الجزء الرابع عشر - أخبار محمد بن يسير ونسبه

أخبار محمد بن يسير ونسبه

محمد بن يسير الرياشي، يقال إنه مولًى لبني رياش الذين منهم العباس بن الفرج الرياشي الأخباري الأديب، ويقال له إنه منهم صلبيةً. وبنو رياش يذكرون أنه من خثعم، ولهم بالبصرة خطة وهم معروفون بها، وكان محمد بن يسير هذا شاعراً ظريفاً من شعراء المحدثين، متقلل، لم يفارق البصرة، ولا وفد إلى خليفة ولا شريف منتحعاً، ولا تجاوز بلده، وصحبته طبقته، وكان ماجناً هجاء خبيثاً.


أخبرني عمي الحسن بن محمد قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني عي بن القاسم بن علي بن سليمان طارمة قال: بعث إلي محمد بن أيوب بن سليمان بن جعفر بن سليمان - وهو يتولى البصرة حينئذٍ - في ليلةٍ صبيحتها يوم سبتٍ، فدخلت إليه وقد بقي من الليل ثلثه أو أكثر. فقلت له: أنمت وانتبهت أم لم تنم بعد؟ فقال: قد قضيت حاجتي من النوم، وأريد أن أصطبح وأبتدىء الساعة بالشرب، وأصل ليلتي بيومي محتجباً عن الناس، وعندي محمد بن رباح، وقد وجهت إلى إبراهيم بن رياش، وحضرت أنت، فمن ترى أن يكون خامسنا؟ قلت: محمد بن يسير. فقال: والله ما عدوت ما في نفسي. فقال لي ابن رباح: اكتب إلى محمد بن يسير بيتين تدعوه فيهما وتصف له طبب هذا الوقت، وكان يوم غيم، والسماء تمطر مطراً غير شديد ولا متتابع، فكتب إليه ابن رباح:

يوم سبـتٍ وشـنـبـذٍ ورذاذٍ

 

فعلام الجلوس يا بن يسـير

قم بنا نـأخـذ الـمـدامة م

 

ن كف غزالٍ مضمخٍ بالعبير

في هذين البيتين لعباسٍ أخي بحرٍ ثقيل أول بالبنصر وبعث إليه بالرقعة، فإذا الغلمان قد جاءوا بالجواب. فقال لهم: بعثتكم لتجيئوني برجل فجئتموني برقعة! فقالوا: لم نلقه، وإنما كتب جوابها في منزله، ولم تأمرنا بالهجوم عيه فنهجم. فقرأها فإذا فيها:

أجيء على شرطٍ فإن كنت فاعلاً

 

وإلا فإنـي راجـعٌ لا أنـاظـر

ليسرج لي البرذون في حال دلجتي

 

وأنت بدلجاتي مع الصبح خابـر

لأقضي حاجاتي إلـيه وأنـثـنـي

 

إليك وحجامٌ إذا جـئت حـاضـر

فيأخذ من شعري ويصلح لحيتـي

 

ومن بعد حمامٌ وطيبٌ وجـامـر

ودستيجةٌ من طيب الراح ضخـمةٌ

 

يرودنيهـا طـائعـاً لا يعـاسـر

فقال محمد بن أيوب: ما نقول؟ فقلت: إنك لا تقوى على مطاولته، ولكن اضمن له ما طلب، فكتب إليه: قد أغد لك - وحياتك - كل ما طلبت فلا تبطىء، فإذا به قد طلع علينا، فأمر محمد بن أيوب بإحضار المائدة. فلما أحضرت أمر محمد بن يسير فشد بحبل إلى أسطوانة من أساطين المجلس، وجلسنا نأكل بحذائه. فقال لنا: أي شيء يخلصني؟ قلنا: تجيب نفسك عما كتبت به أقبح جواب. فقال: كفوا عن الأكل إذاً ولا تستبقوني به فتشغلوا خاطري، ففعلنا ذلك وتوقفنا، فأنشأ يقول:

أيا عجبا من ذا التسري فإنه

 

له نخوةٌ في نفسه وتكابر

يشارط لما زار حتى كأنه

 

مغنٍّ مجيدٌ أو غلام مؤاجر

فلولا ذمامٌ كان بيني وبينـه

 

للطم بشارٌ قفـاه وياسـر

فقال محمد: حسبك، لم نرد هذا كله، ثم حله وجلس يأكل معنا، وتممنا يومنا.


أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: كان محمد بن يسير من شعراء أهل البصرة وأدبائهم، وهو من خثعم وكان من بخلاء الناس، وكان له في داره بستانٌ قدره أربعة طوابيق قلعها من داره، فغرس فيه أصل رمان وفسيلةً لطيفة، وزرع حواليه بقلاً، فأفلتت شاةٌ لجارٍ له يقال له: منيع، فأكلت البقل ومضغت الخوص، ودخلت إلى بيته فلم تجد فيه إلا القراطيس فيها شعره وأشياء من سماعاته، فأكلتها وخرجت، فعدا إلى الجيران في المسجد يشكو ما جرى عليه، وعاد فزرع البستان، وقال يهجو شاة منيع:

لي بـسـتـانٌ أنـيقٌ زاهـرٌ

 

ناضر الخضـرة ريان تـرف

راسخ الأعراق ريان الـثـرى

 

غدقٌ تربته لـيسـت تـجـف

لمجاري المـاء فـيه سـنـنٌ

 

كيفما صرفته فيه انـصـرف

مشرق الأنوار مـياد الـنـدى

 

منثنٍ في كل ريح منعـطـف

تملـك الـريح عـلـيه أمـره

 

فإذا لم يؤنـس الـريح وقـف

يكتسي في الشوق ثوبي يمـنةٍ

 

ومع الليل عليهـا يلـتـحـف

ينطوي الـلـيل عـلـيه فـإذا

 

واجه الشرق تجلى وانكشـف

صابرٌ لـيس يبـالـي كـثـرةً

 

جز بالمنجل أو منـه نـتـف

كلما ألحـف مـنـه جـانـبٌ

 

لم يتلبث منه تعجيل الخـلـف

لا ترى لـلـكـف فـيه أثـراً

 

فيه بل ينمي على مس الأكف

فترى الأطباق لا تـمـهـلـه

 

صادراتٍ وارداتٍ تخـتـلـف

فيه للخـارف مـن جـيرانـه

 

كلما احتاج إليه مـخـتـرف

أقـحـوانٌ وبـهـارٌ مـونـقٌ

 

وسوى ذلك من كل الطـرف

وهو زهرٌ للنـدامـى أصـلاً

 

برضا قاطفهم ممـا قـطـف

وهو فـي الأيدي يحـيون بـه

 

وعلى الآناف طوراً يستشـف

أعـفـه يا رب مـن واحـدةٍ

 

ثم لا أحفل أنـواع الـتـلـف

اكفه شـاة مـنـيعٍ وحـدهـا

 

يوم لا يصبح في البيت علـف

اكفـه ذات سـعـالٍ شـهـلةً

 

متعت في شر عيش بالخـرف

اكفه يا رب وقصاء الطـلـى

 

ألحم الكتفين منها بالـكـتـف

وكـلـوحٌ أبـداً مـفـتــرةٌ

 

لك عن هتمٍ كلـيلاتٍ رجـف

ونـئوس الأنـف لا يرقـا ولا

 

أبـداً تـبـصـره إلا يكـف

لم تزل أظـلافـهـا عـافـيةً

 

لم يظلف أهلها منها ظـلـف

فتـرى فـي كـل رجـلٍ ويدٍ

 

من بقاياهن فوق الأرض خف

تنسف الأرض إذا مـرت بـه

 

فلها إعصار تربٍ منتـسـف

ترهج الطرق على مجتازهـا

 

بيدٍ في المشي والخطو القطف

في يديها طرقٌ مـشـيتـهـا

 

حلقة القوس وفي الرجل حنف

فإذا ما سعلـت واحـد ودبـت

 

جاوب البعر عليها فخـصـف

وأحص الشعر منها جـلـدهـا

 

شنةٌ في جوف غارٍ منخسـف

ذات قرنٍ وهـي جـمـاء ألا

 

إن ذا الوصف كوصفٍ مختلف

وإذا تدنو إلى مسـتـعـسـبٍ

 

عافها نتناً إذا ما هـو كـرف

لا ترى تيساً عليهـا مـقـدمـاً

 

رميت من كل تيس بالصلـف

شوهة الخلقة ما أبصـرهـا

 

من جميع الناس إلا وحلـف

ما رأى شاةً ولا يعلـمـهـا

 

خلقت خلقتها فيمـا سـلـف

عجباً منها ومن تـألـيفـهـا

 

عجباً من خلقها كيف ائتلـف

لو ينادون عليهـا عـجـبـاً

 

كسبوا منها فلوسـاً ورغـف

ليتها قد أفلتت فـي جـفـنةٍ

 

من عجينٍ أو دقيق مجتـرف

فتلقت شفـرةً مـن أهـلـه

 

قدر الإصبع شيئاً أو أشـف

أحكمت كفا حكيم صنعـهـا

 

فأتت مجدولةً فيهـا رهـف

أدمجت من كل وجه غير مـا

 

ألل الأقيان من حد الطـرف

قابض الرونق فيهـا مـاتـعٌ

 

يخطف الأبصار منها يستشف

لمحتها فاستخفت نـحـوهـا

 

عجلاً ثم أحالت تنـتـسـف

فتناهت بين أضعاف المعـى

 

وتبوت بين أثناء الـشـغـف

أو رمتها قرحةٌ زادت لـهـا

 

ذوبانـاً كـل يومٍ ونـحـف

كل يوم فـيه يدنـو يومـهـا

 

أو ترى واردةً حوض الدنف

بينما ذاك بها إذ أصـبـحـت

 

كحميتٍ مفعمٍ أو مثل جـف

شاغراً عرقوبها قد أعتـبـت

 

بطنةً من بعد إدمان الهـيف

وغدا الصبية من جيرانـهـا

 

ليجروها إلى مأوى الجـيف

فتراها بينهـم مـسـحـوبةً

 

تجرف الترب بجنبٍ منحرف

فإذا صاروا إلى المأوى بهـا

 

