باب العين - علي بن محمد بن نصر بن بسام

علي بن محمد بن نصر بن بسامٍ

أبو الحسن العبرتائي الكاتب. وأمه أخت أحمد بن حمدون بن إسماعيل النديم لأبيه وأمه. وقال المزرباني: أمه بنت النديم، وله مع خاله أبي عبد الله حمدون أخبار. وكان حسن البديهة شاعراً ماضياً أديباً لا يسلم من لسانه أحد، وهو معدود في العققة وكان يصنع الشعر في الرؤساء وينحله ابن الرومي وغيره. مات فيما ذكره ابن المزرباني بعد سنة ثلاثمائةٍ بسنتين.

وقال ثابت بن سنانٍ: مات على بن محمد بن بسامٍ في صفر سنة اثنتين وثلاثمائةٍ عن نيفٍ وسبعين سنةً، واستفرغ شعره في هجاء والده محمد بن بسامٍ والخلفاء والوزراء، وكان مع فصاحته وبيانه لاحظ له في التطويل، إنما تحسن مقطعاته وتندر أبياته، وهو من أهل بيت الكتابة، وكان جده نصر بن منصورٍ يتولى ديوان الخاتم والنفقات والأزمة في أيام المعتصم، وكان هو السبب في نكبة الفضل بن مروان، وكان قد هجا الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح لما نفى إلى مكة، فلما ردت الوزارة جلس يوماً للمظالم فمرت في جملة القصص رقعة فيها مكتوب:

وافى ابن عيسى وكنت أضغنه

 

أشد شيءٍ عـلـى أهـونـه

ما قدر اللـه لـيس يدفـعـه

 

وماسواه فلـيس يمـكـنـه

فقال علي بن عيسى: صدق هذا ابن بسامٍ، والله لا ناله مني مكروه أبداً، وكان الغالب على ابن بسامٍ الشعر، ومن حقه أن يذكر مع الشعراء، وإنما حملنا على ذكره هاهنا رسائله وماله من التصانيف وهي: كتاب أخبار عمر بن أبي ربيعة تصنيف جيد بالغ في معناه، وجدت أخبار عمر بن أبي ربيعة تصنيف علي بن محمد أبن نصر بن منصور بن بسامٍ وقد روى فيه عن الزبير ابن بكارٍ، وعمر بن شبة، وحماد بن اسحاق، ويعقوب بن أبي شيبة، وأحمد بن الحارث الخزاز، ومحمد بن حبيبٍ وسليمان بن أبي شيخٍ وخاله أحمد بن حمدون، كتاب المعاقرين كتاب ديوان رسائله. كتاب مناقضاتٍ الشعراء، كتاب أخبار الأحوص. ومن شعره الذي قاله ونحله ابن الرومي قوله يخاطب عبيد الله بن سليمان الوزير وقد مات ابنه أبو محمد في سنة أربعٍ وثمانين:

قل لأبي القاسم المرجـى

 

قابلك الدهر بالعـجـائب

مات لك ابن وكـان زينـاً

 

وعاش ذو الشين والمعايب

حياة هذا كـفـقـد هـذا

 

فلست تخلو من المصائب

فبلغت الأبيات عبيد الله فساءته، فدعا البسامي وقال: يا علي، كيف قلت؟ فعلم البسامي أنه مغضب فقال: قلت أيها الوزير:

قل لأبي القاسم المرجـى

 

لن يدفع الموت كف غالب

لئن تولى بـمـن تـولـى

 

وفقده أعظم المـصـائب

لقد تخطت لك الـمـنـايا

 

عن حاملٍ عنك للنـوائب

يعني ابنه ابا الحسين، فسكت عبيد الله ولها عنه. وذكر الصولي في كتاب الوزراء قال: قال أبو الحارث النوفلي الشاعر: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لكفره، ولمكروهٍ نالني منه، فلما قرأت شعر ابن المعتز، وهو شعر - رثى به الحسين أبا محمدٍ - مذكور في أخباره، وشعر ابن بسامٍ، وكان ابن بسامٍ قد قال:

معاذ الله من كذبٍ ومـين

 

لقد أبكت وفاتك كل عين

ولكن قد تنسينـا الـرزايا

 

ويعضدنا بقاء أبي الحسين

قلت على لسان ابن بسامٍ وأشعتها عليه وأنفذتها إليه: قل لأبي القاسم المرجى الأبيات.

