أيام يزيد بن الوليد، ظهر بالكوفة ودعا من آل محمد صلى الله عليه وسلم ولبس الصوف وأظهر سيمى الخير، فاجتمع إليه وبايعه بعض أهل الكوفة، ولم يبايعه كلهم وقالوا: ما فينا بقية قد قتل جمهورنا مع أهل هذا البيت، وأشاروا عليه بقصد فارس وبلاد المشرق فقبل ذلك، وجمع جموعاً من النواحي، وخرج معه عبد الله بن العباس التميمي. قال محمد بن علي بن حمزة عن سليمان بن أبي شيخ عن محمد بن الحكم عن عوانة: إن ابن معاوية قبل قصده المشرق ظهر بالكوفة ودعا إلى نفسه، وعلى الكوفة يومئذ عامل ليزيد الناقص يقال له عبد الله بن عمر، فخرج إلى ظهر الكوفة مما يلي الحرة، فقاتل ابن معاوية قتالاً شديداً. قال محمد بن علي بن حمزة عن المدائني عن عامر بن حفصٍ، وأخبرني به ابن عمار عن أحمد بن الحارث عن المدائني: أن ابن عمر هذا دس إلى رجل من أصحاب ابن معاوية من وعده عنه مواعيد على أن ينهزم عنه وينهزم الناس بهزيمته، فبلغ ذلك ابن معاوية، فذكره لأصحابه وقال: إذا انهزم ابن حمزة فلا يهولنكم، فلما التقوا انهزم ابن حمزة وانهزم الناس معه فلم يبق غير ابن معاوية، فجعل يقاتل وحده ويقول:

تفرقت الظباء على خداشٍ

 

فما يدري خداش ما يصيد

ثم ولى وجهه منهزماً فنجا، وجعل يجمع من الأطراف والنواحي من أجابه، حتى صار في عدة، فغلب على ماه الكوفة وماه البصرة وهمذان وقم والري وقومس وأصبهان وفارس، وأقام هو بأصبهان. قال: وكان الذي أخذ له البيعة بفارس محارب بن موسى مولى بني يشكر، فدخل دار الإمارة بنعل ورداء واجتمع الناس إليه، فأخذهم بالبيعة؛ فقالوا: علام نبايع؟ فقال: على ما أحببتم وكرهتم، فبايعوا على ذلك .


وكتب عبد الله بن معاوية فيما ذكر محمد بن علي بن حمزة عن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن جعفر بن الوليد مولى أبي هريرة ومحرز بن جعفر: أن عبد الله بن معاوية كتب إلى الأمصار يدعو إلى نفسه لا إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، قال: واستعمل أخاه الحسن على إصطخر، وأخاه يزيد على شيراز، وأخاه علياً على كرمان، وأخاه صالحاً على قم ونواحيها، وقصدته بنو هاشم جميعاً منهم السفاح والمنصور وعيسى بن علي. وقال ابن أبي خيثمة عن مصعب: وقصده وجوه قريش من بني أمية وغيرهم، فممن قصده من بني أمية سليمان بن هشام بن عبد الملك وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان، فمن أراد منهم عملاً قلده، ومن أراد منهم صلة وصله .


وجه إليه مروان بن محمد جيشاً لمحاربته بقيادة ابن ضبارة: فلم يزل مقيماً في هذه النواحي التي غلب عليها حت ولي مروان بن محمد الذي يقال له مروان الحمار، فوجه إليه عامر بن ضبارة في عسكر كثيف، فسار إليه حتى إذا قرب من أصبهان ندب له ابن معاوية أصحابه وحضهم على الخروج إليه، فلم يفعلوا ولا أجابوه، فخرج على دهشٍ هو وإخوته قاصدين لخراسان وقد ظهر أبو مسلم بها ونفى عنها نصر ابن سيار فلما صار في بعض الطريق نزل على رجل من التناء ذي مروءة ونعمة وجاهٍ ، فسأله معونته، فقال له: من أنت من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أأنت إبراهيم الإمام الذي يدعى له بخراسان؟ قال: لا، قال فلا حاجة لي في نصرتك .
التجأ إلى أبي مسلم فحبسه: فخرج إلى أبي مسلم وطمع في نصرته، فأخذه أبو مسلم وحبسه عنده، وجعل عليه عيناً يرفع إليه أخباره، فرفع إليه أنه يقول: ليس في الأرض أحمق منكم يا أهل خراسان في طاعتكم هذا الرجل وتسليمكم إليه مقاليد أموركم من غير أن تراجعوه في شيء أو تسألوه عنه، والله ما رضيت الملائكة الحرام من الله تعالى بهذا حتى راجعته في أمر آدم عليه السلام، فقالت: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " حتى قال لهم: " إني أعلم ما لا تعلمون " .