أعملوا الآجر فيها والخـزف

ثم قالوا: ذا جـزاءٌ لـلـتـي

 

تأكل البستان منا والصحـف

لا تلوموني فلو أبـصـرت ذا

 

كله فيها إذن لم أنـتـصـف

أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن يسير، وحدثني سوار بن أبي شراعة قال حدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال: هوي أبي قينةً من قيان أبي هاشم بالبصرة، فكتبت إليه أمي تعاتبه، فكتب إليها:

لا تذكري لوعةً إثري ولا جزعـا

 

ولا تقاسن بعدي الهم والهـلـعـا

بل ائتسي تجدي إن ائتسـيت أسـاً

 

بمثل ما قد فجعت اليوم قد فجعـا

ما تصنعين بعينٍ عنك قد طمحـت

 

إلى سواك وقلبٍ عنك قد نـزعـا

إن قلت قد كنت في خفضٍ وتكرمةٍ

 

فقد صدقت ولكن ذاك قد نـزعـا

وأي شيءٍ من الدنيا سمعـت بـه

 

إلا إذا صار في غاياته انقطـعـا

ومن يطيق خليعاً عند صـبـوتـه

 

أم من يقوم لمستورٍ إذا خـلـعـا

أخبرني عمي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا عبد الله بن يسير أن أباه دعي إلى وليمة وحضرها مغنٍّ يقال له أبو النجم، فعبث بأبي وباغضه وأساء أدبه، فقال يهجوه:

نشت بأبي النجم المغني سحـابةٌ

 

عليه من الأيدي شآبيبها القـفـد

نشا نوءها بالنحس حتى تصرمت

 

وغابت فلم يطلع لها كوكبٌ سعد

سقته بجادت فارتوى من سجالها

 

ذو رأسه والوجه والجيد والخـد

فلا زال يسقيه بها كل مجـلـس

 

به فتيةٌ أمثالها الهزل والـجـد

أراد به يسقيانه.
أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال وحدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال: كان لأبي صديق يقال له داود من أسمج الناس وجهاً وأقلهم أدباً، إلا أنه كان وافر المتاع، فكان القيان يواصلنه ويكثرن عنده، ويهدين إليه الفواكه والنبيذ والطيب، فيدعو بأبي فيعاشره. فهويته قنيةٌ من قيان البصرة، كانت من أحسن الناس وجهاً، فبعثت إلى داود برقعة طويلة جداً تعاتبه فيها وتستجفيه وتستزيره. فسأل أبي أن يجيبها عنه، فقال أبي: اكتب يا بني قبل أن أجيب عنها:

وابلائي من طول هذا الكتاب

 

أسعدوني عليه يا أصحابـي

أسعدوني على قراة كـتـابٍ

 

طوله مثل طول يوم الحساب

إن فيه مني البلاء مـلـقًـى

 

ولغيري فيه الهوى والتصابي

وله الود والهوى وعـلـينـا

 

فيه للكاتبـين رد الـجـواب

ثم ممن يا سيدي وإلـى مـن

 

منهضيم الحشا لعوب كعاب

وإلى من إن قلت فيه بعـيب

 

لم أحط في مقالتي بالصواب

لا يساوي على التأمل والتـف

 

تيش يوماً في الناس كف تراب

فقال عبد الله: وكان أبي إذا انصرف من مجلس فيه داود هذا أخذه معه، فيمشي قدامه، فإن كان في الطريق طين أو بئر أو أذًى لقي داود شره وحذره أبي. فمات داود. وانصرف أبي ذات ليلة وهو سكران، فعثر بدكان وتلوث بطين ودخل في رجله عظم ولقي عنتاً، فقال يرثي داود:

أقول والأرض قد غشى وجلـلـهـا

 

ثوب الدجى فهو فوق الأرض ممدود

وسد كل فروج الجو مـنـطـبـقـاً

 

وكل فرجٍ به في الجـو مـسـدود

وفي الوداع وفي الإبداء لي عـنـتٌ

 

دون المسير وباب الـدار مـسـدود

من لي بداود في ذي الحال يرشدنـي

 

من لي بـداود لـهـفـي أين داود

لهفي على رجـلـه ألا أقـدمـهـا

 

قدام رجلي فتلقـاهـا الـجـلامـيد

إذا لا أزال إذا أقبلـت ينـكـبـنـي

 

حرفٌ وجـرفٌ ودكـانٌ وأخـدود

فإن تكن شوكةٌ كانـت تـحـل بـه

 

أو نكتةٌ في سواد الـلـيل أو عـود

أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان الهاشمي قال: هجمت شاة منيع البقال على دار ابن يسير وهو غائب، وكانت له قراطيس فيها أشعار وآداب مجموعة، فأكلتها كلها، فقال في ذلك:

قل لبغاة الآداب ما صنعـت

 

منها إليكم فلا تضيعـوهـا

وضمنوها صحف الدفاتر بال

 

حبر وحسن الخطوط أوعوها

فإن عجزتم ولم يكن عـلـفٌ

 

