باب العين - عطاء بن يعقوب بن ناكل

عطاء بن يعقوب بن ناكلٍ

أحد أعيان فضلاء غزنة، وهو من أولاد الثناء، وكان ابن عمه الكوثوال، وهو مستحفظ القلعة، تلقب بهذا وهو بالهندية وإليه مصادر الأمور ومواردها عند غيبة سلطان البلاد. قال صاحب سر السرور: إذا اجتمع الأفاضل في مضمار التفاضل، واتزنوا بمعيار التساجل، كان هذا الشيخ هو الأبعد إحضاراً، والأرجح مقداراً. أقر له بالتقدم رجالات الآفاق، وأذعن له بالترجيح فضلاء خراسان والعراق. حتى أشرق شمساً وهم بين كوكبٍ وشهابٍ، وأعذب بحراً وهم ما بين نهرٍ وسرابٍ، يجلو عليه الفضل نفسه في معرض الإحسان، ويناغيه أهل الفضل بلسان القصور والإذعان، وتشرئب إلى قلائده أجياد الأنام، وتتباهى برسائله مواقع الأقلام. ولم يزل منذ شب إلى أن اشتعل الشيب برأسه، ورسب قذى العمر في آخر كأسه. بين اقتباس يصطاد به وجوش الشوارد، وإقباسٍ ينثر منه لآلئ القلائد، وإبداع صنعةٍ في الشعر ما جمش الأديب بأطرف من بدائعها، واختراع نادرة ما أتحف الفضل بأطرف من روائعها، واختراع نادرة ما أتحف الفضل بأطرف روائعها، وقد سافر كلامه من غزنة إلى العراق، ومن ثم إلى سائر الآفاق. حتى إني حدثت أن ديوان شعره بمصر يشتري بمائتين من الحمر الراقصات على الظفر والمشهور أن ديوان شعره العربي والفارسي يشتري بخراسان بأوفر الأثمان. وكيف لا، ما من سمةٍ من كلماته إلا وحقها أن تملك بالأنفس وتقتنى، وتباع بالأنفس وتشترى. وهذا نموذج من نثره مردف بما وقع عليه الاختيار من شعره: صدر كتاب صدر منه إلى بعض الصدور أطال الله بقاء الشيخ في عزٍ مرفوعٍ كلسم كان وأخواتها إلى فلك الأفلاك، منصوبٍ كلسمٍ إن وذواتها إلى سمك السماك، موصوفٍ بصفة التماء، موصول بصلة البقا، مقصورٍ على قضية المراد، ممدودٍ إلى يوم التناد، معرفٍ به، مضافٍ إليه، مفعولٍ له، موقوفٍ عليه، صحيحٍ سالمٍ من حروف العلة، غير معتلٍ ولا مهموز همز الذلة، يثني ويجمع دائماً جمع السلامة والكثرة، لا جمع التكسير والقلة، ساكن لا تغيره يد الحركة مبنيٍ على اليمن والبركة، مضاعفٍ مكرر على تناوب الأحوال، زائد غير ناقص على تعاقب الأحوال، مبتدأ به خبره الزيادة، فاعلٍ مفعوله الكرامة، مستقبله خير من ماضيه حالاً، وغده أكثر من يومه وأمسه جلالاً، له الإسم المتمكن من إعراب الأماني، والفعل المضارع للسيف اليماني، لازم لربعه لا يتعدى، ولا ينصرف عنه إلى المدى، ولا يدخله الكسر والتنوين أبداً، يقرأ باب التعجب من يراه منصوباً على الحال إلى أعلى ذراه، متحركاً بالدولة، والتمكين، منصرفاً إلى ربوةٍ ذات قرارٍ ومعينٍ.

وهذا دعاء دعوت له على لسان النحو، وأنا داعٍ له بكل لسان على هذا النحو، ولولا الاحتراز العظيم من أن يمل الأستاذ الكريم لسردت أفراده سرداً، وجعلت أوراده ورداً، وجمعت أعداده عقداً، ونظمت أبداده عقداً ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. فصل من كتابٍ: منذ توردت هذه الناحية لم يرد على سحاحة أروي بها كبدي الصادية وأجلو حالي الصادية وأستظهر بها على دهرٍ يقصدني حيثما قصدت، ويضربني أينما ضربت ولم أخلص بعد من ألسنة أبنائه في ذلك الحي حتى ابتليت بأسنة بناته في هذا الفي، وطلت علينا عارضة داجية الجو باكية النوء، وأمطرتنا مطر السوء، بوفاة العينة المسكينة، فتضاعف سقم برح بي فلا يبرح، وترادف ألم ألح علي فلا لحلح وما حال أفق أقل نهاره، وروض ذبلت أهاره، وقلب زال قراره، وخلب زاد أواره، وكثير فارق عزته ثم فقد عزته، والمصيبة في الغربة أقطع، ونك القرح بالقرح أوجع، وأكثر ما جر علي هذه الفادحة تطيري بفلانٍ، فإنه بكر على يوم النوروز متأبطاً طوماراً أطول من يوم الحشر قد أربى ذراعاً على العشر، يضيق عن نطاق النشر، ملأه نظماً ونثراً في مرثية جاريةٍ له قد ماتت منذ خمسين سنةً ذكر فيه غرتها ونعرتها وطرتها ودرتها وعمرتها وخمرتها وسرتها وصرتها فتشفعت إله، وتضرعت بين يديه، وقلت له: أنشدك الله إلا طويته وأدرجته، وأدخلته من حيث أخرجته، فأبى إلا جماحاً في المسجد، وسل مقولاً كالمعول، وجعل يكيل من تلك الأهواس، إذا قرأ سطراً أعاد إلى الراس، وحكى أساطير الأولين، ورفع العويل والأنين، وأرسل المخاط والذنين، كلما قال لفظة سعل، وأخرج من قعر حلقه جعل، وأنا أنزوي كما تنزوي الجلدة في النار، وألتوي كما تلتوي الحية على الأوار، لا يمكنني أن أقرأ، ولا تركني حتى أقرأ، إلى نصف النهار، ولم ينصف بعد الطومار، وقمنا إلى المفروض. ولما انفصلت من ذلك المكان وصل كتاب التحول إلى الموتان، وحمت المسكينة في الحال، ووقعنا في الأوجال، والله نصيري على الزمان والإخوان وحسبي، وقد قل منه ومنهم حظي ونصيبي.

فصل من كتاب: الصحبة نسبة في شرع الكرم والمعرفة عند أهل النهى أوفى الذمم، والأخوة لحمة دانية، والمصافاة قرابة ثانية، ولو كان ما بين ذات البين ما بين القطبين لوجب أن يقطعا عرض السما كالمجرة مواصلةً، ويتصلا اتصال الكواكب مراسلةً، ولكن الأقوام في العقوق سواسية، والقلوب في رعاية الحقوق قاسية، ومن شعره:

أأحلب من دناي جداء ما بـهـا

 

على كثرة الإبساس در ولا جدى

وأسبح في بحر السراب ضـلالةً

 

وأترك صداء وبي حرق الصدى

وله:

قريض تجلى مثل ما ابتسمت أروى

 

ترشفت من فيه الرضاب فما أروى

تجلى كأروى في حجال سـطـوره

 

وأنزل من شم الجبال لـنـا أروى

كغصن الشباب الغض غاض بهاؤه

 

وعهد اللوى ألوى به زمـن ألـوى

إذ الدهر غض ناضر العود ناظـر

 

إلينا بما يهوى ولم يلق في المهوى

قريض به زادت لقـلـبـي غـلة

 

وغيري به يروي الغلـيل إذا يروى

وله:

يا ظبيةً سلت ظبىً من جفنهـا

 

تفرى بها أعناق آساد الـورى

ما كنت أدري قبل جفنك أن أج

 

فان الظباء تكون أجفان الظبى

وله:

إذا ما نبا حد الأسنة والظـبـي

 

فما نابه في الحادثات بـنـاب

قصف رمح الخط وسط كتائبٍ

 

إذا هز رمح الخط وسط كتاب

وله:

وكم حل عقداً للحوادث عـقـده

 

وكم فل ناباً للـنـوائب نـابـه

كمخلب ليث الغاب حداً وحـدةً

 

ومخلب ليث الفضل والعلم غابه

إذا صاد ليث العنكبـوت ذبـابةً

 

فهذا حسام صاد ليثـاً ذبـابـه

وله أيضاً مما أورده ابن عبد الرحيم عن العميد أبي سعدٍ عبد الغفار بن فاخرٍ البستي:

أيامن إن رآه الـبـد

 

ر ظل لوجهه يسجد

ويا من غـيم نـائلـه

 

يجود لنا ولا يرعـد

ويا من فضلـه يدنـو

 

ولكن وصفه يبـعـد

أتذكرني إذا أخـلـو

 

ومالي لا أرى الهدهد

وله:

الله حار عـصـابةٍ ودعـتـهـم

والدمع يهمى والـفـؤاد يهـيم

قد كان دهري جنةً في ظلـهـم

ساروا فأضحى الدهر وهو جحيم

كانوا غيوث سمـاحةٍ وتـكـرمٍ

فاليوم بعدهم الجـفـون غـيوم

رحلوا على رغمي ولكن حبهـم

بين الفؤاد المستـهـام مـقـيم

قد خـانـهـم صـرف الـزمـان لأنــهـــم

كانـوا كـرامـــاً والـــزمـان لـــئيم

طلـقـت لـذاتـي ثـلاثـاً بــعـــدهـــم

حتـى يعـود الـعـقـد وهــو نــظــيم

الله حيث تحملوا جار لهموالأمن دار والسرور نديم

 

والعيش غض والمناهل عذبة

والـجـو طـلــق والـرياح نــســـيم