كتابه إلى أبي مسلم وهو في حبسه: ثم كتب إليه عبد الله بن معاوية رسالته المشهورة التي يقول فيها: إلى أبي مسلم، من الأسير في يديه، بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه. أما بعد فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع؛ وإن الودائع مرعية، وإن الصنائع عارية؛ فاذكر القصاص، واطلب الخلاص؛ ونبه للفكر قلبك، واتق الله ربك، وآثر ما يلقاك غداً على ما لا يلقاك أبداً، فإنك لاقٍ أما سلفت، وغير لاقٍ ما خلفت، وفقك الله لما ينجيك، وآتاك شكر ما يبليك .


قتله أبو مسلم ووجه برأسه إلى ابن ضبارة: قال: فلما قرأ كتابه رمى به. ثم قال: قد أفسد علينا أصحابنا وأهل طاعتنا وهو محبوس في أيدينا، فلو خرج وملك أمرنا لأهلكنا، ثم أمضى تدبيره في قتله. وقال آخرون: بل دس إليه سماً فمات منه، ووجه برأسه إلى ابن ضبارة فحمله إلى مروان، فأخبرني عمر بن عبد الله العتكي قال: حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أن عبد العزيز بن عمران حدثه عن عبد الله بن الربيع عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة أنه حضر مروان يوم الزاب وهو يقاتل عبد الله بن علي، فسأل عنه فقيل له: هو الشاب المصفر الذي كان يسب عبد الله ابن معاوية يوم جيء برأسه إليك فقال: والله لقد هممت بقتله مراراً، كل ذلك يحال بيني وبينه، " وكان أمر الله قدراً مقدوراً " .


كانت الزنادقة من خاصته: حدثني أحمد بن عبد الله بن عمار قال حدثني النوفلي عن أبيه عن عمه قال: كان عمارة بن حمزة يرمى بالزندقة، فاستكتبه ابن معاوية، وكان له نديم يعرف بمطيع بن إياس، وكان زنديقاً مأبوناً، وكان له نديم آخر يعرف بالبقلي وإنما سمي بذلك لأنه كان يقول: الإنسان كالبقلة فإذا مات لم يرجع، فقتله المنصور لما أفضت الخلافة إليه. فكان هؤلاء الثلاثة خاصته، وكان له صاحب شرطة يقال له قيس، وكان دهرياً لا يؤمن بالله معروفاً بذلك، فكان يعس بالليل قلا يلقاه أحد إلا قتله، فدخل يوماً على ابن معاوية فلما رآه قال:

إن قيساً وإن تقنع شـيبـاً

 

لخبيث الهوى على شمطة

ابن تسعين منظراً ومشيبـاً

 

وابن عشرٍ يعد في سقطه

وأقبل على مطيع فقال: أجز أنت، فقال:

وله شرطة إذا جنه اللـي

 

ل فعوذوا بالله من شرطه

قسوته: قال ابن عمار: أخبرني أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي يقظان وشباب بن عبد الله وغيرهما، قال ابن عمار وحدثني به سليمان بن أبي شيخ عمن ذكره: أن ابن معاوية كان يغضب على الرجل فيأمر بضربه بالسياط وهو يتحدث ويتغافل عنه حتى يموت تحت السياط، وأنه فعل ذلك برجل، فجعل يستغيث فلا يلتفت إليه، فناداه: يا زنديق، أنت الذي تزعم أنه يوحى إليك! فلم يلتفت إليه وضربه حتى مات .


حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني النوفلي عن أبيه عن عمه عيسى قال: كان ابن معاوية أقسى خلق الله قلباً، فغضب على غلام له وأنا جالس عنده في غرفة بأصبهان، فأمر بأن يرمى به منها إلى أسفل، ففعل ذلك به فتعلق بدرابزين كان على الغرفة، فأمر بقطع يده التي أمسكه بها، فقطعت ومر الغلام يهوي حتى بلغ إلى الأرض فمات .
بعض شعره: وكان مع هذه الأحوال من ظرفاء بني هاشم وشعرائهم، وهو الذي يقول:

ألا تزع القلب عن جهـلـه

 

وعما تؤنب من أجـلـه !

فأبدل بعد الصبا حـلـمـه

 

وأقصر ذو العذل عن عذله

فلا تركبن الصنـيع الـذي

 

تلوم أخاك على مـثـلـه

ولا يعجبنك قـول امـرئٍ

 

يخالف ما قال في فعـلـه

ولا تتبع الطرف ما لا تنال

 

ولكن سل الله من فضلـه

فكم من مقلٍ ينال الغـنـى

 

ويحمد في رزقـه كـلـه

أنشدنا هذا الشعر له ابن عمار عن أحمد بن خيثمة عن يحيى بن معين. وذكر محمد بن علي العلوي عن أحمد بن أبي خيثمة أن يحيى بن معين أنشده أيضاً لعبد الله بن معاوية:

إذا افتقرت نفسي قصرت افتقارهـا

 

عليها فلم يظهر لها أبـداً فـقـري

وإن تلقني في الدهر مندوحة الغنـى

 

يكن لأخلائي التوسع في الـيسـر

فلا العسر يزري بي إذا هو نالنـي

 

ولا اليسر يوماً إن ظفرت به فخري

وهذا الشعر الذي عنى به أعني قوله:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

يقوله ابن معاوية للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان الحسين أيضاً سيء المذهب مطعوناً في دينه .