وحدث السلامي عن أبي القاسم المجمع بن محمد بن المجمع قال: حدثني ابن حمدون النديم قال: كان المعتضد أمر بعمارة البحيرة واتخاذ رياضٍ حواليها، وإنفق على الأبنية بها ستين ألف دينارٍ، وكان يخلو فيها مع جواريه، وفيهن جارية يقال لها دريرة، فقال البسامي:

ترك الناس بـحـيرة

 

وتخلى في البحـيرة

قاعداً يضرب بالـز

 

رب على حر دريره

وبلغت الأبيات المعتضد، فلم يظهر لأحدٍ أنه سمعها، وأمر بتخريب ما استعمره من تلك العمارات والأبنية. قال أحمد بن حمدون: فكنت ألاعب المعتضد بالشطرنج ذات يومٍ إذ دخل عليه القاسم بن عييد الله وهو وزيره، فاستأمره في شيء وانصرف، فلما ولى أنشد المعتضد قول البسامي في القاسم:

حياة هذا كـمـوت هـذا

 

فلست تخلو من المصائب

وجعل يكرر هذا البيت، وعاد القاسم إليه في شغل والمعتضد مشغول باللعب، ولم يعلم بحضوره وهو يردد البيت، فاحتلت حتى أعلمته حضوره، فرفع رأسه إليه واستحيا منه حتى تبين ذلك في وجهه ثم قال: يا أبا الحسين: - وهو أول ما كناه للخجل الذي تداخله - لم لا تقطع لسان هذا الماجن وتدفع شره عنك؟ فانصرف القاسم مبادراً إلى مجلسه ومنتهزاً للفرصة في ابن بسامٍ وأمر بطلبه.

قال ابن حمدون: فدهشت وارتعشت يدي في اللعب خوفاً مما يلحق ابن بسامٍ للقرابة التي بيني وبينه: فقال المعتضد: ما لك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، القاسم بن عبيد الله لا يصطلى بناره، وكأني به وقد قطع لسان البسامي حنقاً عليه، وهو أحد النبلاء الشعراء فيكون ذلك سبةً على أمير المؤمنين، فأمر بإحضار القاسم وسأله عما فعله في أمر ابن بسامٍ فقال: قد تقدمت إلى مؤنسٍ باحضاره لأقطع لسانه، فقال: يا أبا الحسين، إننا أمرناك أن تقطع لسانه بالبر والصلة والتكرمة ليعدل عن هجائك إلى مدحك. فقال يا أمير المؤمنين: لو عرفته حق المعرفة وعلمت ما قاله لاستجزت قطع رأسه، عرض بما قاله في المعتضد ودريرة، فتبسم المعتضد وقال: يا أبا الحسين، إنما أمرنا بتخريب البحيرة لذلك، فتقدم أنت بإحضاره وأخرج ثلاثمائة دينارٍ فإن ذلك أولى وأحسن من غيره. قال: فأحضره القاسم بعد ثالثةٍ وخلع عليه وولاه بريد الصيمرة وما والاها، فبقي في عمله إلى آخر أيام المعتضد، ثم جمح به طبعه إلى إعادة الإساءة فقال:

أبلغ وزير الإمامـعـنـي

 

وناد يا ذا المصـيبـتـين

يموت حلف الندى ويبقـى

 

حلف المخازي أبو الحسين

فأنت من ذاعمـيد قـلـبٍ

 

وأنت من ذا سخين عـين

حياة هذا كـمـوت هـذا

 

فالطم على الرأس باليدين

قال جحظة: كان ابن بسامٍ يفخر بقوله في:

يا من هجوناه فغنانـا

 

أنت وحق الله أهجانا

فقلت: هذا معنى لم يسبق إليه خاطر ابن بسامٍ وإن كان قد أتى به مطبوعاً، وإنما أخذه من قول الرومي في هجائه شنطف:

وفي قبحها كافٍ لنا من كيادها

 

ولكنها في فعلها لـم تـردد

ولو علمت ما كايدتنا لقبحهـا

 

بأنفاسها والوجه والطبل واليد

وقال ابن بسام في الوزير الخاقاني:

وزير ما يفيق مـن الـرقـاعة

 

يولى ثم يعـزل بـعـد سـاعة

إذا أهل الـرشـا صـاروا إلـيه

 

فأحظى القوم أوفرهم بضاعـه

فلا رحماً تقرب منـه خـلـقـاً

 

سوى الورق الصحاح ولا شفاعة

وليس بمنكرٍ ذا الفـعـل مـنـه

 

لأن الشيخ أفلت من مـجـاعـه

حدث أبو نصرٍ أحمد بن العلاء الشيرازي الكاتب قال: لما تقلد أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات الوزارة كنت أجالسه وأؤانسه، فحدثني يوماً أن أباه حدثه قال: تقلدت مصر وكان بيني وبين أبي الحسين بن بسام مودة ورضاع، ونحن مختلطون وأنا بمصر يوماً فما شعرت إلا بابن بسامٍ قد دخل إلي متقلداً للبريد، فأفهمته أحوالي، وقاسمته أكثر مروءتي وأموالي، وتطلبت الخلاص من لسانه بكل شيءٍ يمكن، وأوصيت حاجبي ألا يحجبه عني ولو كنت مع زوجتي، فجاء يوماً وأنا نائم فقال له الحاجب: ادخل، فدخل فوجدني نائماً فاستدعى دواةً وكتب شيئاً وتركه وانصرف. فلما انتبهت عرفني حاجبي ذلك، فأخذت الرقعة فإذا فيها:

محتجب دون من يلم به

 

وليس للخارجات حجاب

لأن للخارجات منفـعةً

 

تأتيه والداخلون طلاب

قال: فبعثت أعرف خبرة لأعاتبه فإذا هو تحمل وسار عن البلد، فكتبت إليه أدرايه وألاطفه ليرجع فلم يجب.

قال التنوخي: حدثني ابن ابي قيراطٍ علي بن هشامٍ، حدثني أبو علي مقلة قال: كنت أحقد ابن بسامٍ لهجائه إياي، فخوطب ابن الفرات في وزارته الأولى في تصريفه، فاعترضت وقلت: إذا صرف فلا يحتبس الناس على مجالسنا وقد افترقت، فإذا لم يضره الوزير فلا أقل من ألا ينفعه، فامتنع من تصريفه قضاء لحقي، فبلغ ذلك ابن بسامٍ فجاءني وخضع لي ثم لازمني نحو سنةٍ حتى صار يختص بي ويعاشرني على البريد، ومدحني فقال:

يا زينة الدين والدنيا وما جـمـعـا

 

والأمر والنهي والقرطاس والقلـم

إن ينسئ الله في عمري فسوف ترى

 

من خدمتي لك ما يغني عن الخـدم

أبا عليٍ لقد طوقـتـنـي مـنـنـاً

 

طوق الحمامة لا تبلى على القـدم

فاسلم فليس يزيل اللـه نـعـمـتـه

 

عمن يبث الأيادي في ذوي النـعـم

وحدث محمد بن يحيى الصولي أنه سمع علي بن محمد ابن بسامٍ يقول: كنت أتعشق خادماً لخالي أحمد بن حمدون فقمت ليلة لأدب إليه، فلما قربت منه لسعتني عقرب فصرخت فقال خالي: ما تصنع هاهنا؟ فقلت: جئت لأبول. فقال: صدقت ولكن في است غلامي، فقلت لوقتي:

ولقد سريت مع الظلام لموعدٍ

 

حصلته من غـادر كـذاب

فإذا على ظهر الطريق مغذة

 

سوداء قد عرفت أوان ذهابي

لا بارك الرحمان فيها عقرباً

 

دبـابة دبـت إلـى دبـاب

فقال خالي: قبحك الله، لو تركت المجون يوما لتركته في هذه الحال. ولابن بسامٍ في علي بن عيسى الوزير:

رجوت لك الوزارة طول عمري

 

فلما كان منهـا مـا رجـوت

تقدمنـي أنـاس لـم يكـونـوا

 

يرومون الـكـلام إذا دنـوت

فأحببت الممـات وكـل عـيش

 

يحب الموت فيه فهـو مـوت

ومن شعر ابن بسامٍ من خط السمعاني:

أقصرت عن طلب البطالة والصبا

 

لما علاني للـمـشـيب قـنـاع

للـه أيام الـشـبـاب ولـهــوه

 

لو أن أيام الـشـبـاب تـبــاع

فدع الصبا يا قلب واسل عن الهوى

 

مافيك بعد مشيبك اسـتـمـتـاع

وانظر إلى الدنيا بـعـين مـودعٍ

 

فلقد دنـا سـفـر وحـان وداع

فالحادثات موكلات بـالـفـتـى

 

والناس بعد الحادثـات سـمـاع

ولما ولى حامد بن العباس وزارة المقتدر ورتب معه علي بن عيسى يدير الأمور بين يديه، قال ابن بسامٍ:

يا بن الفرات تعزه

 

قد صار أمرك آية

لما عزلت حصلنـا

 

على وزيرٍ بـداية

وعلى بن بسامٍ القائل يمدح النحو:

رأيت لسان المرء وافد عـقـلـه

 

وعنوانه فانظر بماذا تـعـنـون؟

فلا تعد اصلاح اللـسـان فـإنـه

 

يخـبـرعـمـا عـنـده ويبـين

ويعجبني زي الفتـى وجـمـالـه

 

فيسقط من عيني سـاعة يلـحـن

على أن للأعراب حـداً وربـمـا

 

سمعت من الإعراب ما ليس بحسن

ولا خير في اللفظ الكريه استماعه

 

ولافي قبيح اللحن والقصـد أزين

ومن قصيدةٍ له يهجو فيها الكتاب:

وعبدون يحكم في المسلمين

 

ومن مثله تؤخذ الجالـيه

ودهقان طيٍ تولى العراق

 

وسقى الفرات وزر فانيه

وحامد يا قوم لـو أمـره

 

إلى لألزمتـه الـزاوية

نعم ولأرجعته صـاغـراً

 

إلى بيع رمان خسراوية

أيارب قد ركب الأرذلون

 

ورجلي من بينهم ماشية

فإذا كنت حاملها مثلـهـم

 

وإلا فأرجل بني الزانـية

قال أبو الحسين علي بن هشام بن أبي قيراطٍ: سمعت ابن بسامٍ ينشد في وزارة ابن الفرات:

إذا حكم النصارى في الفـروج

 

وباهوا بالبغال وبـالـسـروج

فقل للأعـور الـدجـال هـذا

 

أوانك إن عزمت على الخروج

قال أبو الحسين بن هشامٍ: حدثني زنجي الكاتب، حدثني ابن بسامٍ قال: كنت أتقلد البريد بقلمٍ في أيام عبيد الله بن سليمان والعامل بها أبو عيسى أحمد بن محمد ابن خالدٍ المعروف بأخي أبي صخرةٍ، فأهدى الي في ليلة عيد الأضحى بقرةً للأضحية، فاستقللتها ورددتها وكتبت إليه:

كم من يدٍ لي إليك سالـفةٍ

 

وأنت بالحق غير معترف

نفسك أهديتها لأذبحـهـا

 

فصنتها عن مواقع التلف