تسيغه عندكم فـبـيعـوهـا

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني ابن شبل البرجمي قال: كان محمد بن يسير يعاشر يوسف بن جعفر بن سليمان، وكان يوسف أشد خلق الله عربدةً، وكان يخاف لسان ابن يسير فلا يعربد عليه. ثم جرى بينهما ذات يوم كلام على النبيذ ولحاءٌ، فعربد يوسف عليه وشجه، فقال ابن يسير يهجوه:

لا تجلسن مع يوسفٍ في مجلسٍ

 

أبداً ولم تحمـل دم الأخـوين

ريحانه بدم الشباب مـلـطـخٌ

 

وتحية الندمان لطـم الـعـين

أخبرني جعفربن قدامة قال حدثني الحسين بن يحيى المنجم قال حدثني أبو علي بن الخراساني قال: كان لمحمد بن يسير البصري بابان يدخل من أحدهما وهو الأكبر، ويدخل إليه إخوانه من الباب الآخر وهو الأصغر، ومن يستشرط من المرد. فجاء يوماً غلامٌ قد خرجت لحيته، كانت عادته أن يدخل من الباب الأصغر، فمر من ذلك الباب، فجعل يخاصم لدالته، وبلغ ابن يسير فكتب إليه:

قل لمن رام بجهـلٍ

 

مدخل الظبي الغرير

بعد أن علق فـي خ

 

ديه مخلاة الشعـير

ليته يدخـل إن جـا

 

ء من الباب الكبـير

وأخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان قال: كنا في مجلسٍ ومعنا محمد بن يسير وعمرو القصافي، وعندنا مغنية حسنة الوجه شهلة تغني غناءً حسناً، فكنا معها في أحسن يوم، وكان القصافي يعين في كل شيء يستحسنه ويحبه، فما برحنا من المجلس حتى عانها، فانصرفت محمومةً شاكية العين. فقال ابن يسير:

إن عمراً جنى بعينـيه ذنـبـاً

 

قل مني فيه عليه الـدعـاء

عان عينا فعينه للـتـي عـا

 

ن فدًى وقل منـه الـفـداء

شر عينٍ تعين أحسـن عـينٍ

 

تحمل الأرض أو تظل السماء

أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا القاسم بن الحسن قال: استعار ابن يسير من بعض الهاشميين من جيرانه حماراً كان له ليمضي عليه في حاجةٍ أراده فأبى عليه، فمضى إليها ماشياً، وكتب إلى عمرو القصافي - وكان جاراً للهاشمي وصديقاً - يشكوه إليه ويخبره بخبره:

إن كنت لا عير لي يوماً يبلغنـي

 

حاجي وأقضي عليه حق إخواني

وضن أهل العواري حين أسألهـم

 

من أهل ودي وخلصاني وجيراني

فإن رجلي عندي لا عدمتـهـمـا

 

رجلا أخي ثقةٍ مذ كان جولانـي

تبلغاني حاجـاتـي وإن بـعـدت

 

وتدنياني مما لـيس بـالـدانـي

كأن خلفي إذا ما جد جـدهـمـا

 

إعصار عاصفةٍ ممـا تـثـيران

رجلاي لم تألما نكباً كـأنـهـمـا

 

قطًّا وقـداً وإدمـاجـاً مـداكـان

كأن ما بهما أخطـوا إذا أرتـهـيا

 

في سكةٍ من أي ذاك سمـا كـان

إن تبعثا في دهاسٍ تبعثا رهـجـاً

 

أوفى حزونٍ ذكا فيها شـهـابـان

فالحمد لله يا عمرو الذي بـهـمـا

 

عن العواري وعن ذا الناس أغناني

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن داود بن الجراح قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال: كنا في حلقة التوزي، فلما تقوضت أنشدنا محمد بن يسير لنفسه قوله:

جهد المقل إذا أعطاه مصطبـراً

 

ومكثرٌ من غنًى سيان في الجود

لا يعدم السائلون الخير أفعـلـه

 

إما نوالي وإما حسـن مـردود

فقلنا له: ما هذا التكارم! وقمنا إلى بيته فأكلنا من جلة تمرٍ كانت عنده أكثرها وحملنا بقيتها. فكتب إلى والي البصرة عمر بن حفص:

يا أبا حفصٍ بحرمـتـنـا

 

عن نفساً حين تنتـهـك

خذ لنا ثاراً بجـلـتـنـا

 

فبـك الأوتـار تـدرك

كهف كفي حين تطرحها

 

بين أيدي القوم تبـتـرك

زارنا زورٌ فلا سلـمـوا

 

وأصيبوا أيةً سـلـكـوا

أكلوا حتى إذا شـبـعـوا

 

أخذوا الفضل الذي تركوا

قال: فبعث إلينا فأحضرنا فأغرمنا مائة درهم، وأخذ من كل واحدٍ منا جلة تمرٍ، ودفع ذلك إليه.


أخبرني الأخفش قال حدثنا أبو العيناء قال: كان بين محمد بن يسير وأحمد بن يوسف الكاتب شرٌ، فزجه أحمد يوماً بحماره تعرضاً لشره وعبثا به، فأخذ ابن يسير بأذن الحمار وقال له: قل لهذا الحمار الراكب فوقك لا يؤذي الناس، فضحك أحمد ونزل، فعانقه وصالحه.


أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني محمد بن علي الشامي قال: طلب محمد بن يسير من ابن أبي عمرو المديني فراخاً من الحمام الهداء، فوعده أن يأخذها له من المثنى بن زهير، ثم نور عليه أي أعطاه فراخاً غير منسوبة دلسها عليه وأخذ المنسوبة لنفسه. فقال محمد بن يسير:

يا رب رب الرائحـين عـشـيةً

 

بالقوم بين منًـى وبـين ثـبـير

والواقفين على الجبـال عـشـيةً

 

والشمس جانحةٌ إلى الـتـغـوير

حتى إذا طفل العشي ووجـهـت

 

شمس النهار وآذنـت بـغـئور

رحلوا إلى خيفٍ نواحل ضمـهـا

 

طول السفار وبعد كل مـسـير

ابعث على طير المدينـي الـذي

 

قال المحال وجاءنـي بـغـرور

ابعث على عجلٍ إليها بـعـدمـا

 

يأخذون زينتهن في التـحـسـير

في كل ما وصفوا المراحل وابتدوا

 

في المبتدين بهن والـتـكـسـير

ومضين عن دور الخريبة زلـفةً

 

دون القصور وحجرة الماخـور

مع كل ريح تغتدي بهـبـوبـهـا

 

في الجو بين شواهن وصـقـور

من كل أكلف بات يدجـن لـيلـه

 

فغدا بغدوة ساغبٍ مـمـطـور

ضرمٍ يقلب طرفـه مـتـأنـسـاً

 

شيئا فكن لـه مـن الـتـقـدير

يأتي لهن مـيامـنـاً ومـياسـراً

 

صكًّا بكل مزلـقٍ مـمـكـور

من طائرٍ متحيرٍ عـن قـصـده

 

أو ساقطٍ خلج الجنـاح كـسـير

لم ينج منه شريدهن فـإن نـجـا

 

شيءٌ فصار بجانـبـات الـدور

لمشمرين عن السواعـد حـسـرٍ

 

عنها بكـل رشـيقة الـتـوتـير

سدد الأكف إلى المقاتـل صـيبٍ

 

سمت الحتوف بجؤجؤ ونـحـور

ليس الذي تخـطـي يداه رمـيةً

 

منهم بـمـعـدودٍ ولا مـعـذور

يتبوعون وتـمـتـطـي أيديهـم

 

في كل معطية الجذاب نـتـور

عطف السيات دوائراً في عطفهـا

 

تعزى صناعتها إلى عصـفـور

ينفثن عن جذب الأكف ثـواقـبـاً

 

متشابهـات الـقـد والـتـدوير

تجري بها مهج النفـوس وإنـهـا

 

لنواصلٌ سلتٌ من الـتـحـبـير

ما إن تقصر عن مدى متبـاعـدٍ

 

في الجو يحسر طرف كل بصير

حتى تراه مـزمـلاً بـدمـائه

 

فكأنه متـضـمـحٌ بـعـبـير

فيظل يومهم بعـيشٍ نـاصـبٍ

 

نصب المراجل معجلي التنوير

ويئوب ناجيهن بـين مـضـرجٍ

 

بدمٍ ومخلوبٍ إلى مـنـسـور

عاري الجناح من القوادم والقرا

 

كاسٍ عليه مـائر الـتـامـور

فيئوده متبهنـسٌ فـي مـشـيه

 

خطف المؤخر مشبع التصدير

ذو حلكه مثل الدجى أو غـبـثةٍ

 

شغبٌ شديد الجد والتـشـمـير

فيمر منها في البراري والقرى

 

من كل أعصل كالسنان هصور

في حين تؤذيها المبايت موهنـاً

 

أو بعد ذلك آخر التـسـحـير

يختص كل سليل سابـق غـايةٍ

 

محض النجار مجربٍ مخبـور

عجل عليه بما دعوت لـه بـه

 

أره بذاك عقـوبة الـتـنـوير

حتى يقول جميع من هو شامتٌ

 

هذي إجابة دعوة ابـن يسـير

فلألفينك عند حالـي حـسـرةٍ

 

وتأسفٍ وتـلـهـفٍ وزفـير

ولتلفين إذا رمتك بسـهـمـهـا

 

أيدي المصائب منك غير صبور

أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان قال: خرجنا مع بعض ولد النوشجاني إلى قصرٍ له في بستانهم بالجعفرية، ومعنا محمد بن يسير، وكان ذلك القصر من القصور الموصوفة بالحسن، فإذا هو قد خرب واختل، فقال فيه محمد بن يسير:

ألا يا قصر قصر النوشجاني

 

أرى بك بعد أهلك ما شجاني

فلو أعفى البـلاء ديار قـومٍ

 

لفضلٍ منهم ولعظـم شـان

لما كانت ترى بـك بـينـاتٍ

 

تلوح عليك آثار الـزمـان

أخبرني عمي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا محمد بن أبي حرب قال أنشدنا يوماً محمد بن يسير في مجلس أبي محمد الزاهد صاحب الفضيل بن عياض لنفسه قال:

ويلٌ لمن لم يرحـم الـلـه

 

ومن تكون النار مـثـواه

واغفلتا في كل يومٍ مضى

 

يذكرني الموت وأنـسـاه

من طال في الدنيا به عمره

 

وعاش فالموت قصـاراه

كأنه قد قيل في مجـلـسٍ

 

قد كنت آتـيه وأغـشـاه

محمد صـار إلـى ربـه

 

يرحـمـنـا الـلـه وإياه

قال: فأبكى والله جميع من حضر.
أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا ابن مهرويه قال حدثني أبو الشبل قلا: كان محمد بن يسير صديقاً لداود بن أحمد بن أبي داود كثير الغشيان له ففقده أهل أياماً وطلبوه فلم يجدوه، وكان مع أصحابٍ له قد خرجوا يتنزهون فجاءوا إلى داود بن أحمد يسألونه عنه، فقال لهم: اطلبوه في منزل حسن المغنية فإن وجدتموه وإلا فهو في حبس أبي شجاع صاحب شرطة خمار التركي. فلما كان بعد أيامٍ جاءه ابن يسير فقال له: إيه أيها القاضي، كيف دللت علي أهلي؟ قال: كما بلغك، وقد قلت في ذلك أبياتاً: قال: أو فعلت ذلك أيضاً؟ زدني من برك، هات، أيش قلت؟ فأنشده:

ومرسـلةٍ تـوجـه كـل يومٍ

 

إلي وما دعا للصبـح داعـي

تسائلني وقد فقـدوه حـتـى

 

أرادوا بعده قسم الـمـتـاع

إذا لم تلقه في بـيت حـسـنٍ

 

مقيماً للشراب وللـسـمـاع

ولم ير في طريقي بني سدوسٍ

 

يخط الأرض منه بالـكـراع

يدق حزونها بالوجـه طـوراً

 

وطوراً بالـيدين وبـالـذراع

فقد أعياك مطلبـه وأمـسـى

 

فلا تغلط حبيس أبي شجـاع

قال: فجعل ابن يسير يضحك ويقول: أيها القاضي لو غيرك يقول لي هذا لعرف خبره. ثم لم يبرح ابن يسير حتى أعطاه داود مائتي درهم وخلع عليه خلعةً من ثيابه.


أخبرني عمي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني علي بن القاسم طارمة قال: كنت مع المعتصم لما غزا الروم، فجاء بعض سراياه بخبر عمه، فركب من فوره وسار أجد سيرٍ وأنا أسايره، فسمع منشداً يتمثل في عسكره:

إن الأمور إذا اسندت مسالكهـا

 

فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا

لا تياسن وإن طالت مـطـالـبةٌ

 

إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

فسر بذلك وطابت نفسه، ثم التفت إلي وقال لي: يا علي أتروي هذا الشعر؟ قلت: نعم. قال: من يقوله؟ قلت: محمد بن يسير. فتفاءل باسمه ونسبه. وقال: أمر محمود وسير سريع يعقب هذا الأمر. ثم قال: أنشدني الأبيات، فأنشدته قوله:

ماذا يكلفك الـروحـات والـدلـجـا

 

البر طوراً وطوراً تركب اللـجـجـا

كم من فتًى قصرت في الرزق خطوته

 

ألفيته بسهام الـرزق قـد فـلـجـا

لا تيأسـن وإن طـالـت مـطـالـبةٌ

 

إذا استعنت بصبر أن تـرى فـرجـا

إن الأمور إذا اسندت مـسـالـكـهـا

 

فالصبر يفتح منها كل ما ارتـتـجـا

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجـتـه

 

ومدمن القرع لـلأبـواب أن يلـجـا

فاطلب لرجلك قبل الخطو موضعهـا

 

فمن علا زلقاً عـن غـرة زلـجـا

ولا يغرنك صـفـوٌ أنـت شـاربـه

 

فربما كان بالتكـدير مـمـتـزجـا

لا ينتج النـاس إلا مـن لـقـاحـهـم

 

يبدو لقاح الفتـى يومـاً إذا نـتـجـا

أخبرني عيسى بن الحسين والحسن بن علي وعمي قالوا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبوالشبل قال: كنا عند قثم بن جعفر بن سليمان ذات يومٍ ومعنا محمد بن يسير ونحن على شرابٍ، فأمر أن نبخر ونطيب، فأقبلت وصيفةٌ له حسنة الوجه، فجعلت تبخرنا وتغلفنا بغاليةٍ كانت معه. فلما غلفت ابن يسير وبخرته التفت إلي - وكان إلى جانبي - فأنشدني:

يا باسطاً كفه نـحـوي يطـيبـنـي

 

كفاك أطيب يا حبي مـن الـطـيب

كفاك يجري مكان الطيب طيبهـمـا

 

فلا تزدني عليها عنـد تـطـييبـي

يا لائمي في هواها أنت لـم تـرهـا

 

فأنت مغرًى بتأنيبـي وتـعـذيبـي

انظر إلى وجهها هل مثل صورتهـا

 

في الناس وجهٌ مجلًى غير محجوب؟

فقلت له: اسكت ويلك! لا، تصفع والله وتخرج. فقال: والله لو وثقت بأن نصفع جميعاً لأنشدته الأبيات، ولكني أخشى أن أفرد بالصفع دونك.


أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا الرياشي قال: كان محمد بن يسير جالساً في حلقتنا في مسجد البصرة، وإلى جانبنا حلقة قومٍ من أهل الجدل يتصايحون في المقالات والحجج فيها، فقال ابن يسير: اسمعوا ما قلت في هؤلاء، فأنشدنا قوله:

يا سائلي عن مقالة الـشـيع

 

وعن صنوف الأهواء والبدع

دع عنك ذكر الأهواء ناحـيةً

 

فليس ممن شهدت ذو ورع

كل أناسٍ بـديهـم حـسـنٌ

 

ثم يصيرون بعد للـسـمـع

أكثر ما فيه أن يقال لـهـم

 

لم يك في قوله بمنقـطـع

أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني محمد بن علي الشامي قال: كان محمد بن يسير يصف نفسه بالذكاء والحفظ والاستغناء عن تدوين شيء يسمعه، من ذلك قوله:

إذا ما غدا الطلاب للعلم ما لهـم

 

من الحظ إلا ما يدون في الكتب

غدوت بتشمير وجدٍّ عـلـيهـم

 

فمحبرتي أذني ودفترها قلبـي

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني إبراهيم بن المدبر، قال: كان إبراهيم بن رياح إذا حزبه الأمر يقطعه بمثل قول محمد بن يسير:

تخطي النفوس مع العـيا

 

ن وقد تصيب مع المظنة

كم من مضيقٍ في الفضا

 

ء ومخرجٍ بين الأسـنة

أخبرني عمي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني الحسن بن أبي السري قال: مر ابن يسير بأبي عثمان المازني فجلس إليه ساعة، فرأى من في مجلسه يتعجبون من نعل كانت في رجله خلقٍ وسخةٍ مقطعة، فأخذ ورقةً وكتب فيها:

كم أرى ذا تعجبٍ من نعالي

 

ورضائي منها بلبس البوالي

كل جرداء قد تكـتـفـيهـا

 

من أقطارها بسود النقـال

لا تداني وليس تشبه في الخل

 

قة إن أبرزت نعال الموالي

من يغال من الرجال بنعـلٍ

 

فسواي إذاً بهـن يغـالـي

لو حذاهن للجمـال فـإنـي

 

في سواهن زينتي وجمالي

في إخائي وفي وفائي ورأيي

 

ولساني ومنطقي وفعالـي

ما وقاني الحفا وبلغني الحـا

 

جة منها فإنني لا أبـالـي

أخبرني عمي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال: دعا قثم بن جعفر بن سليمان أبي فشرب عنده، فلما سكر سرق منه ألواح آبنوس كانت تكون في كمه، فقال في ذلك:

عين بكي بعبـرةٍ تـسـفـاح

 

وأقـيمـي مـآتـم الألـواح

أوحشت حجزتي وردناي منها

 

في بكوري وعند كـل رواح

واذكريها إذا ذكرت بمـا قـد

 

كان فيها من مرفقٍ وصـلاح

آبنوس دهماء حالـكة الـلـو

 

ن لبابٌ من اللطاف المـلاح

ذات نفع خفيفة القدر والمـح

 

مل حلكوكة الذرا والنواحـي

وسريعٌ جفوفها إن مـحـاهـا

 

عند مملٍ مستعجل القوم ماحي

هي كانت على علومـي والآ

 

داب والفقه عدتي وسلاحـي

كنت أغدو بها على طلب العل

 

م إذا ما غدوت كل صـبـاح

هي كانت غذاء زوري إذا زا

 

ر وري النديم يوم اصطباحي

يعني أنه يعمل فيها الشعر ويطلب لزواره المأكول والمشروب.

آب عسري وغاب يسري وجودي

 

حين غابت وغاب عني سماحي

أخبرني محمد بن خلفٍ وكيعٌ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: كان محمد بن يسير يعادي أحمد بن يوسف، فبلغه أنه يتعشق جاريةً سوداء مغنية، فقال ابن يسير يهجوه:

أقول لما رأيته كـلـفـاً

 

بكل سوداء نزرةٍ قـذره

أهلٌ لعمري لما كلفت به

 

عند الخنازير تنفق العذره

أخبرني وكيع قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا أبو العواذل قال: عوتب محمد بن يسير على حضور المجالس بغير ورق ولا محبرةٍ، وأنه لا يكتب ما يسمعه، فقال:

ما دخل الحمام من علمـي

 

فذاك ما فاز به سهـمـي

والعلم لا ينفعني جمـعـه

 

إذا جرى الوهم على فهمي

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان محمد بن يسير يعاشر ولد جعفر بن سليمان، فأخذ منه قثم بن جعفرٍ ألواح آبنوس كان يكتب فيها بالليل، فقال ابن يسير في ذلك:

أبقت الألـواح إذ أخـذت

 

حرقةً في القلب تضطرم

زانها فصان من صـدفٍ

 

واحمرار السير والقلـم

وتولى أخـذهـا قـثـمٌ

 

لا تولى نفعـهـا قـثـم

أخبرني الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان محمد بن يسير يعاشر بعض الهاشميين، ثم جفاه الهاشمي لملالٍ كان فيه فكتب إليه ابن يسير قوله:

قد كنت منقبضاً وأنت بسطتـنـي

 

حتى انبسطت إليك ثم قبضتنـي

أذكرتني خلق النفاق وكـان لـي

 

خلقاً فقد أحسنت إذ أذكرتـنـي

لو دام ودك وانبسطت إلى امرىءٍ

 

في الود بعدك كنت أنت غررتني

فهلم نجتذب التـذاكـر بـينـنـا

 

ونعود بعد كأننا لـم نـفـطـن

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثنا مسعود بن يسير قال: شرب محمد بن يسير نبيذاً مع قومٍ فأسكروه، حتى خرج من عندهم وهو لا يعقل فأخذ رداءه وعثر في طريقه وأصاب وجهه آثار، فلما أفاق أنشأ يقول:

شاربت قوماً لم أطق شربهم

 

يغرق في بحرهم بحـري

لما تجـارينـا إلـى غـايةٍ

 

قصر عن صبرهم صبري

خرجت من عندهم مثخنـاً

 

تدفعني الجدر إلى الجـدر

مقبح المشي كسير الخطـا

 

تقصر عند الجد عن سيري

فلست أنسى ما تجشمت من

 

كدحٍ ومن جرحٍ ومن أثر

وشق ثـوبٍ وتـوى آخـرٍ

 

وسقطةٍ بان بها ظـفـري

حدثني عمي وجحظة عن أحمد بن الطبيب قال: حدثنا بعض أصحابنا عن مسعو بن يسير، ثم ساق الخبر مثله سواءً.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو العيناء قال: اجتمع جعيفران الموسوس ومحمد بن يسير في بستان، فنظر إلى محمد بن يسير وقد انفرد ناحيةً للغائط، ثم قام عن شيء عظيم خرج منه، فقال جعيفران:

قد قلت لابـن يسـيرٍ

 

لما رمى من عجانه

في الأرض تل سمادٍ

 

علا على كثبـانـه

طوبى لصاحب أرضٍ

 

خرئت في بستـانـه

قال: فجعل ابن يسير يشتم جعيفران ويقول: أي شيء أردت مني يا مجنون يا بن الزانية حتى صيرتني شهرةً بشعرك! أخبرني جحظة قال: حدثني سوار بن أبي شراعة قال: حدثني عبد الله بن محمد بن يسير قال: كان أبي مشغوفاً بالنبيذ مشتهراً بالشرب، وما بات قط إلا وهو سكران، وما نبذ قط نبيذاً، وإنما كان يشربه عند إخوانه ويستسقيه منهم، فأصبحنا بالبصرة يوماً على مطر هادٍّ، ولم تمكنه معه الحركة إلى قريبٍ من إخوانه ولا بعيد وكاد يجن لما فقد النبيذ. فكتب إلى والي البصرة وكان هاشمياً، وهو محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان قال:

كم في علاج نبيذ التمر لي تعـبٌ

 

الطبخ والدلك والمعصار والعكر

وإن عدلت إلى المطبوخ معتمـداً

 

رأيتني منه عند الناس أشتـهـر

نقل الدنان إلى الجيران يفضحنـي

 

والقدر تتركني في القوم أعتـذر

فصرت في البيت أستسقي وأطلبه

 

من الصديق ورسلي فيه تبتـدر

فمنهم باذلٌ سمحٌ بـحـاجـتـنـا

 

ومنهم كاذبٌ بالـزور يعـتـذر

فسقني ري أيامٍ لتـمـنـعـنـي

 

عمن سواك وتغنيني فقد خسروا

إن كان زقٌ فـزقٌ أو فـوافـرةٌ

 

من الدساتيج لا يزري بها الصفر

وإن تكن حاجتي ليست بحاضـرةٍ

 

وليس في البيت من آثارها أثـر

فاستسق غيرك أو فاذكر له خبري

 

إن اعتراك حياءٌ منه أو حصـر

ما كان من ذلكم فليأتني عـجـلاً

 

فإنني واقفٌ بالبـاب أنـتـظـر

لا لي نبيذٌ ولا حرٌّ فـيدعـونـي

 

وقد حماني من تطفيلي المطـر

قال: فضحك لما قرأها. وبعث إليه بزقٌ نبيذٍ ومائتي درهم، وكتب إليه: اشرب النبيذ: وأنفق الدراهم إلى أن يمسك المطر ويتسع لك التطفيل، ومتى أعوزك مكانٌ فاجعلني فيئةً لك، والسلام.

أنت حديثي في النوم واليقظة

 

أتعبت مما أهذي بك الحفظة

كم واعظٍ فيك لي وواعـظةٍ

 

لو كنت ممن تنهاه عنك عظه

الشعر لديك الجن الحمصي. والغناء لعريب، هزج، ذكر ذلك ذكاء وجه الرزة وقمريٌ جميعاً، والله أعلم.