شعره في الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال حدثني إبراهيم بن يزيد الخشاب قال: كان ابن معاوية صديقاً للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان حسين هذا وعبد الله بن معاوية يرميان بالزندقة. فقال الناس: إنما تصافيا على ذلك، ثم دخل بينهما شيء من الأشياء فتهاجرا من أجله، فقال عبد الله بن معاوية:

وإن حسيناً كان شيئاً مـلـفـفـا

 

فمحصه التكشيف حتى بدا لـيا

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

 

ولكن عين السخط تبدي المساويا

وأنت أخي ما لم تكن لي حـاجة

 

فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا

وله في الحسين أشعار كلها معاتبات، فمنها ما أخبرني به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة. قال: أنشدني يحيى بن الحسن لعبد الله بن معاوية، يقوله في الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب:

قل لذي الود والصفاء حسينٍ

 

أقدر الود بـينـنـا قـدره

ليس للدابغ المـقـرظ بـد

 

من عتاب الأديم ذي البشره

قال وقال له أيضاً:

إن ابن عمك وابن أمك معلم شاكي السلاح

 

يقص العدو وليس ير

 

ضى حـين يبـطـش بـالـجـنـــاح

لاتحسبن أذى ابن عمك شرب ألبان اللقاح

 

 

بل كالشجا تحت اللها

 

ة إذا يســـوغ بـــالـــقـــراح

فانـظـر لـنـفـسـك مــن يجـــي

 

ك تـحـت أطـراف الـــرمـــاح

من لا يزال يســـــــــــــوءه

 

بالـغـيب أن يلــحـــاك لاحـــي

خبره مع جده عبد الحميد بن عبيد الله: أخبرني الحرمي والطوسي قالا حدثنا الزبير وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا يحيى ابن الحسن قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن يحيى: أن عبد الله بن معاوية مر بجده عبد الحميد في مزرعته بصرام وقد عطش فاستسقاه، فخاض له سويق لوزٍ فسقاه إياه، فقال عبد الله بن معاوية:

شربت طبرزذاً بغريض مزنٍ

 

كذوب الثلج خالطه الرضاب

قال يحيى قال الزبير: الرضاب ماء المسك، ورضاب كل شيء: ماؤه. فقال عبد الحميد ابن عبيد الله يجيب عبد الله بن معاوية على قوله:

ما إن ماؤنا بغريض مـزن

 

ولكن الملاح بكـم عـذاب

وما إن بالطبرزذ طاب لكن

 

بمسك لا به طاب الشـراب

وأنت إذا وطئت تراب أرضٍ

 

يطيب إذا مشيت بها التراب

لأن نداك يطفى المحل عنها

 

وتحييها أياديك الـرطـاب

تغنى إبراهيم الموصلي في شعره: قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده إبراهيم الموصلي قال: بينا نحن عن الرشيد أنا وابن مجامع وعمرو والغزال إذ قال صاحب الستارة لابن جامع: تغن في شعر عبد الله بن معاوية بن عبد الله جعفر، قال: ولم يكن ابن مجامعٍ يغني في شيء منه، وفطنت لما أراد من شعره، وكنت قد تقدمت فيه، فأرتج على ابن جامع، فلما رأيت ما حل به اندفعت فغنيت: صوت:

يهيم بجمـلٍ ومـا إن يرى

 

له من سبيل إلى جمـلـه

كأن لم يكن عاشق قبـلـه

 

وقد عشق الناس من قبله

فمنهم من الحب أودى بـه

 

ومنهم من أشفى على قتله

فإذا يد قد رفعت الستارة، فنظر إلي وقال: أحسنت والله! أعد، فأعدته فقال: أحسنت! حتى فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال لصاحب الستارة كلاماً لم أفهمه، فدعا صاحب الستارة غلاماً فكلمه، فمر الغلام يسعى فإذا بدرة دنانير قد جاءت يحملها فراش، فوضعت تحت فخذي اليسرى وقيل لي: اجعلها تكأتك ، قال: فلما انصرفنا قال لي ابن جامع: هل كنت وضعت لهذا الشعر غناءً قبل هذا الوقت؟ فقلت: ما شعر قيل في الجاهلية ولا الإسلام يدخل فيه الغناء إلا وقد وضعت له لحناً خوفاً من أن ينزل بي ما نزل بك. فلما كان المجلس الثاني وحضرنا قال صاحب الستارة: يابن جامع، تغن في شعر عبد الله بن معاوية، فوقع في مثل الذي وقع فيه بالأمس، قال إبراهيم: فلما رأيت ما حل به اندفعت فغنيت: صوت:

يا قـوم كــيف ســـواغ عـــي

 

شٍ لـيس تـؤمـن فـاجـعـاتــه

ليســت تـــزال مـــطـــلةً

 

تغـدو عـلـيك مـنـغـصـاتــه

الــمـــوت هـــول داخـــل

 

يومـاً عـلـى كـره أنـــاتـــه

لابـد لـلـحـذر الــنـــفـــو

 

ر مـن أن تـقـنـصـه رمـاتــه

قد أمـنـح الـود الــخـــلـــي

 

ل بـغـير مـا شــيء رزاتـــه

وله أقيم قناة ودي ما استقامت لي قناته

 

 

قال: فأومأ إلي صاحب الستارة أن أمسك، ووضع يده على عينه كأنه يومئ إلي أنه يبكي، قال: فأمسكت ثم انصرفنا ، فقال لي ابن جامع: ما صب أمير المؤمنين على ابن جعفر؟ قلت: صبه الله عليه لبدرة الدنانير التي أخذتها. قال ثم حضر بعد ذلك، فلما اطمأن بنا مجلسنا قال ابن جامع بكلام خفي: اللهم أنسه ذكر ابن جعفر، قال فقلت: اللهم لا تستجب، فقال صاحب الستارة: يابن جامع تغن في شعر عبد الله بن معاوية، قال: فقال ابن جامع: لو كان عندهم في عبد الله بن معاوية خير لطار مع أبيه ولم يقبل على الشعر، قال إبراهيم: فسمعنا ضحكة من وراء الستارة. قال إبراهيم فاندفعت أغني في شعره: صوت:

سلا ربة الخدر ما شأنـهـا

 

ومن أيما شأننا تعـجـب ؟

فلست بـأول مـن فـاتـه

 

على إربه بعض ما يطلـب

وكائن تعرض من خاطـب

 

فزوج غير التي يخـطـب

وأنكحـهـا بـعـده غـيره

 

وكانت له قبلة تـحـجـب

وكنا جـديثـاً صـفـيين لا

 

نخاف الوشاة وما سبـبـوا

فإن شطت الدار عنا بـهـا

 

فبانت وفي الناس مستعتـب

وأصبح صدع الذي بـينـنـا

 

كصدع الزجاجة ما يشعـب

وكالدر ليسـت لـه رجـعة

 

إلى الضرع من بعدما يحلب

غنى في البيتين الأولين إبراهيم الموصلي خفيف ثقيل الأول بالوسطى من رواية أحمد بن يحيى المكي ووجدتهما في بعض الكتب خفيف رملٍ غير منسوب. قال: فقال لي صاحب الستارة: أعد فأعدته، فأحسب أمير المؤمنين نظر إلى ابن جامع كاسف البال، فأمر له بمثل الذي أمر لي بالأمس، وجاؤوني ببدرة فوضعت تحت فخذي اليسرى أيضاً، وكان ابن جامع فيه حسد ما يستتر منه، فلما انصرفنا قال: اللهم أرحنا من ابن جعفر هذا، فما أشد بغضي له، لقد بغض إلي جده، فقلت: ويحك! تدري ما تقول! قال: فمن يدري ما يقول؟ إذاً لوددت أني لم أر إقباله عليك وعلى غنائك في شعر هذا البغيض ابن البغيضة، وأني تصدقت بها يعني البدرة .


وهذا الصوت الأخير يقول شعره عبد الله بن معاوية في زوجته أم زيد بنت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام .


شمتت به امرأته حين خطب امرأة وتزوجها غيره فقال في ذلك شعراً: أخبرني الطوسي والحرمي قالا حدثنا الزبير بن بكار عن عمه قال: خطب عبد الله بن معاوية ربيحة بنت محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر، وخطبها بكار بن عبد الملك بن مروان، فتزوجت بكاراً، فشمتت بعبد الله امرأته أم زيد بنت زيد بن علي بن الحسين، فقال في ذلك:

سلا ربة الخدر ما شأنها

 

ومن أيما شأننا تعجـب

فقال ابن خيثمة في خبره عن مصعب قال له: والله ما شمت ولكني نفست عليك، فقال لها: لا جرم! والله لا سؤتك أبداً ما حييت: صوت:

طاف الخيال من أم شيبة فاعترى

 

والقوم من سنةٍ نشاوى بالكـرى

طافت بخوصٍ كالقسي وفـتـيةٍ

 

هجعوا قليلاً بعدما ملوا السرى

الشعر لأبي وجزة السعدي، والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالبنصر .