الجزء السادس عشر - أخبار الرقاشي ونسبه

أخبار الرقاشي ونسبه

هو الفضل بن عبد الصمد مولى رقاش. وهو من ربيعة، وكان مطبوعاً سهل الشعر، نقي الكلام، وقد ناقض أبا نواس، وفيه يقول أبو نواس:

وجدنا الفضل أكرم من رقاشٍ

 

لأن الفضل مولاه الرسـول

أراد أبو نواس بهذا نفيه عن ولائه، لأنه كان أكرم ممن ينتمي إليه، وذهب أبو نواس إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم انا مولى من لا مولى له.


وذكر إبراهيم بن تميم، عن العلى بن حميد: أن الرقاشي كان ما العجم من اهل الري.


وقد مدح الرقاشي الرشيد وأجازه إلا انقطاعه كان إلى آل برمك، فأغنوه عن سواهم.


أخبرني حبيب بن نصرٍ المهلبي قال: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال: حدثني أبي، قال: كان الفضل الرقاشي منقطعاً إلى آل برمك، مستغنياً بهم عن يواهم، وكانوا يصولون به على الشعراء، ويروون أولادهم أشعاره، ويدونون القليل والكثير منها، قصباً له، وحفظاً لخدمته، وتنويهاً باسمه، وتحريكاً لنشاطه، فحفظ ذلك لهم، فلما نكبوا صار إليهم في حبسهم، فأقام معهم مدة أيامهم، ينشدهم ويسامرهم، حتى ماتوا، ثم رثاهم فأكثر ، ونشر محاسنهم وجودهم ومآثرهم فأفرط، حتى نشر منها ما كان مطوباً، وأذاع منها ما مان مستوراً؛ وحرى على شاكلته بعدهم، وكان كالموقوف المديح على جميعهم، صغيرهم وكبيرهم. ثم انقطع إلى طاهر وخرج معه إلى خراسان، فلم يزل بها معه حتى مات.


وكان مع تقدمه في الشعر ماجناً خليعاً، متهاوناً بمروءته ودينه، وقصيدته التي يوصي فيها بالخلاعة والمجون مشهورة، سائرة في الناس، مبتذلة في أيدي الخاصة والعامة، وهي التي أولها

أوصى الرقاشي إلى إخوانه

 

وصية المحمد في ندمانـه

وقد رأيت هذه القصيدة بعينها بخط الجاحظ في شعر أبي نعامة، من جملة قصيدة له طويلة، يهجو فيها جماعة ويأتي في وسطها بقصيدة الرقاشي.
وقال عبد الله بن المعتز: حدثني أبن أي الخنساء، عن أبيه، قال: لما قال أو دلف:

ناوليني الرمح قد طـا

 

ل عن الحرب جمامي

مر لي شهران مذ لـم

 

أرم قوماً بسهـامـي

قال الرقاشي يعارضه:

جنبيني الدرع قـد طـا

 

ل عن القصف جمامي

وأكسري المطرد والب

 

يض وأثني بالحـسـام

واقذفي في لجة البـح

 

ر بقوسي وسهـامـي

وبترسي وبـرمـحـي

 

وبسرجي ولجـامـي

فبحسبي أن تـرينـي

 

بين فـتـيان كـرام

سادةٍ نـغـدو مــدي

 

ن على حرب المـدام

واصطفاق العود والنا

 

يات في جوف الظلام

هزم أرواح دنـــانٍ

 

لم ننلها باصـطـلام

نهزم الـراح إذا مـا

 

هم قوم بالـنـهـزام

ثم خل الضرب والطع

 

ن لأجـسـاد وهـام

لشقي قال: قـد طـا

 

ل عن الحرب جمامي

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن موسى، عن ابن النطاح، قال: توفي العباس بن محمد بن خالد بن برمك بالخلد، والرشيد بالرصافة، في يوم جمعة، فأخرجت جنازته مع العصر، وحضر الرشيد والأمين، وأخرجت المضارب إلى مقابر البرامكة بباب البردان، وفرش للرشيد في مسجد هناك، وجاء الرشيد في الحلق با لأعلام والحراب، فصلى عليه، ووقف على قبره حتى دفن؛ فلما خرج يحيى ومحمد أخواه من القبر، قبلا يد الرشيد، وسألاه الا نصراف، فقال: لا، حتى يسوى عليه التراب، ولم يزل قائماً حتى فرغ من أمره، وعزاهما وأمرهما بالركوب، فقال الرقاشي يرثي العباس بن محمد بن خالد بن برمك:

أتحسبني بـاكـرت بـعـدك لـذة

 

أبا الفضل أو رفعت عن عاتقٍ سترا

أو انتفعت عيناي بعـد بـنـظـرة

 

أو ادنيت من كأس بمشمولة ثغـرا

جفاني إذن يوماً إلى الليل مؤنـسـي

 

وأضحت يميني من ذخائها صفـرا

ولكنني استشعرت ثوب اسـتـكـانة

 

وبت كأن الموت يحفر لي قـبـرا

غنى في الأول والثاني من هذه الأبيات الرف، ثاني ثقيل بالبنصر، عن الهشامي وعبد الله بن موسى. وفيه ثقيل أول مجهول، أحسبه لبعض جواري البرامكة. وفيهما لإبراهيم بن المهدي خفيف رمل، عن عبد الله بن موسى.


ومن ذلك قوله في جعفر .

كم هاتفٍ بك من باكٍ وبـاكـيةٍ

 

يا طيب للضيف إذ تدعى وللجار

إن يعدم القطر كنت المزن بارقه

 

لمع الدنانير لا ماخيل السـاري

وقوله:

لعمرك ما بالموت عار على الفتى

 

إذا لم تصبه في الحياة المعـابـر

وما أحد حي وإن كان سـالـمـا

 

بأسلم ممن غيبتـه الـمـقـابـر

ومن كان مما يحدث الدهر جازعا

 

فلا بد يوماً أن يرى وهوصـابـر

وليس لذي عيش عن الموت مقصر

 

ولبس على الأيام والدهر غـابـر

وكل سباب أو جديدٍ إلى الـبـلـى

 

وكل امرىء يوماً إلى الله صـائر

فلا يبعدنك الله عنـي جـعـفـرا

 

بروحي ولو دارت علي الـدوائر

فآليت لا أنفك أبكـيك مـا دعـت

 

علي فننٍ ةورقاء أو طار طـائر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أو غسان، عن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن محمد بن عبد العزيز: أن الرقاشي الشاعر فني في حب البرامكة حتى خيف عليه.


اخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي عن أبي عكرمة، قال: وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن موسى، عن إسماعيل بن مجمع، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني .


أنه لما دارت الدوائر على آل برمك، وأمر بقتل جعفر بن يحيى وصلب، اجتاز به الرقاشي الشاعر وهو على الجذع، فوقف يبكي أحر بكاء، ثم أنشأ يقول:

أما والله لـولا خـوف واشٍ

 

وعين للخـلـيفة لا تـنـام

لطفنا حول جذعك واستلمنـا

 

كما للناس بالحجر استـلام

فما أبصرت قبلك يا بن يحيى

 

حساماً قده السيف الحسـام

على اللذات والدنيا جمـيعـاً

 

ودولة آل برمكٍ الـسـلام

فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد، فأحضره، فقال له: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كا إلي محسناً، فلما رأيته على الحال التي هو عليها حركني إحسانه، فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلت. قال: وكم كان يجري عليك؟ قال: ألف دينار في كل سنة. قال: فإنا قد أضعفناها لك.


أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أو دلف، قال: حدثنا الرياشي قال: كان الفضل الرقاشي يجلس إلى إخوان له يحادثهم، ويألفونه ويأنسون به، فتفرقوا في طلب المعاش، وترامت بهم الأسفار، فمر الرقاشي بنجلسهم الذي كانوا يجلسون فيه، فوقف فيه طويلاً، ثم استعبر وقال:

لولا التطير قلت غيركـم

 

ريب الزمان فخنتم عهدي

درست معالم كنت آلفهـا

 

من بعدكم وتغيرت عندي

أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدثني أبو هفان، عن يوسف بن الداية قال: كان أبو نواس والفضل الرقاشي جالسين، فجاءهما عمرو الوراق، فقال: رأيت جارية خرجت من دور آل سليمان بن علي، فما رأيت جارية أحسن منها، هيفاء نجلاء، زجاء دعجاء، كأنها خوط بان، أو جدل عنان، فخاطبتها فأجابتني بأحلى لفظ، وأحسن لسان، وأجمل خطاب. فقال الرقاشي: قد والله عشقتها، فقال أبو نواس: أو تعرفها؟ قال: لا والله، ولكن بالصفة، ثم أنشأ يقول:

صفات وظن أورثا القلب لوعةً

 

تضرم في أحشاء قلب متـيم

تمثلها نفسي لعيني فأنـثـنـي

 

إليها بطرف الناظر المتوسـم

يحملني حبي لها فوق طاقتـي

 

من الشوق دأب الحائر المتقسم

اخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني عبد الرحيم بن أحمد بن زيد الحراني قال: قيل لابن دراج الطفيلي أتتطفل على الرؤوس؟ قال: وكيف لي بها؟ قيل: إن فلاناً قد استرياها، ودخلا بستان ابن بزيع، فخرج يحضر خوفاً من فوتهما، فوجدهما قد لوحا بالعظام فوقف عليها ينظر، ثم استعبر وتمثل قول الرقاشي:

آثار ربع قـدمـا

 

أعيا جوابي صمما

وابن دراج هذا يقال له عثمان، وهو مولى لكندة، وكان في زمن المأمون، وله شعر مليح، وأدب صالح، وأخبار طيبة، يجري ذكرها ههنا.